البحث في نفحات7

 دور التجانية في الثورة التحريرية بالجزائر
الرّئيسية > محاضرات > دور التجانية في الثـورة التحريرية بالجـزائـر

تقديم الأستاذ : عبد الكامل التجاني ، عضو مجلس الأمة الجزائري سابقا

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله الهداة الطاهرين ، وصحابته الغر المحجّلين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

العارف بالله شيخ الطريقة التجانية سيدي الحاج امحمّد
معالي السيد وزير الشؤون الدينية والأوقاف
السيد والي ولاية الأغواط
السيدات والسادة الحضور الأفاضل :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
إنه لمن دواعي الشرف والإعتزاز أن نلتقي بهاته المناسبة الطيبة ، المتمثلة في : (الملتقى الدولي الإخوان التجانيين ) ، على أن نعرِّج حول الدور الريادي الذي قام به رجال الطريقة التجانية في الحركة الوطنية ، وثورة نوفمبر المجيدة .
إن الطريقة التجانية تستمد منهاجها السلوكي في التربية من الكتاب والسنة ، وتسميتها نسبة لمؤسسها الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه ، سليل بيت النبوّة ، وهو أشهر شخصية صوفية جزائرية ، وأعظمها أثرا في العالم منذ ما يزيد على قرنين . فأتباعه اليوم موجودون في الكثير من الدول ، ويُعَدّون بمئات الملايين . ويحمل أتباع هاته الطريقة شعار العلم والعمل والعبادة ، والسلم والسلام إلاّ إذا تعلق الأمر باعتداء أجنبي كالذي شهده وطننا سنة 1830 م ، حينها كان لرجال الطريقة وقفة حامي حمى الدين والوطن والأمة ، ولكم أيها الحضور المبارك تفاصيل موَثّقة تاريخيا عن ذلك ، ولكن عن طريق الومضة فالوقت المخصص لا يقتضي التوسّع .
المتصفح للتاريخ الجزائري يجد أنّ دور الزاوية التجانية النضالي كان مشرِّفا أيام الإحتلال . لقد أثبتت الوثائق أنه رغم ما قام به « ليون روش »(1) الجاسوس الفرنسي من مؤامرات في إذكاء نار الفتنة بين الزاوية التجانية بعين ماضي والأمير عبد القادر ، إلاّ أنّ الزاوية أصرّتْ على أن تبقى رافد خير للأمة في محنتها ، وقد حُسِمت القضية بالرسالة التاريخية التي بعث بها الأمير عبد القادر إلى سيدي محمد الصغير ، المعروف بسيدي محمد الحبيب رضي الله عنه ، والوؤرّخة في 23 ذي القعدة 1254 هـ (2) ، ومعها هدية رمزية مازالت لِحَدّ الآن في زاوية عين ماضي اعترافا بوطنيتها اليقظة .
لقد وقف الشيخ سيدي أحمد عمّار رضي الله عنه حفيد الشيخ الأكبر رضوان الله عليه في مسار المقاومة الوطنية ، مساهما في ثورة أولاد سيدي الشيخ ، وكان عمره لا يتجاوز السبعة عشرة سنة ، ومن ذلك اعتُقِل يوم 10 فبراير 1869 م ومعه ثمانية عشر رجلا ، نَفَتْهُم فرنسا إلى « بولوغين » بالجزائر العاصمة ، ثم إلى « بوردو » بفرنسا (3) ، وحتى بعد إطلاق سراحه ، فُرِضتْ عليه الإقامة الجبرية ، والرقابة التامة ، فكان لا يتنقل إلاّ برخصة .
ونسجل أنه بعد الحرب العالمية الأولى ، كان الشيخ سيدي محمد العيد خليفة الإمام التماسيني رضي الله عنهما (4) ، وكان يفيض غيرة على الإسلام والمسلمين ، محبا للعلم والعلماء ، ناشرا للمفهوم الصحيح للإسلام ، ويدعو إلى العمل والنهوض والتقدّم ، مبغضا للبدع والأهواء (5) . وكانت الزاوية أنذاك مصدر إشعاع ثقافي ، تصِلُها المجلاّت من مصر وتونس . وبهذا الفكر التحرري الذي يحمله الرجل ويشيعه بين المريدين أقلق المستعمر الذي أقام عليه حراسة شديدة .
ومن صور المقاومة ، دور الزاوية التجانية وشيوخها الرائدين ضد حملات التغيير والمسخ ، والوقفة الثابتة دفاعا عن هوية الأمة . والدارس للتاريخ يجد باقات تجسد صورا رائعة للمقاومة في مجال تحصين العقيدة . فكانت الطريقة في الخندق الأول تحفيظا للقرآن الكريم ، ونشرا للسنة المطهرة ، وحفظهما في الصدور ، وترسيخهما في النفوس ، وطبع حب الوطن في القلوب ، وإعداد المجتمع للتصدي للمحتل ، بأبعادها التربوية ، كفتح المدارس لتعليم اللغة العربية ، وفي الأبعاد الإجتماعية بإحداث اللحمة والتفطن لما يدبره المحتل في نشر سياسة فرّقْ تسُد ، وأبعادها الثقافية بالحفاظ على تراث الأمة ، وعاداتها وتقاليدها .
ومن المواقف السياسية الرائدة ضد الإحتلال :
أ ـ مضايقة سلطات الإحتلال بالبَـيَّضْ لمقدمي الطريقة بالمنطقة ، ومداهمة بيوتهم ، ومصادرة كتاب " الجامع " لدى المقدم ابن مزهود في 15 ماي 1880 ببلدة الغاسول ، كل ذلك من أجل مواقفهم ضد الإستعمار .
ب ـ وقوف مقدم الطريقة التجانية بالعاصمة ، العلاّمة الشيخ سيدي عبد الحليم بن سْمَايَه ضد التجنيد الإجباري ، وإصداره الفتوى المعروفة التي نبهت أبناء الأمة وأغضبت السلطات الفرنسية (6) .
ج ـ ومن الأدوار المتميزة التي قام بها أحد رجال الطريقة بالعاصمة ، وهو عمر بن قدور الجزائري ، رائد الصحافة الوطنية ، إصداره جريدة « الفاروق » ، وعدة مقالات أتحف بها الصحف العربية مشرقا ومغربا ، والتي كانت سببا لنفيه إلى الأغواط حيث ألّف كتابه المشهور « سائق السعادة ».
د ـ وجاء في كتاب بِنْجَمَان اسْطورَا (7). وعنوانه « مصالي الحاج رائد الوطنية الجزائرية » بأن هذا الأخير في تكوينه السياسي ، تأثّر كثيرا بأفكار المغفور له المقدّم سيدي الطاهر بوطيبة وكيل الزاوية التجانية بتلمسان ، الذي كان يغذّي الروح الوطنية ، داعيا لمقاطعة المحتلّ والخونة ، وعدم التعامل معهم ، واتباع السبيل الذي رسمه القرآن . كما أنّ هذا الرصد التاريخي جاء في كتاب محمد حربي (8) . « 1954 الحرب تبدأ في الجزائر ». والجدير بالذكر ، أنّ سيدي الطاهر بوطيبة تعرض لاضطهاد كبير من سلطات الإحتلال نظرا لمواقفه الوطنية المقدامة ، وأُبعِدَ إلى جزيرة « سانت مرغريت » ومعه تجانيون آخرون منهم كاتبه ، وذلك ما بين (1863 ـ 1871) ، وتضيف المراجع التاريخية أنه أثناء الإبعاد تدهورت صحته إلى أن فقد بصره (9) . هـ ـ أما الدور الثقافي الرائد ، فكان يتمثل في الدروس التي كانت تُلْقى في الزاويتين الكبيرتين للطريقة التجانية بعين ماضي وبتماسين ضد الإحتلال واغتصابه للبلاد ، والدعوة لوحدة الصف وترسيخ الشعور بالإنتماء للوطن والدفاع عنه .
هكذا كانت الزاوية التجانية تضمّ رجال جهادٍ ومقاومة في الفترة التي سبقت اندلاع الثورة ، وكان نشاطها ضد الإحتلال يشمل عدة مسارات :
1 ـ نجد الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه ، أحد خلفاء ديار تماسين ، يساهم ماديا ، ويشجع جمعية العلماء المسلمين من أجل تعليم النشئ . قاله مباشرة إلى البشير الإبراهيمي ، أو عن طريق الصخري الحاج شاوي ، تاجر ببسكرة .
ورغم مواقف عدد من كوادر الجمعية من التصوف ، وامتعاض بعض أبناء الزاوية من هاته المواقف ، إلاّ أنّ الشيخ كان يدعو لوحدة صف الجزائريين ضد الإحتلال . وفي هذا الإطار كانت إعانات الزاوية لجمعية العلماء دائما معتبرة ، وقد ذكر محمد خير الدين (10) عضوالجمعية أن الشيخ سيدي أحمد التجاني التماسيني رضي الله عنه قد ساهم بمبلغ هامٍّ لصالح مؤسسة اقتصادية هدفها نموّ الإقتصاد الوطني ، وكسر الإحتكار من طرف اليهود والنصارى .
2 ـ بخصوص الخليفة الشيخ سيدي أحمد التجاني التماسيني رضي الله عنه ، وإجباره على الترشح لانتخابات المجلس الجزائري في 11 أفريل 1948 . كان أحمد ميلودي أحد مسؤولي حزب الشعب ( ومرشح حركة انتصار الحريات الديمقراطية) بالجنوب الشرقي ، يردد أن قيادة الحزب أمرت بشنّ حملة دعائية ضد كل المترشحين المستقلين في الجهة باستثناء الشيخ سيدي أحمد التجاني التماسيني رضي الله عنه ، وفعلا كانت للشيخ في المجلس علاقات طيبة ، وتنسيق مع نواب الحركة الوطنية في المجلس ، منهم قدّور ساطور ومصطفى فرّوخي .
3 ـ إنّ الشيخ سيدي أحمد التجاني التماسيني رضي الله عنه كان ضمن مجموعة من أعضاء المجلس الجزائري التي قدمت لائحة ضد قانون فصل الصحراء ، وقد صوّت عنها ، وسانده في ذلك كلّ من الشخصيتين الوطنيتين المذكورتين سابقا ، واللذين شجعا الشيخ على تقديم اللائحة .(أنظر الجريدة الرسمية لمناقشات المجلس الوطني رقم 54 بتاريخ 5 جويلية 1952).
بعض مساهمات رجال الزاوية التجانية في الثورة .
بمجرد اندلاع الثورة المباركة في الفاتح من نوفمبر 1954 ، كانت الزاوية التجانية من أوائل المُـلبّـين لنداء الوطن ، وحسبنا ما شهد به إخوة مسؤولون وقد ضمّنوا شهاداتهم بوثائق حرروها تلقائيا نعتزّ بها كثيرا ، ونحتفظ بها للتاريخ . وجاء في إحدى هاته الشهادات : « ...إن الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه سخّر كل إمكانيات الزاوية خدمة للثورة ، وكانت له مواقف شجاعة ، وأعمال جليلة ، لن ينساها له التاريخ والمخلصون في هذه الأمة ». ولا شكّ أنّ الأحرار والمخلصين في هاته الأمة يتذكرون ما قام به المغفور له الشريف سيدي بن عمر التجاني رضي الله عنه (عين ماضي) من مقاومة للإستعمار التي بسببها ألقي عليه القبض من طرف سلطات الإحتلال ، وأذيع خبر اعتقاله يوم 18 مارس 1957 م بصوت العرب (القاهرة( ، وصوت الجزائر (تونس) .
كما لا ننسى سيدي محمد البودالي الذي كان له دور فعال في خدمة الثورة ، وكذا أبناءه الدين ساهموا بأنفسهم ونفيسهم ، وحملوا راية الجهاد من أجل استعادة السيادة الوطنية ، ومن بينهم العارف بالله سيدي عبد الجبّار التجاني شيخ الطريقة الراحل رضي الله عنه ، رفيق الشهيد باجي مختار ، والمجاهد الشيخ سيدي الحاج امحمّد نجل العارف بالله سيدي محمود التجاني رضي الله عنه ، وهو شيخ الطريقة التجانية الحالي .
وفي بداية الثورة ، أعطى الشيخ سيدي أحمد التجاني التماسيني رضي الله عنه أمرا إلى ابن حسين ، وكيل الزاوية بتوزر (القطر التونسي) ، بتسليم مبلغ هامّ سنوي من غلّة النخيل إلى الطالب العربي قمّودي (أحد قادة الثورة في الجهة الشرقية) للتسليح والتموين ، وكذلك خصّص مبلغا ماليّا للقيادة السياسية للجبهة بتونس .
كما أنّ دار الشيخ سيدي أحمد التجاني التماسيني رضي الله عنه كانت مقرّا للإجتماعات ، ومنها التي ترأسها العقيدان سي الحوّاس وعميروش وغيرهما من قادة الثورة بتونس .
ونسجّل ما قام به السيد التجاني محمد العيد بن الشيخ الصغير رضي الله عنهما ، وهو أحد المسؤولين في الجبهة بتونس ، حين فتح بيته في حيّ داندان على طريق باردو ، للطلبة الذين يدرسون هناك ، وكانت جبهة التحرير تُعِدّهم للنظرة البعيدة للمستقبل (أنظر كتاب يحي بوعزيز) 11.
وعند الحديث عن الشيخ سيدي أحمد التجاني التماسيني رضي الله عنه ولقاءاته بـ "سي الحوّاس" (منها لقاء خريف 1956 ليشانة دائرة طولقة) ، واستقباله مبعوثين عنهللتنسيق ، نذكر أن الزاوية قامت بإيواء المجاهدين ومسؤولي الناحية الرابعة من المنطقة الرابعة للولاية السادسة ، فكانت الزاوية ملتقى لهؤلاء القادة ، يتحركون فيها بكل حرية وأمان .
وهنا لا بدّ من وقفة :
إنّ أغلب الكبار من أبناء الزاوية كانوا على علم بتواجد المجاهدين ، ولم تتسرّب أيّ معلومات للعدوّ عنهم ، وهذا دليل جليّ على تجنّد أفراد الأسرة التجانية بتماسين بقيادة الشيخ رضي الله عنه خدمة للثورة .
والجدير بالذكر ، أن الزاوية كانت تحت الرقابة ، وقد تعرّضت لحصار المظليين يوم 15 ماي 1958 م .
كما أنّ شيخ الزاوية التجانية رضي الله عنه في اجتماعاته السريّة مع أفراد الزاوية ومقدّمي الطريقة ، كان يوصيهم بمواصلة العمل الثوري ضدّ الإحتلال ، وكان يساعده في ذلك أبناء الزاوية ، نذكر منهم مساعده الأول في هذه المهمّة الشيخ الراحل سيدي محمد البشير التجاني رضي الله عنه ، وكذا ابن أخيه سيدي محمد المعروف بسيدي حَمّهْ رضي الله عنه (الذي كان مكلّفا بمهام صعبة ، منها تأمين تنقل المجاهدين بين ناحية لَمْغَـيـّرْ وزاوية تماسين) ، وابنَيْ عمّه سيدي محي الدين يمبعي التجاني رضي الله عنه (الذي قبض عليه في أفريل 1957 ) وسيدي عبد الحميد التجاني وآخرين كثر رضوان الله عليهم . كما نسجل بأنّ سيدي محمد الطيب نجل الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنهما كان من كبار مسؤولي الثورة في مدينة قسنطينة ، وقام بأعمال كثيرة منها :تلقّي أموال الثورة من فرنسا وتسليمها إلى ولايات الوطن ، وكانت كل الإتصالات تجري في وحدة لتحضير وبيع المشروبات بقسنطينة ، وهي من أملاك الشيخ ، وكان يستعملها أبناؤهللتغطية على نطاق العمل السري للثورة ، وقد ذكرها "علي هارون" في كتابه « الولاية السابعة » ، مستشهدا بالعقيد "صالح بوبنيدر"(صوت العرب) قائد الولاية الثانية . هاته الوحدة فجّرها مجرمو الـ OAS ، وقد ألقي القبض على سيدي محمد الطيب المذكور في نوفمبر 1961 ونقل إلى سجن "فران"(Fresnes) بباريس .وبعد أيام ألحق به أخوه سيدي محمد الحافظ رضي الله عنه الذي كان يدرس بفرنسا ، ولم يطلق سراحهما إلاّ بعد إيقاف القتال ، وبالتحديد يوم 22 مارس 1962 ، أي ضمن آخر دفعة للمعتقلين السيسيين .
وقدّمت الطريقة عددا كبيرا من الشهداء ، نكتفي بذكر خمسة منهم ، واحد من زاوية عين ماضي ، وهو الشهيد سيدي أحمد نجل العارف بالله سيدي محمود التجاني رضي الله عنهما ، وثلاثة من مقدّميها بمنطقة سُوفْ ، أعدموا في شهر رمضان 1376 هـ الموافق لـ أفريل 1957 م ، وهم
1 - الشهيد التجاني أحمد بن محمد العيد - البيّاضة ( وهو ابن أحد كبار مقدمي الطريقة ، وقد أعدم أثناء التعذيب ).
2 - الشهيد حمّي بلقاسم - المَقْرَنْ .
3 - الشهيد تجيني الطاهر - حساني عبد الكريم .
بالإضافة إلى الشهيد التجاني الهادي ، وهو ابن مقدم الطريقة التجانية بمدينة الوادي .
ولا ننسى أن عددا كبيرا من أتباع الطريقة اعتقلوا وعذّبوا ونكّل بهم ، منهم الشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة ، أحد الرجال البارزين في الطريقة التجانية ، الذي سجن بـ"باتنة" ، ولما أفرج عنه بقي تحت الإقامة الجبرية ب"بسكرة" إلى حين استقلال الوطن .
ويبقى الموقف المشهور التاريخي لشيخ الزاوية ب"تماسين" رضي الله عنه من قضية فصل الصحراء ، والذي كان له فيها الدور الرئيسي ، حينها كان عضوا في المجلس العام ب"الواحات" (المجلس الولائي) ، وهو تصديه لإحباط مناورات المحتلّين ، وسدّ الذرائع في وجوههم . وقد ذكر جانبا من هذا الموقف الشيخ إبراهيم بيّوض في كتابه "أعمالي في الثورة " ، لكن القول الحاسم جاء في جريدة "المجاهد" لسان حال الثورة آنذاك ، في العدد رقم 89 بتاريخ 16/01/1962 والذي أشار : « أنّ فرنسا سعت بواسطة أعوانها للحصول على تأييد الشخصيات المحلية الصحراوية من أجل فصل الصحراء ، واستعملت الإغراءات والتهديدات ، ولكنها لم تحقق هدفها ، فطلبت الأوساط الإستعمارية المكلفة بهذه المحاولة القبض على أحد رؤساء الزاوية التجانية » 12 . وهكذا يتبين بكل وضوح موقف الزاوية من قضية فصل الصحراء.
تكريما واعترافا للزاوية التجانية لما قامت به أثناء الثورة ، قررت قيادة "الولاية السادسة" أن يكون الإنطلاق من "تماسين" بالنسبة للوفود المدعوّة للمشاركة في ملتقى الشارف (أفريل 1962) من أجل حملة التوعية ، والتحضير لاستفتاء 01 جويلية 1962 .
وبعد الإعلان عن الإستقلال ، قدمت الزاوية التجانية ستين معلما من خريجي مدارسها ، ساهموا في تعليم اللغة العربية وسائر العلوم ، وضمنوا استمرارية التعليم في المنطقة .
هذه هي الطريقة التجانية وزواياها ، وبعض مواقف رجالها في الحركة الوطنية والثورة المباركة ، وقد قيل الكثير عن هذه المواقف ، لكن مشائخ الطريقة كانوا يأمرون بعدم الردّ ، عملا بروح التسامح التي طَبَعت الطريقة التجانية ، وحفاظا على الوحدة الوطنية .
إن رجال الطريقة التجانية الذين وقفوا بالأمس سندا للوطن في زمن الإحتلال ، وقفوا أيضا في عشرية النكبة مع الشرعية حتى تبقى مؤسسات الدولة واقفة ، ويبقى مكسب النظام الجمهوري قائما شامخا . وبعد أن سارت الأمة بخطاها المباركة بثقة وأمان نحو ساحل النجاة ، ها هي زوايا الطريقة تواصل مع الدولة بناء الإنسان كالعادة ، نشرا للعلم وتحبيبه للنفوس ، ودعوة للعمل الجاد المثمر حتى تمتدّ السواعد لبناء الوطن ، وصقلا لخلق الأفراد باقتناعهم بالتوجه إلى الله تعالى ، للجعل من أمتنا العظيمة امتدادا حقيقيا لخير أمة أخرجت للناس . نحن على يقين أن الأمم لا تزدهر إلاّ بالأمن والأمان ، ولا يكون لها وزن في العالم إلاّ بالسلم والسلام ، وإشاعة روح الوحدة بين أفراد الأمة ، ودفع عجلة المصالحة الوطنية .
عهدنا لأمتنا وشهدائنا باق
فإلى الأمام أيها الوطن الغالي

  1. ولد بـ « غرونوبل » في 28/09/1809 ، تحصل على البكالوريا سنة 1828 . أبوه « ألفونس » ملحق بخدمات العتاد العسكري بالجزائر منذ الحملة الأولى . تعلم العربية والتحق بالأمير عبد القادر بعد أن ادّعى الإسلام وأصبح كاتب سرّه . تخلّى عن الإسلام بعد أن أتمّ مهمّة الجوسسة . إلتحق بالجيش الفرنسي في نوفمبر 1839 . توفيَّ سنة 1901 .
    ذكر ذلك الدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه الجدل الثقافي ص : 97 ، 105 ، 106 . وكذلك مجلة الرؤية الصادرة عن وزارة المجاهدين ( جانفي ـ فيفري 1996 ) ، ص : 82 .
  2. الموافق لـ : 06 فيفري 1839 م .
  3. د.يحيى بوعزيز : « كفاح الجزائر من خلال الوثائق » ص 154 ، المؤسسة الوطنية للكتاب .
  4. تصدّر رضي الله عنه الخلافة من سنة 1918 م إلى 1927 م .
  5. محمد بن سمينة « محمد العيد آل خليفة : دراسة تحليلية لحياته ».
  6. Jean Louis Triaud et David Robinson «La Tijaniyya : une confrérie musulmane à la conquête de l'Afrique » . Paris,Karthala , 2000 .
  7. بنجمان سطورا : « مصالي الحاج رائد الوطنية الجزائرية ، الرحمة 1991 ، ص 111 و 112 . »
  8. محمد حربي : « 1954 الحرب تبدأ في الجزائر ، ص 165 » ، Edition complexe(historique).
  9. Entre hagiographie et histoire , les origines d'une confrérie musulmane maghrébine : la Tijaniyya (1781 - 1880).Thèse pour le doctorat(NR), présentée par :Jillali El-Adnani.
  10. مذكرات محمد خير الدين ، الجزء الأول ، ص 364 ، 365 .
  11. د.يحي بوعزيز « ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين » ، الجزء الثاني ، الطبعة الثانية منقحة ومزيدة ، ص 380 .
  12. المجاهد عمّار قليل « ملحمة الجزائر الجديدة » الجزء الثاني ، ص 39 و 40 .