البحث في نفحات7

 نفحات7 - هذه الأمة - أخلاقيات
الرّئيسيـة > هـذه الأمّـة > أخلاقيــات

بقلم : نزهة القلوب تجاني    02/06/2017


عدم القسوة على الغير

و أنا أتصفح إحدى الجرائد، لفت انتباهي مقالٌ تحت عنوان " فضيحة إمرأة فقيرة في ليلة العيد ". و بدافع الفضول، رحت أطالع تفاصيل المقال. وكم كانت أليمة. فصاحب المقال تعرّض لظاهرة جدّ شائكة تمس مجتمعنا الذي عُرف في سنوات مضت بعدّة مواقف مشرّفة، وبكرمه، و رحمته للقريب و الغريب، لكن - وللأسف - أن قارئ المقال، وحتى من لم يقرأه، يدرك وبمرارة أن هذه السمات النبيلة و الأساسية في الحياة الإنسانية أخذت تختفي وتتلاشى ليحلّ محلّها ما يجرّد الانسان من إنسانيته. فكم هي كثيرة مثل قصة هذه المرأة الضعيفة التي دفعتها الحاجة وعاطفة الأمومة، وإنتصرت غريزتها على جميع المبادئ والقيم، فمدّتْ يدها لتسرق هديّة تُدخِل بها الفرحة و السعادة الى قلب ولدها، لكن صاحب المحل انتبه الى فعلتها. ولسوء حظها كان إنسانا غثيثا، فلم يرحم توسلاتها ودموعها ولا حتى فقرها، ونحن في تلك الليلة المباركة التي يتوجب فيها علينا جميعا العمل على إدخال الفرحة بالعيد. بل على العكس من ذلك، إنهال عليها ضربا وشتما شادّا وثاقها الى أحد أعمدة محلّه وهو يفتخر، و الناس يتوافدون من كلّ الجهات، لا رحمة بحال المرأة البائس، بل للتفرّج عليها بدهشة وهلع وكأنهم ينظرون الى حيوان كاسر. ولكن رحمة الله أوسع من أيّ شيء آخر. فبينما هي في ذلك الوضع الحرج و المحرج، إقتحم الجمعَ رجلٌ بأتمّ معنى الرجولة و أنقذ تلك المسكينة من القبضة التي وقعت فيها، ثم همّ بدفع مبلغ ما حاولت أخذه، لكن المرأة رفضت شاكرة، وبدافع المروءة فضلت حزن ولدها على الإهانة.
إنّ هذه الواقعة المؤثرة كشفت النقاب عن معاناة فئة منسيّة من المجتمع، ولكن طالما هنالك في هذا الزمن الصعب أناس كالرجل الذي رقّ قلبه لحالة هذه المرأة ورحم فقرها، يجب أن نتفائل خيرا ونكون مثل هذا الشخص الكريم الذي لم تغب عن سلوكه و تصرفه الشهم وتعاليم ديننا الحنيف البعيدة عن كل تزييف و إنحراف.
فالرحمة وعدم القسوة على من نعايش هي من السمات الأساسية التي يجب أن يتصف بها الإنسان المؤمن. ففي حديث شريف قال عليه أفضل الصلاة والسلام: « لن تؤمنوا حتى تراحموا فقالوا يارسول الله كلنا رحيم قال إنّه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة » إنه بحكم العاطفة نجد طبيعيا أن تكون الأم رحيمة بطفلها أو الأب بولده أو القريب بقريبه لأنه قلّما تخون العواطف أقرب الناس إليها، لكن ما هو أسمى، أن تتعدّى رحمة الانسان هذا المجال لتصل الى أبعد الحدود، وتفوق أفعاله الخيّرة دائرة أسرته لتعمّ وتشمل كلّ الخلق دون تمييز، فيكون بذلك ممن وعوا وفهموا كل الفهم مقولة الرسول الكريم: « من لا يرحم الناس لا يرحمه الله » إذْ برحمة الناس بعضهم بعضا تتنزّل الرحمة الالهية على الخلق، وعوض التشتّت و الضياع تصبح الأمّة موحّدة، تربطها أواصر المحبة والتعاطف والتعاون، وبهذه الوحدة الأخوية تصل الى درجة عالية من القوة و التماسك.
فمن الجميل أن يحنو الانسان على أهله و أولاده وذوي رحمه، لكن ما هو أجمل وأنبل أن يكون سلوكه هذا أوسع و أشمل لكل من يعايشهم حيث يبدي مودّته ورحمته لعامة الناس الذين يلقاهم سواء كانوا ممن يعرف أو ممن لا يعرف، سواء جمعته بهم صلة من الصلات أو لم تجمع، فيتميز بهذا عن الأخرين تميزا يرفعه و يسمو به. وقد نبّه الاسلام الى من ينبغي أن يحظوا بأضعاف من الرعاية و الرحمة من هؤلاء ذوي الرحم، ولا يخفى علينا أن الرحم كلمة مشتقة من الرحمة لغة، وهي تتوازى معها في المعنى. وأجدر الناس بالعطف والبر أعزهم و أمنّهم علينا، وهما الوالدين. قال تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا . كما حثنا الله جلّ جلاله ورسوله الكريم على حسن معاملة اليتامى و المساكين. فالطفل حين يتيّتم يفقد القلب الرحيم و الحنان الكبير و ينشأ في حرمان يجعله في حاجة دائمة الى الكلمة الطيبة و المعاملة الحسنة. وكذلك المساكين العاجزين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الراحمون يرحمهم الله تعالى إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله
فعلينا جميعا بالمساواة والمعاونة والمساعدة والتلطّف بالكلمة، والعمل معا كلما استطعنا ذلك، وكلّما سنحت الظروف.

الارتباط بالأمّة

الانسان المحب لأمته يشعر نحوها بارتباط قلبي شديد، ويعتبر نفسه جزءا منها، فيفرح لكلّ ما يزيد من مجدها، ويتألّم من كلّ ما يقلّل قوّتها. إنّه يصبو إلى رؤيتها قويّة وناهضة، ويفتخر بأمجادها، ويتألّم لمصاعبها، وينزع الى عمل كلّ ما يستطيع عمله للدفاع عن كيانها وعن كرامتها، حتى أنه لا يتأخّر عن التضحية في سبيلها إذا اقتضى الحال ذلك.
ومنشأ هذه النزعة هو حبّ الموطن و الأهل، لأنّ الانسان يشعر بتعلّق عاطفي و ارتباط قلبي بالمحلّ الذي ولد ونشأ وترعرع فيه. كما يشعر بتعلّق باطني نحو أهل ذلك المحلّ، ونحو جميع الناس الذين عايشهم وعاشرهم و آلفهم في صغره وصباه. فهذه الصلة المعنوية الوثيقة، والعلاقة النفسية تظهر نفسها بقوة أعظم حينما يغترب المرء عن مسقط رأسه ومسرح صباه ويفارق أهله وذويه. هذا الشعور يوّلد في نفسه حنينا وتشوقا للعودة الى موطنه.
لهذه الأسباب كلها نجد أنّ الأمّة المترسخة في شعور ووجدان الانسان تشغل مكانة خاصة في معنوياته وبعاداتها وتقاليدها وبكل ما لها من خصائص و أوصاف و تفاصيل. لهذا، فإنّ حبّ الأمة يماثل حبّ الأهل، وعلى الإنسان أن ينظر الى موطنه كجزء من الوطن كما ينظر الى أهله، و أهل بلدته كفرع من المواطنين، فيحب وطنه ومواطنيه، ويفتخر بوطنه وأمته، كما كان يفتخر ببلدته وبأهله وذويه.
غير أنّ العلاقة بين الإنسان وأمته لا بد أن تتجاوز الإطار المادي المحسوس الى ماهو أكبر من ذلك، كوحدة الآلام والآمال والمصير الواحد. هذه الروابط من شأنها أن تكون مدعاة للتقارب والتعاطف والتأزر، لا مدعاة للتنافر والفرقة، كما يحدث الآن من صراعات وصدامات وفتن بين بني الجلدة والدم الواحد.

دور الإعلام في إعادة صياغة الرأي العام

لقد قيل أنّ الإعلام يغيّر العالم. وفي الواقع لا تحتاج هذه الفكرة الى عناء كبير لإثباتها. يكفي أن نعرف أن وسائل الإعلام الحديثة قرّبت العالم أجمع وجعلته " قرية صغيرة ". فإنّ الانسان يجلس في بيته، يفتح التلفزيون ويبدأ يتجوّل في العالم عبر الضغط على أزراره، فيشاهد ما يجري في أقصى منطقة، و يطّلّع على يوميات بؤر التوتر في العالم، و يتعرّف على أحداث سياسية في فلسطين، ويتابع مباراة في كرة القدم تجري وقائعها في البرازيل، ويسمع ويشاهد أحدث الابتكارات. كلّ هذا وهو جالس لا يتحرك. ورغم ذلك انتقل الى عدة أمكنة من العالم وشاهد وعايش عدة أحداث ووقائع . وهكذا استطاع الإعلام، بواسطة التكنلوجيات الحديثة كالبث المباشر وانفجار ثورة الأنترنت، أن يقرّب الشعوب من بعضها البعض، ويفرض ثقافات هذه الشعوب، أو تلك التي تملك من وسائل إعلام لها من قوة التقدم و الحداثة ما لا تملكها غيرها. وأصبح الإعلام يخلق الرأي العام ويوجّهه ويؤثر في سلوك الناس، يغيّر أنظمة ويتحكم في مصائر. و يستطيع أن يقرّب بين الناس، كما له أن يباعد بينهم، ويستطيع أن يشعل الحروب ويطفئها.
وفي رأيي، هاته النزاعات والحروب التي نشهدها اليوم، على الأقل مايحدث في المنطقة العربية، هي آخر حروب الحضارة الصناعية، أو آخر حروب حضارة الإعلام إنْ صحّ أن أسميها هكذا. فمعظم الشركات الاعلامية العملاقة عبر العالم تنقل و تعالج الخبر وفقا لأهواء ورغبات ومصالح رجال الأعمال والساسة، وليس تقريرا موضوعيا عن الواقع كما تتطلبه الرسالة الإعلامية. وهنا تثار مسألة أخلاقيات مهنة الإعلام التي يجب أن تبتعد عن اللعب بعواطف المتلقّي وتوجيه رأيه بما يخدم المصالح الخاصة لأفراد أو جماعات. يوجّه الكاتب أحمد فهمي في كتابه ( هندسة الجمهور .. كيف تغير وسائل الإعلام الأفكار والتصرفات ) سؤالا وجيها لقارئه: ما الذي يمنع أن تكون سلوكياتك وردود أفعالك في مجالات متعددة متأثرة ـ لا شعوريا ـ بما تتلقاه يوميا من رسائل إعلامية صيغ أكثرها بعناية فائقة لتحقق هدفا واحدا هو إعادة صياغتك على النحو الذي يتوافق مع مصالح النخبة المسيطرة؟ وعلى كلٍّ، فإنه لا بد من كل حدث ناقل ومن كل ناقل خبر. والعلاقة الجدلية الاعلامية بين الحدث و الناقل هي التي تحدد مدى المصداقية الحقيقية التي تتمتع بها وسيلة إعلامية دون الأخرى. فوقوع الحدث في حد ذاته وملابسات صدور خبر ما وكيفيات نشره وأساليب صياغته وتوقيته، كلها عناصر تعتمد موضوعيا في التعرف على الناقل للحدث أو الخبر، و بالتالي الصورة التي تنطبع لدى الجمهور تجاه تلك الوسيلة الاعلامية.