البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ لشبابنا - رأس على عقب
الـرّئيسيـة > لشبـابنـا > رأس على عقب


بقلم : محمود سلطاني 03/02/2013


عالم يصيبك بالدوار .. والله العظيم
هل تصوّر أحدكم يوما أنّ الصفر le zéro يمكن أن يكون مكسبا ؟
قد يردّ عليّ بعض " الأشقياء " بالقول : نعم ، ممكن . إذا كان على يمين أيّ رقم غيره وبالعملة الصعبة .
لكني ، هنا ن أقصد الصفر لذاته .
ما رأيكم في من يحتلّ موضعا تمّ يتقهقر عنه بإرادته ، وبعد حين يقلب الدنيا من أجل استعادته ، وقد كان في مقدوره ليس فحسب الحفاظ عليه ولكن التقدّم منه إلى الأمام ؟
هذا الصنف من البشر يملأ الدنيا اليوم على شكل شعوب كاملة بأعدادها وأفكارها وقناعاتها . أوطان بأكملها تبكي وتولول وتلطم على الصفر المفقود .
حين كفرت المجتمعات الغربية بالدين وبالقيم الأخلاقية فعلتْ ذلك لتوسِّع من رقعة حريّاتها ، وداست على العبادة والعفّة والعلاقات الإنسانية ، وأصمّت آذانها عن أصوات عَلتْ محذّرة من هذا الإندفاع المفرط ، بل واجهوا أصحابها بالسخرية والمبرّرات المغلّفة بسكّر الجمال الزائف والإحصاءات المغشوشة المقلّلة من أخطارها أو التي تحصرها في أرقام عادية لا تثير خوفا ولا ذعرا .
وإذا كانت نتائج تغييب المبادئ لا تظهر فجأة كما هو الشأن مع طبق اللحم المحترق في الفرن ، وتستمرّ الأوضاع على ما كانت عليه ردحا من الزمن ، إلاّ أنّ ذلك الزحف البطيء لا يقلّل من خطرها . بل هو أخطر بكثير ممّا لو تجلّتْ نتائجها بعد فترة وجيزة من حدوثها ، لأنّ بطأها يغدر بضحاياها ولا يرسل لهم النذر المعتادة الصادرة عن الظواهر ، أو قل يرسلها لهم لكنهم لا يتبيّنونها لشدّة لطفها من جهة ولشدّة غفلتهم من جهة أخرى . ثمّ تظهر الأخطار بعد أن تصِلَ نسبُ الخراب إلى مستويات مرتفعة لا يخطئها أحد ، لكن لن يكون حينها بيد أحد حيلة لتفادي الكارثة .
تلك لحظة العجز الشبه المطلق والتي حينها يشتاق العجز إلى العودة إلى وضعه الذي بدأ منه الإنحدار ، أو قُلْ : وضعية الصفر .

جرائم اغتصاب الأطفال والقصّر

من يسمع الغربيين وَهُمْ يعلنون استنكارهم لاغتصاب الأطفال والقُصّر ، ومن يراهم ذائبين أسفا واستياء من فداحة جرم الإعتداء على البراءة ، يظنّ نفسه أنّه في المدينة الفاضلة حيث كمال العيّنة من البشر الذين استوفوا جميع شروط مكارم الأخلاق .
أمّا المدينة فموجودة فعلا ..
وأمّا صفتها فهي النفاق والكذب والغش والإنحلال والخديعة في القول فضلا عن العمل .
والبديهي الذي لا تكلّف في قوله هو : إنّ الغريب حقّا ، في مجتمعات كالتي ذكرناها ، لو لم يكن هذا الصنف من الإعتداء موجودا !!!
لقد تفجّرتْ في العالم الغربي ، وبالتوازي مع الإنفجار العلمي المادي ، براكين الجنس . بدأت بطيئة متسلّلة بتردّدٍ بين مواقف المعارضين المحافظين ، وشيئا فشيئا ازداد زخمها وكمّها ، وتعدّدت روافد زحفها وتغلغلها بكلّ الوسائل حتى وصلت ، بعد أجيال عدّة ، إلى مستوى من التجذّر تخلّصتْ عنده نهائيّا من التدرّج وانفجرتْ سيولا من كلّ جهة بشكل لا يمكن وصفه .
الجنس في الغرب ليس مثل الأكل والشرب والهواء . إنّه كلّ هذه الأشياء مجتمعة .
الجنس في الغرب هو الحياة بمعنى الكلمة . إنّه حاضر في كلّ طرفة عين في حياة الفرد والمجتمع . حاضر في النفس وفي البيت وفي الشارع وفي المدارس وفي المؤسّسات وفي الأماكن العامّة وفي وسائل النقل .
حاضر في الثقافة والفنّ والفلسفة والسياحة .
وتقوم اقتصاديات بلدان غربية كثيرة ، في قسط كبير منها ، على الدعارة والجنس ، ما يدفعها لحمايته ورعايته حفاظا على استقرار الميزانيات .
أمّا مظاهره فلا حدود لها . فهو في كلّ مكان . في الإشهار ، ووسائل الترفيه ، ووسائط الإعلام بأنواعها ، وفي الملاهي ، والمراقص ، والشواطئ ، وفي آلاف المتاجر .
ووصل به الأمر إلى ما لا بدّ أن يوصله : الخيانة الزوجية المطلقة السافرة أو الملفوفة بستار رقيق ، وزوال الحرج المترتب عليها ، أو مناقشتها مناقشة كلّ أمر قابل للمساومة والتفسير وتزويده بالأعذار ، حتى تأسّستْ حول نواتها ثقافة بأكملها .
ثم حدثت نقلة " نوعية " ، فثار القوم على مفهوم العلاقة الأسرية الفطرية ونفوْا طُهرها ، وقالوا بإمكان تعدّد أوجهها ، وطالبوا بزيجاتٍ مثليةٍ ، ودافعوا عنها باستماتة ، وتحوّلت إلى أرق عظيم عند المترشّحين للمناصب السياسية ، وأدرجوها ضمن برامجهم ووعدوا بتنفيذها إنْ هُم وصلوا إلى سدّة الحكم . وكان لهؤلاء وأولئك ما شاؤوا ، حتى أصبح من يتجرّأ على المبادرة بالمجاهرة بها أوّل مرّة بطلا صادقا لا يخشى أحدا في أحاسيسه وقناعاته الخاصّة . ثمّ لا يلبث أن تتبعه أرتال من شاكلته إلى " أعشاش الزوجية " الذي لا أدري كيف أصفه .
والآن أصبح من الممكن أن تُحاكَم وتُسجَن إن ثبتت عليك تهمة الإستنقاص من هذه الفئات المنتشرة انتشارا خطيرا ، لأنّه طبقا للقوانين الرسمية يُعدّ تفرقة عنصرية .
هذا هو وجه العالم الغربي اليوم وحقيقة روحه الإجتماعية بالجملة وبالتفصيل . فما الذي ينتظرونه بعد رسوخ هذه العقيدة وانتشارها وتلوّن حياتهم كلّها بلونها ؟ هل يصدّق أحدٌ أنّه بعد هذا الحدّ من العهر والخيانة والنجاسة والإنحلال والكفر بالطهر وإنكار العفّة وبيع الأعراض واضمحلال الغيرة ، هل يصدّق إمكان انفلات براءة القصّر والأطفال من لهب هذا الأتون ؟ أو يسلّم بصدق دموعهم وتباكيهم على المساكين المُعتَدَى عليهم ؟
التصديق بذلك يساوي تصديق قول قائل أنّه عصر الحنظل فحصل على الشهد .
إنّهم حنظل .. وما عصارتهم إلا مرارة .