البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ لشبابنا - علاقة الأمل بالمعرفة
الرّئيسيـة > لشبـابـنـا > علاقــة الأمـل بالمعرفــة


بقلم : محمود سلطاني 05/10/2016


الأمل مرتبط بالله أوّلا، ثم بالمعرفة ارتباط النظريات بالنواميس والظواهر. تتجلّى تلك الصلة حين نفهم معنى الأمل ودواعيه. الأمل هو التشوّف إلى النجاح. أيّ نجاح لاجتياز عقبةٍ وبلوغ هدفٍ. من هذا المنظور، فإنّ حقيقة الأمل هو عبورٌ حتميٌّ لمجهولٍ بأقصى درجات السلامة، أيّ بأدنى العراقيل. لهذا السبب لا ينمو أملٌ إلا وتنمو معه نسبة من الخشية والاشفاق، تكبر أو تقلّ بحسب مقدار الثقة في وسائل الإنجاز والاجتياز. وبعبارة أدقّ، حسب إحاطة صاحب الأمل بتفاصيل رحلته من المبتدإ إلى المنتهى. وتلك هي المعرفة. هي المعلومة المناسبة في الظرف المناسب، تُصنَع صنعاً استجابة للحالة الملحّة، أو تؤخذ استغلالا واستنادا لرصيد معرفيّ قبليّ. وفي الحالتيْن، فإنّ مردودها ونجاعتها لا ينفكّ عن غزارتها وتنوّعها وعمقها وصدقها، لأنّها بمثابة المصابيح في الطريق المسلوك الذي يبدّد الظلمة نهائيّا إنْ تمّ اختيار النموذج الأمثل لنشر النور في كلّ ركنٍ ومنعرجٍ.
ولا توجد معلومة جليلة وأخرى حقيرة إلا في ما ندر، وإنما قيمتها في مدى الحاجة إليها. فما لم يُلْقَ له بالا ردحا من الزمن، قد يتحوّل في لحظة إلى مفتاح لأبواب استعصت على كل أنواع المفاتيح برغم جدّتها وتطوّرها. إنّه التغيّر الذي يعيد صياغة الأولويات حسب طبيعة المطلوب، للأفراد والجماعات، والذي بدونه لا يمكن الكلام عن ممارسةٍ للحياة بالمعنى الكامل للكلمة. لذلك، فإنّ الجديرين بالحياة هُم الذين يخوضون قلبها المائج لا الذين يلوذون بهامشها حيث الشظف والشح والشغور، والاستسلام للنقص المزمن. ولا وسيلة كالمعرفة لفكّ شفرة الحياة، والتوغّل فيها من أشد مسالكها أمانا، ومسْك أهمّ خيوطها لتطويعها وتدجينها.
فدعوتنا لكسب المعارف دعوة شاملة لا تتأتّى إلا بالمعرفة هي نفسها لأنّها عملية خاضعة للنظام والانضباط والمداومة، وحجر الزاوية فيها هو عدم الاستهانة بأي معلومة وبما يؤدّي إلى كسبها، وإن ظهرتْ عديمة الجدوى وقت اكتشافها، إلا إن تعذّر ذلك لسبب من الأسباب الوجيهة.
وفي أساليب التعليم العصري من تيسير تحقيق ما ننادي به الكثير: التخصّصات وانتشار المؤسسات المكوّنة، وتوفّر المعلومة وسرعة اقتنائها، وسهولة التواصل لتبادل الأفكار وطرح المشكلات، وانتظام نسق الحياة اليومية المشجّع على التخطيط لأمد قريب وحتى متوسط دون خوفٍ من مفاجآت تُذكَر. تلك هي مقوّمات التعلّم الكاملة التي ظلّ توفّرها مجتمعة ضالة وحلم روّاد الفكر البشري الذين لم يمنعهم النقص الفادح في جانب عن تعويضه بجوانب أخرى على حساب وقتهم وصحّتهم وأمنهم وحياتهم الخاصة. حريّ بنا، والحال كما وصفنا، أن تلسعنا إبر الضمائر الحية حياء ممّا فرضه الأسلاف من " كونتراست" بواسطة الفوارق بين وسائلنا ووسائلهم، وبين ما أنجزوه وأنجزناه.
ويوجد بين ظهراني الإنسانية اليوم – وبالأمس القريب - من تنبّه إلى وجود هذا الكنز وعزم على استغلاله، وجعل لكلّ جانب في حياته نصيبا منه يثريه بالقدر الضروري، وكانت النتيجة أن استقامت له حياته عنيفة قوية سليمة طيّعة مرنة كما تصوّرها بحسّه، وكما صوّرتها له موضوعية الإمكان والإمكانيات، وأقام بها حضارة حملت بصماته واسمه وحقوقه. وبغضّ النظر عن الجانب الأخلاقي في تصريف تلك الحضارة، فإنّ تلك الفئة من الناس قد أثبتت لغيرها أن التفوّق له طرقا ووجهة معلومة بملامحها وطبيعتها، وليس اكتشافا عفويا تميط الصدف عن وجهه اللثام كالحجر يتعثّر به المرء في الليلة الظلماء فيعلم أن هنا حجرا.
إنّ التقدّم اليوم قد انتقل إلى التنافس بعد أن كان مشاغل مستقلة خاصة، وتلعب المعلومة فيه دور القاطرة الرئيسية لجرّه إلى أبعد الحدود بأسرع الحيل. وأصبحت الصدارة من نصيب أكثر الأمم معرفة كمّا وكيفا، ومن قبل كان اللوم يصبّ على من لم يتعلّم، أمّا اليوم فأصبح من لم يتعلّم أكثر هو الملوم.