البحث في نفحات7

 نفحات7 - دراسات - الخطاب الصوفي التجاني
الـرّئيسية > دراسـات > الخطـاب الصوفـي التجـانـي


بقلم : محمود سلطاني 31/10/2008


لفهم الخطاب الصوفي التجاني زمن العولمة يجب فَهْم الخطاب الصوفي التجاني من جهة وفهم العولمة من جهة أخرى .
ولفهم الخطاب الصوفي التجاني يجب فهم الخطاب الإسلامي .

ما هي العولمة ؟
" لقد تحوّل العالم في عصرنا إلى قرية صغيرة ".
مقولة نسمعها على الدوام تتردّد على كلّ الألسن .
لماذا اختاروا القرية الصغيرة للتعبير عن مرادهم ؟
بكلّ بساطة لأنّ في عالم اليوم يتوفّر الشرطان اللاّزمان للتشابه : وجود المجتمع من ناحية وسرعة التواصل من ناحية أخرى ، تماما كما هو الشأن في القرية الصغيرة .
المجتمع القروي الصغير مجتمع ملتفّ حول بعضه البعض ، ومن القرب بمكان بحيث تسري أنباؤه إلى كلّ فرد فيه في أقلّ القليل من الوقت ، وتظهر آثار ما يترتّب على كلّ نبإ بنفس السرعة أو أشدّ .
وبمقتضى التقدّم العلمي الخارق والكاسح فإنّ وسائل التواصل والتوصيل المخترَعة منحت المجتمع الأرضي نفس النِّسب المتوفّرة في المجتمع القروي أو ربّما حسّنتْه ورَقَّتْهُ .
لقد ولّى زمن المسافر لعدّة سنين بأراضٍ وجزرٍ وبحار كأنّها ليست على كوكبنا ، والقادم بحكايات ومرويات من ضروب الخيال الساحر الخلاّب . لم تعد عملة " إيليس " و" السندباد " و" علي بابا " و" أليسْ في بلاد العجائب " تُصْرَف في أسواق الدنيا اليوم . ولم يعد للمثل الفرنسي المشهور القائل : " كم يكذب القادم من بعيد " A beau menti qui vient de loin من صلاحية لأنّ القادم من بعيد لم يعد موجودا . الكلّ حاضر . وربّما كان البعيد عن الحدث أكثر حضورا من الحاضر فعليّا ، وذلك كثير . إنّ الجالس على مدرّجات ملعب في " بيونس آيرس " أو " طوكيو " أو " باريس " لا يشاهد من تفاصيل الملعب واللاّعبين واللعب ما أشاهده أنا في بيتي بقرية تغزوت بالصحراء الجزائرية .
لكن .. هل صحيح أنّ العالم قد تحوّل إلى قرية صغيرة في كلّ شيء ؟ أو بعبارة أخرى ، هل المجتمع القروي مجتمع لا يتميّز سوى بسرعة انتشار أنبائه ومعلوماته ؟
قطعا لا .
المجتمع القروي مجتمع بالمعنى الكامل للكلمة . كيان واحد مكوّن من أفراد مختلفين تسوده الأخلاق والأعراف والتقاليد الإنسانية الحقّة ، وما سرعة انتشار الأخبار إلاّ وسيلة تكشف الغطاء عن ثروات التضامن ، وتميط اللثام عن كنوز المحبّة ، وترفع الستائر عن نماذج التضحية . خِلالٌ كانت موجودة من قبل في حالة كمون أو على هيئة دنيا لأنّها لم توضع على المحكّ .
لا يوجد في المجتمع القروي من يُترَك وحده لمصيره على مرأى من الملإ بحكم الإيمان العميق بوجوب ترافق المصالح والأخلاق . ومهما كانت وسائل التعليم بدائية ، وحركة الإقتصاد بسيطة ، ومفاهيم الخدمة النفعية مباشرة ومرتجلة ، إلاّ أنّ قيمتها المعنوية في القمّة بصفتها عيّنة صِدْقٍ تُلوّن فِعْلَ فاعلٍ جُبِلَ على تقديم أقصى ما أوتِيَ .
فهل " القرية العالمية الصغيرة " بهذه الصفة ؟
قطعا لا كذلك .
إنّ انهمار وسائل التقريب كمّا وكيفا في كلّ المجتمعات ، وتوفّرها في كلّ يد لم تُلْغِ الغربة بين بني آدم ، ولم تزد في المجتمعات سوى مضاعفة ما هو معهود من معاملة الغريب للغريب أضعافا مضاعفة . لقد سنحت الفرصة لكلّ ذي نقيصة أن يفجّر " عبقريّته " في توظيف نقيصته في ميادين لم تخطر له على بال ، وطالت الأذرع والسيقان والرقاب بالقدر الكافي لتمارس النهب والدوس والتجسس بشكل أفضع وأخطر وأشمل ممّا كانت تفعله في ظروف البعد الجغرافي من قبل .
الظاهر أنّ عوامل غامضة لا تزال مجهولة لها الدور الرئيسي في إقامة الوشائج الحقيقية المباركة للحبّ والتضامن والتضحية وليس لها القدرة على السريان لمسافات طويلة لتؤثّر في البعيد ، وبذلك فإنّه لا ينتفع بمفعولها سوى الذين يقتسمون المكان في نفس الآن . أمّا ما عدا ذلك فهو قرب زائف يبدأ بالطمع اللاّمحدود وينتهي بنيل المآرب اللاّمشروعة .
ولسنا غافلين أبدا عن فضل التقدّم العلمي في تسهيل حياة الإنسان وإمدادها بكثير من وسائل رفاهيتها وأمنها وسلامتها وصحّتها . ولسنا كذلك غافلين عن حقيقة وجود النقص والعيوب في المجتمع القروي كحدوث الجريمة والسرقة والغش . إنّ هذه صفات مشتركة بين كلّ الناس ما داموا " ناسا " ، وسوف لن يتغيّروا .
لكنّ الظاهرة التي تعنينا هي ظاهرة انكسار كلّ السدود بين الآفاق ، وتسرّب ما يكاد يكون بلا نهاية من المعتقدات والعقليات والتقاليد والقناعات والإتّجاهات الفكرية والعلمية والفنيّة ، ثمّ مفعول اصطدام الجبهات عند التماس وأوجه سلاسل نتائج التفاعلات المجهولة وفي أوقات قصيرة جدّا يستحيل خلالها الفرز العقلاني المتأنّي المتلائم والإختيارات المسبّقة لكلّ مجتمع أو أمّة .
وأهمّ سمة في العولمة أنّها ظاهرة أنتجتها عقول ومخابر ومصانع الغرب . ولم تكن في البدء نيّة لإنتاجها ولكنّها نتيجة حتمية لتراكم كمّ هائل من العلوم المختلفة . فعلماء مثل نيوتن وباسكال ومندلييف وفرَداي وبرنولي وبور وغراهام بيل وآينشتاين وغيرهم لم يكونوا يعملون ويكتشفون ويخترعون في إطار مشروع يخطّط للعولمة ، وإنّما كانوا يتسابقون في مضمار العلم من أجل حبّ المعرفة والشهرة الشخصية وخدمة بلدانهم . وكان كلّما مرّ الوقت ، وازداد رصيد المخترعات ودرجات التقدّم العلمي ، تنبّه أصحابه إلى ما يمكن أن يسديه ذلك من خدمات لإنجاز أهداف حيويّة واستراتيجية ، وما يمكن أن يوفّره للأعداء والخصوم من تسهيلات لتسلّلٍ أو تجسّسٍ محتمل .
وبعد أن كانت المعرفة ومنتجاتها عاملا يغذّي أحلام السواد من الناس بعيشة سلسة هادئة تحوّلت إلى سباق محموم بين الساسة وأصحاب القرار للسيطرة والإعداد للمواجهات بكلّ أشكالها .
وتحت قوّة هذا الجذب والجذب المضاد كان لا مناص من أن تخرج العولمة من معناها العام المائع ، وتُسْلَكَ ، كما يُسْلَكُ كلّ أمر ذي بال له وقعه وثقله وتأثيره في مصائر الأمم ، في خيوط التنظير والتفلسف والتفكير المتعمّق ، وتُرصد لها الإهتمامات والميزانيات والأفذاذ لرسم حدودها ، وإنشاء مصطلحاتها ، وترقية مردوديتها .
من هذا المنظور يمكن القول أنّ هناك شقّين للعولمة كلاهما نابع من نفس المصدر : الفكر والسياسة الغربية .
أمّا أحدهما فإنّه متّصل بالمصالح العليا للبلدان ، وأزمّته خاضعة إلى دقّة صارمة في الشدّ والإرخاء ، ولا مجال في مراقبته للصدفة أو التهاون أو الفلتان . إنّها السريّة التامّة مشفوعة بحضور عوامل السلامة من كلّ طارئ أو احتمال .
وأمّا الآخر فإنّه نابع كذلك من كواليس السلطة والسياسة إلاّ أنّه لم تُراعى في مراقبته نفس درجات قوّة الشق الأوّل ، ولذلك تفلّت من كلّ قيد ، وساح في كلّ اتّجاه ، وتحوّل إلى أداة شعبية يقتنيها من أراد ويفعل بها ما يريد . إنّها الأنترنيت ، والفضائيات ، والفديو ، والويبكام ، والأقراص ، والمجلاّت . وبالرغم من خروج هذا النوع من العولمة من أيدي أهل الحلّ والربط في الدول المتقدّمة إلاّ أنّهم أحسن من يستغلّه إمّا وفق برامج محبوكة سلفا أو وفق خطط تَرْقُبُ ما تفرزه الوقائع من قوالبِ الإمكانات التي تتناسب مع ثغرات في مشاريع تنتظر الإكمال والتنفيذ .
هذه هي العولمة بكلّ وجوهها وملامحها ، وهي بكلّ تأكيد الميدان المحتوم لجولات الخطاب الإسلامي في الحاضر والمستقبل .

ما هو الخطاب الإسلامي ؟
يعتمد الخطاب الإسلامي على الدوام على ركيزتين رئيسيتين وهما :
1 - كونه خطاب إنساني روحي . وأعني بكلمة " روحي " صفة الإيمان بالغيب لأنّه بدونها يبقى خطابا إنسانيّا أو يصدق عليه بمقدارٍ نعت الإنسانية كما هو الشأن في كثير من الإيديولوجيات الوضعية ، لكنّه ليس إسلاميّا . ويتلخّص معنى ما ذهبنا إليه في قوله جلّ مِن قائل : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (1) فهدف المهمّة هو عرض طريق عبادة الله لخلقه ، والقيام بدور الدليل .
2 - كونه خطاب يعتمد على الإختيار الدقيق لِصِيَغِهِ حسب طبيعة المعنيين بالدعوة وبيئتهم . ويتلخّص معنى ذلك في نصّ الحديث الشريف القائل : « أُمِرْتُ أَنْ أُخَاطِبَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ » . وفي صحيح البخاري قال سيّدنا عليّ رضي الله عنه وكرّم الله وجهه : « حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله » . قال الحافظ ابن حجر رضي الله عنه في فتح الباري :
والمراد بقوله بما يعرفون أيّ يفهمون
إنطلاقا من هاتين الركيزتين تتوفّر للخطاب الإسلامي جميع أسباب السلامة والصحّة والمصداقية التي لا يليها إلاّ الوصول المثمر بإذن الله .
إنّها ثلاث حدود - تضمّمنتْها الركيزتان - بين يَدَيْ المسلم يراعي بمقتضاها الحدّ الأدبي مع الله وأمره ومراده ، والحدّ العقلي المنطقي المنتخِب والمخيِّر ، والحدّ الوجداني المراعي لطبائع الخلق ومشاعرهم وظروفهم . بهذه الأسلحة يضمحلّ الخوف من مفعول الزمان والمكان ، لا لأنّه أُلغِيَ ولكن لأنّه تحت السيطرة .
فأصبح - بعد الذي قلناه - لزاما على كلّ من يتحمّل مسؤولية إيصال الخطاب الإسلامي للغير أن يُسْبِقَها بمجهود معرفيّ صحيح ودقيق يحيط بكلّ أقطار ظروف زمان ومكان وبيئة مخاطَبه حتّى يتسنّى له البتّ في أولويات وسائل مباشرة المهمّة ، وهذا في حدّ ذاته غير مُتَأتٍّ إلاّ لمن امتلك مؤهّلات طبيعية من العبقرية الشاملة من جهة وقوّة مدد بشرية ملتفّة حول شخصيته بصفتها رمز للمبدإ من جهة أخرى .
هي إذن مهمّة ثقيلة منوطة بجماعة .
إنّها مهمّة مؤسّساتية بكلّ معنى الكلمة .

فما هي ظروف الخطاب الإسلامي اليوم ؟ وما طبيعة بيئته التي يناور فيها ؟
حقيقة ذلك موجودة في نصّ الحديث الشريف الذي رواه مسلم عن سيّدنا أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا. فطوبى للغرباء » .
وما جعلني أرى قرائن حكمي في هذا الحديث شيئان اثنان :
1 - الملاحظة الطويلة لحالة الأمّة المزرية التي لا تخفى على أحد .
2 - المقارنة : مقارنة ظروف العصر الراهن بظروف البداية المعروفة .
فما الذي جعل الإسلام غريبا عند بدايته ؟
لكي نعرف تلك الأسباب لا بدّ من فَهْمِ الدين فهماً دقيقاً وذلك لن يتمّ إلاّ بتعمّق مجهري يبرز مكوّناته وخصائصه .
الدين هو مراد الله من خلْقه في الحياة الدنيا . والإنسان صنف من هذا الخلق ، فهو إذنْ سيباشر تطبيق دينه انطلاقا من طبعه الذي أوجده الله عليه . وكما هو معلوم فإنّ المخلوق " البشري " مكوّن من روح أودِعتْ بداخل جسدٍ ترابيّ . جسدٌ وروحٌ انبثق من الْتقائهما والْتحامهما وتفاعلهما الطبع المذكور أعلاه . هذا الطبع هو المصمِّم الرئيسيّ لنمط الحياة على الأرض . حياة صاحبه الخاصّة ، وحياته مع أمثاله من بني آدم . ولهذا فإنّ الهيئة النهائية لحياة الإنسان على الأرض هي كما يلي : حياة فردية ، وحياة اجتماعية ، وضوابط منظِّمة لعلاقة الفرد بالجماعة أو الجماعة بالجماعة في حالتي الإئتلاف والإختلاف . ولن يُمارَس الدين إلاّ على صعيد هذه الأقسام الثلاثة .
وإذا ما عدنا إلى سؤالنا " ما الذي جعل الإسلام غريبا في بدايته ؟ " فالمؤكّد أنّ قسْما من تلك الأقسام الثلاثة كان منعدما . وبالفعل فإنّ المعروف عند كلّ مسلم أنّ الدعوة الإسلامية جاءت متعارضة مع جُلّ مقوّمات مجتمع بأكمله ، ولذلك فإنّ القسم المفقود في القضية هو : الضوابط المنظّمة للعلاقات بين جماعتين متنازعتين ، ولا يمكن أن يحدث نزاعٌ دون أن يصحبه احتدام صراع بارد أو ساخن ، وهو في كلتا الحالتين مبنيّ على قاعدة من القوّة .
فالغربة إبّان بزوغ فجر الإسلام نتجتْ عن عدم بلوغ أفراد المسلمين العدد اللاّزم لتكوين جماعة تمتلك ما يكفي من القوّة لضمان المساحة الحرّة لتثبيت صوتها ، وردع الذين تمادوا في تغريبهم . فبان لنا أنّ أيّ رسالة تحتاج لتبليغها إلى مجتمع يحميها بقوّة منظومة النظام بين أفراده ، وهي السلطة بكلّ مقوّماتها ، وتحتاج كذلك إلى حمايته بقوّة عدد أولئك الأفراد لحملها على أوسع نطاق ، ومدّ فترة مقاومتها عند الأزمات وانهيار حصن السلطة . فقوّة العدد في المجتمع سبب رئيسيّ لبقاء الأمّة وصمّام أمان لوجودها واستمرارها ، لأنّه لا شيء دونها سوى مرحلة " الفردية " التي تعني انحسار دائرة الذين بقوا على العهد بعد ردّة وتشرذم ونفض الأكثرية أيديهم من عهودهم ، وهي أقصى وأقسى درجات الضعف والخطر والبلاء والفتنة .
ما الذي فعَلَه سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون الأوّلون في البداية ؟
هل توقّف عن تنفيذ أمر ربّه بحجّة أن ليس بحوزته ما يكفي من القوّة لمواجهة أعدائه ؟ والجواب : لا .
فهل إلْتجأ إلى مقارعة القوّة المقابلة بما بين يديه من قوّة برغم الفوارق الشاسعة ؟ والجواب : لا ، كذلك .
لقد إلْتزم سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مبدأ " الصبر على شدّةِ ما لا مناص من اجتيازه لنيل ما يُزيل كلّ شدّة " .
هي مواجهة ظروف خلقتها القوّة لا مواجهة تلك القوّة ، والفرق كبير ، إذْ أنّ مواجهة الظروف المتولّدة عن قوّة الظلم والبطش والغطرسة والنجاة منها ممكنة إذا أحسن المُوَاجِهُ لها اختيار مسالكه التي تجنّبه " الوجه لوجه " ، بخلاف التصدّي المباشر لمصدر القوّة نفسها فإنّه عمليّة لا تفرق كثيرا عن الإنتحار خاصّة إذا انعدمت اعتبارات الأخلاق الأساسية الكابحة . هو الصبر والمناورة والعمل الدؤوب والسير الحثيث في صمت والتقبّل المؤقّت للواقع بصفته الميدان الذي لا بديل له سوى الأسوإ للقيام بالواجب . هي " قيمة " دقيقة من التضحية محفوفة إمّا بالإفراط أو بالتفريط ، وكلّ تجاوز فيها ، في ذلك الحين ، هو مرادف لتعريض الرسالة إلى الفشل وحرمانها من البلوغ .
المصلح الذي يغيّر بملء الفراغ بالخير مصلحٌ عظيمٌ . لكن أعظم منه مَنْ يُغيّر بمحوِ الواقع السيّء وآثاره بإرساء قواعد واقعٍ سليمٍ خيّر . لماذا ؟ لأنّ فضل الأوّل في مجهود الإنشاء ، وفضل الثاني في مجهود الهدم والإزالة والإنشاء . مكتوب على المصلح الثاني اجتياز ما لا مهرب منه من " حَيِّزٍ " مُضْنٍ لا يرتقي بالضرورة إلى مواجهة القوّة التي ترفض التغيير لكنّه يرتقي حتما إلى مواجهة ظروف القوّة ، وإن أبى إلاّ استفزاز خصومه فقد حرّك على نفسه أسباب انكساره ونهايته .
تصوّروا قائدا عسكريا على رأس طابور طويل من الجنود فوق جسر للعبور من ضفّة نهر إلى أخرى . وفجأة بَدَتْ على الجسر بوادر الوهن الذي لا شيء بعده إلاّ الإنهيار ، والقوم لا يزالون عليه . إنّ ما تبقّى من أرضية الجسر هو " الحيّز " الذي تكلّمنا عنه . لا اختيار لأحد سوى محاولة عبوره مهما كان حجم الكرب ومفعوله في النفوس لأنّ غيره من الإختيارات هو موت الجميع المحقّق عوض البعض .
موت الجميع إفراط أو تفريط .
موت الجميع مواجهة للقوّة بغير أسبابها ، وهو تهوّر له تبعات .
أمّا موت البعض فهي الضريبة والتضحية التي لا مفرّ منها .
موت البعض مواجهة لظروف القوّة ، وهي حكمة تستحقّ الإشادة ، أو على أقلّ تقدير تستحقّ مقابلتها بالأعذار .
أو تصوروا ملهوفا يحمل استغاثة أبرياء إلى من بيده الإغاثة ، يحاول التسلّل عبر خطوط مجرمين يحاصرونهم ، يزحف تحت جنح الظلام على أرض لا يعلم عنها وعمّا فيها سوى أنّها أرفق وأحنّ من قبضة أعدائه . إنّ قيمة حياة ذلك الشخص وقيمة نجاحه في الفرار أصبحت متساوية مع قيمة الرسالة التي يحملها ، وأصبح تعريض نفسه للخطر من غير ضرورة خيانة عظمى لتلك الرسالة .
والحقّ أنّي لا أعلم إلى أيّ مدى ستصل غربة النهاية التي وردتْ في الحديث ، أو إن كانت هناك غربة في كلّ عصر تتبع كلّ انتكاسة ، لكن الذي أجزم به ، وقياسا على ما وقع في بداية نشر الدين ، ووفقا لما استنتجتُه أعلاه ، أنّ الأمّة تجتاز مرحلة ما يشبه خلوّ الوفاض من آليات تنظيم المجتمعات المسلمة . وهذا يعني أنّ المرحلة التي نعبرها هي مرحلة قوّة العدد ، وهي تمثّل المستوى المتوسّط بعد أن ضيّعنا مرتبتنا على المستوى الأوّل الذي تمثّله السلطة . ولو كان الظرف غير ظرف اليوم لغذّانا الأمل بأنّنا بواسطة هذه القوّة يمكن أن نستعيد العافية لهيبة الدولة المفقودة . في ظروف الأمس كان الفارق بين سلاحِ فئتين متحاربتين يتراوح نوعاً في مجالٍ ضيّقٍ جدّا ، وكانت هذه الأنواع متاحة لكلّ من يملك ثمنها ، فيكفي أن يكثر عدد الرعيّة المسلّحة كي يكبر احتمال دوران الدائرة لصالحها .
أمّا في خضمّ ظروف عصرنا فإنّ نِسَبَ الفوارق كمّاً ونوعاَ قد ضربتْ بيننا وبين غيرنا من الأمم المتقدّمة بسور لا باب له . هوّة سحيقة على مزاجهم تفصلنا عن عالمهم المنجَز ، وأخرى أشد سحقا تعزلنا عن أسرار أسباب تلك الإنجازات .
لا نقول هذا حسدا لغيرنا بدافع ضغينة أو حقدٍ لأنّنا نعلم أنّ سرّ التغيير مرتبط بعمل ومجهود أصحابه الإيجابي وليس على تمنّي الإمتلاك أو سلب الآخر . ولم تكن المقارنة أبدا ممّا يُعاب عليه إذا جاءت في سياق خطّة علاجية تتطلّب قبل وضعها كشفاً لأسباب العلّة ، وتقفّياً لآثار الداء . وما يُضير المقارَن به إذا كان لا يخشى من تلك المقارنة بخسا ولا ظلما ؟ .
إنّ من واجبنا إبراز الإختلافات الجذرية بين ثقافتنا وثقافة الآخرين ، والإشراف على سبل توصيلها لتلطيف تأثيرها . والأمر الذي تتناساه الأمم المتقدّمة وتتحاشى ذِكْرَه هو هبوب رياحها علينا من غير إشعار ولا إذنٍ . فمن حقّنا إنشاء ما نراه مناسبا من حواجز كي لا تقتلعنا الأعاصير أو على أقلّ تقدير لا تنغّص علينا صفو عيشنا الخاصّ ، وكلّ لوم أو انتقاد لذلك هو بمثابة القول : " دعني أفعل بك ما أشاء ، وإن اشتكيتَ أو احتججتَ فأنت ظالم " .
وفعلا فقد فعلتْ رياحهم فينا ما تشاء ، وغزتنا أفكارهم وثقافتهم ومنتجاتهم من كلّ صوبٍ بالكثير من غثّها وغثائها والنزر القليل من سمينها ، وجاؤونا من السماء ونجموا لنا من الأرض ، واخترقوا الإسمنت ونفذوا من خلال الضلوع وتسرّبوا إلى عمق الأدمغة ، وطمى سيلهم حتّى كمّم الأفواه والعقول والقلوب . رانٌ جثى فوق صدر أخلاقنا كقطع الليل المظلم ، استنفر الشهوات واستصرخ الأهواء وبايعتْه الأنفس على الكسل واللاّمبالاة والسخط المزمن . والمؤلم أنّ الدّاء يستشري في المجتمع والنار تسري بِنَهَمٍٍ في جسد الأمّة فتحيلها إلى موات وأرض بور ، والأكثرية غارقة في نشوة الدعة المعسولة المسمومة تتلذّذ بالإنغماس التدريجي في وحل الفناء .
القلعة الأخيرة التي ما بعدها إلاّ الكارثة آلتْ للسقوط بسبب التناقص " السيدوي " ( نسبة لداء السيدا ) لقوّة العدد ، والخطر خطرٌ مربّعٌ : كيان مكشوف مستهدف وانعدامٌ لوسائل الدفاع .
لم يعد عرش الدين الشاغر في السلطة هو هاجسنا الرئيسي اليوم وإنما هو مصير الكنز الجماهيري المترامي الأطراف النازف من كلّ جانب وفق عمل ممنهج .
لقد قلتُ في أوّل مقالي أنّ الخطاب الإسلامي ذو طبيعة مؤسّساتية ، وينطبق هذا على كلّ عصر ، وأكثر ما تظهر الحاجة إلى هذه الصفة فيه في عصرنا لأنّ البلاء من الخطورة والعظم بحيث لا يفيد في مواجهته متاريس وحواجز وتدابير ارتجالية شُرِعَ في إقامتها فقط عند حلول الضرر . محنة الأمّة الإسلامية في العصر الراهن لا يُزيلها إلاّ مشروع حضاريّ متين ، إكتملَتْ جميع أركانه ودعائمه قبل ولادة العصر بمواصفاته التي ذكرناها .
هذا المشروع مُتَجَلٍّ في الطريقة التجانية بدون منازع .
المشروع الحضاري التجاني هو الوحيد الحامل للمنظومة الكاملة المنسجمة المتعدّدة الوظائف للعمل على أكثر من جبهة داخليّا وخارجيّا .
لقد وُلِدَ المشروع الحضاري التجاني مع ميلاد النهضة الصناعية الكبرى في العالم الغربيّ ، وجاء مع إرهاصات زحف وطغيان الحضارة المادية أحادية الإتجاه وما تحمله من تأثيرات على المواريث الروحية السائدة بأنواعها . ففي الوقت الذي ظهر شيخنا سيّدي أحمد التجاني رضي الله عنه كانت أوروبا قد تحوّلتْ إلى عقل جبّار لا همّ له سوى استدرار المادّة وحلْبِها والتلذّذ بما تكشفه من أسرارها . ثمّ تلتْ ذلك الفترة الإستعمارية نتيجة لتلك النهضة ولأجلها ، وتلقّى العالم الإسلامي نصيبا وافرا من ظلمها ، ولم يكن بيد أحد حيلة بالمعنى الصحيح المقبول للتصدّي لذلك الظلم وإنهائه بالقوّة لكبر الفارق بين وسائلنا ووسائل عدوّنا . ومنذ اللحظة الأولى للإستعمار وُضِعَ المشروع التجاني على المِحكّ فأثبت نجاعته ، ووجد الخلفاء التجانيون أنفسهم ، ومن يتبعهم من مريديهم ، في خضمّ التجربة القاسية التي لا مفرّ منها ، فشبّ المشروع قويّا مرِناً لكن بالصلابة والمتانة الكافية التي تجنّبه الإنكسار ، واجتمعتْ له كلّ خصائص التسيير الجماهيري التنظيرية والميدانية التنفيذية بحكم وجود الخليفة الواحد على هرم الإشراف والتوجيه وفق الضرورات ، وانضباط المريدين من ممثّلي الشيخ والعامّة في كلّ مكان ، والمبنيّ على الصلة التربوية الروحية المتجلّية في صدق المحبّة والتعلّق والتضحية والإئتمار والإنتهاء .
لقد تركّز الإهتمام التجاني الأكبر على المحافظة على الذخر الحيويّ الأعظم للأمّة وهو قوّة عددها الحامل لأرقى بذور العقيدة ، وأفلحتْ في التفلّت من كلّ عينٍ مراقِبةٍ في مهمّة ربّانية ، متسرّبة في صمت وتؤدة واستمرارية تصيب السنين ذاتها بالكلل من خلال كلّ متاح من المنافذ في التخطيطات والمثالب في المكائد الوحشية .
لقد كان ما اختارته العبقرية الربانية التجانية من عملٍ ليكون مقاومةً للأعداء ، وإنقاذ دين الله ، هو الإمكان الذي لا بديل أبدع منه في ظروف كتلك الظروف ، بصفتها هيئة دينية اجتماعية في أمّة انطفأ أوار ووهج سلطتها وهيبتها ، وتخطّفتْها الأطماع من كلّ جانب حتّى سُمِّيَتْ بـ" الرجل المريض " . بحرٌ مائج من الأفراد تائه في محيط هائجٍ من الفوضى والإحباط والضياع . عِقْدٌ فريد من نوعه ، بديع في صُنْعِه ، إنفرط نظمه ونظامه فطاشت لآلئه ووقعتْ في متناول أعتى لصوص المعمورة .
لقد كانت أوْلى الأوْلويات في سبيل الرسالة الإسلامية هي المحافظة على حامليها بالمحافظة على سلامة هوّيتهم ، واحتلال أنسب المواقع التي لا تصاب فيها المهمّة بالعرقلة والشلل ، وتحاشي التعرّض لبُقع الأضواء الكاشفة بدون ضرورة لأنّ قيمة حاملي الرسالة من الرسالة ، وأنّ الشهادة في تلك الأوقات كامنة في الحرص على البقاء أطول مدّة ممكنة على قيد الحياة لأنّ موتهم يعني موتها .
لكن لمّا هيّأ الله تعالى الظروف المناسبة لمواجهة المستعمر كان التجانيون من بين الملبّبين لنداء الثورات المتلاحقة في العالم الإسلامي وأبلوا البلاء الحسن بشهادة التاريخ الموثّق والرجال الموثوق بهم .
ومنّ الله بالتخلّص من المستعمر البغيض .
ووجدت الأمّة نفسها في صحراء جدباء من التخلّف الماديّ في الوقت الذي طار فيه معتدو الأمس إلى حدود غدٍ أشرف على الإكتمال على أكتافنا . وكان عزاؤنا الأعظم في سلامة بذور الإنبعاث وفرصة الإنطلاق المباركة . إنّها معركة من طراز مغاير تُدارُ في إطار ثابت لكن بمحتوى مختلف عمّا كان عليه في عهد الإستعمار . محتوى بنفس نوايا حراسة العقيدة الإسلامية ، وخدمة أبناء الملّة والوطن الكبير والصغير لكن بأفكار واستراتيجية وأدوات وأجواء وبيئة عصرية .
إنّه عصر العولمة ومآسيه .

خصائص الخطاب الصوفي التجاني زمن العولمة
1 - التقيّد بثوابت الدين وعدم السقوط في فخاخ التهاون المفضي إلى تمييع النصوص عند عرضها وتأويلها . وقد رأينا الكثير المحسوب على العلم والدين من يداري غير المسلمين ، ويتمادى في تساهله وتسامحه المُخلّ بحجّة التدرّج في الدعوة وجلْب الناس باليسر واللين . والحقيقة أنّ مساحات التدرّج واللين وسائل مشروعة محبّذة من الشارع من أجل تبليغٍ أكملٍ ، وهي معروفة محدّدة المعالم عند أربابها بصفتها رافد صلب للتمكين لأمر الله . وأمّا ما عداها فهو من ثمار ضعف الإيمان عند من يرى أنّ النصّ على حالته الأصلية لا يتوافق مع روح الرؤية العصرية ومن الضروري التصرّف فيه أو في مفاهيمه حتى يأخذ الصيغة المقبولة لدى المدعوّين .
لا مساومة في ما هو ثابت في الدين بالضرورة لأنّ ذلك الثابت يحمل جميع صفات التوصيل المثالي ، فمن اتّبع الإسلام من غير اشتراط التحريف فأكرم به من متّبِعٍ ، ومن أبى إلاّ التحوير والتبديل فليعلم أنّ الدين لا يخضع لأهواء الخلق وإنّما يخضع للخالق الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله .
2 - التقيّد بالورد التجاني الحامل لأعلى مستويات ذكر المولى القدير في أقصر الأوقات بدون عناء ولا ثقل ولا شروط إلاّ شروط الصلاة المكتوبة الميسورة المتيسّرة لكلّ أحد . تقيّد بدون تكلّف مباهاة ولا رياء ولا إثارة فتنة ، لكن كذلك بدون مداراة لحقيقة العقيدة التجانية وإن جهلها فرفضها الثقلان . كلّ أمر يقاس على المبدإ المرجعي : كتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، فيستقي قيمته منه فيرتفع شأنه أو ينحطّ . لا شيء مُراد لذاته من منظور تجاني إلاّ ما أظهر من علامات خدمة الحضرة الإلهية المقدّسة ، وإلاّ فإنّه الترك والهجر من غير ندم والبحث عن غيره وما أكثره . تلك هي الشخصية التجانية الحقّة في عقيدتها وصِلاتِها مع الناس والظواهر .
3 - الإقبال على الخلق بالمحبّة بصفتهم عيال الله الذين أُمِرْنا أن نُحسن إليهم ، ولا أرى أدنى مستوى من الإحسان من اعتبار إنسانية الإنسان المتلقّية لخطاب التكريم الإلهي الذي لم يفرّق بين مؤمن وكافر . فهو حقّ لا منّة فيه لداعية على أحد ، ومن تخلّف عن تقديره حقّ قدره فهو عنوان أنّ دعوته لا روح فيها ولا بركة ولا قبول .
4 - مواجهة ما يعترض وما لا بدّ من مواجهته بالحكمة وموازين العقل الحصيف بالإستغلال الأمثل للممكن من الإمكانيات التي لا تتسبّب في خلق نواقض وظائفها بخلق المتناقضات عند توظيفها والتي تؤثّر سلبا على مراحل تحقيق الهدف المسطّر .
5 - إنّ مفتاح العصر هو العلم . والعلم الحقيقي ليس مهارة اجتياز آخر امتحان وحُسْن الإنزلاق بين أسئلة الهيئة الممتحنة وحيازة الشهادة . العلم الحقيقي هو القيمة المعرفية المكتسبة التي تعكسها الشهادة ، والقوّة المضمونة من تلك القيمة للفعل والتفعيل والتفاعل لإحداث التغيير الماديّ والمعنوي في الأفراد والمجتمع والأفكار .
6 - جمع وتوفير الأموال الحلال سواء على المستوى الفردي الخاص أو المستوى الجمعوي العام لأنّ السمة البارزة للدنيا اليوم هي الواجهة المادية المستحوذة على الفكر والسلوك والأخلاق ، ولا بدّ للخطاب الدعوي من إيجاد الصيغ المشروعة فيها لاقتحام الميدان ، وإلاّ فإنّه سيبقى متفرّجا أكثر منه مساهما ، وما لذلك خُلِق . وكثرة الأموال الحلال دليل على جدّ واجتهاد أصحاب الدعوة وحرصهم على الكسب ، وهو دليل أيضا على كرامة هؤلاء وعلوّ همّتهم . فَهُمْ بتصرّفهم ذلك وحده يسهّلون سريان خطابهم إلى غيرهم ويقيمون به بينهم جسورا للثقة في صدق ما يدعون إليه . والحاجة للأموال الحلال ملحّة كذلك للتكفّل بمصاريف المشاريع الدعوية الكبرى المنظّمَة المثمرة ، كإقامة المؤتمرات والندوات ، وإنشاء المقرّات والنوادي والمكتبات ، واقتناء وتحديث وسائل العرض والتوصيل والبرمجة والنسخ والتوثيق .
وها نحن اليوم نرى ما ذكرناه من خصائص للخطاب الصوفي التجاني ماثلا أمامنا بمناسبة المؤتمر الدولي الثاني المقام على خلفية تجديد الزاوية التجانية بمدينة قمار الحبيبة القريبة من القلب والروح ، وهو الدليل على صدق المسعى والمجهود بجميع أشكاله للمجدّد الأعظم على رأس الألفية الثانية ، رجل العصر من قاف إلى قاف ، شيخنا ومولانا الشيخ سيّدي محمّد العيد رضي الله عنه وأرضاه وعنّا به آمين .
والله وليّ التوفيق ، والسلام




سورة الذاريات ، الآية 56 .