البحث في نفحات7

 نفحات7 - دراسات - نقد الديموقراطية
الرّئيسيـة > دراسـات > نـقـد الديـمـوقـراطـيــة

بقلم : محمود سلطاني 05/10/2016

الديمقراطية هي ممارسة الإنسان لحياته بواسطة " مادته الخام ". وهو ما يعادل قولنا بأنه يصنع حاجياته في حياته من تراب المناجم على اختلافها من دون تكرير. تصوّروا قوما يريدون صنع أوانيهم ومعدّاتهم الأليمنيومية من " البوكسيت " بحجة أن الأليمنيوم موجود فيه بالرغم من شوائب الأرض والزوائد الغير مرغوب فيها. أما معتمَد الديمقراطية الأساسي فهو إمكانية " شرعنة التسيّب ". إنهم يقولون " حرية " لكنهم نسوا أن " التسيّب " حرية أكبر، والفرق بينهما هو الفرق بين الجزئي والكلّي، والحاوي والمحتوي فيه. التسيّب مجال انعدام الحدود والكوابح في القول والعمل، والحريّة منضوية تحته وترث منه ضربا من التحرّر المسيّج والمُراقب أو قل إن شئتَ " تسيّبا " محدودا بالحكمة. إن التهوّر كذلك " عدم خوف " لكنه ليس بشجاعة بالرغم من صفة انعدام الخوف المشتركة بينهما. إنّها قيمٌ من نفس المجال، وما يميّزها هو موقعها فيه، وهو ما يطلق عليه " اعتدال النِسب " بحيث تتعايش الطبيعة الأصلية للظاهرة مع كوابح الحكمة والمصلحة الفردية والجمعية.
في المجتمع الديمقراطي، إن وجدتَ من لا يمارس سلوكا مّا، فاعلم أنّه إمّا لا يريده أصلا، أو أنّه يفتقر إلى آليات شرعنته، وبعبارة أخرى، إنّ الباطل – كما الحق - قد يأخذ ببعض أسباب إدارة المجتمع الديمقراطي إن تسنّت له سبل إقناع ما يكفي من جماعات ضاغطة تبوّئه مرتبة شرعية يحميها القانون. وتسمّى هذه الجماعات الضاغطة " أكثرية "، وهي كذلك دائما في ظاهر الأمر، لكنّها ليست كذلك عند التعمّق أكثر. يمكن أن تكون كثير من المسائل الشرعية في المجتمع الديمقراطي من صنع أقليّة قليلة، بل من وحي فرد واحد. يُفهَم هذا حين نعرف أن التشريع في الديمقراطية ليس دائما خاضعا لمجموع الرأي الفردي المستقل عن كل التأثيرات الخارجية، ولكنه كثيرا ما يكون ثمرة منظومة محكمة من ذوي القدرات الفذّة في الإقناع حيث يمثّل وحده قوّة تضاهي ثقل أكثرية يمرّر بواسطتها ما يريده من أفكار وتوجّهات. موجة يستغلّها ويركبها الساسة في حملاتهم الانتخابية على شكل وعود وعهود دسمة مقابل دعمهم للوصول إلى الحكم.
لا وجود في المجتمع الديمقراطي للمبدإ " الثابت " ثباتا مطلقا إلا مبدإ " عدم الثبات ". كل شيء من مرتكزات حياة المجتمع ظرفي، وصبغة المؤقّت هي السائدة في مكوّناته، والبديل المنتظر هو المقدّس إلى حين ظهوره، عندها يقف في طابور التبديل قصر عمُره أم طال.
ومن أهمّ أركان الديمقراطية شعار: " حريّتك تنتهي عند حرية غيرك "، لكنه لا يطبّق بدقّة. فهو لا يتعدّى دوائر المصالح المادية النفعية ذات الأثر المباشر البادي للجميع. أما في حقيقته على بساط التطبيق، فهو أقرب إلى التناقض منه إلى الانسجام والموضوعية، لأنّه يحاول الجمع بين الممكن وغير الممكن في نفس الوقت. فالأكثرية المشرعة مطالبة باحترام الأقلية من المجتمع، ولكنها حرّة في ممارسة صلاحياتها المكفولة قانونا، وبما أن الأسباب الرئيسية لتكوُّنِ أكثريةٍ فائزةٍ وأقليةٍ مُقصاةٍ في المجتمع هي في كثير من الحالات على طرفي نقيض، فإنّ أغلب صلاحيات الأكثرية هي اقتحام واضح لحدود تلك الأقليّة. ولست أعني بقولي اختلاف الآراء العادية وتعدّدها، وإنما أقصد الخلافات الجوهرية. هنا التناقض الإيديولوجي.
ومن عدم الدقة في منع التعدّي على حدود الغير في المجتمع الديمقراطي، الجهل بالتعديّات الغير مباشرة، وهي الأضرار الخفيّة التي تحدث نتيجة تشريعات يصفها القائمون عليها بأنّها صائبة ومن ضمن الحريات الفردية، وتشمل تقريبا كلّ ما يخالف المسائل الأخلاقية الثابتة بالدين وبالفطرة. كل هذا حتى لا يعترفوا بوجود " الثابت " في الحياة. إنهم يشتكون من أضرار التدخين والإباحية والربا وحريّة الاختلاط بين الجنسيْن والكذب الممنهج والنفاق المباح والنقد الجارح الوقح الذي لا يراعي مشاعر أحد، وكل سلوكهم ومساعيهم تفضح علمهم بتلك الظواهر، لكنّهم يصرون على كونها من الحريات الخاصة التي ليس لأحد الحق في المساس بها، وعوض مواجهة الحقائق يستنفرون العقول والكنوز والوقت لصنع طرق مغايرة لأن الخلل في نظرهم ليس في صميم الحرية الشخصية وإنما في طرائق تصريفها وممارستها. في مثل هذه الظروف فلن ينفع الأقليّة شعار " احترام " الأكثرية لأن الأمر قد تعدّى الكلّ، وشمل المذنب والبريء. إن دخان السجائر وفيروس السيدا واستبداد رأس المال وخلق ظروف ومكونات العنف في المجتمع بالقفز على كل ظهر متاح وغيرها، يزحف بدون تمييز على الناس ومصالحهم فيخسرون أضعاف ما كانوا سيخسرونه لو قطعوا دابره منذ الأوّل.
يقول المنظّرون إنّ الديمقراطية عملية حيّة، ولأصحابها القدرة على التغيير المستمر إلى الأحسن بإصلاح الأخطاء. كلام جميل، لكنه على الورق فقط. أمّا في معترك الحياة الفعلية فلا سبيل لتحقيقه إلا قليلا. إنّ الأجيال على الأغلب لا تعتدّ بتراكمية التجارب إلا في ميدان العلوم العقلية. أمّا في ما يخصّ الجانب الغرائزي والوجداني فإنّ كلّ فرد يفضّل خوض تجاربه بمفرده لأن كلّ واحد يذوق بأدواته الخاصة ولا تنفع النيابة في الأذواق. ألم يتساءل أحدكم: لماذا يحب كل الناس الديمقراطية؟ والجواب منشورٌ عند عتبة بوابة التسيّب المطلق للغرائز والضمانات المكفولة لكل داخل. ويدخل تحت الغرائز سلطان الغريزة نفسها، وسلطانها على ملكات العقل ونتائجه. وعلى ضوء ما قيل، فإن ما يحصل فعليا هو عكس ما يردده المنظرون والنظريات الفارغة، أي أن رقعة سلطان الغرائز والنفسيات الفاسدة والأفكار الشاذة لا تزداد سوى اتّساعا وفق قوانين التدرّج والملل، والبحث عن أحاسيس جديدة وصنوف من البريق غير المعهود. وعوض أن تصلح الديمقراطية نفسها بنفسها فإنها تجد نفسها في مواجهة مدٍّ لا قِبَل لها به يغشاها ويجرفها بقوّة ما حملته من أفكار واقتراحات جديدة. والتجربة التاريخية خير معيار لإطلاق الأحكام الصحيحة على ما ندّعي من تصريحات. وأقول التاريخية لأن في التاريخ امتداد كافٍ من شريطِ مجموع الحوادث البطيئة التي بتسريعها يمكن رؤية الاختلافات الجذرية بوضوح خارق يتبدّد معه كل شكّ. لنراجع تطوّر الفكر والفن والآداب وتقاليد المجتمعات وأساليب عيشها، فسوف نفهم فهما يرتقي إلى اليقين الراسخ أن لا رادع لهوى الإنسان، ولا حتى هلاكُه، غير " حدودٍ " ثابتة تتصف بنوع من القهر والصرامة المستقلّة عن إرادته وإدارته.
واليوم قفز المجتمع الديمقراطي إلى مرحلة التغوّل الأناني الأخطر من الفاشية المعلنة في أواسط القرن الماضي. ومن مفارقات الوقائع، فإنّ الديمقراطية على هيئتها الحالية هي السبب. لقد فسحت الحرّيات اللامحدودة للعقول، كمّا وكيفا، لتصنع ثورة علمية فاقت تطبيقاتها توقّعات الإنسان وطاقاته وحاجاته واستيعابه. وعوض التزام الحذر والروية إزاء الواقع، تبنّى الإنسان كلَّ المعروض، ما اضطرّه إلى البحث عن مخارج لتلبية مقتضياته. فكان الاستعمار، والحروب التقليدية في أول الأمر. ثم أعقبته السياسات الجيوستراتيجية، وهي مزيج من القوّة المعتمدة على التكتلات وردع الأسلحة غير التقليدية المدمّرة، والدبلوماسية العملية المرتكزة على المصالح وتشكيل كلّ سبيل يؤدّي إليها ويحقّقها على الصورة القانونية المناسبة مع ما يرافق ذلك من إجحاف في حقّ البشرية. إنّ ما نراه اليوم من أحوال الدنيا هو آخر حلقة في ورشة تكوّن سلسلة نتائج الديمقراطية التي لم تكتمل بعد. لكن وفق المنحى العام لتمدّد تلك السلسلة، وهو منحى تصاعدي في فضاء العقم الأخلاقي، فإنّ النهاية المحتومة هي انهيار المنظومة الأساسية التي تجعل من البشر بشرا.
هل يعني هذا نداء للتبرّء من الديمقراطية؟
وأقول لا. لأنّ بها آثارا للحكمة المنبثقة عن الحكماء الكثر الذين وضعوا أسسها أو الذين يناضلون من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه منها من ناحية، ومن ناحية أخرى لأنّ لها صلة بكل مكوّنات الإنسان، ومن ضمنها العقل والوجدان، وهي وسائل محايدة تتلقّى قيمتها ممّن يوظّفها، ومهما ندر من يحسن توظيفها فإن لمسعاه أثرا نافعا يتلقّاه أهله في كل حين. النداء ليس من أجل الترك وإنما من أجل الانتقاء، وهو منهج ربّاني يصدق على الديمقراطية كما يصدق على غيرها من صالح الأفكار.
إنّ المسألة محصورة في الحق أينما توجّه، وقد أثبتت آليات التشريع الديمقراطي قصورا في متابعته. فلقد ثبت أنّ مبدأ الأكثرية لا يخلق حقّا منعدما، وإن حالفه الحق فذاك لأنّ الحق كان موجودا بها أو بدونها. وكم من حقّ كان في جانب أقليّة، لكنّها أقليّة مسحوقة معدومة التأثير لضياع رسالتها تحت ضجيج باطل الأكثريات من عبيد الغرائز والهوى. وقد وقف سيّدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه على منبره مخاطبا رعيّته من المسلمين، فقال: " أما بعد: أيها الناس، فإني قد وُلِّيتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإنْ أحسنتُ فأعينوني، وإنْ أسأتُ فقوِّموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. والضعيف فيكم قويٌّ عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقويّ فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله ".
فإن كان هنا من ديمقراطية، فهي ديمقراطية المملكة الإلهية، وأكرم بها من مملكة وملك.