البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ لشبابنا ـ مخاطر البدايات في الطريق
الرّئيسيـة > لشبابنـا > مخاطـر البدايـات في الطريق


بقلم : محمود سلطاني 06/08/2011


أرسل إليّ المقدّم العالم الداعية المجاهد أخي فخر الدين أويسي التجاني ، من مدينة كاب تاون بجنوب إفريقيا ، رسالة لأحد السلفيين الوهّابيين يسرد فيها قصّة تحوّله إلى الطريقة التجانية . الرسالة طويلة ، ولا نريد أن نطيل بنقلها على هذه الصفحة ، لكننا وضعناها كاملة على صفحة مستقلّة ، ولمن أراد قراءتها يجدها   هـنــا   إن شاء الله تعالى .
لا يسعني إلاّ تصديق ما قاله الأخ في رسالته بالرغم من مصدرها الذي نُسِختْ منه ، لأنّه موقع مُعادٍ للتصوّف والصوفيّة ، وبالأخصّ للطريقة التجانية ، وهو من المفروض مبرّر كافٍ وقويّ للإحتراس من معلوماته .
أصدّق لأنّ الأخ صرّح قائلا : " ... عزمتُ على أن أدخل هذا العالم المجهول مؤنتي ( هكذا في الأصل ) التوكّل على الله وصدق النيّة في الوصول إلى حقيقة هذا العلم وحقيقة المشائخ ... " .
وأصدّقه لأنّه صرّح قائلا : " وبعد ذلك كثرتْ أحلامي بسيّدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وقد قال ( من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّء مقعده من النار ) " .
وأصدّقه لأنّ شيخنا وخلفاءه وعلماءنا وكلّ من عرف الله حقّا واتّقاه - متصوّفا كان أو غير متصوّف - يعلمون أن المثبت أوْلى من النافي في الأمور الذوقيّة الشخصيّة . وهذا الأخ الكريم أكّد بقوله : " واطّلعت على علوم وأسرار منها المباح قوله ومنها ما يحرم قوله ، لو نطقت بكلمة منه لقطعتم هذا البلعوم ، ومنها ما ليس له مفردات في قواميس اللغة تعبّر عنه . فرأيتُ الملائكة والجنّ والشياطين والعوالم والأكوان والأرواح وأصل الوجود ... " .
هذا الكلام بالنسبة لنا نحن التجانيون من الأمور العادية لعقولنا وفهومنا ، ليس لأنّ كلّ تجاني تحقّق بما ناله هذا الأخ بنفسه وعاشه كفاحا ، لكنّه يؤمن به أكثر ممّا لو عاينه واطّلع عليه ما دام الشيخ سيّدي أحمد التجاني رضي الله عنه هو من يقول به ويقول بأكثر منه أضعافا مضاعفة .
وأصدّقه لأنّ تسلسل وقائع ترقّيه منطقية بالقياس لأمثاله ممّن لم ينشأ في عائلة وبيئة صوفيّة تجانية . فالطريقة التجانية طريقة اجتباء بمحض الفضل الإلهي منذ الأزل ، وقد يكون بعض من أصحابها أبعد ما يكونون عنها في فترة من فترات أعمارهم ، لكن بمقتضى المشيئة القديمة التي جعلتهم في هذه الزمرة فإنّهم يدخلون بوسائط غير وسائط غيرهم ممّن ساعدتهم الظروف وأعانهم المحيط الملائم . هذا رجل رزقه الله تعالى أوّل ما رزقه موضوعية في تفكيره والحكم به ، ثم شغله بعيوبه وسلبيات نفسه مدّة طويلة مترافقة بالبحث الموصول بالتوكّل على الله ، ثمّ وهبه الله من العلوم اللدنّيّة ما أزاح عن بصيرته كلّ تردّد وريب ، وذاق - مشاهدةً - من العجائب الكثير . ولمّا كانت طريق القوم ، وبخاصّة الطريقة التجانية ، طريق محض توحيد وعبادة الله الواحد القهّار ، فإنّه كان منتظرا أن تنزل الحجب من جديد بين هذا المريد وعالم الخوارق حتّى لا ينشغل بها عن مهمّته الحقيقيّة . وقد وقع ذلك وفق ما صرّح به هو نفسه ، قال : " ... وبعد أشهر غابتْ عنّي تلك المشاهدات لأنّها ليست مطلوبة لذاتها ، بل المطلوب هو وجه الله ، وبقي لي انشراح الصدر والطمأنينة والسكينة والإيمان بالله ومحبّة حبيبه سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم وأهل بيته وصحابته الأولياء رضي الله عنهم أجمعين وشيخي أحمد التجاني وإبراهيم نياس رضي الله عنهم وأهل الطريق والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، لكن ليس في القلب إلاّ الله ... ." .
وإنّك لواجدٌ الآلاف المؤلّفة من أصحاب الشيخ رضي الله عنه من المنتسبين إلى أُسَرٍ تجانية أبا عن جدّ وبالرغم من كبر سنّهم وأخذهم العهد في باكورة شبابهم ، لا يرون خارقة أو عجيبة ، بل لا يرون الشيخ في منامهم مع قوّة تشوّقهم وتشوّفهم لذلك . تفسير ذلك كما ذكرنا أعلاه ، وهو أنّ مثل تلك المشاهدات قد تكون للمبتدئين الغرباء تثبيتا وتجذيرا ليقين لا بدّ منه لمواصلة الطريق بسلام وأمان ، أمّا غيرهم ممّن وُلِدوا في دائرة الإنتساب والإعتقاد ، واكتسبوا مقوّمات الإنتماء الحقيقيّ بحسن تربية الوالدين والمجتمع الذي فيه نشأوا وتلقّوا أركان الطريقة وأصولها ومبادئها بمجالسة الخلفاء ، ومخالطة العلماء ، ومعاشرة المقدّمين ، وارتياد حلقات الذكر والعلم ، هؤلاء لا حاجة لهم بالخوارق لأنّ ما تلقّوه من تلقين منذ نعومة الأظافر كان أرقى من كثير من الكشوفات ورفع الحجب .
قال رجل من تغزوت - بلدي الذي أسكنه - أعرفه جيّدا : " سمعت كثيرا من الناس يصرّحون برؤية الشيخ في المنام حتى شككت في صحّة حبّي واعتقادي . فنمت تلك الليلة فرأيت الشيخ في رؤيا ، فقال لي : نحن لا نأتي إلاّ لمن لا يزال ناقصا ونخاف عليه . قال الرجل : فحمدت الله حين استيقظت على جزيل عطائه " . ( نقلتُ معنى الكلام ) .
فهنيئا لهذا الأخ المُجتبَى ذي الحظّ العظيم .
لكنّني لاحظت أمرا غريبا لا يزال يخيّم على قناعة هذا الأخ . فمن كلامه فهمت أنّه لا يزال يحتفظ بفكرة سداد آراء وأفكار الوهّابيين إلى درجة أنّه قال : " تسألني عن عقيدتي : أنا وهابي ، وأحفظ كتب الشيخ محمد عبد الوهاب وعقيدته، وأجل وأحترم علمائي ولا أتصيد عثراتهم ولا سقطاتهم ، ومذهبي الحنبلي ، وطريقي إلى الله الطريق الأحمدي المحمدي التيجاني . ولا أرى تناقضا في ذلك أبدا، فقد كشفت الحجب وزالت الأستار ولله الحمد " .
وأنا أقول : بل هناك التناقض التامّ .
إنّ قول امرئ إنّي وهّابي تجاني كقول آخر إنّي ماركسيّ مسلم ، أو مسيحي مسلم ، ليس لأنّي أقارن الوهّابيين بالماركسيين أو المسيحيين ولكنّي أقارن موقفا بموقف مع مراعاة خصوصيات كلّ موقف وأصحابه . إنّ من يقول بهذا يكون قد ظلم أوّل ما ظلم مبدأ محمد بن عبد الوهّاب النجديّ قبل أن يظلم شيخنا سيّدي أحمد التجاني رضي الله عنه ، لأنّه نسب إليه ما كرّس حياته كلّها لمحاربته واستأصاله ، ولو كان شيخ الوهّابيين حيّا ما رضي من تابعه السابق بهذا التصرّف ولتبرّأ منه تبرّءا مطلقا .
وهذا لا يعدّ شيئا أمام ما يخفي وراءه من مفهوم خطير .
ما هو المغري في الوهّابية حتّى يضطرّ الأخ لعدم نزع جلبابها بعد الدخول في زمرة الشيخ رضي الله عنه ؟ فما الذي افتقده هذا الأخ في الطريقة التجانية حتّى اضطرّه للبحث عنه في غيرها ؟ الكتاب ؟ السنّة ؟ العلم ؟ الصلاح ؟ ذكر الله ؟ أم ماذا ؟ كلّ كمالات الشريعة الإسلامية موجودة فيها ، فهل يستبدل أخونا الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟ إنّ الوهّابيين هم من تسبّب في شقّ صفوف المسلمين بتصنيفهم إلى كفّار ومؤمنين ، وإمامهم هو من حاربهم واستحلّ دماءهم وأعراضهم وأموالهم غزوا وسبيا وغنما تماما كما فُعِل بالكفّار الحقيقيين . هذا ما رواه التاريخ ولا يتستّر عليه فاعلوه ، وما رواه الأخ بلسانه ومنطقه في رسالته عنهم من طعنهم في علماء الحاضر والماضي ورميهم بالكفر والزندقة والإلحاد من غير إحساس بالحرج ، فعن أيّ غيرة وردٍّ للشبهات عن الدين يتكلّم ؟ إنّ المشائخ المربّين لا يسمحون لمريديهم بالإلتفات ولو بالقلب إلى أمثالهم من المشائخ المربّين ، ليس عن أنانية أو عن دناءةٍ في الطبع ، حاشا وكلاّ ، ولكن حرصا على فوز من لم يكن ليصل إلاّ على أيديهم . فإذا كان الوصول على بُسُطِهم التي هي بُسُط الحضرة الإلهية بجميع كمالاتها تأتي ناقصة ، فليت شعري أين هو الوصول الحقيقي ؟
إنّ شيخنا سيّدي أحمد التجاني رضي الله عنه يتلقّى عن سيّد الوجود صلّى الله عليه وسلّم يقظة لا مناما ، ويخبره بأنّه خاتم الأولياء من لدن آدم إلى النفخ في الصور ، ويؤكّد له بأنّه ابنه حقّا ، ويضمن لكلّ من أخذ ورده الدخول والإستقرار في أعلى علّيّين بدون حساب ولا عقاب ما لم يأمن مكر الله ، ويفتح له خزائن العلوم المحمّدية العلويّة الغيبيّة التي بوّأته مقاعد قدسية من القرب والمعرفة بالله إلى حدود يحرم ذكرها لشدّة استعصائها عن الفهوم وبُعدِها عن المدارك والعقول ، لكنّها في لبابها وفحواها وحقيقتها تمكين ربّانيّ على قمم التوحيد والعبودية والآداب ، إذا كان شيخنا بهذا الفضل والوصال مع المصطفى صلّى الله عليه وسلّم ومع الله الواحد القهّار فهل بقي عند غيره قطميرا من سنّة أو علم كائن ما كان ليس عنده ؟
قلت : ربّما لا يزال أخونا متأثّرا بكثير من الوهّابية والسلفية المواضبين على صلواتهم في الجماعات ، والحريصين على إتيان شتى أعمال البرّ والقربات في المجتمع ، وهذا فعلا شيئ جميل لمن لم يتبعه بالمحبطات ، وهي كثيرة ، ومن أفدحها محاربة الصالحين ورمي المؤمنين بالشرك . عمل مثل هؤلاء ، مهما كان برّاقا في مظهره ، لا يُرجَى من وراءه إلاّ البوار ، لأنّه بمثابة التي تنقض غزلها من بعد قوّة أنكاثا ، وكمن يشيّد جدارا بيمناه ويهدمه بمعول يمسكه بيسراه . وقد تصدر أعمال الخير ليس فحسب من محارب أولياء الله ولكن من الكفرة الفجرة ، إلاّ أنّها لا تغني عنهم شيئا بسبب كفرهم وشركهم . فكم كنت أتعجّب من إحسان ذلك القسّ في رواية " البؤساء " للكاتب Victor HUGO إلى كلّ من يلتمسه أو يحسّ هو بأنّه في حاجة إليه . لقد كان إحسان إنسان حقيقيّ لا يرى في المخلوقات إلاّ أنّهم أرواح وضعها الله في الأجساد ، وجعله الله قيّما عليها ، فجاء سلوكه سلوك صالح من أعلى طراز تجسّم فيه الناسك الناكر للذات الزاهد في الدنيا المقبل على المعروف بغير حدود . كنت حين أقرأ الوصف الرفيع للكاتب العبقري لهذا الرجل أشفق عليه شفقة عارمة من مصير حالك ينتظره جرّاء عدم اعتناقه الإسلام إلاّ أن يكون لله فيه شأن . وكذلك أعداء الصالحين إن لم تتداركهم عناية الله ويعمّهم بلطفه .
قد نصطدم ، أنا وهذا الأخ ، بلوم ، يأتينا من جهتين مختلفتين .
أمّا أنا فقد يلومني إخوتي في الطريق عمّا يظهر لهم أنّه زجر عنيف لرجل له ظروف خاصّة أحاطت به ، وقد لا تزال تحيط به ، وكان الأولى الإلتجاء إلى اللين في المعاملة .
وأقول : ذلك يكون صحيحا لو عرفنا الرجل معرفة مباشرة ، أمّا وقد عرفناه بواسطة الخبر فقط فإنّ أمره لا بدّ أن يمرّ على غرابيل المقاييس والتحليل والحكم عليه بها . وهو حكم أملته ملابسات القصّة وما اكتنفها من غموض يصل إلى التناقض كما بيّنّا . فكيف يمكن - مثلا - لمن أزاح الله عن بصيرته الحجب حتى رأى الملائكة والجن والأكوان ، كيف يمكنه أن لا يعلم ضلال الوهّابيين وكثير من المتشدّدين السلفيين فلا يهجرهم هجرا كاملا ومن جميع المناحي ؟ من حقّنا أن نتبيّن إذا ارتبنا في قولٍ لا ندري مدى صحّة مصدره ، ومن يكون صاحبه ، إذ ما أسهل أن يكتب شخص عن سوء طويّة أبهى ممّا كتب هذا الأخ ، ويعلم الله وحده الهدف المتوخّى من الفعل . وعلى أيّة حال ، فإنّ ما أقدمنا عليه مشروعا ، وكيف لا وقد أُخضِع حديث سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نفسه إلى مثل هذه القواعد ، ورُدَّ منه ما ردّ حين تسلّلت العلل إلى متونه أو أسانيده . فلا علاقة لتصرّفنا بسوء الظنّ ، بل ليس لنا ما نخفيه أو نخشى من إفشائه في طريقتنا حتى نخشى أهل النوايا الفاسدة . إنّه فقط سلوك لوجه العلم أوّلا ، وتنبيه للشباب التجاني من مسالك قد تهبّ منها رياح الشرّ . ولا أظنّ أنّ النقد كان يوما مصدر قلق أو إساءة إلى أهل الصدق ، بل إنّ في صدقهم من الموضوعية والورع وسعة الصدر ما يملؤ صدورهم طمأنينة على متانة حراسة وحرّاس المبدإ .
أمّا هو فقد يلقاه أصحابه السابقون بنوع من الشماتة في حال اطّلاعهم على أقوالنا فيه ، ويعيّرونه بقوم إلتجأ إليهم فلقوه بالشكّ في نواياه والإنتقاص من قدر خبره . وهذا أيضا لا يضرّ أخانا ولا يزلزل فيه ذرّة ولا يكترث للحظة بإغاظتهم له بعد ما فتح الله تعالى أمام روحه نوافذ من عالم الحقيقة وحقّ اليقين .
نسأل الله أن يغفر لنا إسرافنا في كلّ قول أو فعل أو حال ، وأن يجمعنا بهذا الأخ حتّى تبتهج القلوب بحسن اللقيا المقامة تحت ظلال حبّ الله وذكره . آمين .