البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ لشبابنا - الإنسان .. ذلك البصمة
الرّئيسيـة > لشبابنا > الإنسان .. ذلك البصمة


بقلم : محمود سلطاني 05/10/2016


قيمة هذا الموضوع في شحنات الأمل التي يبثّها في النفس مهما كان حجم اليأس المستبدّ بالإنسان الذي يعتبر نفسه فاشلا. وأوّل ثابتٍ في حياة المخلوق البشري هو انعدام الفشل، علِمه من علمه وجهله من جهل. ولو كان النجاح في الحياة سلعة لا تُنال إلا كما تُنال الأحجار الكريمة لالتمسنا الأعذار لكل يائس حين يقرر التوقف عن البحث. لكن النجاح ليس بهذه الدرجة من المشقة، وإن لم يخلُ من تعبٍ. السرّ في المسألة هو تمكّن الشخص من اكتشاف ما بوسعه فعْله. تلك مفتاح الباب. وفي أغلب الأحوال ليس هذا صعبا لأنّ السر موجود فيه ويتجلّى في أحاسيسه الذاتية، أي أنّه يعلمه علمَ يقينٍ وبدقّةٍ. أمّا في الحالات المتبقية، فإن إحساس الأشخاص بقدراتهم ليس منعدما، ولكن حدوده ضبابية نوعا مّا، ولا بدّ من البحث عن وضعية مناسبة لوضوح صورته، ولا أحسن من التجربة لإجلاء الغموض. وما يزيد طمأنينةً، العلمُ بأنّ هذه القدرات الذاتية فريدة من نوعها لدى كلّ مخلوق مهما ظهرتْ متشابهة إثر النظرة غير الفاحصة، أيّ أنها تتميّز بسماتٍ لا تخطئها بصيرة المعنيّ بها، وكأنّها مصنوعة من لونٍ خاص لا يتكرّر بين ما لا يكاد يُحصى من ألوان هِباتِ وقدراتِ الآخرين ذات الألوان المختلفة. التشابه عند الطرف الخارجي المراقب لا يُعتدّ به إلا قليلا، وإنّما المعوّل عليه هو رؤية الاختلاف الذاتي الداخلي لصاحب الشأن. على صاحب الشأن أن يبادر بالتنقيب بدواخله كما ترسم له خرائطُه طوبوغرافية تلك الدواخل لأنّها هي الصحيحة، ولا يركن للرأي الغريب عن باطنه لأنّه سيكون بمثابة من يمشي وراء دليل يجهل الطريق ويأمل إن يوصله إلى سلامته. وإن كان ولا بدّ – ولا بدّ – من اتّباعٍ فليكن بالقدر الذي يثري خرائطَه بأجزاء مشتركة مع الغير وحُلّت ألغازها قبله. إنّ كل حكاية للفشل موصولة حتما بخيط أصله يخرج من هذا القلب للواجب، وهو البحث الخارجي المسرف عن النموذج المناسب لتفصيل شكل النجاح المنشود، وهجر الرصيد الشخصي الحامل لأسباب النجاح الحقيقي. ودرجة الفشل تكون بقدر الفارق بين تركيز الهجر والتبعية.
أيّها الإنسان إنّك خلْقٌ فريدٌ، ولا تشترك مع الناس سوى في كونك مخلوقا مثلهم. أما ما عدا ذلك فلا أحد يشبهك شبها يجعلك صورة طبق الأصل منه أو العكس. ولقد ولّى زمن مقولة " إنّهما يتشابهان كقطرتيّ ماء " لأن الفوارق بين قطرتي ماء لا عدّ لها. وكم ساد مفهوم شمولية التماثل بين التوائم الحقيقيين، لكنه زال بعد أن كشفت العلوم العصرية كثيرا من دقائق الخلق الجسدية والنفسية.
هذه هي الشخصية.
استقلالية تامّة في التكوين والخصائص وما ينتج عنها. لقد بلغت " الفردية " في الإنسان إلى حدّ تفرّده في توقيعه بالقلم بحيث لا يتشابه أحد مع آخر انطلاقا من عدم تشابه ميل القلم عند الكتابة والضغط عليه، وسرعة الكتابة به.
وكذلك حركته وطريقة مشيه التي تعتمد على اختلاف سرعته وتسارعه وحركة جسده، وكلّ ذلك مرتبط بخاصيّة الكتلة العضلية ووضعها على هيكله. إنّها من الخصوصيات الكبيرة جدّا حسب الدراسات.
حكى المؤلّف الفرنسي "بيير بلمار " Pierre Bellemard عن طيّار فرنسي تشوّه وجهه بعد اشتعال وسقوط طائرته أثناء معركة من معارك الحرب العالمية الثانية في بريطانيا. وأجريت له عمليّات تجميل عديدة حتى فقد ملامحه الأصلية بعد أن شُفِيَ، لدرجة أن زوجته لم تقاوم فكرة الانفصال عنه، برغم محاولاتها العديدة، لأنّها أنكرته على هيئته الجديدة، وبالرغم من أنّه أصبح بعدها أكثر وسامة من الأول. ودخل الرجل في دوامة يأس لأنّه أحسّ أنّه فقد وجوده أصلا، فلا ماضٍ بقى ولا حاضر قبِلَهُ. وفي يوم ما، بينما كان ماشيا في الشارع، سمع صوتا نسائيا يناديه باسمه، وإذا بامرأة تسرع خطاها نحوه، وحين وصلت إليه أحجمت واعتذرتْ لأنّها اكتشفت أنّها مخطئة، وواصلت طريقها. وكانت المرأة من زميلات ذلك الطيار في سنوات الدراسة الأولى. فانتفض بداخله أملٌ انتشله من اليأس، وأدرك أنه هو مهما تغّيرت ملامحه، وأن الناس لا يزالون يعرفونه بمميزاتٍ عرفوها عنه منذ الصغر ولو طال زمن فراقهم. وناداها باسمها. فتوقفت حائرة مِن هذا الذي يعرفها باسمها ولا تعرفه، وتقدم نحوها، وأخبرها بكل شيء، واتفقا على الالتقاء مرة أخرى، ثم على الزواج، وهكذا عادت للرجل حياته العادية.
وكلنا يعرف اختلاف شكل خطوط بنان الأصابع من إنسان إلى آخر، وأنّ احتمال وجود تشابه بين أصبعين هو واحد على 17 مليارا. ولذلك فإنّ أوّل ما يبادر البوليس الجنائي عند التحقيق في جريمة هو البحث الحريص عن بصمات الجاني في المكان لأنّها من أصدق الأدلة على وجوده هناك على الأقل.
أمّا سلسلة الحمض النووي ADN فهي من آيات الله تعالى في التفرّد الخلْقي.
واكتشف العلم أيضا اختلاف شبكة أنابيب الألوان في بؤبؤ عيون الناس وبقائه على هيئته طيلة الحياة. وكذلك اختلاف الأشكال التي تكوّنها شبكة الأوعية الدموية في شبكية العين.
ويخبرنا العلم أن شكل الأيادي لا يتكرّر قياسا لطول وسُمْك الأصابع وعرض راحة اليد وشكل المفاصل. كما أنّ شبكة الأوردة في اليد مختلفة أيضا من شخص لآخر، ويمكن رؤيتها وتصويرها بالأشعة ما تحت الحمراء، ولا خوف من الْتباس الأمور لأنّ شبكة الدورة الدموية فريدة عند كل شخص، حتى لدى التوائم. يقول العلماء إن نسبة الخطإ في هذا هي 0,00008 %.
وكأمثلة مكمّلة نذكر شكل الوجه بالاعتماد على موقع العينين ثم مقارنة موقع باقي أعضاء الوجه بهما. ومهما تنكّر صاحب الوجه المطلوب بلحية أو شوارب مزيّفة أو ارتدى نظّارات، فلن يفلح في احتياله، إلا في حالة الجراحة الغضروفية الكبيرة.
وكذلك شكل الأذُن، الصوت، خطوط الأظافر الطولية، رائحة الأشخاص، وما لا نهاية له من الخصوصيات.
كلّ عضو في الجسد الإنساني أُوجِد خصيصا من أجل صاحبه ليُزرَع فيه لا في غيره، ما يدفع الأجساد لرفض الأعضاء الغريبة إلا بـ" تضليلها " تضليلا مستمرا بالعقاقير ما كتب لأصحابها الحياة.
هذه عيّنات جسدية.
وهناك العيّنات النفسية المرتبطة بالعقل والوجدان والطبائع القاعدية، وهي ناتجة عن تفاعلها بمقادير مختلفة تصنع ما نسمّيه المزاج، والوجهة الفكرية، والمنظومة الأخلاقية، والأساليب التعبيرية، والمواقف إزاء الأحداث، ثمّ من تلك العيّنات وبها ينتقل الإنسان إلى مواجهة المحيط، أيّ إلى مواجهاتٍ موضوعيةٍ ثابتةٍ نسبيّا كالبيئة من جهة، ومواجهاتٍ لنتائج ذاتياتِ الآخرين من جهة أخرى، لتؤثّر وتتأثّر وتساهم في صنع المزيد من استقلالها واستقلال غيرها.
لا أحد يشبه الآخر في طريقة تعبيره، ودقائق فهمه وقناعاته، ووسائل تصوّره للقضايا لإطلاق فلسفة أحكامه قبولا أو رفضا. ولا فرق هنا بين عالم وجاهل، لأنّ الأمر متعلّق بالمدى الأصلي الافتراضي في قوّة توظيف المكوّنات، ولا تدخل اعتبارات اختلاف تراكم المعارف إلا في صنع الفارق السلوكي الذي يتحوّل عند صاحب المعرفة إلى مساهم في التأثير على الطبع بنفس اتّجاهه الفطري، أي أنّه لا يغيّر سوى حلبة النشاط ومظهره . ولو استوى الخلق في العلم، أو استووا في الجهل، فلن يحُول ذلك دون اختلافهم الكلّي كما قد يقفز العكس إلى الذهن، والسبب كما أسلفنا أن الأمر متعلّق بقدراتٍ محدّدة للهضم بغضّ النظر عن الطعام المتيسّر المراد هضمه.
لكن المجتمعات الإنسانية في حاجة إلى قبولٍ" تسامحيّ " لتوحيد ما يتقارب من أحداث وأفكار واستنتاجات ومعاملتها على أنّها متشابهة حتى يتمّ اكتشاف منفعتها مجتمعة لأنها أكثر تركيزا، ورؤية خصائصها بوضوح أكبر لتتسنى دراستها واستغلال ما أمكن من فوائدها. ثمّ أنّه من غير الممكن معالجة أحوال الناس حالة حالة. وظهر ما يسمّى بـ" المدارس " في الفن والأدب والفلسفة والتاريخ وسنن الحياة المادية، وتعوّد الإنسان على هذا التصنيف الموحّد للاختلافات، لكن تعوّده لا يعني أبدا أنه نسي هذه المفارقة.
وقد خلق الله تعالى الإنسان على شكل يجعله مستقلاّ رغم أنفه. فالروح التي هي مناط الأمر كلّه محاطة بحدود الجسد. فهي لا تطّلع إلا بوسائله على المجهول، أيّ أنّ كلّ ما يصل إليها ملوّن باللون الخاص لتلك الوسائل، وكما رأينا أعلاه، فلا لون يشبه لونا آخر بين الخلق. وسيلقى كل عبد لله خالقه ولونه بين يديه، لا قدرة له على تبديله أو التخلص منه، ويكون ذلك بمثابة البصمة بأسفل التقرير إقرارا بنسبة المحتوى لصاحب البصمة. لقد تعهّد الله بأن لا يترك للناس حجة عليه يوم يلقونه، وما خلْقُهم مختلفين إلا جانبا ترتيبيا حكيما لذلك، وهل من حكمةٍ أعظم من حكمةِ ترتيبٍ يعترف بموجبه صاحب الذنب بذنبه طواعية؟ ذلك الله رب العالمين.