نفحات7 ـ جواهر المعاني1 - المقدّمة
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الأوّل > المقدّمـة



مقدمة


قال الشيخ الشعراني رضي الله عنه في أوّل طبقاته ما نصّه :
مقدّمة في بيان أنّ طريق القوم مشيّدة بالكتاب والسُنّة ، وأنّها مبنيّة على سلوك أخلاق الأنبياء والأصفياء ، وبيان أنها لا تكون مذمومة إلاّ إنْ خالفتْ صريح القرآن والسنّة والإجماع لا غير ، وأمّا إذا لم تخالف فغاية الكلام أنّه فهْمٌ أوتِيهِ رجلٌ مسلم فمن شاء فليعمل به ومن شاء ترَكه نظير الفهم في ذلك الأفعال ، وما بقى باب للإنكار إلاّ سوء الظنّ بهم وحمْلهِمْ على الرياء ، وذلك لا يجوز شرعا . ثمّ اعلم يا أخي - رحمك الله - أنّ عِلْمَ التصوّف عبارة عن علم انقدح من قلوب الأولياء حتى استنارت بالعمل بالكتاب والسنة ، فكلّ من عمل بها انقدح له من ذلك علومٌ وآدابٌ وأسرارٌ وحقائق تعجز الألسن عنها نظير ما انقدح لعلماء الشريعة من الأحكام حتّى عملوا بما علموا من أحكامها ، فالتصوّف أنّما هو زبدة عمل العبد بأحكام الشريعة إذا خلا من عمله العلل وحظوظ النفس ، كما أنّ علم المعاني والبيان زبدة علم النحو . فمَن جَعَلَ عِلْم التصوّف علما مستقلاّ صَدَقَ ، ومَن جَعَلَه عين أحكام الشريعة صَدَقَ ، كما أنّ مَن جَعَلَ عِلم المعاني والبيان علما مستقلاّ صدق ، ومن جعله من جملة علم النحو صدق . لكن لا يُشْرِف على ذوق أنّ عِلْمَ التصوّف تَفَرّعَ من عين الشريعة إلاّ مَن تبحّر في عِلْم الشريعة حتّى بلغ الغاية . ثمّ إنّ العبد إذا دخل طريق القوم وتبحّر فيه أعطاه الله هناك قوّة الاستنباط نظير الأحكام الظاهرة على حدّ سواء ، فيستنبط في الطريق واجبات ومندوبات وآدابا ومحرّمات ومكروهات وخلاف الأولى نظير ما فعله المجتهدون . وليس إيجاب مجتهد باجتهاده شيئا لم تصرح الشريعة بوجوبه أوْلى من إيجاب وليّ الله تعالى حُكْمَهُ في الطريق لم تصرح الشريعة بوجوبه ، كما صرّح بذلك اليافعي وغيره . وإيضاح ذلك أنّهم كلّهم عدول في الشرع ، اختارهم الله عزّ وجلّ لدينه ، فمن دقّق النظر عَلِم أنّه لا يخرج شيء من علوم أهل الله تعالى عن الشريعة ، وكيف تخرج علومهم عن الشريعة والشريعة هي وصلتهم إلى الله عزّ وجلّ في كلّ لحظة ؟ ولكن أصل استغراب من لا له إلمام بأهل الطريق أنّ عِلْم التصوّف من عين الشريعة كونه لم يتبحّر في علم الشريعة ، ولذلك قال الجنيد رحمه الله تعالى : عِلْمُنا هذا مشيّد بالكتاب والسُنّة ، ردّاً على من توهّم خروجه عنهما في ذلك الزمان وغيره . وقد أجمع القوم على أنّه لا يصلح للتصدّر في طريق الله عزّ وجلّ إلاّ من تبحّر في الشريعة ، وعَلِمَ منطوقها ومفهومها ، وخاصّها وعامّها ، وناسخها ومنسوخها ، وتبحّر في لغة العرب حتّى عرف مجازاتها واستعاراتها وغير ذلك . فكلّ صوفيّ فقيه ولا عكس . وبالجملة فما أنكر أحوال الصوفيّة إلاّ من جهل حالهم ، وكان القشيري يقول : لم يكن عصر في مدّة الإسلام وفيه شيخ من هذه الطائفة إلاّ وأئمّة ذلك الوقت من العلماء قد استسلموا لذلك الشيخ وتواضعوا له وتبرّكوا به ، ولولا مزيّة وخصوصيّة للقوم لكان الأمر بالعكس . اهـ .
قلتُ : ويكفينا مدحا للقوم إذعان الإمام الشافعي رضي الله عنه لشيبان الراعي حين طلب أحمد بن حنبل يسأله عمّن نَسِيَ صلاةً لا يدرى أيّ صلاةٍ هي ، وإذعان الإمام أحمد بن حنبل كذلك حين قال شيبان : هذا رجل غفل عن الله فجزاؤه أن يُؤدّب . وكذلك يكفينا إذعان أحمد بن حنبل رحمه الله لأبى حمزة البغدادي الصوفي رحمه الله واعتقاده حتّى كان يرسل إليه دقائق المسائل ويقول : ما تقول في هذا يا صوفيّ ؟ فشيءٌ يقف في فهمه الإمام أحمد ويعرفه أبو حمزة غاية المنقبة للقوم . وكذلك يكفينا إذعان أبي العبّاس بن سريج للجنيد حين حضره وقال : لا أدري ما يقول ولكن لكلامه صولة ليست بصولة مُبْطِلٍ . وكذلك إذعان الإمام أبى عمران للشبْلي حين امتحنه في مسائل من الحيض وأفاده سبع مقالات لم تكن عند أبي عمران . وحكى الشيخ قطب الدين بن أيمن رحمه الله أنّ الإمام أحمد كان يحثّ ولده على الاجتماع بصوفيّة زمانه ويقول : إنّهم بلغوا في الإخلاص مقاما لم نبلغه . وقد أشبع القول في مدح القوم وطريقهم الإمام القشيري في رسالته ، والإمام أحمد بن أسعد اليافعي في روض الرياحين ، وغيرهما من أهل الطريق وكتبهم كلّها طافحة بذلك . وقد كان الإمام أبو تراب النخشي أحد رجال الطريق رحمه الله يقول : إذا ألِفَ القلبُ الإعراض عن الله صَحبته الوقيعة في أولياء الله تعالى ، وكان شيخنا الشيخ محمد المغربي الشاذلي رحمه الله بقول : أطلب طريق ساداتك من القوم وإن قَلّوا ، وإيّاك وطريق الجاهلين بطريقهم وإن جلّوا . وكفى شرفا لعلم القوم قول موسى عليه السلام للخضر هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (1) . وهذا أعظم دليل على وجوب طلب علم الحقيقة كما يجب طلب علم الشريعة . وكلّ عن مقامه يتكلّم . اهـ .
قلتُ : وقد رأيت مراسلة أرسلها الشيخ محيي الدين بن العربي رضي الله عنه إلى الشيخ فخر الدين الرازي صاحب التفسير يبيّن له فيها نقص درجته في العلم ، هذا والشيخ فخر الدين مذكور في العلماء الذين انتهت إليهم الرياسة في الاطّلاع على العلوم ، من جملتها : إعلم يا أخي - وفّقنا الله وإيّاك - أنّ الرجل لا يكمل في مقام العلم حتّى يكون علمه عن الله عزّ وجلّ بلا واسطة من نقل أو شيخ ، فإنّ مَن كان علمه مستفادا من نقل أو شيخ فما برِح عن الأخذ من المحدثات وذلك معلوم عند أهل الله عزّ وجلّ ، ومن قطع عمره في معرفة المحدثات وتفصيلها فإنّه حظّه من ربّه عزّ وجلّ لأنّ العلوم المتعلّقة بالمحدثات يفنى الرجل فيها ولا يبلغ إلى حقيقتها . ولو أنّك يا أخي سلكتَ على يد شيخ من أهل الله عزّ و جلّ لأوْصَلَك إلى حضرة شهود الحقّ تعالى فتأخذ منه العلم بالأمور من طريق الإلهام الصحيح من غير تعب ولا نصَب ولا سهر كما أخذه الخضر عليه السلام ، فلا علْم إلاّ ما كان عن كشف وشهود لا عن نظر وفكر وظنّ وتخمين . وكان الشيخ الكامل أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه يقول لعلماء عصره : أخذتم علْمَكم من علماء الرسوم ميّتا عن ميّت وأخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت . وينبغي لك يا أخي أن لا تطلب من العلوم إلاّ ما تكمل به ذاتك وينتقل معك حيث انتقلتَ ، وليس ذلك إلاّ العلم بالله تعالى من حيث الوهب والمشاهدة ، فإنّ علمك بالطلب مثلا إنّما تحتاج إليه في عالم الأسقام والأمراض ، فإذا انتقلتَ إلى عالم ما فيه سقيم ولا مريض فمن تداوى بذلك العلم ؟ فقد علمتَ يا أخي أنّه لا ينبغي للعاقل أن يأخذ من العلوم إلاّ ما ينتقل معه إلى البرزخ دون ما يفارقه عند انتقاله إلى عالم الآخرة ، وليس المنتقل معه إلاّ عِلْمان فقط ، العلم بالله عزّ وجلّ ، والعلم بمواطن الآخرة حتّى لا ينكر التجليّات الوقعة فيها ، ولا يقول للحقّ إذا تجلّى له نعوذ بالله منك . فينبغي لك يا أخي الكشف عن هذين العِلْمَيْن في هذه الدار لتجني ثمرات ذلك في تلك الدار ، ولا تحمل من علوم هذه الدار إلاّ ما تمسّ الحاجة إليه في طريق سيرك إلى الله عزّ وجلّ على مصطلح أهل الله تعالى . وليس طريق الكشف عن هذين العِلْمَين إلاّ بالخلوة والرياضة والمجاهدة والجذب الإلهي ، وكنتُ أريد أن أذكر لك الخلوة وشروطها وما يتجلّى لك فيها على الترتيب شيئا فشيئا لكن منعني من ذلك الوقت ، وأعني بالوقت من لا غَوْص له في أسرار الشريعة ممّن دأبهم الجدال حتّى أنكروا ما جهلوا ، وقيّدهم التعصّب وحبّ الظهور والرياسة ، وأكل الدنيا بالدين عن الإذعان لأهل الله والتسليم لهم . أهـ .
وقد ذكر الشيخ محيي الدين في الفتوحات وغيرها أنّ طريق الوصول إلى علوم القوم الإيمان والتقوى ، قال الله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (2) أيّ أطلعناهم على العلوم المتعلّقات بالعلويّات والسفليّات ، وأسرار الجبروت ، وأنوار الملك والملكوت ، قال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) ، والرزق نوعان ، روحانيّ وجسمانيّ ، وقال تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ (4) ، أيّ يعلّمكم ما لم تكونوا تعلمون بالوسائط من العلوم إلالهية ، ولذلك أضاف التعليم إلى اسم الله الذي هو دليل على الذات وجامع للأسماء والأفعال والصفات .
ثمّ قال رضي الله عنه : فعليك يا أخي بالتصديق والتسليم لهذه الطائفة ، ولا نتوهّم فيما يفسّرون به الكتاب والسنّة أنّ ذلك إحالة للظاهر عن ظاهره ولكن لظاهر الآية أو الحديث مفهوم بحَسَبِ النّاس وتفاوتهم في الفهم ، فمن المفهوم ما جلب له الآية أو الحديث ودلّت عليه في عرف اللسان ، وثَمَّ أفهام أخرى باطنة تُفهم عند الآية أو الحديث لمن فتح الله عليه إذ قد ورد في الحديث النبوي : « أنّ لكلّ آية ظاهرا وباطنا وحدّا ومطلعا إلى سبعة أبطن إلى سبعين » . فالظاهر هو المعقول والمنقول من العلوم النافعة إلتى تكون بها الأعمال الصالحة ، والباطن هو المعارف الإلهية ، والمطلع هو معنى يتّحد فيه الظاهر والباطن ، والحدّ يكون طريقا إلى الشهود الكلّي الذاتي ، فافهم يا أخي ، ولا يصدنّك عن تلقّي هذه المعاني الغريبة عن فهوم العموم من هذه الطائفة الشريفة قوْلُ ذي جدل ومعارضة أنّ هذا إحالة لكلام الله تعالى وكلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، فإنّه ليس ذلك بإحالة . لو قالوا لا معنى للآية الشريفة أو الحديث إلاّ هذا الذي قلنا ، وهُمْ لم يقولوا ذلك ، بل يُقِرّون الظواهر على ظواهرها مرادا بها موضوعاتها ، ويفهمون عن الله تعالى في نفوسهم ما يُفهِمُهم بفضله ويفتحه على قلوبهم برحمته ومنّته . ومعنى الفتح في كلام هؤلاء القوم حيث أطلقوه كشْف حجاب النفس أو القلب أو الروح أو السرّ لِمَا جاء به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الكتاب العزيز والأحاديث الشريفة ، إذِ الولىّ لا يأتي قطّ بشرع جديد وإنّما يأتي بالفهم الجديد في الكتاب والسُّنّة الذي لم يكن يُعرف لأحد قبله ، ولذلك يستغربه كلّ الاستغراب مَن لا إيمان له بأهل الطريق ويقول هذا لم يَقُلْهُ أحدٌ ، على وجه الذمّ ، وكان الأوْلى أخذه منه على وجه الاعتقاد واستفادته من قائله ، ومَن كان شأنه الإنكار لا ينتفع بأحد من أولياء عصره وكفى بذلك خسرانا مبينا . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : ولقد ابتلى الله تعالى هذه الطائفة الشريفة بالخلق خصوصا بأهل الجدال ، فقَلَّ أنْ تجد منهم أحدا شرح الله صدره للتصديق بوليّ معيّن ، بل يقول لك : نعم نعلم أنّ لله تعالى أولياء وأصفياء موجودين ولكن أين هُمْ ؟ فلا تذكر له أحدا إلاّ ويأخذ يدفعه ويردّ خصوصية الله تعالى عنه ، ويطلق اللسان بالاحتجاج على كونه غير وليّ لله تعالى ، وغاب عنه أنّ الوليّ لا يعرف صفاتِه إلاّ الأولياء ، فمِنْ أين لغير الوليّ أن ينفي الولاية عن إنسان ؟ ما ذاك إلاّ محض تعصّب كما نرى في زمننا هذا مِن إنكار ابن تيمية علينا وعلى إخواننا من العارفين . فاحذر يا أخي ممّن كان هذا وصفه ، وفِرَّ من مجالسته فرارك من السبع الضاري ، جعلنا الله وإيّاك من المصدّقين لأوليائه ، المؤمنين بكراماتهم ، بمَنِّهِ وكرمه . اهـ .
. وقال أيضا : وقد جرَتْ سُنَّة الله تعالى في أنبيائه وأصفيائه أن يسلِّط عليهم الخلق في مبدأ أمرهم وفي حال نهايتهم كلّما مالت قلوبهم لغير الله تعالى ، ثمّ تكون الدولة والنصرة لهم آخر الأمر إذا اقبلوا على الله تعالى كلّ الإقبال . اهـ .
قلتُ : وذلك لأنّ المريد السالك يتعذّر عليه الخلوص إلى حضرة الله تعالى مع ميله إلى الخلق وركونه إلى اعتقادهم فيه ، فإذا آذاه النّاس ونقصوه ورموه بالزور والبهتان نفرت نفسه منهم ولم يصر عنده ركون إليهم البتّة ، وهنالك يَصْفُو له الوقت مع ربّه ويصحّ له الإقبال عليه لذهاب الْتفاته إلى وراء ، فافهمْ . ثمّ إذا رجعوا بعد انتهاء سيرهم إلى إرشاد الخلق يرجعون وعليهم خلعة الحلم والعفو والستر فتحمّلوا أذى الخلق ، ورضوا عن الله تعالى في جميع ما يصدر عن عباده في حقّهم ، فرفع بذلك قدرهم بن عباده ، وكمّل بذلك أنوارهم ، وحقّق بذلك ميراثهم للرسل في تحمّل ما يَرِدُ عليهم مِنْ أذى الخلق ، وظهر بذلك تفاوت مراتبهم ، فإنّ الرجل يُبتلى على حسب دينه . قال تعالى : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا (5) ، وقال تعالى : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا (6) ، وذلك لأنّ الكمّل لا يخلو أحدهم عن هذين الشهودين : إمّا أنْ يشهد الحقّ تعالى بقلبه فهو مع الحقّ لا الْتفات له إلى عباده ، وإمّا أنْ يشهد الخلق فيَجِدُهم عبيد الله تعالى فيكرمهم لسيّدهم ، وإنْ كان مصطلما فلا كلام لنا معه لزوال تكليفه حال اصطلامه . فعُلِمَ أنّه لا بدّ لمن اقتفى آثار الأنبياء من الأولياء والعلماء أن يؤذوا كما أوذوا ، ويقال فيهم البهتان والزور كما قيل فيهم ، ليصبروا كما صبروا ، ويتخلّقوا بالرحمة على الخلق رضي الله عنهم أجمعين . وكان سيّدي عَلِيّ الخوّاص رحمه الله يقول : لو أنّ كمال الدعاة إلى الله تعالى كان موقوفا على إطباق الخلق عليهم على تصديقهم لكان الأوْلى بذلك رسول الله صلّى الله عليهم وسلّم والأنبياء قبله ، وقد صدّقهم قوم وهداهم الله بفضله وحُرِمَ آخرون فأشقاهم الله تعالى بعدله . ولمّا كان الأولياء والعلماء على أقدام الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وفي مقام التأسّي بهم ، انقسم النّاس فريقين ، فريق معتقدٌ مصدّقٌ ، وفريق منتقدٌ مكذّبٌ ، كما وقع للرسل عليهم الصلاة والسلام ليحقّق الله بذلك ميراثهم فلا يصدّقهم ويعتقد صحّة علومهم وأسرارهم إلاّ مَن أرادا لله عزّ وجلّ أن يُلحقه بهم ولو بعد حين . وأمّا المكذِّب لهم والمنكر عليهم فهو مطرود عن حضرتهم لا يزيده الله تعالى بذلك إلاّ بُعْداً . وإنّما كان المعترف للأولياء والعلماء تخصيص الله لهم وعنايته بهم واصطفاؤه لهم قليلا في النّاس لغلبة الجهل بطريقهم ، واستيلاء الغفلة ، وكراهة غالب النّاس أن يكون لأحدهم عليهم شرف بمنزلةٍ أو اختصاصٍ حسدا من عند أنفسهم ، وقد نطق الكتاب العزيز بذلك في حقّ قوم نوح عليه الصلاة والسلام فقال : وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (7) ، وقال تعالى : وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (8) ، وقال تعالى : أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (9) ، وغير ذلك من الآيات . وكان محيي الدين رضي الله عنه يقول : أصل منازعة النّاس في المعارف الإلهيّة والإشارات الربّانيّة كونها خارجة عن طور العقول ، ومجيئها بغتة من غير نقل ونظر ومن غير طريق العقل ، فتنكّرَتْ على الناس من حيث طريقها فأنكروها وجهلوها ، ومَنْ أنكر طريقا من الطرق عادى أهلها ضرورة لاعتقاد فسادها وفساد عقائد أهلها وغاب عنه أنّ الإنكار من الجحود ، والعاقل يجب عليه أنْ يُغيِّرَ منكر إنكاره ليخرج عن طور الجحود ، فإنّ الأولياء والعلماء العاملين قد جلسوا مع الله عزّ وجلّ على حقيقة التصديق والتسليم و الإخلاص والوفاء بالعهود ، وعلى مراقبة الأنفاس مع الله عزّ وجلّ حتّى سلّموا قيادهم إليه ، وألْقوا نفوسهم سلما بين يديه ، وتركوا الانتصار لنفوسهم في وقت من الأوقات حياءً من ربوبية ربّهم عزّ وجلّ ، واكتفاء بقيّوميته عليهم . فقام لهم بما يقومون لأنفسهم ، بل أعظم ، وكان تعالى هو المُحارب عنهم لمن حاربهم ، والغالب لمن غالبهم . وكان سيّدي أبوالحسن الشاذلي رضي الله عنه يقول : ولمّا عَلِم الله عزّ وجلّ ما سيقال في هذه الطائفة على حسب ما سبق به العِلْمُ القديم بدأ سبحانه وتعالى بنفسه ، فقضى على قوم أعرض عنهم بالشقاء فنسبوا إليه زوجة وولدا وفقرا ، وجعلوه مغلول اليدين ، فإذا ضاق ذرع الوليّ والصدّيق لأجل كلامٍ قيل فيه مِنْ كُفْرٍ وزندقةٍ وسِحْرٍ وجنونٍ وغير ذلك ، نادتْه هواتف الحقّ في سرّه : الذي قيل فيك هو وصفك الأصلي لولا فضلى عليك ، أما ترى إخوانك من بني آدم كيف وقعوا في جنابي ونسبوا إليَّ ما لا ينبغي لي . فإن لم ينشرح لما قيل فيه ، بل انقبض ، نادته هواتف الحقّ أيضا : أَمَا لك بي أسوة ؟ فقد قيل في ما لا يليق بجلالي ، وقيل في حبيبي محمّد وفي إخوانه من الأنبياء والرسل ما لا يليق برتبتهم من السحر والجنون ، وأنّهم لا يريدون بدعائهم إلاّ إلى الرياسة والتفضيل عليهم . وانظر يا أخي مداواة الحقّ جلّ وعلا لمحمّد صلّى الله عليه وسلّم حين ضاق صدره من قول الكفّار من قوله تعالى : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (10) . فيجب عليك أيّها الوليّ الإقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك إذ هو طبّ إلهي ، ودواء ربّاني ، وهو مزيل لضيق الصدر الحاصل من أقوال الأغيار وأهل الإنكار والإغترار ، وذلك التسبيح هو تنزيه الله تعالى عمّا لا يليق بكماله بالثناء عليه تعالى بالأمور السلبية ، ونفي النقائص عن الجناب الإلهي كالتشبيه والتحديد ، وأمّا التحميد فهو الثناء على الله بما يليق بكماله ، وهما مزيلان لمرض ضيق الصدر الحاصل من قول المنكرين والمستهزئين ، وأمّا السجود فهو كناية عن طهارة العبد من طلب العلوّ والرفعة لأنّ الساجد قد فنى عن صفة العلوّ حال سجوده ، ولذلك شرع للعبد أن يقول في سجوده سبحان ربى الأعلى وبحمده ، وأمّا العبوديّة المشار إليها بقوله : وَاعْبُدْ رَبَّكَ فالمراد بها إظهار النيّة ، والتباعد عن طلب العزّ ، وهي إشارة إلى فناء العبد ذاتا وصفة وذلك موجب لخِلَع القرب والاصطفاء والعزّ والدنوّ المشار إليه بقوله : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (11) . وكان الجنيد رحمه الله تعالى يقول كثيرا للشبلي : لا تُفْشِ سرّ الله بين المحجوبين ، وكان يقول : لا ينبغي لفقير قراءة كتب التوحيد الخاصّ إلاّ بين المصدّقين لأهل الطريق والمسلّمين لهم وإلاّ يخاف حصول المقت لمن كذّبهم . وكان أبو تراب النخشي رضي الله عنه يقول في حقّ المحجوبين من أهل الإنكار : إذا ألِفَ القلب الإعراض عن الله صَحِبَتْه الوقيعة في أولياء الله .
قلتُ : ومن هنا أخفى الكاملون من أهل الطريق الكلام في مقامات التوحيد الخاصّ شفقةً على المسلمين ، ورفقاً بالمجادل مِنَ المحجوبين ، وأدباً مع أصحاب ذلك الكلام من أكابر العارفين . فكان الجنيد رحمه الله لا يتكلّم قطّ في علم التوحيد إلاّ في قعر بيته بعد أن يغلق أبواب داره ويأخذ مفاتيحها تحت وِرْكِهِ ويقول : أتحبّون أن يُكذِّب الناس أولياء الله تعالى وخاصّته ويرمونهم بالزندقة والكفر ؟ اهـ . ومن الأولياء من سَدّ باب الكلام في دقائق كلام القوم حتّى مات وأحال ذلك على السلوك وقال : مَن سلك طريقهم أطّلع على ما أطّلعوا عليه وذاق كما ذاقوا واستغنى عن سماع كلام النّاس . وقد طلب أصحاب أبي عبد الله القرشي منه أن يسمعهم شيئا من علم الحقائق فقال لهم : كم أصحابي اليوم ؟ فقالوا : ستمائة رجل ، فقال الشيخ : اختاروا منهم مائة ، فاختاروا ، فقال : اختاروا من المائة عشرين ، فاختاروا ، فقال : اختاروا من العشرين أربعة ، فاختاروا ، وكان هؤلاء الأربعة أصحاب كشوفات ومعارف ، فقال الشيخ : لو تكلّمتُ عليكم في علم الحقائق والأسرار لكان أوّل من يفتي بقتلي هؤلاء الأربعة . اهـ باختصار من الطبقات للشعراني رضي الله عنه .
وإنّما أتيتُ بهذه المقدّمة هنا لما فيها من حصول الفائدة ، ومنفعتها على مطالعيها عائدة ، نسأل الله تعالى أن يوفقّنا جميعا بِمَنِّهِ وفضله لما فيه رضاه ورضا نبيّه إنّه جواد كريم ، بعباده رؤوف رحيم .
ولنختم هذه المقدّمة بقاعدة في علم الحقائق ، فإنّها نافعة جدّا لكلّ من تمسّك بعلوم الحقائق . فأقول وبالله التوفيق ، والهادي بمنّه إلى سواء الطريق :
إعلم أيّها الأخ أنّه لا بدّ لكلّ فنّ من فنون العلم من قواعد يضبط بها ، فيُفزع في مشكلات أحكام كلّ فنّ وشوارده وغرائبه ونوادره إلى قواعده . فكمَا للفقه قواعد ، وللإعراب قواعد تبنى عليها أحكامها ويرجع إليها في ضبط قوانينه ، قوانين كل منهما كذلك لأهل الكشف والتحقيق وعلم الأذواق ضوابط وقواعد ينبني عليها صحيح أمرهم ، ويُعرف بها فاسده من صحيحه ، ويرجع إليها عند ورود المشكلات و الشوارد و النوادر لضبط أحكامه ومقاصده ، وها أنا أوطّئ لك صدر هذا الكتاب قاعدة جامعة لأصول التحقيق ، دافعة عن مُراجعها كلّ إشكال وتوهّم وخيال فاسد ، وتكون لما يأتي أساسا ومهادا ، وأصلا في معرفة قواعد هذا الفنّ في هذا الكتاب وغيره وعمادا ، فأقول وبالله أستعين :
قاعدة :
إعلم أنّ القاعدة عند أئمّة علماء الكشف والتحقيق أنّ معقولية النّسب لا تتبدّل ، وأنّ الحقائق لا تنقلب ، فإذا كان النعت والوصف ذاتيّا فلا ينقلب إلى غير ذلك ، وأنّ الواجب لذاته لا ينقلب جائزا ، والجائز لا ينقلب واجبا ، والمستحيل لا جائزا ولا واجبا ، وذلك كالوجود مثلا ، فإنّه لَمّا كان ذاتيّا للحقّ تعالى وجب وجوده ، فقيل فيه موجود وواجبٌ وجودُه لأنّ وجوده بذاته لذاته ، فهو له ذاتيّ ، فكان واجبا ، ولمّا كان العدم للممكنات ذاتيّا لمْ ينقلب إلى غير ذلك الوصف الذي هو العدم ، فالعدم لها ذاتيّ والوجود عرَض لها في حيطة الجواز ، يجوز طُرُوُّهُ على الممكنِ وعدم طروّه . وكذلك البطون لمّا كان لذات الحقّ ذاتيّا لم ينقلب إلى غير ذلك ، وإلى البطون الذاتيّ لِذَاتِ الحقّ تعالى وتقدّس الإشارة بقوله تعالى في الحديث القدسي : « كنزا كنت مخفيّا » وتَسْمِيَتُه تعالى بالاسم الباطن . فمقتضى حقيقة هذه النسبة التي هي البطون والخفاء والغيب المطلق الذاتي أن لا يقع فيها تجلّ أبدا ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، إذِ التجلّي عبارة عن ظهور الحقّ تعالى بأيّ تجلّ كان . وغاية علم العلماء بالله أن يعلموا ما ظهر للعلم وأدركه ، وما ظهر للقلب وأدركه ، في أيّ وجهٍ من وجوه الإدراك فخارجٌ عن حقيقة مقتضى نسبة البطون ، وإنّ غاية ما يتعلّق به العلم ويدركه حصول العلم بوجود الباري جلّ وعلا فيحصل للعالم العلم بأنّه موجود وواجبٌ وجودهُ ، وأنّه ليس كمثله شيء ، لا الإدراك بذاته كيف . وعِلْمُ الحادثِ حادثٌ ، فغايةُ عِلْمِ العبد أن يعلم أنّ الباري جلّ وعلا موجود ، وواجبٌ وجودُه ، ووجودُه له ذاتيّ ، وأنّه ليس كمثله شيء ، وأنّه لا يَعْلَمُ ما هو إلاّ هو ، ولا يعلم قدرَه غيرُه لقوله تعالى : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ (12) . وأيضا فالعالم بالله إنّما أدرك علمه بواسطة العلم ، وعلمُ قائم به ، فما أدرك إذاً إلاّ العلم ، ولا يلزم مِنْ إدراكِ العلمِ إدراكُ المعلوم كيف ، وكلّ ما دخل تحت الحصر فهو مبتدَعٌ مخلوقٌ ، ومِنَ الشائع المشهور المُجمَع عليه عند المحقّقين قاطبة أنّ الصفات والنعوت تابعة للموصوف المنعوت بها ، وأنّ إضافة كلّ صفة إلى موصوفها إنّما تكون بِحَسَبِ الموصوف ، وبِحَسَب قبول ذاتِه إضافة تلك الصفة إليها ، ولمّا كان الحقّ سبحانه وتعالى يتعالى عن أنْ يُدرَك كُنْهُ حقيقته كان إضافة ما تصحّ نسبته إليه من النعوت والصفات لا تكون على نحو نِسْبَتِهَا إلى غيره لأنّ ما سواه مُمْكِنٌ ، وكلّ مُمْكِنٍ فمُنْسَحِبٌ عليه حُكْمُ الإمكانِ ولوازمِه كالافتقار والقيْدِ والنقص ، وهو سبحانه وتعالى من حيث حقيقته مغاير لكلّ الممكنات ، وليس كمثله شيء . فإضافة النعوت والصفات إليه إنّما تكون على الوجه اللائق بجلاله ، ويتعالى جلّ وعلا عن كلّ ما لا يليق بجلاله . وإضافةُ النعوت والصفات إلى الممكن بحسَبه وعلى الوجه الذي يستحقّه ويليق به ، كالعِلْمِ مثلا إنْ وُصِفَ به القديم كان قديماً ، وإنْ وُصِفَ به الحادث كان حادثاَ ، ونحو ذلك من الصفات والنعوت المشتركة . فإذا عرفتَ حُكْمَ هذه القاعدة النفيسة التي هي قطب رحى علوم أهل الله والعلماء به ، المحقّقين الراسخين في العلم ، وتحقّقْتَ معناها ، فاعلمْ أنّ مِنْ تمام القاعدة أنْ تعلم أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل لكلّ شيء ظاهرا وباطنا . فلِنَفْسِ الإنسان ظاهر وباطن لأنّها من جملة الأشياء ، فقَدْ يدرك الإنسان ما يدرك من مُدرَكَاتِه بظاهر نفسه المُعَبَّر عنها بالخيال والمثال والحواس ولا يدرك بباطنها شيئا ، وقد يدرك ما يُدرك من مدركاته بباطن نفسه فيباشر العلمُ باطنَ النفس ، وذلك العلم المباشر لباطن النفس يختصّ بعلم المعارف الحقّانية وسرّ المعرفة وسرّ التوحيد . فإذا فهمتَ هذا وعلمتَ أنّ الحقّ سبحانه وتعالى هو الظاهر والباطن ، وأنّ البطون له ذاتيٌّ كما عرفتَ ذلك من صدر القاعدة ، فاعلمْ أنّ الإنسان لا يدرك بباطن نفسه وظاهرها شيئا إلاّ ممّا هو من أحكام تجليّات اسمه الظاهر . فإذا تجلّى سبحانه وتعالى باسمه الظاهر لظاهر نفسِ مَنْ تجلّى أدرَكَ عِلْماً ظاهراً منَ العلوم الظاهرة ، وفُتِحَ عليه بذلك العلم الذي هو بصدده ، ولم يزهد في شيء من الموجودات ، فحصل ما حصل من العلوم وحبّ خيرِ الدنيا والآخرة لانجلاء ظاهر النفس ، فما وصل إلى ظاهرها منَ التجلّي ، ولم يزهد في شيء لعدم وصول التجلّي إلى باطن نفسه وامتلائه به . وإنْ تجلّى سبحانه وتعالى باسمه الباطن لباطن نفسِ مَنْ تجلَّى له حصل الإدراكُ بِعَيْنِ البصيرة ، فيكون إدراك صاحب هذا المقام بعين البصيرة لا بالفكر والنظر ، فيدرك بعين بصيرته عالم الحقائق وعالم المعاني فلا يبقى عنده فيما يدركه بعين بصيرته إشكال ولا احتمال ، ويستريح من تعب الفكر ، فيُفتَحُ عليه عند وصول هذا التجلّي إلى باطنه بالعلوم الإلهية وعلوم الأسرار وعلوم الباطن وما يتعلّق بالآخرة ومعرفة أحدية الوجود ونفيه عما سوى الحقّ ، ويظهر له سرّ التوحيد وسر المعرفة ، ويزهد في جميع ما سوى الحقّ سبحانه وتعالى ، ويضيق عن كلّ غيرٍ ، ولم يبق فيه لسوى الحقّ متسعٌ لامْتِلاءِ باطنِ نفْسِه بما وصل إليه منَ التجلّي ، فينكشف لِعَيْنِ بصيرته حقائقُ الأشياءِ ، فيدرك بِعَيْنِ بصيرته رتبة الحقّ مِنْ رتبة غيره ، فلم يبق لغير الحقّ في قلبه قدْرٌ لَمّا أدرك بعين بصيرته ما أدرك من حقيقة رتبته . فمن تمام فائدة القاعدة التنبيه على ضابط في معرفة الرُّتَبِ ، وذلك بأن تعلمَ أنّ القاعدة عند أئمّة علماء التحقيق أنّ كلّ موجود له ذاتٌ ومَرْتَبَةٌ ، ولِمَرْتَبَتِهِ أحكامٌ تظهر في وجوده المتعيّن لحقيقته الثابتة فسمى أثار تلك الأحكام في ذات صاحبها أحوالا . والمرتبة عبارة عن حقيقة كلّ شيء ، لا مِنْ حيث تجرّدها بل مِن حيث معقولية نِسبتها الجامعة بينها وبين الوجود المُظْهِرِ لها والحقائق التابعة لها لأنّ بعض الحقائق تابع للبعض ، والتابعة أحوالٌ للمتبوعة وصفاتٌ ولوازمٌ ، وذلك لأنّ الموجودات ليست بأمرٍ زائدٍ على حقائقَ مختلفةٍ ظهرتْ بوجود واحد تَعَيَّنَ وتَعَدَّدَ في مراتبها وبحَسَبِهَا ، لا أنّه إذا اعتُبِرَ مجرّدا عن الاقتران بهذه الحقائق يتعدّدُ في نفسه . وللحقّ تعالى ذاتٌ ومرتبةٌ ، ومرتبته عبارةٌ عن معقولية نسبة كونه إلها ، وهذه النسبة من حيث هي مُسَمَّاةٌ بالألوهية ، وللحقّ مِنْ حيث هي آثار في المألوهين وصفاتٍ لازمةٍ تُسَمَّى أحكامُ الألوهية . وذاتُه سبحانه وتعالى مِنْ حيث تجرّدِها عن جميع الاعتبارات المقيِّدة ، وعدم تعلّقها بشيء وتعلّق شيء بها لِعَدَمِ المناسبة لاَ كلامَ فيها ، ومِنْ حيث معقولية نسبة تعلّقها بالخلْق وتعلّقهم بها ، وبحسب أحوالهم مِنْ كوْنهم مَجَالِيهِ ومظاهره ، تنضاف إليها أحوالٌ كالرضا والغضب والإجابة والفرح وغير ذلك يُعَبَّر عنها بالشؤون ، وينضاف إليها من حيث آثار مرتبتها التي هي الألوهية في كلّ مؤثّر فيه صفات تَسَمّى أحكامُ المرتبةِ كالقبض والبسط والإحياء والإماتة والقهر . فلم يَصحّ استناد العالم إلى الحقّ مِن حيث ذاته بل من حيث معقولية نسبة كوْنه إلهاً ، وتَعَقُّلِ كوْن الحقّ إلهاً اعتبارٌ زائدٌ على ذاته ، وتعقّل العالمِ بالحقّ إنّما يَصِحُّ بهذه النسبة لأنّ مرجع سائر الأسماء والمراتب والنِّسَبِ إلى هذه النسبة ، ولأنّها أصلُ كلّ حُكْمٍ وإسمٍ ووصْفٍ ونعْتٍ وغير ذلك ممّا يستند إلى الحقّ سبحانه وتعالى ويُضاف إليه . وللإنسان ذاتٌ ومرتبةٌ . فذاتُ الإنسانِ حقيقتُه التي هي عينه الثابتة في حضرة عِلْمِ ربّه والتي هي عبارةٌ عن نسبة مَعْلُومِيَتِهِ للحقّ وتَمَيُّزِهِ في عِلْمِ ربّه أزلاً على حسب مقتضى رتبته عند ربّه ، وكَوْن ربّه عِلْمُه مُمْكِنا وعَلِمَ ما قد قضى به له وحَكَمَ به عليه . وأحوال هذه الحقيقة الإنسانية هي ما يتقلّب فيه الإنسان وينضاف إليه ويوصَف به من التصورات والنشآت و التطوّرات وغير ذلك مِنَ الأمور التي ظهرتْ على وجوده المستفاد مِن الحقّ لِمَا تقرّر مِنْ كَوْن العدم للمكن ذاتيّا ، وأنّ الوجود له عَرَضٌ طارئٌ يفتقر إلى مُخَصِّصٍ ، إنْ خصّصهُ بِطُرُوِّ الوجود وُجِدَ ، وإنْ خصصّهُ بالعدَم وسَلْبِ الوجودِ عنه عُدِمَ . ومرتبتهُ - أيّ ومرتبة الإنسان - عبارةٌ عن عبوديته ومألوهيته ، وأحكامُ هذه المرتبة هي الأمور والصفات المنضافة إليه من كونه عَبْداً مُمْكِناً ومَأْلُوهاً ، ومِنْ كونه أيضا مرآةً ومُجْلى .
فهذه قاعدة نفيسة عظيمة القدر ، وجديرة بأن تكون عمدةً يُرجَع إليها في فتيا عِلْم أهل التحقيق لو كان لذلك فتيا وميزان يُعرَف به قانون الحقّ في كلّ رتبة حقّية أو خلْقية ، وأن يعترف المحققون بعلوّ درجتها لنفاستها وكثرة فوائدها ، وما احتوتْ عليه من القواعد والضوابط العظيمة النفع في حلّ المشكلات المعضلات والالتباسات إذا راجعها الطالب لذلك ، وبالله التوفيق ، وبه الإعانة إلى سواء الطريق .



  1. سورة الكهف ، الآية 66 .
  2. سورة الأعراف ، الآية 96 .
  3. سورة الطلاق ، الآيتان 2 ، 3 .
  4. سورة البقرة ، الآية 282 .
  5. سورة السجدة ، الآية 24 .
  6. سورة الأنعام ، الآية 34 .
  7. سورة هود ، الآية 40 .
  8. سورة الرعد ، الآية 1 .
  9. سورة الفرقان ، الآية 44 .
  10. سورة الحجر ، الآيتان 98 ، 99 .
  11. سورة العلق ، الآية 19 .
  12. سورة الأنعام ، الآية 91 .


<< خطبة الكتاب    الباب الأوّل >>