البحث في نفحات7

 نفحات7 - رجال وسِـيَـر - الشيخ سيدي البشير الثاني رضي الله عنه
الرّئيسية > رجـال وسِـيَـر > الشيـخ سيـدي البشيـر الثانـي رضـي الله عنـه


بقلم الأستاذ : يوسف نصرات

إن الكلام عن سير الرّجال وتراجم الأفاضل والأبطال يتطلّب مجهودات كبيرة ، وخاصّة إذا تعلّق الأمر برجال سجّل التاريخ فضلهم، وشهد لهم القاصي والداّني بعلوّ الهمّة ، وسداد الرأي وصلاح الحال . وما الشيخ سيدي البشير رضي الله عنه إلاّ أحد أولئك الرّجال الّذين كرّسوا حياتهمم لخدمة الدين والوطن، وذلك مصداقا لقوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (1) .
المولد والنشأة
ولد الشيخ سيدي البشير رضي الله عنه سنة 1918 م بقمار ـ الوادي الجزائر ـ وسُجِّلَ فيما بعد في الحالة المدنيّة بتماسين .
أبوه الخليفة الشيخ سيدي العيد بن الخليفة الشيخ سيدي البشير ، وأمّه لالّه مباركة بنت سيدي أحمد العروسي التجاني والمدعوّة لالّه باكّه .
كان والده يربّيه دائما على الإعتماد على النفس منذ صغره ، ويكرّر له هذا البيت الشعري :
إنّما رجل الدّنيا وواحدها      من لا يعوّل في الدّنيا على أحد
توفي والده وهو ابن تسع سنين، تاركا وصيّة للشيخ سيدي أحمد بن حمّة . ذلك ما حكاه سيدي العيد بن سالم : أن الشيخ سيّدي العيد أملى عليه الوصيّة ، وقال له : " عندما يرجع سيدي أحمد مكّنها له، وممّا جاء فيها : ( الولد ـ ويعني سيدي البشير ـ في ذمّة الله ، وفي كفالة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وفي كفالة الشيخ سيدي أحمد رضي الله عنه ) ، وكرّرها ثلاثا ثم رمقني وقال لي : وفي كفالة سيدي أحمد بن حمّه " . ولمّا قدم مولانا سيدي أحمد رضي الله عنه من تونس قابله الشيخ سيدي العيد ، وكان في حالة الإحتضار ، صرّح له بالخلافة، ثم كرّر له المقالة التي ذكرت في الوصيّة ثلاث مرّات .
ومن ذلك الحين تولّى الشّيخ سيّدي أحمد بن حمّة تربية سيّدي البشير ، وتكفّل به حسّياً ومعنويّاً . فقد أشرف على تعليمه فحفظ القرآن الكريم حفظاً دقيقاً مع ترتيله ، وتعلّم مختلف العلوم الشّرعيّة على يد مجموعة من فطاحلة العلماء نذكر منهم : الأخوين سيدي أحمد والطّاهر بسّا ، والشيخ اللقّاني ، والشيخ الجديدي ، وسي محمد بن البُرِّيه القماري ، وغيرهم . فكوّن رضي الله عنه ثقافة إسلاميّة عالية جعلته يتفوّق على جميع أقرانه. وهكذا شبّ رضي الله بين أحضان الخليفة الشيخ سيدي أحمد بن حمّه ، فكان ملازماً له حتّى في أسفاره القريبة والبعيدة . ففي أوّل سفر للشّيخ بعد خلافته كان معه سيدي البشير . كما كان يعتمد عليه في حلّ المسائل والنزاعات ، وإصلاح ذات البيْن ، ونفهم من ذلك كلّه بأنّه كان تهيئة للشيخ سيدي البشير لحمل أعباء الخلافة .
تزوج سيدي البشير من لالّه خديجة بنت الشيخ سيدي أحمد الخليفة ، وكانت رضي الله عنها تحفظ القرآن الكريم حفظاً دقيقاً ، وكانت لها ثقافة عامّة عالية جدّاً .
كما تولّى الإمامة في مسجد سيدي الحاج علي بتماسين بعد وفاة سيدي العرابي سنة 1975 م .
أخلاقه
كان الشيخ سيدي البشير على مستوى عالٍ وراقٍ من الأخلاق الزكية ، والشمائل الفاضلة تمثّلت في كونه مسالماً ومتسامحاً في تعامله مع مخلوقات الله . وممّا شهد به الّذين عاصروه خصال كانت ملازمة له :
خلافته
بعد رحيل الخليفة الشيخ سيدي أحمد بن حمّه رضي الله عنه، تولّى سيدي البشير الخلافة : وكان ذلك يوم الثلاثاء 14 صفر 1398هـ ، الموافق لـ : 24 جانفي 1978م ، وتمّت البيعة بحضور أولاد سيدي الحاج علي ، وتحت إشراف الشيخ سيدي علي بن سيدي محمود التجاني ( عين ماضي ) .
تميزت خلافته رضي الله عنه بالتجديد والبناء . استهلّها بحركة علميّة تجلّت من خلال :
الإنجازات
كانت للشيخ سيدي البشير رضي الله عنه إنجازات وأدوار كبيرة يعجز اللّسان عن الإيفاء بها ، ونذكر منها :
  1. الدّور النضالي
    1. قبل الاستقلال

    2. لقد أظهر الشيخ سيدي البشير رضي الله عنه في هذه المرحلة العصيبة الّتي مرّت بها الجزائر مواقف بطوليّة ، وأعمال ثوريّة سجّلها التّاريخ بأحرف من ذهب ، لا ينكرها إلاّ متعصّب جاهل ، وتجلّت هذه المواقف من خلال
      • تحسيس الأحباب وإقناعهم بضرورة الإلتحاق بصفوف المجاهدين .
      • كان الشيخ سيدي البشير وسيدي حمّه المساعديْن المباشريْن للشيخ سيّدي أحمد بن حمّه في أعماله الثّوريّة .
      • كان مكلّفاً بإيواء المجاهدين وإطعامهم ، نذكر منهم نصرات حشّاني وغيره من المجاهدين .
      • كلّف بقضايا سرّية لصالح الثّورة .
      • كان يشتغل أمينا للمال في الخليّة الثوريّة المشكّلة في الزّاوية .
    3. بعد الإستقلال
    واصل الشيخ مواقفه النّبيلة ، وآراءه السّديدة الّتي كان لها عظيم الأثر في توجيه الأحباب للمساهمة في بناء الدّولة والوطن . فلما ألمّت بالجزائر محنة الغدر ، وفُرْقةُ الصّف ، وانتشار الفكر المتطرّف ، كانت له مواقف بجانب الدّولة والوطن . فقد كان يدعو في مجالسه ولقاءاته ، سواء مع أبناء الزّاوية والأحباب ، أو مع غيرهم من الأصدقاء الّذين كانوا يتردّدون عليه ، على توحيد الصّف، ونبذ العنف، وعلى محاربة الفكر المتطرّف الهدّام ، واستبداله بالفكر المعتدل البنّاء . كما كان يدعو إلى الوقوف إلى جانب السّلطة الشرعيّة ، وعلى إخماد نار الفتنة ، وإطفاء جمرتها ، وعدم مواجهة الشرّ بالشرّ ، والعنف بالعنف . فكان رضي الله عنه رحيماً يدعو دائماً على الخروج من المآزق بمسلك حسن فيه لين ، وهذا مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كان آمراً بالمعروف فليكن أمره بمعروف » .
  2. ‌الدور الثقافي والعلمي

  3. كان للتكوين الأوّلي للشيخ رضي الله عنه ، المتمثّل في ثقافته الإسلاميّة الواسعة ، بالغ الأثر في نتاجه الميداني الّذي ظهرت بصماته من خلال :
    • بناء وتجديد الشّطر الأوّل من الزّاوية التي تصدّعت بفعل العوارض المناخيّة . وقد تمّ افتتاحها يوم الخميس 14 ذو القعدة 1413هـ ، الموافق لـ06 ماي 1993 م ، وبعدها واصل بناء زاويتي الوادي وبسكرة . قام رضي الله عنه بإعادة بناء المسجد الجامع ، حيث وضع الحجر الأساسي يوم السبت 03 صفر1416هـ الموافق لـ 01 جويلية 1995 م، ودشن يوم الخميس 19 رجب 1418هـ الموافق لـ20 نوفمبر 1997 م في يوم مشهود . وبهذه المناسبة بعث الشاعر محمد بن صابر الرّياحي قصيدة وممّا جاء فيها :
      للـه زاويـة ضـاءت  منائرهـا      بروضها الزاهر اسم الله مذكور
      هذا  البشيـر إمـام ردّ بهجتهـا      على يديـه يعـمّ الخير والنّور
      ذاك  الهمام الّذي جلّـت محاسنـه      ومن لـه بيننا حـبّ  وتقديـر
      كم صان حرمتها والعـزم ديدنـه      حتى  بدت وسلام الله  منشـور
      فهو الشّريف العفيف المعتلي رتبا     من  الصّلاح بها الإسعاد  موفور
    • أعاد بناء ضريح الخليفة الأعظم سيدي الحاج علي التماسيني رضي الله عنه ، حيث وضع حجر الأساس يوم الأربعاء 17 شعبان 1418هـ الموافق لـ17 ديسمبر 1997 م ، ودشّنه في يوم تاريخي وهو الخميس 07 شعبان 1419هـ الموافق ل 26 نوفمبر 1998 في حفل كبير . مع العلم أنّ الحفلين الخاصّين بافتتاح المسجد وتدشين الضّريح كانا تحت إشراف الخليفة العام للطريقة سيدي عبد الجبّار .
  4. ‌المدرسة القرآنية

  5. كانت هذه المدرسة ، قبل إعادة بنائها ، تقوم بواجبها في تحفيظ الطّلاب كتاب الله ، وذلك منذ تاريخ تأسيس زاوية تماسين . وقام بتجديدها كلّية الشيخ سيدي البشير رضي الله عنه ، وبعد انتقاله إلى الرّفيق الأعلى دشّنها نجله الخليفة الحالي الشيخ سيدي محمد العيد نصره الله وأيّده ، يوم الثلاثاء 05 رجب 1421 هـ ، الموافق لـ 03 أكتوبر 2000 م .
  6. الدّور الإجتماعيّ
    • كان رضي الله عنه دائم المبادرة في جمع الصّف وتوحيد الكلمة، كلّما سنحت الفرصة لذلك وخاصّة في المناسبات ، كالمولد النّبوي الشريف ، والأعياد ، وغيرها .
    • مبادراته الكبيرة الّتي ظهرت من خلال مشروع الزّواج الجماعي سواء لأولاد سيدي الحاج علي ، أو غيرهم من الأحباب ، حتّى يسهّل وييسّر لهم القيام بهذه السّنة .
    • حثّ الأحباب على الأخذ بأيدي بعضهم البعض ، وبثّ روح التّعاون والألفة والبساطة بين أفراد هذه الطّريقة .
    • مساعدة المحتاجين والمعوزين مادّياً .
وفاته
بعد هذا المشوار العظيم الذي قضاه الشيخ رضي الله عنه حاملاً لراية الخلافة في عصر التجديد بأدواره الثّلاثة : النّضالي والثقافي والإجتماعي ، لبّى الشيخ رضي الله عنه نداء ربّه في يوم الجمعة 01 شوّال 1420 هـ ، الموافق لـ 07 جانفي 2000 م بمستشفى عين النعجة بالجزائر العاصمة . وقبر يوم الأحد 03 شوّال 1420 هـ ، الموافق لـ 09 جانفي 2000 م في موكب جنائزيّ مهيب .
من وصاياه
كان الشيخ سيّدي البشير رضي الله عنه يوصي الأحباب دائما وينصحهم ، ومن أهمّ وصاياه :

  1. سورة الأحزاب ، الآية 23 .
  2. سورة النور ، الآية 37 .