البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ نوافذ على الحقّ - الردّ على من اتّهم شيخنا سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه بعقيدة الجبرية
الرّئيسيـة > نوافـذ على الحـق > الـردّ علـى مـن اتّهـم شيخنـا سيـدي أحـمـد التجـانـي رضي اللـه عنه بعقيـدة الجبْريـة

بقلم : محمود سلطاني 19/06/2017


يتّهم المنكرون رجال الطريقة التجانية - والسادة الصوفية – بأنهم يعتبرون الاستعمار قدرا من " أقدار الله " الواجب قبوله وتحمّله بصدر رحب، وبأنّ مشائخهم يأمرون مريديهم بعدم مقاومته لأن ذلك يضاهي مقاومة إرادة الله في خلقه.
تذكرت ذلك حين قرأت فقرة من رسالة كتبها شيخنا سيّدي أحمد التجاني رضي الله عنه، نشرها أحد المنكرين، وما أعقب ذلك من انتقادات تنبع كلها من نفس الاعتقاد المذكور. بل واتُّهِم رضي الله عنه بأنه يدعو إلى عقيدة الجبرية، وبالرضا بالحكّام على أي حالة كانوا، وبعدم الإنكار عليهم مهما عملوا، وترك المجال لهم وعدم منافستهم بحجة اتّقاء شرّهم.
نفس نغمة المنكرين المعهودة في المشرق والمغرب.
أمّا الفقرة من كلام سيّنا الشيخ رضي الله عنه، فهي:

وسلّموا للعامّة وولاّة الأمر ما أقامهم الله فيه من غير تعرّض لمنافرة أو تبغيض أو تنكير فإنّ الله هو الذي أقام خلقه في ما أراد ولا قدرة لأحد أن يخرج الخلق عمّا أقامهم الله فيه ، واتركوا التعرّض للرياسة وأسبابها فإنّها كعبة تطوف بها جميع الشرور، وهي مقرّ الهلاك في الدنيا والآخرة .

وهي كلّها حقٌّ مبين كما سنوضّحه بإذن الله تعالى.
إلاّ أنّي أود الإشارة إلى أنّ المنكر لم يكن أمينا حين نقل كلام مولانا رضي الله عنه، واكتفى بهذا الجزء اليسير المقطوع من سياقٍ أشمل وأكمل طبع مضمون الرسالة من أوّل كلمة فيها حتى آخرها. وكانت الفكرة العامّة الموحّدة لكلّ مكوّنات المكتوب هي وصفات السير إلى الله في الزمن الرديء. ولو أردتُ جمْع معنى ما أمر به سيّدنا الشيخ رضي الله عنه في عبارة واحدة، لقلت بدون تردّد: إنّها دعوة لمعالجة الأمور من مواضع قابليتها لذلك.
والغريب أنّ تلك الفقرة المنقولة كانت مسبوقة بفقرةٍ أخرى ذات نفس التوجّه لكنها مصاغة بطريقة أوضح وأكثر بيانا وتبيينا. الفقرة التي استشهد بها المنكر كانت إعادة سريعة لتأكيد ما سبق وتذكيرا به لأهميّته وخطره، ولذلك جاءت خالية من توضيحاتِ وجزئياتِ سابقتها، لأن تكرارها من تحصيل الحاصل. ولم يكن يفرّق بين الفقرة المنقولة والأخرى المتجاهَلة إلاّ أسطرا معدودة، ولو قرأ المنكر الرسالة كلّها لكان اكتشف الحقيقة إن كان فعلا يتحرّاها. لكني أشك في ذلك.
وهذه هي الفقرة الأولى من كلام سيّنا رضي الله عنه التي تجاهلها المنكر:

وعليكم بعدم الاعتراض على الناس فيما أقامهم الله فيه ممّا ليس بمحمود شرعا ولا طبعا ، فإنّ أمورهم تجري على المشيئة الإلهيّة ، فَهُمْ مقبوضون في قبضة الله لا محيد لهم عن حكمه ، وجميع أمورهم تصدر عن قضائه وقدره ، إلاّ ما أوجب الشرع القيام به عليهم أمرا وزجرا بحسب العوارض والنائبات في بعض الأزمان لا كلّ الأزمان ، وقفوا عند قوله صلّى الله عليه وسلّم: « مُرُوا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متّبعا وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك » ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم : « مِن حُسْنِ إسلام المرء ترْكُه ما لا يعنيه » .

إنتهى كلامه رضي الله عنه. ولمن يريد الاطّلاع على الرسالة المذكورة نقدّم رابط صفحة رسائل الشيخ رضي الله عنه على صفحات الموقع:
http://www.nafahat7.net/index.php?page=ch5_fasl4
وسيرى القارئ بأنّ ما يسمّيه المنتقد دعوة إلى الجبرية والخضوع للحكّام وفسح المجال لهم ليعيثوا فسادا في الأمّة دون حسيب ولا رقيب، لا وجود له بالمرّة، وإنّما هي دعوة مستقلّة لتزكية النفس، والنأي بها عن الانسياق وراء أحكام الهوى المستعجلة، والرقيّ بالعقول إلى مستوى مراعاة الفوارق بين القاهر من الظروف الفارضة لأوضاع استثنائية غالبة على كل حكمة وحيلة، ولا تفسير لها سوى أنها صورة من صور ما أراد الله إقامة عباده فيها من ناحية، وبين العادي من تلك الظروف التي تتّسع أمام المكلّف فيها جميع دوائر التيسير وما يُعِين على الطاعة والامتثال، من ناحية أخرى.
والذي يعلمه سيّدنا رضي الله عنه علم اليقين، هو أنّ الحكم على الخلق في عصرٍ بمعايير اجتهادية صلحت لعصور أخرى ليست قاعدة مطّردة على الدوام، وأنّ ما جاز في الأخيرة وجرى أمرُه، بإصابته وخطئه، على جناح السلامة، قد يترتّب على انتحاله وتطبيقه في الظرف الطارئ، لعصرٍ آخر، المقت المصاحب لمعارضة المشيئة الإلهية، ولعدم الْتماس العذر حيث الاضطرار.
خوف سيّدنا رضي الله عنه ليس من الانتقاد بدافع الغيرة على شرع الله، ولكن من الانتقاد الذي توحي به النفس الجاهلة، والمنتقص، إلى حدّ الاحتقار، من قيمة الواقع تحت المخالفة غلبة.
لكن، حتى لو اكتفينا بالفقرة التي تجاهلها المنكر، فسنجد أن سيّدنا قد جمع في حديثه عن حالة طبائع الناس وجريان أمورهم، ما لا يخرج عن العقيدة السليمة والنص الشرعي، وما الإشكال إلاّ في فهم المنكر عليه لا فيه عليه الرضوان، لأنّ المنكر أنكر من صعيدٍ غير الصعيد الذي من فضائه أصدر سيّدنا الشيخ دعوته للمعنيين برسالته.
ودعوته رضي الله عنه إلى عدم الاعتراض على تلك الأحوال لا يجب أن تُرصد إلاّ بشرطه هو، لا بشرط المنتقد، لأنّ ظروف المتكلّم هي التي تحدّد مرامي كلامه لا سامعه، وأنّ احترام ذلك الشرط هو ما يصنع الأرضية المشتركة الصادقة التي منها تنطلق التساؤلات البريئة، ومنها تبرز الفهوم الصحيحة أيضا التي على أساسها يكون القبول أو الرفض.
فليس كلّ من أرجع سلوكا من السلوك البشري إلى قضاء الله وقدره، وأعلن عن اعتقاده بعجز المخلوق عن الخروج من قبضة الله ومشيئته، قد تحوّل فجأة إلى " جبريّ " مارق. إنّ الفكر الجبري لم يَحِدْ عن الصواب لأنّه نسب أعمال الإنسان إلى القضاء والقدر، ولكن لأنّه توسّع إلى الحد الذي اصطدم بدوائر أخرى من صميم العقيدة والتكليف. ويكفي القدر مكانة وأهميّة أنّه من أركان الإيمان، وأنّ من أنكره فهو كافر. ويكفيه أيضا ما ورد في شأنه من آياتٍ كريمة وأحاديث صحيحة شريفة تصله بخصوصيات المولى عزّ وجلّ وَصْلا مباشرا، وتنسب دوره لنفوذه وتدبيره سبحانه وتعالى.
القضاء والقدر من العلم الإلهي، الخاضع فهمُه لمنطقٍ لم يأذن الله فيه للإنسان العادي بأدوات عقله ووجدانه، وأنّ ما يكتنف عملية تحليله من تناقضات وغموض إنّما يمثّل انعدام المخارج بوسائل المخلوق.
والأكيد هو أنّ يد الله تعالى حاضرة في كلّ أمر من أمور الخلق، لأنّه لا يُعقل أبدا وجود حالة من أحوالها يكون الله فيها مجرّد مراقب. عجزنا هو الحاجب عنّا لآلية ذلك الممكن ذي الأبعاد المختلفة عمّا بحوزتنا من فهوم ليست بالضرورة شبيهة بما ألفناه من صور الإدراك. ممكنٌ يسوده الإنسجام والكمال والمثالية بدرجات أكبر ممّا يسود كلّ منظومة منطقية بشرية محكمة.
شخصيّا، أرى في الفقرة المذكورة ثلاثة أوجه شرعية تشهد بصحّة دعوته رضي الله عنه:

الوجه الأوّل:

المنطق الإلهي الخارج عن إحاطة الوسائل العادية للمخلوق البشري الذي ذكرناه، وهو من أسرار علوم الله. وبالرغم من أنّ محاولات لا تكاد تحصى لتأويل نصوص من القرآن والسنة وردت في حقّه، محاوِلة إثبات إمكان تماهيه مع الفهم العادي، وتفنيد فكرة جانب الغموض فيه، إلا أنّ معنى النصوص الظاهري يحتفظ بكلّ سيطرته، وباستعصائه على تجاوز كلّ التساؤلات والتناقضات كلّما أمعن من يقول بعكس ذلك. فلا ضير ولا غضاضة على من لزم ظاهر النص اعتمادا على علمه باستحالة التناقض في فعل الله، وثقة في عدله حين يقضي ويقدّر، ويقينا بمطلق العلم الإلهي ولا نهائية صور الممكنات فيه.

الوجه الثاني:

طبيعة العصر المقصود في الرسالة وما يفرضه من قهر على نطاق واسع حوّله لظاهرة أكبر من قوى الإنسان لمواجهتها فضلا عن إيقافها. قال رضي الله عنه في بداية رسالته:

وبعد : أوصيكم - ونفسي - بما أوصاكم الله به وأمركم به من حفظ الحدود ومراعاة الأمر الإلهيّ على حسب جهدكم واستطاعتكم ، فإنّ هذا زمان انهدمت فيه قواعد الأمر الإلهيّ جملة وتفصيلا ، وانهمك الناس في ما يضرّهم دنيا وأخرى بحيث أنْ لا رجوع ولا يقظة لِما يَرُدُّ القلوب إلى الله والوقوف عند حدود الله أمرا ونهيا ، ولا طاقة لأحد بتوفية أمر الله من كلّ وجه في هذا الوقت إلاّ لِمن لبس حلّة المعرفة بالله تعالى أو قاربها . ولكن حيث كان الأمر كما ذكر ، ولم يجد العبد مصرفا عمّا أقامه الله فيه ، فالأبقع خير من الأسود كلّه ، فاتركوا مخالفة أمر الله ما استطعتم وقوموا بأمره على حسب الطاقة واجعلوا لأنفسكم عدّة من مكفّرات الذنوب في كلّ يوم وليلة

. مثل هذا الزمان من ضمن ما أخبر به الشارع المعظّم عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة صحيحة.
قال سيدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: « إن من ورائكم أيام الصبر للعامل فيها أجر خمسين منكم فقالوا بل منهم فقال بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا وهم لا يجدون عليه أعوانا »
. وقال عليه الصلاة والسلام: « يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر »
. وقال صلّى الله عليه وسلّم أيضا: « لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه »
. وقال: « بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ »
وقال: « لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله ».

واضح تماما أنّ تفاقم فساد الأوضاع لممارسة العبادة في صعود على مرّ العصور، وأقلّ ما يقال فيه أنّه من مُلغيات روافد الطاعة، ومن منغّصات صفاء الأجواء التي تقوم عليها التقوى. ولا شك أنّ دوافع لوم المخالفين في مثل هذه الظروف لن تشبه في شيء دوافع لومهم في الحالات العادية. وهو عين ما قيّده رضي الله عنه في رسالته لأحبابه.

الوجه الثالث:

النهي عن الاعتراض على الخلق جاء في نصوص أخرى صريحا لا يحتاج إلى تأويل. من ذلك، ما رواه سيّدنا أبي هريرة رضي الله عنه، عن سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: « إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم ». ولا يحكم أحدٌ على الناس بالهلاك إلاّ إذا رأى تجاوزات كثيرة تخرجه عن طوره. لكن غيرته لا تمنحه توقيعا على بياض لينعت المسلمين بما يحلو له من صفات. وهذا دليل على أنّ المسلم مهما اجترح وتعدّى لا يفقد درجة من حرمته عند الله تعالى. وهو أيضا دليل على أنّ الحكم بالهلاك من خصوصيات المولى جلّ وعلا، أو بتعبير آخر إنّنا نحن من "نُهلِك" حين نصرّح بهلاك الغير وليس الله، وهذا لا يكون إلا بعزوب الحجم الحقيقي لرقعة مسبّبات الهلاك عنّا لدرجة تعفينا من هذا الدور، بل تتحوّل إلى فضول من جنس المخالفات التي يعاقب المولى عنها بها نفسها. وبلا ريبٍ في هذه الأحوال، إنّ مِن أغلى النصائح التي يقدّمها مخلوق لمخلوق في الإسلام هي القصد في الاعتراض على على المسرفين على أنفسهم. وذلك ما فعله شيخنا رضي الله عنه لمن أراد أن يقبل بنصحه.
فالدعوة إلى "عدم الاعتراض" لم تأت اعتباطا منه رضي الله عنه، ولكنّها مؤسّسة على جانب شرعيّ حقيقي قائم بالفعل، مرتبط بالسلوك والمصائر، وعن رؤية وقراءة شخصية رصينة وجدّيّة لنصوصٍ تحمل ذلك المعنى.
فإن كان المنكر على سيّدنا الشيخ رضي الله عنه يدّعي الموضوعية وحسن الظن بالمسلمين، فلِم اختار – نيابة عنه - لتصريحه وجها خياليا دميما في أمر ثبت أنه يحتمل أوجها كثيرة صحيحة؟ أليس من الممكن أن يكون الإنكار ناتجا عن عجز المنكر عن إدراك حقائق تلك الأوجه بفقدانه لوسائل معالجتها؟ فإن كان ذلك كذلك، فلِم اللجوء منذ الوهلة الأولى إلى كيل الاتّهامات بأقذع النعوث والإصرار عليه، والمطلوب المتوجّب هو التقصّي الحثيث حين السعي لاكتشاف الحقيقة؟ بل الواجب كان المبادرة بصمته حتى يراجع حقيقة ثقله على موازين الرجال. قال عليه الصلاة والسلام: « من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت » .
هذه صورة من فهمنا ودفاعنا عن شيخنا رضي الله عنه كما أرانا الله إيّاها.

والحق أنّه لم يكن أبدا ممكنا مِن عالم عظيم جليل كسيّدي أحمد التجاني رضي الله عنه أنْ يطلق دعوة دينية عامّة اعتمادا فقط على العقيدة، فضلا عن أن يصدرها عن رؤيةٍ شخصية سطحية، من دون أن يرفقها باللازم من البراهين المناسبة من نصوص الشرع الحنيف.

الدليل الأوّل.

وهو كافٍ لوحده لتبرئته من جهل الجاهلين. هذا البرهان موجود في الصياغة اللغوية لكلامه المُقام على قاعدة الاستثناء. ولقد كان حريّا بالمنتقد أن يرعوِ عند ذلك الحاجز المنيع لو تحلّى بذرة من موضوعية، لأنّ المعترض لا يزال في سعة من استعمال وسائله دون غضاضة ما لم يكن للإستثناء ظلّ في الموضوع. فإن ظهر في محطّة من محطّات الكلام فإنّ ذلك يكون إيذانا بإمكان قلب العملية رأسا على عقب، يتحوّل فيها من كان مستيقنا بالنصر إلى أعظم مهزوم.
قال رضي الله عنه ونفعنا الله به:

إلاّ ما أوجب الشرع القيام به عليهم أمرا وزجرا

. فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ أين اتّهام المنكر له بالجبرية، وبعدم الاعتراض على الحكّام، وقد قيّد كلامه بأوامر الشرع وزواجره؟ وهل أوامر الشرع وزواجره سوى مستوى من مستويات القضاء والقدر المخصوص بأحكام وقواعد لا تماثل غيرها؟
هنا يظهر جليّا لكلّ ذي بصيرة ولبّ أنّ تقييم الحال في المستثنى وفي المستثنى منه ليس واحدا بالقياس إلى معاييره و- طبعا -بالقياس إلى طريقة تعييره. لقد أقام رضي الله عنه برزخا بين عِلْميْن وعالميْن لا يبغي الواحد منهما على الآخر وإن انتميا إلى نفس البحر. فكان أمره بعدم الاعتراض متعلّقا بالجانب المستثنى منه. جانبٌ لا صلة له بالأمر والنهي في الشأن الإلهي العلوي، بل لم يكن سوى عدم الاعتراض هو المناسب لمراد الحق سبحانه وتعالى فيه.
ثمّ أردف، رضي الله عنه، بما يوجبه مستوى المستثنى من ردّةِ فعْلٍ على الهيئة والطريقة التي تمليها النصوص الشرعية متمثّلة في الأمر والنهي والزجر، أو قل إن شئتَ متمثّلة في إمكان تدخّل المخلوق تقييما واجتهادا. هنا أيضا لا مندوحة عن معالجة المشكلة بالأدوات التي لا تصلح إلا لها، وكلّ إخلال لا يورث سوى التقصير والخسارة.

الدليل الثاني

وهو متعلّق بالجانب الأخلاقي الإجرائي العميق للظاهرة والظروف المتحكّمة فيها، والمتحكّمة قطعا في منظومة مواجهتها. فلم يكتف رضي الله عنه بتبيان وجهيْ الظاهرة على بساط المشيئة وعلى بساط الحكمة الإلهية، مثلما أوضحنا في أسلوب الاستثناء أعلاه، بل تعدّاها إلى تفصيل دور تلك المشيئة وتلك الحكمة حين تتعلّقان بمختلف ملابسات الحياة البشرية بصفتها خلاصة احتكاك ببيئتها، وعرضة للتأثّر بما يكتنف محيطها من متغيّرات.
هنا نرى تفاعلا كبيرا بين المشيئة والحكمة مرتبطا مباشرة بعوارض الزمان والمكان وسلطانهما، بحيث يخضع الأمر والزجر نفسهما، وفي قلب مجال تفعيلهما، إلى التأرجح بين التبطيء والتسريع.
قال رضي الله عنه:

بحسب العوارض والنائبات في بعض الأزمان لا كلّ الأزمان

. ولم يكن ممكنا قول ذلك بدون الإلتجاء إلى النص المعصوم، وقد فعل. قال، متابعا تفصيل نظرته:

وقفوا عند قوله صلّى الله عليه وسلّم: « مُرُوا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متّبعا وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك » ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم : « مِن حُسْنِ إسلام المرء ترْكُه ما لا يعنيه »

فالحديث الأوّل جامع لمكوّنات المعضلة التي تناولها في رسالته.
  1. الحالة الافتراضية الملازمة للحياة: « مُرُوا بالمعروف وتناهوا عن المنكر فعليك بخويصة نفسك ».
  2. الإستثناء وشواهد وجوده بوضوح: « حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متّبعا وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه. »
  3. التعليمات المناسبة إزاء الوضع الجديد: « فعليك بخويصة نفسك . »
الملاحظة الأساسية في هذا الصدد هي أنّ الأمر بالتزام "خويصة النفس " لا يعني أمراً بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنّما أمرا بتغيير الـ" تكتيك "، ومواصلته في الدوائر التي لا يزال سريانه فيها ممكنا. طبيعيّ جدّا أن يقع ذلك، لأنّ الحاجز الذي أشار إليه صلّى الله عليه وسلّم لا يخصّ مسألة معيشية مادية هيّنة الحلّ، وإنّما هي صفات فطرية نفسية سلبية تفرّدت في قوّة وطأة إفسادها لمن كبّلته لدرجة تدجينه وتحويل قناعاته وتشويش وجهته بالقدر الذي يصبح كلّ اتّصال موضوعي اعتيادي معه من الصعوبة بمكان. يصدق هذا التعامل على الحياة اليومية ساعة بساعة في حياة الأفراد أو المجتمعات.
لكن هذا الطغيان أمر استثنائي في حقّ تجمّع بشري كبير، إذ لا يعقل أن تفسد أمّة كاملة فسادا تتعذّر أمورها بسببه عن الإصلاح، وتصيب كلّ مصلح باليأس. ما ألمّ بالمجتمع يكون غيبوبة طرأت على إرادته بسبب تغيير وافد أو محلّي قلب موازينه، فتعطّلت فيه كثير من مواطن رؤية الصواب. والواجب في تلك الظروف هو السعي لإعادة تشغيل وظائفه الطبيعية المعطّلة بالبحث عن مواطن الخلل، والمبادرة بإزالته. هذا هو الحال الذي يشير إليه شيخنا سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه:
  1. فساد اجتماعي فادح وشامل .
  2. بذرة خير مطمورة في أعماق الذات البشرية لا مجال لتجاهلها مهما بلغ حجم الفساد.
بهنا التفصيل فقط تظهر قيمة دعوته رضي الله عنه لعدم الاعتراض على أحوال الناس سواء بواسطة التصرّف الحركي الظاهري لأنهم ليسوا على استعداد لفهم الحق، فضلا عن تقبّله، بسبب ما هم فيه من ضياع مؤقت، أو بواسطة الحكم القلبي المتنقص لهم وهم على هيئتهم غير المحمودة، ما يمكنه أن يكون تعسّفا وتعدّيا في حقّهم جرّاء سوء التقييم أو الانسياق وراء الهوى، والإفراط في تزكية النفس، وتداخل مفعول الدوافع الشخصية الدقيقة بدوافع الإخلاص والنوايا الحسنة، فيكون المنتقد في أحط مراتب التكبّر وأشنع دركات المقت، في الوقت الذي يظنّ أنه يغضب غيرة على الحقّ.
والحلّ الأسلم الذي لا يحرم القضية شيئا من فرص إنقاذها هو الانسحاب بالقدر الذي يجنّب المواجهة الهدّامة، ويمنح فسحة للتفكير في المخارج من المأزق، بينما تتواصل ممارسة الإعتيادي من النهي والأمر ولو على نطاق ضيّق في الدائرة الشخصية ودوائر العائلة بالنسبة للعامّة، أو في دوائر أهل القابلية للنصح بالنسبة للخاصة من أهل الإرشاد.

الدليل الثالث

الحكم على عقيدة الرجال من خلال بضعة أسطر أو كلمات تخصّهم، مهزلة تعكس نكسةً في صميم البحث العلمي وقدسيته، وتسيّبا عند بوّابة عالم الجد والدراسة الرصينة ليقتحمه من لا أهلية لولوج رحابه.
فحياة الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه معتَمَدٌ لمن يريد وضع تعريف للحياة الزاخرة بالعلم والعمل، ولا يفوقها في ذلك سوى حياة الرسل عليهم الصلاة والسلام. فقد اجتمع لديه رضي الله عنه ما لم يجتمع لمن يحسب من الفطاحل، من التحصيل والدرس والتدريس والنباهة وبُعد النظر والسفر والمشيخة على مدار 76 عاما، حتى تحوّلت الطريقة التجانية إلى كيان معنويّ قائم بذاته يضمّ في بيئته ثراء بشريا ودينيا وفكريا منقطع النظير.
فكيف لا يصيبك الإحباط من أمّة غزتها ذهنيات هدفها الأوحد الاستنقاص لذاته؟
ولو كان مولانا سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه من معتنقي فلسفة " الجبر " في الدين، فهل كان ذلك سيخفى في كتاباته وإملاءاته وفي أتباعه وإنتاجهم الذي لا يأتي عليه الحصر؟ ولو كان ذلك موجودا، فإنّه إن خفيَ فلن يخفى إلا على هؤلاء الجهلة لأنّهم أثبتوا بطريقة حكمهم على شيخنا رضي الله عنه، التي بيّناها، أنهم أعجز من أن يقرأوا رسالة واحدة من رسائله رضي الله عنه فضلا عن أن يقرؤوا بابا من كتبه.
إنّ من أشنع الظلم أن تصنّف " كلَّ " أحدٍ انطلاقا من " جزئيةٍ " اطّلعتَ عليها فيه.
وهذه مقتطفات من كلام الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه تحمل الردّ المفحم على متّهميه بالجبرية.
  1. قال رضي الله عنه عن الآية وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أيّ وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ لنحكم عليهم بالعبادة ، فمن لم يعبدني منهم عاقبتُه بعذابي، وكذلك ليطاع ، أي وما أرسلنا من رسول إلاّ لنحكم بطاعة الخلق له ، فمن لم يُطِعْهُ فأصنع به ما أردتُ من العقاب وأنواع الهلاك ، وهذا هو المراد من الآيات.
  2. وخطاب الله تعالى على قسمين : خطابٌ في عالم الحكمة وخطاب في عالم المشيئة ، وكِلاَ الخطابيْن صحيح ثابت يجب اعتقاده والإيمان به . فخطابه في عالم الحكمة قوله سبحانه وتعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، أيّ لأوجب عليهم عبادتي ، فإنْ وفّوا بها أَثَبْتُهُمْ ، وإنْ خالفوا استحقّوا هُمْ العقوبة مِنِّي . والخطاب في عالم المشيئة قوله سبحانه وتعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً إلى قوله : خَلَقَهُمْ ، ومن الخطاب في عالم الحكمة قوله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ، والخطاب في المشيئة قوله سبحانه وتعالى : وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ إلى قوله إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ، ففي الآية الأولى قوله وما أرسلنا من رسول الخ أثبت الإيمان مملوكا للعباد ، وفي الآية الثانية جرّدهم عن الإيمان ، وأنّه لا يكون إلاّ بمشيئته
  3. وأوصيكم - وإيّايَ - بتقوى الله تعالى وارتقاب المؤاخذة منه في الذنوب ، فإنّ لكلّ ذنْبٍ مصيبتين لا يخلو العبد عنهما ، والمصيبة واحدة في الدنيا وواحدة في الآخرة . فمصيبة الآخرة واقعة قطعا إلاّ أن تقابل بالعفو منه سبحانه وتعالى . ومصيبة الدنيا واقعة بكلّ مَن اقترف ذنْبا إلاّ أن يدفعها وارد إلهيّ بِصَدَقَةٍ لمسكين أو صِلة رحِم بمال أو تنفيس عن مديون بقضاء الدَّيْن عنه أو بعفوه عنه إنْ كان له ، وإلاّ فهي واقعة . فالحذر الحذر من مخالفة أمر الله ، وإنْ وقعت مخالفة - والعبد غير معصوم - فالمبادرة بالتوبة والرجوع إلى الله ، وإنْ لم يكن ذلك عاجلا فليعلم العبد أنّه ساقط من عين الحقّ متعرّض لغضبه إلاّ أنْ يمنّ عليه بعفوه . ويستديم في قلبه أنّه مستجوب لهذا من الله فيستديم بذلك انكسار قلبه وانحطاط رتبته في نفسه دون تعذّر . فما دام العبد على هذا فهو على سبيل خير وممّا كتب به لبعض الطلبة
  4. وعليك بإصلاح نفسك قدر الاستطاعة ، فإنّ العمر قصير والسفر طويل والعقبة كؤود والحمل ثقيل والحساب بين يدي الله شديد ، والعمل بأمْر الله هو المُنْجِي مِن جميع هذه الأمور
  5. وأوصيكم في معاملة الأسواق على محافظة قواعد الشرع وأصوله على حسب ما يعطيه الوقت ، وتجنّبوا جميع وجوه الغشّ والتدليس والكذب في تقويم الأثمان واقتحام ما حرّم الله من ذلك بنصوص الشرع ، فإنّ المنهمك في ذلك يهلك كلّ الهلاك . ثمّ إذا ألجأت الضرورة واشتدّت الحاجة ولم يجد العبد ملجأ إلاّ أنْ يأخذ قُوتَهُ ممّا حرّم شرعا في الأسواق فليأخذ قدر ما يتقوّت ، وليكن جاريا في ذلك على حكم المضطرّ في أكْلِ الميتة ، فإنّه إنّما يأكلها بلاغا وسدّا للفاقة لا كسْبا وتمولا . وأحذّركم أن تتهافتوا في المعاملات المحرّمات شرعا تهافت الجهلة من العامّة محتجّين بعدم وجود الحلال المعيّن ، يريدون أن يسقطوا عنهم الأحكام الشرعيّة في المعاملات ، فقد صاروا في ذلك كأنّهم لا تكليف عليهم ، وهو كَذِبٌ على الله وزورٌ ، فقد قال سبحانه تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ الآية . فهذه الآية ، وإنْ نزلت في مطلب خاصّ ، فهي مشتملة على كلّ ما تحتمله من القضايا ، إمّا تضمينا وإمّا تلويحا ، والعالم يأخذ حكمه من كلّ آية في كلّ ما تحتمله إن لم تنزل لأجله ، والواقع منه من الآية في قضيّتنا هذه أنّ الذي في الأرض هو ما أمكن وجوده من حلال أصليّ أو عارض على حسب عوارض الوقت ، وهي الأمثل فالأمثل على حسب ما فصّلنا في جواب المعاملة ، وخطوات الشيطان التي نهى الله عنها هي المعاملات والمحرّمات شرعا حيث يجد العبد عنها معدلا ، فإنْ لم يجد عنها معدلا ، وألجأته عوارض الأقدار بحكم القهر والتحتّم إلاّ أن يأخذ قُوتَهُ من المحرّم شرعا وإنْ لم يأخذ منه مات في الوقت أو مات بعض عياله جوعا لضيق الوقت وفقد السبيل لغيره ، فهو الواقع في قوله تعالى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ
ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب جواهر المعاني، هنا على الموقع، وليتأكّد بنفسه.

الدليل الرابع

وهو دليل تاريخي متعلّق بجانب من مجريات حياة سيّدنا الخاصة، معروض لكلّ من أراد الاطّلاع عليه.فبقدر ما يشهد هذا الجانب له بالبراءة من كلّ النقائص المنسوبة له من المنتقدين، يثبت لأهل الانصاف أنّ أولئك المفترين ، وبدون ريب، مخلوقات مصابة بنزعة متأصّلة للتلذّذ بفضح النفس أمام العالمين في ما لا يجهله إلا هُم.
لقد رمى المنكر سيّدنا رضي الله عنه بأنّه يحثّ أصحابه – بعد دعوته لهم لعقيدة الجبرية – للتسليم للحكّام مهما كانوا، وعدم التعرّض لهم لأنهم قدر الله الذي ليس لأحد التملّص منه، وأمْرِهم بترْك منافستهم وإفساح المجال لهم اتّقاءً لشرّهم.
والحقيقة عكس ذلك تماما، إذ أنّ التاريخ الصحيح المتواتر ينصّ على أنّ ما اضطرّ سيّدنا للهجرة إلى فاس بالمغرب الشقيق هو جهره بانتقاد الحكّام الأتراك لجورهم، وتحميل الأهالي ما لا يطيقون من الضرائب، وعدم سكوته عن استبدال القوانين الوضعية بالقوانين الشرعية الإسلامية. وبدأ يظهر حينها من بوادر ردّات فعل الأتراك أنّها كانت ستأتي عنيفة ورادعة وغير قابلة للتراجع، ليس فقط في حقّه هو رضي الله عنه، ولكن في حقّ قبائل الصحراء ممّا يلي عين ماضي من أتباعه. من أجل هؤلاء، ومن أجل إيقاف تنامي الضغط عليهم من ناحية، وتمسّكا بمبدإ عدم الرضى بالتبديل المخالف للشرع والفرار بالدين إلى حيث لا يزال من يحكم بكتاب الله، وحيث ضمان التيسير في العيش تحت مظلّته، وحريّة القيام بواجب إسداء النصيحة من غير خوفٍ من مواجهةٍ أو مصادمة من ناحية أخرى، قرّر رضي الله عنه ترْك موطنه وكثيرا من أهله وذويه وأحبّته، ابتغاء رضوان الله، وتضحية تعكس رفضه لطاعة مخالفي تعاليم الوحي ما دام هناك مخرجا. وقد اختار رضي الله عنه مدينة فاس المحروسة لتكون دار هجرته لله لأنّها كانت تجمع كلّ المزايا التي من أجلها هاجر. فوصل إليها سنة 1213 هـ ـ 1798 م، وأسس بها زاويته، واتخذها مقرّا لإقامته بصفة نهائية حتى التحق بربه سنة 1230 هـ ـ 1815 م.
ليس هذا فحسب.
فسليقة النفور من ضيم الحاكم انتقلت من الوالد قدّس الله سرّه إلى أبنائه المكرمين، وعلى وقع نفس الدوافع تحرّك سيّدي محمد الكبير، نجله الأكبر، وواجه الأتراك بعد 25 سنة من إخراج سيّدنا الشيخ رضي الله عنه، وسقوطه شهيدا في أرض "غريس" بالغرب الجزائري. وممّا احتجّ به أمام مربّيه سيّدي الحاج علي التماسيني رضي الله عنه، الذي رفض خروجه حينها لأسباب أوجه من أسباب سيدنا محمد الكبير، وليس هنا محلّ تفصيلها، الفقرة التالية: " هو القيام بالثورة على هؤلاء العجم الذين أكثروا في الأرض الفساد ، فأهلكوا الحرث والنسل ، ولم يحكموا بما أنزل الله به من شريعة الإسلام ، فقتلوا خيارنا وعلماءنا وصلحاءنا ، وضيّقوا على آخرين حتى اغتربوا ، وأثقلوا كواهل فقرائنا وفلاّاحينا وتجّارنا بالغرائم ، وأنت يا سيدي عليم بما صنعوه مع والدنا رحمه الله ورضي عنه ، وبهجوماتهم المتكرّرة على قريتنا ، وبفعالهم الشنيعة مع أهلينا ، خصوصا سنة 1189 هـ وسنة 1213 هـ ، والمرّة الأخيرة حين زلزلت الأرض زلزالها ، وهم الآن يراقبون قوافلنا ، ويترصّدون لسلبها ظلما وعدوانا ، ولم يكتفوا بذلك ، فهم الآن بالمرصاد لي وأخي ، ولا همّ لهم سوى قتلنا لا لشيء سوى بغضا في المصلحين من أهل الوطن . وقل لي بربّك يا سيدي ، ماذا انتفعتْ أمتنا في الجزائر بوجود الترك ؟ نعم إنّ لهم فضل في صدّ غزوات الصليبيين من النصارى ، لكن لولا مساعدة أبناء وطننا واستشهادهم وتضحياتهم ما استطاعت الترك فعل شيء يُذكر في تلك الحروب ، ومولانا عزّ وجلّ أمرنا بالنهي عن المنكر ، وجهاد الظَلَمَة ، ولا بدّ من امتثال أمره ، وقد شجّعني على ذلك قبائل نواحي معسكر وغريس ، ودارت بيننا المراسلة ، واتّفقنا على التعاون على القضاء عليهم . "
والشاهد هنا ليس لتبرير ثورة سيدي محمد الكبير على الترك في ذلك الوقت المحدد، ولكن لتبيان خلق قول الحق لدى شيخنا رضي الله عنه شخصيا في كلّ وقت وظرف، ولدى عائلته وذويه، وهو سريان دالّ على أن الأمر قد كان من ضمن برنامج سيّدنا التربوي في العائلة، وأنّ خلقه رضي الله عنه لم يكن محض نظرية اعتقادية كامنة، ولكنّه كان سلوكا انتقل على جناح الاقتداء والاتّباع من جيل إلى الذي يليه. ولولا خوف الإطالة لذكرت ما يملؤ صفحات عدّة من تاريخ العائلة الشريفة في ما يخص هذه المسألة بالذات. لكن ما أوردناه يكفي لدحض ترّهات المنكرين الذين لا يعون ما يردّدون.
هذا، والله تعالى ورسوله أعلم وأحكم.