البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ نوافذ على الحقّ - بلوى التكفير
الرّئيسيـة > نـوافـذ علـى الحـق > بلـوى التكفـيـر


بقلم : محمود سلطاني

التكفير ..
ما أضيقه من باب ..
وما أوسعه من باب ..
ما أضيقه عند العارفين بالله ، الصادقين مع الله ، المتواضعين لله ، وما أوسعه عند الجاهلين المتنطّعين الذين لا يرون إلاّ الهلاك من حول الناس .
وقد أدركتُ مدى ضيق هذا الباب عندما اطّلعتُ على قوله صلّى الله عليه وسلّم : « من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما » . وفي صلبه الأمر الصارم لتجنّب هذه الظاهرة نهائيا لخطورتها على سلامة العقيدة ، وروابط الأخوّة الإسلامية .
لقد علّمتنا التجربة والمعارف أنّ الركن الأساسي في عالم التجارة هو " دقّة الحساب " . حساب الربح وما يؤدّي إليه قبل الإقدام على إبرام الصفقات ، والإنفاق في الإستثمارات ، ولا مجال للمخاطرة إلاّ بمقدار هو من سمات الثقة الراسخة أقرب إليه من صفات المغامرة . ولن تجد تاجرا مهما كان ثراؤه ، وسمعته ، ووضعه في الأسواق يتساهل في الزجّ بأمواله في مشاريع يكتنفها ظلّ الفشل ولو بنسبة ضئيلة ، لأنّ الخسارة الهيّنة هي سُلّم الإفلاس والضياع . ضياع المال ، والمجهود ، والمستقبل . هذا في أمور الدنيا المادية المتّصفة بإمكانية استرجاعها ، أو الحصول على ما يعوّضها ويزيد عليها . فكيف بما يتعلّق بالربح والخسارة في أمور الآخرة والعواقب والمصير ؟ ومهما بحثتَ فلن تجد أشدّ حمقا وجهلا واستهتارا بفائدته ورأس ماله من المشتغلين بتكفير الناس . وما يزيد في العجب أنّهم على علم بهذه الأحاديث ، لكن تصرّفهم يوحي وكأنّها أحاديث موّجهة لغيرهم ولا تعنيهم .
ما أضيقه من باب ! نقولها ونعني ما نقول لأنّ بين أيدينا الأدلّة الدامغة من السنة المطهّرة على صاحبها أفضل السلام وأزكى التسليم .
فما هو الكفر ؟
الكفر إنكار لوجود الله أو جحودٌ لإطلاق تفرّده في كمال صفاته وأفعاله .
فالإلحاد كفر لأنّه إنكار لوجود الله سبحانه وتعالى .
والإشراك كفر ليس لأنه جحود لوجود الله ، ولكن لأنه جحود لاقتصار الكمال المطلق عليه .
فهو - أيّ الكفر - من هذا المنطلق عقيدة يتبنّاها صاحبها عن نيّة وقصد ، ويمارسها باقتناع ورضى . وممّا تقرّر يتبيّن أنه لا وجود لكافر أو مشرك من غير أن يعلم أنّه كذلك ، لأنّ عدم العلم الكلّي ( ومرادفه هو الجهل التام ) في الأمور العقائدية يلغي مسؤولية الشخص عمّا يترتّب من سلوكه الغير متطابق مع الأمر الإلهي المنزّل . والله تعالى أراد أن تكون هذه الدار دار أسباب ، وعدم توفّر السبب حجّة لصاحبه ، وحاشا له عزّ وجلّ أن يترك لعبد من عبيده حجّة عليه . فمن لم تبلغه رسالة الله فليس بكافر من منظور ظاهريّ ، وليس بمؤمن كذلك . إنّه لا يزال على الفطرة التي أوجده الله عليها حينما ولد ، وكلّ إنسان على تلك الحال هو بمثابة من يقف عند مفترق طريقين ينتظر قدوم من يدلّه ويساعده على اختيار إحداهما .
وقد قرأت مرّة لشيخ المنكرين الأكبر قولا مفاده : " أنّه يمكن أن يكون المرء كافرا من غير أن يدري ولو تلفّظ بالشهادتين " . والدليل عنده مصير الخوارج المارقين من الدين كما يمرق السهم من الرميّة بالرغم من احتقار صلاتنا مع صلاتهم وصيامنا مع صيامهم . لكن شيخ المنكرين لم يقل لنا لماذا كفر الخوارج ؟ إنّ هؤلاء لم يكفروا من لا شيء ، ومن المستحيل أن يصدر عليهم ذلك الحكم الأزلي من شفتيّ المعصوم عليه الصلاة والسلام من غير أسباب . ونحن نُنْبِئ المنكرين وشيوخهم لماذا كفر الخوارج . لقد كفروا لأنّهم كذّبوا سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم . إنّه صلّى الله عليه وسلّم يقول : « إنّ الله فضّل أصحابي على العالمين ما عدا النبيّين » ، والخوارج قالوا : إنّ عليّا وعمرو بن العاص ومعاوية كفّار . ومولانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصرّح للإمام عليّ رضي الله عنه وكرّم وجهه قائلا : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي » وَهُمْ - زيادة على تكفيره - اعتبروا قتله قربة من الله ، وهوّنوا من شأنه - وهو من هو - إلى درجة تحويله إلى بضاعة تُطلب إرضاء لغانية لا ترى لها مهرا يليق بها سوى " إزهاق " روح أبي الحسن والحسين .
هذا معنى " إيمانهم لا يتجاوز تراقيهم " أيّ أنّ تلك الـ" لا إله إلاّ الله " التي يردّدونها محبطة بقوّة اعتراضهم على أقوال سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وهم في حالتهم هذه مثل المنافق الذي يعلن الإيمان ويضمر الكفر . فالخوارج لم يكفروا وهم لا يعلمون ، ولكنهم كفروا لأنّهم أصرّوا على إنكار الحق الذي علموه ، وتمسّكوا بآرائهم الباطلة حتّى بعد أن أفحمهم سيّدنا عليّ رضي الله عنه عند مناظرتهم .
والحقيقة أنّنا نعرف جيّدا لماذا أصدر شيخ المنكرين فتواه . فهو يوجّه سهامه إلى أصحاب الطرق الصوفية ليبرّر اتّهامهم بالكفر عندما دمغته وأحرجته " لا إله إلاّ الله " التي هي عماد حياتهم في الحركات والسكنات . لكن هيهات يا شيخ المنكرين أن تقارن قتلة الصحابة ، وسفّاكي دماء التابعين ، وباقري بطون الحوامل ، ومقطّعي أوصال الرضّع بالمسالمين المتفانين في حبّ سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه الكرام عليهم الرضوان ، والمتأدّبين معهم عند ذكرهم في كلّ مجلس أو منتدى . بل إنّنا نقول لك محذّرين : لستَ وقومك ممّا تتّهمون به غيركم ببعيد .
والحقيقة أنّ القول بصحّة إمكانية كُفْر من يعتقد في " لا إله إلاّ الله " من غير أن يدري سيجعل من العكس ممكنا كذلك ، وهذه معضلة عظمى لأنّها ستمسخ الدين وتقوّض أساسه الرئيسي الذي هو القصد والنية والإعتقاد ، وستحوّل علاقة الإيمان الدافئة المخملية المنوّرة بين العبد وربّه إلى ما يشبه لعبة " عجلة الثروة " La roue de la fortune ، وأنت وحظّك . فإذا كان ممكنا أن يأتي مسلم يوم القيامة مستبشرا بإيمانه فيتفاجئ بأنّه في عداد الكافرين ، فإنّه - وبنفس منطق المنكرين الخرب - من الممكن كذلك أن يُبعث ملحد يوم الحساب فيجد نفسه من أصحاب الجنّة . فما دام المسلم قد خرج من إيمانه وهو لا يعلم ، فالملحد قد يدخله من نفس الطريق ويكتشف أنّه لم يكن طيلة فترة حياته الأرضية كافرا ، لماذا ؟ لأنّ الإيمان والكفر كما قلنا عقيدة مختارة توفّرت لها جميع أسباب المسؤولية والمحاسبة ومن بين تلك الأسباب الوقت الكافي الكفيل بإبراز جميع عوامل الثبات أو العدول عمّا اختير . فإذا كان كلّ هذا ليس كافيا من وجهة نظر المنكرين فلم تبق سوى يد الفوضى العمياء هي التي تحدّد مصائر العباد .
تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا .
إنّ المؤمن مؤمن وبأسباب معروفة ، والكافر كافر وبأسباب معلومة .
ومسألة القصد في الأمور الخاصّة ، وشدّة ارتباطها بالحيّز الشخصي لكلّ فرد موجودة حتّى في أقلّ من عقيدة الإيمان المحضة ، وهي من الخصوصية بمكان بحيث لا يُجدي للحكم عليها حكما مضمون الصحة أن تُؤتَى من خارج دائرتها ، وإن وقع فهو حكم مبنيّ على علمٍ من ترجمانها . ومثال على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : « استفت قلبك واستفت نفسك البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك » ، ومنها قول الله تعالى في الحديث القدسيّ : « أنا عند ظن عبدي بي إن ظن خيرا وإن ظن شرا » . وهنا يتأكّد أمران مهمّان :
- المسؤولية عن حقيقة دوائر الخصوصية مسؤولية فردية وفريدة ، وهي منوطة مباشرة بصاحبها وفقط به .
- ما دامت مسؤولية فهي إذنْ من قبيل المعلوم .
وهو دليل على خطإ فكر من ينصّب نفسه نائبا عن غيره للحكم على صحّة أو زيف معتقده أو منهجه في ممارسته .
ومن حسن الحظ أنّ الكفر عقيدة يرضاها صاحبها لنفسه وإلاّ فإنّه لا وجود لمؤمن مستيقن أبدا على وجه الأرض إلاّ أن يكون نبيّا معصوما . لو لم يكن الكفر كذلك لهلكنا جميعا لأنه لا أحد ناجٍ من اقتحامات الخواطر الشيطانية السوداء . والفرق بين المؤمن والكافر ليس في خلوّ المؤمن من تلك الخواطر ووجودها في الكافر ، ولكن الفرق في موقف كلّ واحد إزاءها لأنّه هو الذي يزوّدها بمفعولها . إنّ ضررها لا يطرأ من مجرّد مثولها في الأذهان ، بل إنّها أمر بديهيّ لا بدّ منه للعاقل ، ونفهمُ ذلك عندما نفهم وظيفة العقل .
العقل الصرف جارحة من الجوارح ، ويختلف عنها لاختلاف مهمّته . واختصاصه هو اكتشاف التسلسل المنطقي في علاقات الأسباب المادية والمعنوية عند تفاعلها الطبيعي . فإذا ما اصطدم بطفرة منطقية في تسلسل أسباب ظاهرةٍ مّا فإنّه يتوقّف حتما عندها حتّى تُحلّ عقدتها . العقل مخلوق ليصل إلى نهاية كلّ مسألة يبتدئها وإلاّ فإنّه " يزرع " نقطة استفهام كلّ ما صادف مجهولا . ومن بين الأمور التي يستعصي فهمها على العقل الغيبيات الدينية لأنّها بالنسبة له ولطبيعة وظيفته مفتقرة إلى كثير من المعطيات التي تُقيم المعمار المنطقي ، فهو يعالجها على أنّها من ضمن " ما ينتظر الإيضاح " .
إلى هذا الحدّ فإنّ الأمر عاديّ .
فإن نفر صاحبها وتبرّأ منها فلا مكروه يُخشى عليه ، وإن استساغها وركن إليها وآمن بها فهو عين الهلاك . فالكفر مثل الخمر ، هو تحويل ثمرة طيّبة إلى مادّة خبيثة مضرّة . ولو تعمّقنا أكثر لقلنا أنّ الكفر والإلحاد هو الرضى بنتيجة عملية عقلية لم تصِلْ إلى منتهاها . فهو إذنْ حكم نهائي في قضية قبل الإنتهاء من جمع كلّ الدلائل والقرائن المتعلّقة بحدوثها ، وهذا ظلمٌ ، وقد سمّاه المولى جلّ وعلا كذلك إذِ الشرك والكفر سيّان .
نستنتج ممّا قلنا أنّه من المستحيل الحكم بصحّة أو فساد عقيدة أيّ شخص لشدّة مفعول صفة الذاتية الموغلة في السرّية فيها ، وأنّ كلّ محاولة لفعل ذلك تخمينا واستقراء لا شكّ مآلها الفشل الذريع ، والسبيل الوحيد لمعرفتها على وجه الدقة واليقين هو المجاهرة بها تصريحا قطعيّا لا يحتمل التأويل .
وكما قلنا أعلاه فإنّ الشرع الحنيف قد شدّد النهي عن تكفير بعضنا بعضا والتساهل في ذلك ، وقد ترك لنا سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نماذج من مواقفه وأحكامه الواضحة أمام حالات اكتنفها الغموض واللبس عند حدوثها لأصحابها . وهي في نظرنا سياج تلو السياج وضعه عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة حول دائرة العقيدة ليحميها من عبث العابثين المتهوّرين . سأورد لك - أخي القارئ - أربعة شواهد من السنّة المطهّرة رتّبتُها تصاعديّا بالقياس إلى تعقّد ملابسات وقوعها ، وسترى بنفسك ثبات صيغة نفي كلّ تفسير لها بالكفر ، بل إنّ ذلك النفي يتحوّل في بعضها إلى نهي صارم مخيف .
  1. هواجس النفس

  2. وهي تلك الخواطر القسرية المقتحمة لفكر المؤمن فيما يتعلّق بجميع الغيوب . عن سيّدنا أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلّى الله عليه وسلّم : « إن الله تجاوز لي عن أمّتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلّم » . وعن سيّدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال : « جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنّ أحدنا ليجد في نفسه الشيء لأن يكون حممة أحبّ إليه من أن يتكلّم به فقال صلّى الله عليه وسلّم الله أكبر الحمد لله الذي ردّ أمره إلى الوسوسة »
  3. حديث الشيطان

  4. عَنْ سيّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ فَيَقُولُ اللَّهُ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ اللَّهَ فَإِذَا أَحَسَّ أَحَدُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ » . وهو لأوّل وهلة يُرى وكأنّه كالذي قبله ، لكنّه ليس كذلك عند الإمعان إذ أنّه أقوى قليلا لأنّ سمات الإنقياد الإرادي إلى سلسلة التساؤلات جليّة في الموضوع لكنّه انقياد جبلّيّ ولو اختلط بنسبة من التمادي العمد ، وهو على كلّ حال غير ضارّ إذا وضع له صاحبه حدّا .
  5. النهي عن التأويل

  6. جاء في مستدرك الحاكم عن سيّدنا عقبة بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال : « أمّا بعد فما بال الرجل يقتل الرجل وهو يقول أنا مسلم فقال القاتل يا رسول الله إنّما قالها متعوِّذا فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هكذا وكره مقالته وحوّل وجهه عنه فقال أبى الله على من قتل مسلما أبى الله على من قتل مسلما »
    عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : « بَعَثَنَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَرِيّةٍ فَصَبّحْنَا الْحُرُقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً فَقَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاّ الله فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلّى الله عليه وسلّم : أَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَقَتَلْتَهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ إِنّمَا قَالَهَا خَوْفا مِنَ السّلاَحِ قَالَ أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتّى تَعْلَمَ أقالها أم لا فَمَا زَالَ يُكَرّرُهَا عَلَيّ حَتّى تَمَنّيْتُ أَنّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ » ، وفي رواية أضيف : « من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة قال فما زال يقول حتى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ » ، وفي أخرى : « أقتلته قال نعم فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة فجعل لا يزيده على أن يقول كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة » .
    الأمر الأكيد أنّ سيّدنا زيد رضي الله عنه لم يكن متهاونا بقيمة حياة مسلمٍ عند قتله الرجل ، وقد اجتمعت لديه في تلك اللحظة الأدلّة المقنعة على كذبه عند إعلان إسلامه . نحسّ بصلابة ذلك الإقتناع عند الدفاع عن فعلته أمام سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وهو اقتناع راسخ لأنّه دام من ساعة القتل إلى حين العودة إلى المدينة ، وهي مدّة طويلة نسبيّا ، ولم يضعفه ذلك الإحساس باحتمال الخطإ الذي انتابه في أوّل الأمر . لكنه عليه الصلاة والسلام لم يكترث بحجج زيد ، وغضب غضبا ممزوجا بالمرارة وخيبة الأمل ، ومن سؤاله له : « قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَقَتَلْتَهُ » نحسّ بحجم هول الصدمة عليه وكأني برسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يتوقّع من قبل أبداً أن يتعرّض أيّ كان لمن يقول " لا إله إلاّ الله " بأذى مهما كان نوعه ، ولكن وقد حدث ما حدث فالأهمّ عند ذلك هو الحرص على إصدار التشريع المناسب لرسم حدود مثل هذه الظواهر الخطيرة ، وقد حسم القضية بقوله : « أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتّى تَعْلَمَ أقالها أم لا » ، وبقوله : « فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة » ليعلن بما لا مجال للشكّ فيه بأن ليس لأحد الإذن في اقتحام قدسيّة خصوصيات دوائر العقيدة بأدوات التخمين والتأويل لأنّها ممّا يستعصى عن الخروج من معالجتها بها بطائل . إنّها أبواب عالم عجيب أغلقت إلى الأبد بيد رسول الله وأمره ، ولا أعجب منها إلاّ يد مجترئة وقحة تسلّلت لمحاولة فتحها . فما أصبر أهل الإصرار على حمل الأوزار !!
  7. بركة " لا إله إلاّ الله "

  8. إذا لم تكن الأمثلة الثلاثة السابقة كافية ليُقلِع المنكرون عن تكفير المؤمنين فإنّ المثال الرابع - هذا - كفيل بأنْ يَدُكَّ صخورَ قساوة قلوبهم من أسسها ، ويدفعهم إلى مراجعة النفس والعقل ثمّ التراجع عن الخطإ . وأمّا إذا لم يكن لذلك أيّ مفعول فاعلم أنّه لا تزال على البصائر غشاواتها ، وعلى العقول أغلالها ، وعلى القلوب رَانُها وأقفالُها . نسأل الله لنا ولهم الهداية والسلامة .
    روى ابن ماجة عن سيّدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسرى على كتاب الله عزّ وجلّ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس والشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة " لا إله إلاّ الله فنحن نقولها " فقال له صلة : ما تغني عنهم لا إله إلاّ الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة فأعرض عنه حذيفة ثمّ ردّدها عليه ثلاثا كلّ ذلك يعرض عنه حذيفة ثمّ أقبل عليه في الثالثة فقال : يا صلة ، تنجيهم من النار. ثلاثا » .
    نحن أمام حالة رهيبة من أحوال المسلمين في المستقبل ليس بينها وبين أحوال الكفر والكفّار إلاّ حاجزا رقيقا يكاد يكون معدوما ولو لم يُبَيِّنْهُ الحديث الشريف لَمَا استطاع أحد أن يتبيّنه . والدليل على قولنا هو تساؤل صلة في استغراب يعبّر عن صدمته وعدم " هضمه " لذلك الواقع الحامل للمتناقضات . والحقّ أنّ رأيي كان سيكون مثل رأي هذا التابعيّ العظيم لو لم أطّلع على كلام سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأنّ الهول الأكبر ليس في " انقراض " الصيام والصلاة والنسك والصدقة ولكنّه في الفناء الشبه مطلق لمعنى " لا إله إلاّ الله " ، ومِمّنْ ؟ من شيوخ كبار وعجائز يعترفون بأنّ قولها إنّما هو " ترديد " لِمَا أدركوا عليه آباءهم ، وهو قول أقرب إلى التقليد المجهول المقاصد منه إلى العقيدة المختارة عن تبصّر . فإذا كان ذلك هو حال الشيوخ فلا شكّ أنّ حال الأجيال الشابة أنكى وأفظع . لكنّها تُنجيهم من التخليد في النار ، ويدخلون الجنّة في آخر المطاف بصفتهم مؤمنين رغما عن " أنوف " آرائنا الرافضة وتحليلاتنا القاصرة . إنّ في هذا دليل آخر على أنّ الإيمان والعقيدة أمر خارج عن كلّ إحاطة غير إحاطة الله سبحانه وتعالى ، وأنّ أسرار بركة " لا إله إلاّ الله " هي من أسرار أفضال الله ذاتها التي لا تحدّها حدود ، ولا تخضع لقاعدة معلومة من أنماط القواعد الشائعة . وقد ذكّرني ذلك بالحديث الذي رواه سيّدنا أنس رضي الله عنه حين قال : « ذكر لي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لمعاذ من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة قال ألا أبشّر الناس قال لا، إنّي أخاف أن يتكّلوا » .
    فما الذي بقي لمحترفي التكفير بعد هذه الأحاديث أشدّ خسارة وضياعا ؟
أمّا بعد :
فإنّ الحمد لله وحده الذي هدانا إلى الإيمان بوحدانيته ، ويسّر لنا طريق ذكره آناء الليل وأطراف النهار ، ورزقنا طريقة القطب المكتوم الشيخ سيّدي أحمد التجاني رضي الله عنه التي أذاقنا بواسطتها طعم نعيم الشكر والرضى والحبّ المقدّس السرمدي .
نسأله تعالى تكميل ما نقص ، ومباركة ما كمل ، والوصول إليه في أبهى حالة يرضاها لعباده . آمين .
والله ورسوله أعلم .