البحث في نفحات7

 نفحات7 - هذه الأمة - اللغة العربية والمسؤول الجزائري
الرّئيسيـة > هـذه الأمّـة > اللغة العربية والمسؤول الجزائري

بقلم : محمود سلطاني    07/05/2018


البون بين مَن هُم في أعلى هرم السلطة والذين هُم في القاعدة شاسع لدرجة إمكان اعتبار الفئتيْن وكأنّهما تعيشان في عالمين مختلفيْن. وذلك منطقيّ، لأنّه فرْقٌ بين رؤية مَن يجلس على القمّة ومن يجلس في السفح. ولهذا، فلا صواب لمن يتطلّع إلى نفس صلاحيات القادة وهو يسعى بين المواطنين البسطاء، لأنّ للدول أسرارا وخصوصياتٍ مفاتيحها بحوزة قِلّةٍ ممّن بأيديهم الحل والربط. فمن الطبيعي، إذن، أن تنشأ بين الحاكم والمحكوم عُرى ثقة يلتمس بمقتضاها أفراد الشعب المعاذير في الأمور التي لا يتيسّر لهم فهمها، إذْ قد تكون ممّا يمسّ المصالح الحيوية للدولة ولا يباح بها للجميع. لكن شؤون الدول ليست كلّها أسرار وطلاسم ممنوعة على العوام.
شؤون الدول أيضا شفافية بين مؤسّساتها المديرة لها والشعب، وحركة باتّجاهيْن تمليها المصالح العامّة للجميع، وتحوّلها إلى واجب وطني يتجلّى في دساتير ومواثيق وقوانين ووعود ومخطّطات دقيقة.
ومن مقاييس تقدّم الدول وصدقية النظم فيها مدى احترامها لتلك الآليات الموضوعة باتّفاق لإقامة الخطوط السياسية لتسيير الدولة لفترة محدّدة. هذه الصفات ملموسة، قابلة للقياس من الأغلبية، خاصة من الفئات المتعلّمة والمثقفة التي تجد كلّ ما تحتاجه من إمدادات لصنع رأيها ووجهة نظرها من كلّ أصناف وسائل الإعلام والمعارف والتنوير والتوعية.
في مثل هذه الحالات، لا مبرّر لالْتماس الأعذار لأنّ كلّ شيء سافر وواضح ويخضع لمؤسّسات معلومة بالنص والانتخاب. وفي المقابل، فإنّ كلّ إخلال في علاقة الحاكم أو المحكوم بتلك المؤسّسات يعدّ مساسا غير بريء، بل قد يكون خطيرا، بالتعهّد العام الجمعي المتوجّب على كلّ فرد الانضباط حياله حين اتّخاذه مرجعا.
وبصفتي جزائري، فإنّه يمكنني القول أنّنا بعيدون عن التماهي مع خط المقاييس المذكورة على أكثر من صعيد برغم وضوح النصوص. وإنّي أعلم تمام العلم أنّ التقيّد التطبيقي بما يُنَظَّر لَمِنْ أصعب الأمور بالقياس لدولة فتيّة كالجزائر خاصة في الظروف الدولية المعاصرة لفترة آخِرِ عشريةٍ من القرن الماضي وما يقارب العشريتيْن من هذا القرن. ولذلك فإنّ موضوعي أبعد ما يكون عن نقد أو انتقاد نهج بلدي بشأن يتعلّق بمسار سياستها الدولية المعقّدة لأنّي أعتبر – صادقا – أنّ ذلك من صنف ما يتطلّب الكتم والصمت.
موضوعي يتعلّق بظاهرة، من بين أخرى، لا أرى لها مكانا بين أسرار الدولة، ولا عذر يُرجى لها ولمن يصنعها، بالرغم من أنّها من أقدس الشؤون وأشدّها لصوقا بروح السيادة الوطنية والكرامة الشعبية الثابتة في دستور البلاد بلا إبهام.
إنّها اللغة العربية وما تتلقّاه من إهانة.
اللغة العربية هي لغة البلاد الرسمية. هذا يعني أن كلّ عضو في صنع السياسة الجزائرية، الداخلية منها والخارجية، ملزم باستعمال اللغة العربية للتعبير عن تلك السياسة.
لكنّي حين أستمع إلى رئيس الحكومة أو إلى أيّ وزير من الوزراء، خاصّة وزير الخارجية، يخاطب الناس باللغة الفرنسية، فإنّه لا يسعني إلاّ الشك في أهلية ذلك المسؤول المتحدّث للقيام بعبء مسؤوليته كاملا.
مخطئ من يعتقد أن مجرّد إخلاص النوايا كافٍ لاكتساب الكفاءة، إذْ قد يتزامن حضور النية السليمة مع عيوب نفسية أخرى كي تنشأ عنها روحٌ رخوة ليست في مستوى ما يرتجى منها.
والسؤال البديهي هو: لِمَ لا يحترم المسؤول الجزائري الدستور؟ فإن كان يعلم في نفسه أنّه غير قادر على احترامه فلماذا يسعى إلى المناصب التي تستدعي ذلك أو يقبل بها؟ وانطلاقا من أحسن الأحوال، واعتباره مخلصا لا يزايد أحد على إخلاصه للوطن، فبِم نفسّر رضاه بوجوده بين متناقضيْن اثنيْن؟
هُما تفسيران لا ثالث لهما: فإمّا أنّ ذلك المسؤول لا يعي ما يفعل ولا يدرك خطورة مفعول ذلك على الثوابت والعهود، وبسببه مفعوله السلبي على مفهوم الدولة والمواطَنة والحقوق المترتّبة عليها. وإمّا أنّه يعلم بوجوده في قلب تصادم المتناقضات، ويتمادى دون تردّد في تقلّد المنصب، واتّخاذه سلّما إلى ما هو أعلى منه.
وكلا المثاليْن لا مكان لهما في التسيير الصحيح لأيّ أمر.
ولا يجب النظر إلى التشدّد في هذه المسألة من باب المبالغة في التدقيق وتتبّع أدنى التفاصيل المرهقة، بل يجب النظر إليه من زاوية ملازمة الحق، واليقين بأن الأدنى، مهمل القيمة في وقتٍ مّا، قد يعظم ويتحوّل إلى مألوف يفضي إلى نقيض الأهداف، أو إلى نوع من طغيان المزعج بالقدر الذي يحول دون إزالته أو يصعّبها في أحسن الأحوال.
المسألة مسألة مبدإ اتُّخِذ باتّفاقٍ، ولا أدري لماذا يكون كذلك في المبتدإ ثمّ يكتنفه الاهمال الشبيه بالتنصّل بعد فترة. إنّها مواجهةٌ، أهمّ متطلّب فيها هو النفَفَس الطويل كي تجري كلّها على نفس النسق من أوّلها إلى آخرها.
فهل يعني هذا أنّ الذين تقدّموا للمواجهة يفتقرون لمثل هذه الخاصيّة؟
الحقائق تثبت ذلك، ولا أحد في حاجة للإدلاء برأي شخصي.
فهل من عذر لرجالات دولتنا حين يُلقون باللغة الرسمية للبلاد وراء ظهورهم؟
الجواب: لا.
وحتى لا تكون أقوالنا دعاوى فارغة صادرة عن هوى لا رقيب عليه، سوف نتتبّع جميع الذرائع المحتملة التي ينتصر بها من نشير إليهم بأصابع اللوم. من يدفع المسؤول الجزائري السامي إلى مخاطبة الناس باللغة الفرنسية؟
قوى خارجية؟ فرنسا مثلا؟
لا شك أنّ لفرنسا يدٌ فاعلة في إطالة مُكثِ لغتها في الجزائر على مستوى الألسن والثقافة والتربية. لكنّي لا أعتقد أنّها تُقيم وزنا لما عدا ذلك لدرجة أن تساوم به بلدنا وتشترط على مسؤوليه استعمال لغتها أثناء تصريحات ومقابلات مقتضبة أو طويلة هنا أو هناك. ففرنسا ليست بالغباء الذي يدفعها إلى تضييع وقتها في جزئيات لا طائل منها حين تضمن لبّ القنوات والشرايين الحيوية الموصلة لمقاتل الأمّة. وفي أسوإ الأحوال، والتسليم بأن هناك مساومة، فما الذي سيحصل للجزائر إنْ ضربت بتهديدات فرنسا عرض الحائط وامتثلت لمقوّمات أصالتها وسيادتها بنفس قوّة ما تلتزم به كلّ دولة في العالم؟ هي شؤون دولية مشتركة في قيمتها الانسانية وفي المنوال البروتكولي المعتمد لدى جميع الأمم، ومن لا يحترمها فإنّه يسيء لبلده وشعبه وتاريخه قبل الإساءة إلى غيره، ويُدين نفسه بنفسه أمام كل شعوب العالم التي لن تتفّق معه في مثل هذا التصرّف مهما كانت درجة التوافق معه في أمور أخرى. ولذلك فإنْ كان هناك من تعَدٍّ أو مساس بسيادة أمّة فلن تهبّ رياحه من هذه الجهة.
وأبسط العجب هو أنّ المسؤول الفرنسي حين يزور الجزائر لا يتكلّم العربية، بل إنّ المسؤول الجزائري الذي يستقبله ويرافقه هو من يتحدّث بلغة الزائر.
فإن كان عذر المسؤول الجزائري قائم على واجب الضيافة، فما عذره هو حين يزور فرنسا؟ بل وما عذره حين يزور دولا فرنكوفونية في أفريقيا مثلا، كما فعل وزير خارجيتنا هذه الأيام حين حطّ رحاله في مالي والنيجر ونجامينا وأديس أبابا؟ يقول البعض أن المكر السياسي يعشش في طيّات تصريحات المسؤولين، وأنّ كلّ جملة، بل وكلّ كلمة، تُختار بعناية فائقة لإرسال رتلٍ من الرسائل إلى أكثر من جهة دون ضجيج أو جلبة.
وهذا صحيح.
لكن، إنْ كان استعمال لغةٍ أجنبية ضروريّا لمسؤول مّا لإيصال رسالة إلى قوم بعينهم من حين لآخر، فإنّ ما تبقّى من أنواع الرسائل يمكن أن تحملها أيّ لغة لأنّ قيمتها في ذاتها لا في وسيلة نقلها، وقيمتها ممكنة الترجمة لتصل ساخنة فعّالة إلى الجهات المعنية.
ومن قال أنّ اللغة الفرنسية أقوى من العربية على حمل التلميحات والتصريحات؟
قد يعترض علينا معترض بالقول أنّ حديث المسؤول الجزائري إلى مَن اتّخذ الفرنسية لسانا، بالأصالة أو بالتبنّي، هو اختصار لمجهود الترجمة، وتجنّبا لالتباساتها، وربح للوقت.
ونقول: طيّب، وبماذا نفسّر الْتجاء مسؤولينا إلى مخاطبة جموع من أعراق مختلفة ولغات شتّى باللغة الفرنسية، مع العلم أن أكثر المجتمعين لا يفهمونها، وكلّ حاضر لا يرضى بغير لغته الوطنية الرسمية؟ فأين محاذير الترجمة التي يعترض بها علينا المعترض، إنْ لم تكن للفرنسي في قاعة الاجتماعات، فلا مفرّ منها للآخرين؟
ولنكن موضوعيين: ألا يكون المسؤول الجزائري حينها في موقف العبد الذليل المتسوّل أمام سيّده شاء أم أبى؟ ألم يكن من اللائق أن يسحب لغته الوطنية من غمدها ويصدح بها أمام الأمم فتصل رسالته إلى الحاضرين بمجهود الترجمة وهو مرفوع الهامة ممتطيا سرْج الكرامة؟ وعجب العجب هو أنّ التلفزيون الجزائري الوطني يقوم بترجمة ما يدلي به الزوّار الأجانب من تصريحات بالفرنسية، أمّا حين يتحدّث المسؤول الجزائري بها فلا يترجمون له، في سلوك مشين لن تجد له، مهما حرصتَ، خانة في قوائم التناقضات لتضعه فيها. سبحان الله ! وكأنّ الفرنسية على لسانه ليست تلك التي جرتْ على لسان الضيف. كأنّ لسان حال تلفزتنا الرسمية يقول: إنّما يخاطبكم المسؤول بلسانكم.
لقد بلغ الاخلاص للغة الفرنسية درجة التحدّي.
بل درجة المرض المعدي.
لقد استشرى هذا الداء إلى أبعد أوصال الأمّة، والْتحق كلّ من فيه نفحة "الرسمية" إلى عضو في الجوق المسبّح بحمد الفرنسية.
وكأنّ الأمر مدبّر وعن عمد.
رئيس الحكومة وهو يتجوّل بين أجنحة معرض الكتاب الدولي وكأنّه وزير فرنسي بين أهله.
معظم وزراء الدولة الجزائرية أثناء زياراتهم التفقدية للأقاليم.
الأمين العام للعمّال الجزائريين
أكثرية رؤساء الجمعيات بجميع أنواعها
حتى المدير العام للأمن الوطني ألقى خطابه أمام المجتمعين الأفارقة في الجزائر بالفرنسية.
وأسأل كلّ هؤلاء: ألا تعلم المستشارة الألمانية أو رئيس الوزراء البريطاني، أو الرئيس الروسي، أنّ الندوات الأوروبية والعالمية يحضرها غير الألمان أو الأنكليز أو الروس؟
والجواب: بلى
فلماذا يلقي هؤلاء الزعماء خطبهم بلغتهم معتمدين على مَن يُمكِّن غيرهم من فهمهم من أهل الاختصاص؟ لِمَ لا تُلقي المستشارة الألمانية خطاباتها باللغة الأنكليزية تعاطفا مع "المساكين" الذين يجهلون الألمانية حتى لا تحرمهم من فحوى رسالتها على أكمل وجه بحديثٍ من القلب إلى القلب، خاصة وأن كلّ من يحضرها يتقن اللغة الأنكليزية؟ والجواب هو أنّ المستشارة الألمانية - كغيرها من زعماء الأمم - تؤمن بمؤسسات بلدها إيمانا لا يسمح لها بالانحراف قيد أنملة عمّا تشرّعه وتسنّه لأنّه نابع من الشعب الذي تمثّله وتخطّط وتنفّذ من أجله وأجل مصالحه. لو خطبت المستشارة الألمانية بلغة غير لغتها لاعتبرها الشعب الألماني غير وفيّة للدستور في أحسن أحوالها، ولأصبح مستقبلها ومستقبل حزبها السياسي في خبر كان، أو ربّما أسوأ. فلا الخوف من التهديدات الخارجية، ولا التعلّل بالتوازنات الداخلية، ولا التخفّي وراء الرسائل المشفّرة، يسمح بهذا النزيف من صميم الثوابت والكرامة الوطنية، أو يمنح لأيٍّ كان شرعية تحويل الاستثناء، لا أقول إلى قاعدة، بل إلى تسيّب ممقوت يشبه التنصّل من أقدس الواجبات التي وضعتها الأمّة وتعاهدتْ على صونها والدفاع عنها.
ما الخطب؟
ألهذه الدرجة يفتقر الكثير من مسؤولينا لروح المسؤولية والإخلاص؟ ألهذه الدرجة يعاني مسؤولونا من عقدة الخجل من لغتهم الرسمية؟ فلماذا أدرجناها في الدستور على أنّها كذلك إذن؟ لِم لا يعاد النظر في المادّة التي تنصّ على أنّ اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة؟ ولماذا تُعطى الأهميّة القصوى لبعض المواد في الدستور دون أخرى بينما هو وثيقة كاملة اختارها الشعب لتكون له مرجعا؟ أتحترمون بعض ما في الوثيقة وتستخفّون ببعض؟
صحيح أنّ الدستور ليس قرآنا معصوما، لكنّه يبقى أعلى من كلّ يد حتى تحين دورةٌ من دورات مراجعته وإثرائه بواسطة الآليات المعلومة. ليس شرطا أن يكون العهد المُقام بين الناس من كلام الله القديم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كي يتبوّأ مرتبة الانصياع له. يكفي أنّه عقد اجتماعي تنظيمي اتُّخِذ باتّفاق، خاصة حين لا يتعارض مع العقيدة الدينية، فما بالك حين يستمدّ منها روحه ومضمونه كما هو الشأن مع دستورنا.
ما تجب معرفته أنّ نسبة من الخوف إنْ كانت تصلح لتكون دواءً شافيًا يُرجى من تناوله والقبول به العافية والصلاح، فإنّ تلك النسبة إن تمادتْ في الكِبر فإنّها تتحوّل إلى مرضٍ هي ذاتها تؤخّر البُرئ أو تعدمه تماما، لا قدّر الله.