البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ معاني رمضان في حديث : أيّها النّاس قد أظلّكم شهر عظيم
الرّئيسيـة > معاني رمضان في حديث : أيّها النّاس قد أظلّكم شهر عظيم


بقلم : سيّدي محمد النّذير التجاني

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
بعد حمد الله تعالى مجده ، وتقدّست أسماؤه وصفاته ، نصلّي ونسلّم على أفضل مخلوقاته ، سيدنا محمد الهادي بإذن ربّه إلى الصراط المستقيم .
أيها الحاضرون في هذا المجلس الرّمضانيّ الموقّر ( 1 ) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وتقبّل الله صيامكم وقيامكم بفضله ورضاه . ها نحن اليوم في ليلة النصف من شهر رمضان المعظّم ، ونفوسنا قد تعوّدتْ على مكارمه التي لا تحصى ولا تعدّ بفضل الجليل الكريم سبحانه وتعالى ، وقلوبنا تتأسّف على انقضاء الأيام النورانية بسرعة مدهشة ، وكان بودّنا أن لا ينتهي هذا الشهر لما نجد فيه من تنعّم بنعمه المتكرّرة ، وبخيراته الظّاهرة والباطنة ، وبركاته التي نشعر بها والتي لا نشعر بها ، فبأيّ آلاء ربّكما تكذّبان .
ونظرا لضرورة معرفة النعمة لمن أراد أن يشكر الذي منّ بها ، لنحاول معاً تدبّر معاني رمضان عسى أن نهتدي إلى فهم بعضها بعون الله وقوّته .
1 – رمضان هو أفضل الشهور الإثني عشر حيث أنّه الشهر الوحيد الذي سمّي بعينه من قِبَلِ المولى عزّ وجلّ ، وذكر فضله بالنص القرآني في قوله تعالى في سورة البقرة شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (2) فرض صيام رمضان في السنة الثانية للهجرة بالمدينة المنوّرة بعد ليلتين خلتا من شهر شعبان ، أيّ بعد خمس عشرة سنة من تاريخ انطلاق الرسالة المحمّدية بنزول " إقرأ " ، أوّل خطاب من ربّ العباد إلى عبده ورسوله الأميّ صلى الله عليه وسلم . أنظروا إلى الحكمة الربّانية في تأجيل فرضه على العباد حتى صاروا مؤهّلين لتقبّل معاني الصيام بعدما اجتازوا مراحل التربية الإلهية انطلاقا من الهجرة من متاع الدنيا إلى مواطن رضوان الله بحيث ينطبق عليهم قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ( 3 ) .
قال سيدنا سلمان الفرسي رضي الله عنه : « خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة وشهر يزداد فيه رزق المؤمن من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير ان ينتقص من أجره شيء قالوا ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم فقال يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن وهو شهر أوله رحمة واوسطه مغفرة وآخره عتق من النار من خفف عن مملوكه غفر الله له واعتقه من النار واستكثروا فيه من أربع خصال خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى بكم عنهما فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه وأما اللتان لاغنى بكم عنها فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة .» رواه ابن خزيمة في صحيحه . 1.1 – أنزل القرآن في ليلة مباركة من شهر رمضان فضّلها الله على ألف شهر من سواه لقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر ِوَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ . ( 4 ) . يا لها من سعادة لأمّة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتنزيل خطاب المولى عزّ وجلّ في هذه الليلة المباركة دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السماء الدّنيا ثم منجّما على قلب إمام المرسلين صلى الله عليه وسلم طوال ثلاث وعشرين سنة ليثبّت به فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفئدة من آمن معه وصدّق بما أنزل عليه من أمّته . الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق .
1.2 – بفضل ليلة القدر – الذي انطوى عليه – صار شهر رمضان أفضل الشهور بما فيهم الأشهر الحرم الأربع ، وليعتبر أولوا الألباب في ترتيبه في وسطهم . يأتي أوّل الأشهر الحرم رجب الذي كان فيه الإسراء والمعراج ليلة السابع والعشرين منه ، فكان في هذه الليلة المباركة صعود خير البريّة ، وصاحب المقام المحمود ، سفير البشرية صلى الله عليه وسلم إلى ربّ البرية الذي تكفّل بنفسه بتربية عبده ، فرفع اليتيم إلى مقامه المعهود قاب قوسين أو أدنى ، وفرضت الصلاة فوق أعلى السماوات .
وجاء شهر شعبان كالبرزخ بين بحرين لا يبغيان : شهر رجب الذي صعد فيه أوّل العابدين صلى الله عليه وسلم ، وشهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، وينزل به ربّ العباد ليلة القدر إلى السماء الدنيا تقرّبا إلى عباده المؤمنين ، وتكريما لهم على استجابتهم له بالصيام والقيام ، وذكرهم إيّاه آناء الليل وأطراف النهار . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي. وأنا معه حيث ذكرني. والله! لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة. ومن تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا. ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا. وإذا أقبل إلي يمشي، أقبلت إليه أهرول .» رواه مسلم .
وبعد شهر رمضان يأتي شهر شوّال ، وهو بمثابة وزير له ، يُمِدّه بستة أيام إذا صامها الصائم كان كمن صام الدهر كلّه ، بفضل الله ومنِّه سبحانه وتعالى . وشوّال كمثل شعبان برزخ بين رمضان وبقية الأشهر الحرم : ذو القعدة ، ذو الحجّة ، والمحرّم ، وهي أشهر الحج لبيت الله الحرام ، ويتوسّطها ذو الحجّة الذي يستضيف فيه الرحمن عباده القادمين عليه من كل فجّ عميق ، سفراء عن الأمّة المحمّدية ليغفر لهم ما تقدّم من ذنوبهم بفضله وكرمه ، وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها . فكان صيام شهر رمضان هو شهر التّهيئة الرّوحية الضرورية للوقوف بين يدي الرحمن في مقام القرب بأرض عرفات ، حيث يتنزّل الله جلّ جلاله – بما يليق بجلال قدره – إلى السماء الدنيا إكراما لضيوفه الفائزين بلباس التقوى ، وبالتوبة منه عليهم ليتوبوا .
2 – معنى رمضان في اللغة .
تقول العرب : رمض الغنمَ أيّ رعاها في الرمضاء ، والرّمضاء هي شدّة الحرّ . ورمض الطائرُ أيّ حرّ جوفه من شدّة العطش . من هنا نخلص إلى أنّ اسم رمضان يشير إلى تشديد ارتفاع حرّ الجوف من عدم الأكل والشرب ، وتشديد مضايقة النفس اللوامة من كبحها لجوارحها ، وامتناعها من متابعة هواها حتى تتطهّر ، وتتزيّن بما يتجلّى به عليها ربّها من مواهب المعرفة ، وتشمّ روائح القرب من بارئ النسّم .
ولعلّنا نجد في أحرف رمضان ما يزيدنا إحاطة بمعناه .
فالرّاء تشير إلى بدايته برحمة الله ( أوّله رحمة كما جاء في الحديث الشريف ) ، وهي مشتقّة من اسمه الرحمن لقوله تعالى : وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا ( 5 ) . وأما حرف الميم فهو يشير إلى المغفرة ( جاء في الحديث السابق وأوسطه مغفرة ) . ويرمز الضاد إلى الضياء الذي يفيض من الله نور السماوات والأرض على قلوب عباده المؤمنين حتى يزدادوا إيمانا مع إيمانهم . وأما حرف الألف ، قد يشير إلى الألفة التي يمنحها الله إلى عباده الصائمين حتى يألفوا الإنابة على مولاهم ، ويألفوا مواطن القرب وما يساعد عليها حتى لا يلتفتوا عن المولى عزّ شأنه إلى سواه . وأما حرف النون فهو يشير إلى النجاة من النار ( جاء في الحديث الشريف : آخره عتق من النار ) . ويشير إلى النور الممنوح من الله لعباده المخلصين ، ويكون بين أيديهم ، وعن أيمانهم ، وعن شمائلهم ، ليهتدوا به إلى مواطن رضى ربّ العباد . ويشير كذلك إلى الفوز بنصر من الله ، لقوله تعالى : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا . ( 6 ) .
3 – شهر رمضان رمز النصر والفتوحات
، وكيف لا يكون كذلك وقد اقترنت فريضة الصيام بأعظم انتصار عرفه المسلمون في غزوة بدر المباركة في السابع عشر من هذا الشهر ، حيث نصرهم الله وهم أذلّة ، قليلو العدد والعدّة ، ونفوسهم كانت مشتاقة إلى الضفر بذات غير الشوكة أي الغنيمة بمتاع الدنيا . يطمح الإنسان – بطبيعته البشرية – إلى العمل القليل ، المتيسّر الثمار ، الذي يتيح تفادي كل مشقة تلبية لغرائز النفس . وذلك يتناقض مع الإرادة الإلهية حين تقَبّل اإنسان تحمّل أعباء الأمانة العظمى لخلافة الله في الأرض ، والتي أبَتِ السماوات والأرض والجبال أن يحملنها في عالم الغيب . انطلاقا من هذا التكريم ، كتب الله على الإنسان الصوم ليرفع من شأنه ، ويلقي عليه بعض أوصاف الملائكة لمّا يمسك عن بعض الوظائف البشرية التتي يشترك فيها مع سائر الحيوانات من أكل وشرب وجماع ، وكلام عقيم يبعده عن ذكر الله .
ولمّا تمّتِ الترقية الروحية الكافية للمسلمين ، أمرهم الله بفتح مكّة المكرّمة حيث البيت العتيق الذي نسبه لنفسه ، وجعله حرما يحجّ إليه من أراد لقاء ربّه في الدنيا قبل الآخرة . وكان الفتح في شهر رمضان ، شهر تطهير الذّوات الترابية من الأسقام ، وتطهير النفوس البشرية من الآثام والأوهام ، وتطهير بيت الله الحرام من مظالم الشرك والأوثان . ونتيجة التطهير تهيئة الأرضية لإقامة ذكر الله في بيتٍ لله تشيِّدُ الذوات المتطهّرة ألا وهي الأفواه حيث يذكر اللسان ، والقلوب الطاهرة حيث ذكر الأرواح .
4 ـ إن صيام رمضان من مكفرات الذنوب
وهو موعد سنوي يتوب فيه الله على عباده ليتوبوا بتيسير منه وبتجاوزه عن خطاياهم وزلاتهم وعصيانهم , رحمة بهم من حيث أنه لا يرضى لعباده الكفر . روى الإمام النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنهما , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وفي حديث قتيبة زاد وما تأخر . قال الخاطبي قوله إيمانا واحتسابا إي نية وعزيمة وهو أن يصومه على التصديق والرغبة في ثوابه طيبة به نفسه غير كاره له ولا مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه لكن يغتنم أيامه لعظم الثواب . وقال البغوي قوله احتسابا أي طلبا لوجه الله تعالى وثوابه . وقال صلى الله عليه وسلم ذاكر الله في رمضان مغفور له , وسائل الله فيه لا يخيب .
5 ـ رمضان شهر الإيمان والأعمال الصالحة . روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : « قال رجل : يا رسول الله إني أقف الموقف أريد وجه الله وأريد أن يرى موطني . فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قوله تعالى في آخر سورة الكهف : فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا . ( 7 ) . »
ولا معنى للإيمان دون ارتباطه بالعمل الصالح ولا معنى للعمل الصالح في غياب الإيمان بالله الواحد الأحد . قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . ( 8 ) . وقال أيضا : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 9 ) .
6 – شهر رمضان شهر تتوحّد فيه الأمّة المحمّدية أكثر من أي وقت سواه . قال الله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه . من هنا يجتهد كل قوم ينتسبون إلى هذه الأمة لمعاينة هلال رمضان ليلة الشّك حرصا على الاّ يفوتهم خيره وبركته ، واستجابة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . وكادت الأمّة الإسلامية أن تصوم بانسجام وتفطر بانسجام لولا الخلاف في دقّة الحساب الفلكيّ ، وعسى الله أن يوفّق علماء الإسلام إلى المزيد من العلم حتى تعلم الأمّة متى يبدأ شهر رمضان ومتى يدخل شوّال . ألم يقل علاّم الغيوب : الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ( 10 ) . فيجب على الأمّة المزيد من الإجتهاد في تطوير العلم حتى تتوحّد أمام من يتربّص بها الدوائر ، ويسعى لفرقتها ، وتضخيم اختلافاتها . وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ( 11 ) .
هذا ما أمر به الله ورسوله الكريم ومن اتبع هداه صلى الله عليه وسلم . ففي جميع أرجاء العالم يصوم المسلمون ويقومون بالتوجه إلى مولاهم ، ويتقرّبون إليه بالمزيد من التلاوة للقرآن ، والتدبّر لمعانيه ، وبالنوافل بأنواعها حتى تتنزّل الرحمات ، وتغفر السيئات ، وترفع الدرجات . اللهمّ وحّد أمة الإسلام على كتابك ، وسنّة نبيّك محمّد صلّى الله عليه وسلّم .
7 – حصاد ثمرة صيام شهر رمضان .
في أوّل ليلة من شهر رمضان تفتح أبواب الجنّة للصائمين من أمة محمّد صلى الله عليه وسلم . وممّا رواه ابن حبّان ففي كتاب الثواب ، والبيهقي واللفظ له ( 12 ) ، عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الجنة لتبخّر وتزيّن من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان ... ويقول الله عزّ وجلّ يا رضوان افتح أبواب الجنان ويا مالك أغلق أبواب الجحيم عن الصائمين من أمة أحمد ويا جبريل إهبط إلى الأرٍض فاصفد مردة الشياطين وغلّهم بأغلال ثم اقذفهم في البحار حتى لا يفسدوا على أمة حبيبي محمد صيامهم . ويقول الله عزّ وجلّ في كل ليلة من شهر رمضان لمناد ينادي ثلاث مرّات : هل من سائل فأعطيه سؤله ، هل من تائب فأتوب عليه ، هل من مستغفر فأغفر له . قال : ولله عزّ زجلّ في كلّ يوم من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار ، فإذا كان آخر يوم من رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بقدر ما أعتق من أول الشهر إلى آخره . وإذا كانت ليلة القدر يأمر الله عزّ وجلّ جبرائيل عليه السلام فيهبط في كوكبة من الملائكة ومعهم لواء أخضر فيركّزوا اللواء على ظهر الكعبة ، وله مائة جناح منها جناحان لا يركزّهما إلاّ في تلك الليلة ، فيجازوا المشرق إلى المغرب ، فيحث جبرائيل عليه السلام الملائكة في هذه الليلة فيسلّمون على كل قائم وقاعد ومصلّ وذاكر ، ويصافحونهم ويؤمّنون على دعائهم حتى يطلع الفجر . فإذا طلع الفجر ، ينادي جبرائيل عليه السلام : معاشر الملائكة الرحيل , الرحيل . فيقولون يا جبرائيل ما صنع الله في حوائج المؤمنين من أمّة أحمد صلى الله عليه وسلّم ، فيقول نظر الله إليهم فعفا عنهم إلاّ أربعة . فقلنا يا رسول الله من هم ؟ قال : رجل مدمن خمر ، وعاقّ لوالديه ، وقاطع رحمه ، ومشاحن . قلنا يا رسول الله ما المشاحن ؟ قال : هو المصارم . فإذا كانت ليلة الفطر سميت تلك الليلة ليلة الجائزة . فإذا كانت غداة الفطر بعث الله عزّ وجلّ الملائكة في كل البلاد ، فيهبطون إلى الأرض ، فيقومون على أفواه السّكك ، فينادون بصوت يسمعه من خلق الله عزّ وجلّ إلا الجن والإنس ، فيقولون يا أمّة محمّد اخرجوا إلى ربّ كريم ، يعطي الجزيل ويعفو عن العظيم . فإذا برزوا إلى مُصلاّهم يقول الله عزّ وجلّ للملائكة ما جزاء الأجير إذا عمل عمله ؟ فتقول الملائكة إلهَنا وسيّدَنا جزاؤه أن توفيه أجره . فيقول إنّي أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامهم رضاي ومغفرتي ، ويقول ياعبادي سلوني ، وعِزّتي وجلالي لا تسألوني اليوم في جمعكم لآخرتكم إلاّ أعطيتكم ، ولا لدنياكم إلاّ نظرت لكم ، فوَعِزّتي وجلالي لأسترنّ عليكم عثراتكم ما راقبتموني ، وعزّتي وجلالي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين أصحاب الحدود . انصرفوا مغفورا لكم ، قد أرضيتموني ورضيت عنكم . فتفرح الملائكة وتستبشر بما يعطي الله عزّ وجلّ لهذه الأمّة إذا أفطروا من شهر رمضان . » الحديث .
فأبشر أيها الصائم لله بما أعد الله لك من الأجر العظيم بسبب صيام هذا الشهر العظيم . جعلني الله وإياكم ممن صامه إيمانا واحتسابا بفضله ورضاه ، بجاه الهادي الفاتح الخاتم صلى الله عليه وسلم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

  1. المجلس المقصود هو جمع الأحباب الحاضرين حلقات الدروس الرمضانية بتماسين تحت إشراف الخليفة المعظّم شيخنا سيدي محمد العيد رضي الله عنه .
  2. سورة البقرة ، الآية 185 .
  3. سورة البيِّنة ، الآيتان 7 ، 8 .
  4. سورة القدر .
  5. سورة النور- الآية 21 .
  6. سورة النصر .
  7. سورة الكهف الآية 110 .
  8. سورة النحل الآية 97 .
  9. سورة النحل ، الآية 128 .
  10. سورة الرحمن ، الآيات 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5 .
  11. سورة طه ، الآية 114 .
  12. كتاب اقتطاف الأنوار والأزهار في ما يتعلّق بصيام رمضان ، للأستاذ محمد بن الحاج عبد القادر البرعي ، صفحة 7 ، الطبعة الأولى – الرباط – سنة 1952 م .