البحث في نفحات7

 نفحات7 - الصفحة ا لرّئيسية
عدد الزوّار
198876



يخطئ من يظنّ أن عواقب ما يحدث في منطقتنا العربية الإسلامية من فتنٍ تبقى محصورة في بلداننا وبين شعوبنا لأنّها نتيجة منطقية لأسباب متتالية صُنِعتْ في ديارنا. فليس كلّ ما يحصل في مكان هو من صنع أهله. وليست كل ضحيةٍ لعبث الأيادي الدخيلة بريئة براءة مطلقة من بعض أصناف الوزر الخفي الذي لا يختلف في شيء عن أوزار المعتدين الظاهرة. ولذلك فالقضية ليست صورة لغالب ومغلوب، وإنّما هو تجمّع من صور الفشل العام يعكس العجز عن تحمّل ما لم يعد قابلا للحمل فضلا عن انتظار الخير منه.
لكن، لماذا أُهمِلت الأمور لدرجة تجاوزها نقطة اللارجوع؟
لِمَ الفشل؟
لو سألت كل الأطراف عن ذلك ما اعترف لك أحد بمسؤوليته ولا بنواياه عن وقوع ذلك. بل لن تجد إلا من يزعم لك بأن ما سعى، ويسعى، إليه هو تحقيق هدف نبيل لا يتعارض مع مبادئه ولا مع مصالح الغير. يقتل، وينهب، ويعذّب، ويشرّد، وينافق، ويكذب، ويكيد، ثمّ بين ابتسامة وأخرى يخفي كلّ بصماته على جرائمه، وينطلق بعيدا لخوض غمار طامّة جديدة. يفعلها القوي عدوانا وظلما فيتحوّل إلى مغلوب، ويفعلها الضعيف المغلوب فيتحوّل إلى ظالم. والفرق بين ظالم وآخر هو في مادة ظلمه.
منذ تلك اللحظة، يعلن خريف العصور عن قدومه، وتستعدّ الدنيا وأهلها لاصفرار وتهافت ما صنعوا، وتلك إرهاصاتٌ لا تتخلّف أبدا لضرورة قلب الأرض بما فيها وبكثير ممّن فيها، تهيئةً لها لتلقّي بذور جديدة تحمل ما هو أصلح.
إنّه التمادي في الطريق الخطإ لأنّه المؤدّي الوحيد للمصلحة التي ترضي النفس، ولسان حال كل سالك فيه يردد: " إنّها الضرورة ". وغالبا ما يكون إرضاء النفس حجابا أمام خطر التمادي حتى يتلاشى معنى وقيمة " الضرورة " التي يتستّر وراءها صاحبها، لكن حينها يكون الأوان قد فات لتدارك أيّ شيء ولو أمطرت سماء الدنيا إدراكا ويقينا بحقيقة الواقع.
إنّ ما يحدث منذ سنوات في منطقتنا يسمّيه كلّ بإسمٍ ويصفه كما تصوّره له طريقة فهمه، لكن عوض أن تتضافر الجهود لنزع فتيل صاعقه بغية إبطال انفجاره الذي لا علم لأحد بمدى تدميره وقوّة إفنائه وإهلاكه للحرث والنسل، فإنّ العقول والأيادي تمتدّ لإذكاء نيرانه بطريقة توحي بامتلاك أصحابها لضمانات عدم التعرّض لأذاها. وهذا النموذج الصادق لأهل الغرور، وعلامته التأكد من النجاة من شرّ نبش الشرور بحجة الإحتياط الكافي، والإحاطة بأسوإ الأحوال ووضع حلول لها، بما في ذلك أخطاء من سبقهم.
ما أراه، هو أن الدنيا في نهاية دورة من دورات الحضارة فيها، وأنّ الإنسان، الذي شيّدتْ يدُه تلك الحضارة، لم يكن في مستوى المسؤولية التي به أنيطتْ، وهو الآن في قلب الدوامة التي صنعها بتناقضاته الأخلاقية فكرا وسلوكا، لكنّه يدّعي أن الخطر يحدق بغيره وأنّه سيكون في الحدود الآمنة حين تبتلع العاصفة الآخرين.
وهيهات !!!