البحث في نفحات7

 نفحات7 - محاضرات - كلمة الشيخ سيّدي محمد العيد في الملتقى الدولي الثاني التجاني
الرّئيسيـة > محاضرات > كلمة الشيخ سيّدي محمـد العيـد في الملتقى الدولي الثاني التجاني


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاةُ والسلامُ على نبيِّهِ وصفيِّهِ محمدٍّ أشرفِ المرسلينَ وعلى آلِه وصحبِه ومن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ
سيِّدي ممثِّلُ فخامةِ رئيسِ الجمهوريَّةِ معالي الأمينُ العامُ لرئاسةِ الجمهوريَّةِ
السَّادَة أصحابُ المعالي والسَّعادةِ السَّادةُ ممثِّلي الدولةِ الجزائريَّةِ من مَدَنِيِّينَ وعسكريِّينَ
السَّيدُ الفاضِلُ والي ولايةِ الوادي
سَادَتي أحْفَادُ القُطْبِ المَكتومِ
أصحابُ الفَضيلةِ مَشائخُنا الكِرامُ
أيُّها الأساتذةُ الأفاضلُ ضيوفنا الأعزَّاءُ
أيُّها الجَمْعُ الكَريمُ
سَلامٌ من الله عليكم ورحمةٌ مِنْهُ وبَركَاتٌ وتَحيَّةٌ من القَلْبِ تَتْرَى إِليْكُم جميعا .
هذه سوفُ النَّخِيلِ ، دَارُ الكَرمِ والجُودِ ، وهذه مَدينَةُ قمار ، دَوْحَةُ العُلماءِ والصَّالحينَ والنَّاسِكينَ المُتَبَتِّلِينَ ، قد ازْدَادَ سَنَاها مَقَامًا وقَدْرًا بِوِفادَتِكُم إلى رُبُوعِها ، وأَشْرَقَ صَبَاحُها السَّعِيدُ فَخْرًا بِوِصَالِكُمْ المَيْمُونِ إلى رُبُوعِ أَوَّلِ زَاويةٍ تجانيَّةٍ تَأَسَّسَتْ للنَّاسِ عَلَى تَقْوى من اللهِ وهُدَاه .
فَنِعْمَ الوِصالُ وِصالُكُم ، ونِعْمَ اللِّقاءُ لِقَاؤُكُم .
أيُّها الأَحِبَّةُ والأحْبَابُ .
إخوةَ الإيمان :
إنَّها لَمِنَّةٌ من العَلِيِّ القَديرِ أن تَكُون فَاتِحةُ مُلْتَقانا كِتابا كريما من رَجُلٍ كَريمٍ : فَخامَة رئيسِ الجمهوريَّةِ السَيِّد عبد العزيزِ بوتفليقة ، والتي تَلاها عَلَى مسامِعِنا معالي الأمينُ العامُ لرِئاسَةِ الجمهوريَّةِ الأستاذُ الدُّكتور السيّد الفاضلُ العقبي عبد المجيد حبَّة .
فَلَم يَتْرُكْ فَخَامَتُهُ للخُطَباءِ مِنْ قَوْلٍ حَكيمٍ ، وهِي هِبَةٌ عزيزةٌ مِنْهُ نَضَعُها إكْليلاً على جَبِينِنا ، ونَعْتَمدُها وَرَقَة العَمَلِ الأساسيَّة لمُلْتقانا ، لِمَا اتَّسَمَتْ به من دُرَرِ الحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ ، ولِما تَضَمَّنَ مُحْتَواها من إطْلالَةٍ سَامِيَّةٍ على عَالم الرُّوحِ والتَّصوفِ ، واسْتِشْرافٍ واسعٍ لعلاقةِ هذا العالَمِ بالحَراكِ الإنساني ، وهيَ دعْوةٌ صادِقَةٌ ومُؤمنَةٌ لِكُلِّ ما مِن شَأنِه أن يزرعَ الحُبَّ بين القُلوبِ ، والأُلفَةِ بين العِبادِ ، ويجمعُ الشَّملَ ، ويُوَحِّدَ كلمةَ المسلمينَ ، ويبْسُطَ أواصِرَ السَّلامِ والحِوارِ بين الأممِ والشعوبِ ، وهو أساسُ طَريقَتِنا الأحمديَّةِ السَّنِيَّةِ ، بل هو مسارُ الإحسانِ في الإسلامِ .
فلم يَعُدْ لمحُدِّثِكم بعدَ هذا الطَّرحِ العميقِ ، والرُّؤيةِ المتينةِ الشَّاملةِ إلاَّ واجبَ الشُّكرِ والتحيَّةِ .
ومِن بابِ الاعترافِ بجميلِ الفضْلِ لِآلِ الفضلِ نُجْزي شُكرَنا وخالصَ تقديرِنا لفخامةِ رئيسِ الجمهوريَّةِ لالتِفاتَتِه الكريمةِ ، وجَليلِ مِنَّتِهِ لتَشْريفِ الزَّاويَةِ التِّجانيَّةِ برعايتِه السَّاميَّةِ للمُلتقى الثَّاني للطريقة التجانية بقمار ، ونسألُ اللهَ أن يُثَبِّتَ ثوابَهُ في مَقامِ الذي يُؤتى به أجرُ المحسِنينَ ، وأنْ يُسَدِّدَ خُطاهُ في خِدمةِ مجتمَعِنا والإسلامِ والمسلمينَ ، وأنْ يجعلَ منْهُ ، مثْلَمَا هو دَيْدَنُهُ ، رسول محبَّة وسلامٍ .
والتَّقديرُ كلُّ التَّقديرِ موصولٌ لِدولةِ رئيسِ الحكومةِ السَّيِدُ أحمد أويحي ، ودولةِ رئيسِ الحكومةِ السَّابقِ السَّيد عبد العزيز بلخادم ، اللَّذيْن وَفَّرا لنا أسبابَ هذا اللقاءِ السَّعيدِ ، ولمعالي وزيرةِ الثقافةِ السَّيدَة خليدة تومي التي تَبَنَّتْ مشروعَنا هذا فكانت نِعْمَ السَّنَد المُعين رؤيةً وطرْحًا وتموينًا وتمويلاً ، ولمعالي وزيرِ الشُّؤونِ الدِّينِيَّة والأوقافِ السَّيد أبو عبد الله غلام الله على دعمهِ الكريمِ ، ولمعالي وزيرِ السِّياحة السَّيد شريف رحماني على مساعدَتِه الطَيِّبةِ ، وللكثيرِ من مؤسساتِنا الوطنيَّةِ العموميَّةِ والخاصَّةِ ، دون أن ننسى آل الدَّارِ بالوادي في شخصِ والي الولاية المحترمِ السَّيد مصطفى لعياضي ، ومن خلالهِ إلى كلِّ إداراتِ الولايةِ وبلدياتِها لا سِيَما مديريةُ الثقافةِ ، وبلديةُ قمار الميمونةِ ، وإلى جنودِ الخفاءِ فيمنْ عرِفنا ولم نعرِفْ ، الذين عملوا بصدقٍ وصَمتٍ حتى يتيسَّرَ لنا هذا اللِّقاءُ الميمونُ .
وإذا كان التقديرُ لا يقفُ في همَّةِ الرجالِ على واجبٍ ، فإنِّي أُسَجِّلُ موقفَ إكبارٍ للأمينِ العامِ لفخامةِ رئيسِ الجمهوريَّةِ الذي بذلَ جهودًا مخلصةً ساهمت في تحويلِ حُلُمنا الجميل بالملتقى إلى واقعٍ نحتفل به السَّاعةَ .
إنّ العلاقةَ بين الطريقةِ التجانيَّةِ وآلِ سوفٍ هي علاقةُ حبٍّ وتاريخٍ .
فَسُوفُ النَّخيلِ هي التي احْتَضَنَتْ أوَّل زاوية تجانيَّةٍ في الطريقةِ ، وكان هذا في عامِ 1789 م بالبابِ الشَّرقيِّ بقمار ، وكان أَوائلُها رجالاً مخلِصينَ مؤمنينَ صادقينَ في بَثِّ رسالةِ الإحسانِ بين النَّاسِ من أمثالِ سيِّدي السَّاسي القُماري ، وسيِّدي عبد الله بَدَّه ، وسيِّدي أحمد بن سليمان وغيرهم . وسوفٌ هي التي احتضنَتْ خليفةَ الطريقةِ التِّجانيَّةِ الأعظمَ سيِّدي الحاج عليّ التماسينيّ ، وناصَرَتْهُ ، وشَدَّتْ من أَزْرِه ، وهذا حالُها في موكبِ الحُبِّ مع خلَفائهِ من بعده .
لقد جاء نجلُه الشَّيخُ سيِّدي محمدُ العيدِ مِن بعدِ التَّماسينيِّ باعثًا ومؤسِّسًا ومجدِّدًا ، وهو الذي تكفَّلَ ببناءِ زاويةِ قمار وتَشْييدِ مسجِدِها ودُورِها ، وفي عهدِه أضْحى البابُ الشَّرقيّ القماري قِبلةً لطلاّبِ العلمِ ودارِسيهِ ، ومَوْئلاً لتعليمِ القرآنِ الكريمِ وعلومِه ، ودارًا للخيرِ والرحمةِ .
إنَّ مدينةَ قمار ، التي يعتَبِرُها كلُّ تجاني مَعْلَمًا روحيًّا يربِطُه بأهدابِ هذه الطريقةِ السُّنِيَّةِ ، هي أيضًا معلمٌ بُنِيَ على الإخلاصِ للهِ وفي اللهِ وباللهِ ، وعلى إخلاصِ التَّماسينيّ بنِ عيسى لشيخِه وأستاذِه وقدوتِه صاحبِ الطريقةِ التِّجانيَّةِ القطبِ المكتومِ ، والولِّي المعلومِ ، أبي العبَّاسِ سيِّدي أحمد التِّجاني - طيَّبَ الله ثراهُ ورضي عنه - الذي كان يعتَبِرُه سيِّدي الحاج عليّ مبتداهُ في التربيةِ ومُنتَهاه .
فَرَبَّى التَّماسينيّ الرجالَ على الهمَّةِ ، وصقْلِ النُّفوسِ على التَّقوى ، وكان في المريدينَ أبًا مُلْهَمًا لترويضِ العقلِ على العلمِ ، والذَّاتِ على العملِ ، والرُّوحِ على العبادةِ والإحسانِ ، ولم تكنْ لَدَى مولانا التَّماسينيّ من صَبابةِ عِشْقٍ ، أو إشراقةِ ذوقٍ ، أو ومْضَةِ فيضٍ ، إلاَّ وكانت موصولةً بالشَّيخِ سيِّدي أحمد التِّجاني ، وهو القائلُ في حقِّه :
مَنْ أرادَ المعرفَةَ فَلْيَعرِف الشَّيخَ ، ومَنْ أرادَ الصُّحبةَ فلْيصحبِ الشَّيخَ ، ومَنْ أرادَ الحديثَ فَلْيتَحدَّثْ عن الشَّيخِ
لقد تَصدَّر سيِّدي الحاج علي التَّماسينيّ خليفةً للطريقةِ التِّجانيّةِ بعدَ أنْ الْتَحقَ سيّدُنا الشَّيخُ إلى جِوارِ ربِّه ، فكان لِعَقِبَيْهِ ، سيِّدي محمدُ الكبيرُ وسيِّدي محمدُ الصغيرُ ، وَصِيًّا خَدُومًا ، وأبًا مُرَبِّيًا ، وهو الذي عادَ بهما إلى قُرَّةِ عينِ الطَّريقةِ عينِ ماضي مسقطِ رأسِ مولانا أبي العبّاسِ .
أيُّها الجمعُ الكريمُ : إنَّ الطريقةَ التِّجانيّةَ هي طريقةُ إحسانٍ لوجهِ الله ، لا تقوم على رفضِ الآخرِ على اختلافِ رُآهُ ، فهي تَعتبرُ الصُّوفيَّ أخًا في الطريقِ ، والمسلمَ أخًا في الدِّينِ ، والآخرَ الذي يخالِفُك في الدِّينِ والعقيدةِ شريكًا في العبوديةِ لله والمجتمعِ الإنسانيِّ الواسعِ ، ومن ثمَّةَ فإنَّ الإشكاليةَ التي نضعُها بين أيديكم أيُّها السَّادةُ الكرامُ : (الخطابُ الصُّوفيّ التجاني زمنُ العولمةِ ) هي - في منظورِنا - طرحٌ للقيمِ الإنسانيةِ التي تقومُ عليها أرقى رسالةٍ سماويّةٍ في التَّاريخِ ، ألا وهي : الإسلامُ بما يحْمِلُه مِنْ قِيمِ التَّسامُحِ والمودّةِ والمحبّةِ والإحسانِ ، والقناعةِ وقُبولِ الآخر ، والصَّفحِ والغفرانِ والإيثارِ ، والعطفِ والحبِّ ، والمجادلةِ بالتي هي أحسنُ لأُفُقِ الحوارِ الجادِّ بين الثقافاتِ والحضاراتِ والمعتقداتِ إلى ما يمكن أنْ يزرعَ فصائلَ الحوارِ بين الناسِ ، ويوطِّدَ آفاقَ الأخذِ والعطاءِ لما يخدِمُ الإنسانيةَ بين الأفكار وإِنِ اختلفتْ مقاصدُها ، ولِمَا يجعلُ من كلِّ مؤمنٍ صادقٍ رسولَ حبٍّ وإحسانٍ .
وفي الأخير ، لا يسَعُني إلاّ أن أجدّدَ عظيمَ المنَّةِ والعرفانِ لفخامةِ رئيسِ الجمهوريّةِ ، السيِّدُ عبد العزيز بوتفليقة ، على كريمِ الرِّعايةِ ، وجزيلِ العنايةِ ، واللهَ نسألُ أنْ يشُدَّ مِنْ عَضُدِه ، ويوفِّقَه في المشاويرِ اللاَّحقةِ للمُضِيِّ بجزائرِنا الحبيبةِ نحوَ مايزيدُها تطوُّرًا ورُقِيًّا ، وأنْ يُزكِّي جهودَه المُخلِصةَ في خدمةِ الإسلامِ والمسلمينَ والسَّلامِ بين النَّاسِ .
فَعَلى الرَّحْبِ والسَّعَةِ بكم ضيوفَنا الكرامَ ، وهذه الزاويةُ التِّجانيّةُ بقمار وولايةُ الوادي تقولُ لكم : الدِّيارُ ديارُكم ، ومُقامٌ سعيدٌ بين إخوانٍ لكم يَسْعَدُون بكم ويُكِنّوُنَ لكم كلَّ محبةٍ واحترامٍ وتقدير .
واللهُ وليُّ التوفيقِ ، والسلامُ عليكمْ ورحمةُ الله وبركاتُه .