البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ دراسات ـ لماذا الهجـرة إلى المدينـة
الرّئيسيـة > دراسات > لماذا الهجـرة إلى المدينـة

بقلم : محمود سلطاني

لم تكن هجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هروب المقهور الذي لا اختيار له إلى مكان مختلف ـ أي مكان ـ أملا في العثور على ظروف أوفق وأرفق لمواصلة نشر دعوته . أمل مصيره متروك للحظ والمجازفة . وقد جرّبها عندما التجأ إلى الطائف ولم يكن الفرج المنشود في الموعد .
ولم تكن كذلك هجرة تعتمد في المقام الأوّل على قوة قوم من خارج بلده ، آمنوا به ، وبايعوه على النصرة والمؤازرة والحماية المطلقة ، لأن هؤلاء لم يكونوا بالعدد والعدة الكافية لتحدّي الخطر الذي منه هاجر .
ما هي الحكمة إذن من اختيار الله المدينة لرسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه لتكون مقر هجرته ، وعاصمة دعوته للإسلام ؟
إنّ النظرة الشمولية البانورامية للمجتمع العربي آنذاك في شبه الجزيرة العربية تخلص إلى أن هذا المجتمع ينضوي تحت صفات وخصائص مشتركة لا مكان فيها للتميّز الداخلي ، والجاعلة منه عيّنة بشرية ذات لون موحّد مهما اتسعت رقعة انتشاره . مجتمع بدويّ ، تضمّه صحراء شاسعة ، قاحلة في معظمها ، تعوّد عيشة الشظف ، وألِفَ القحط وقساوة المناخ ، وتأقلم مع بيئته فأقام ـ على مرّ القرون ـ أخلاقه وأعرافه وتقاليده ووجدانه وذوقه وِفق طبيعتها ، وما رآه صالحا مُمَكِّناً للتعايش والعيش بها ومعها . ولم تكن مكة والمدينة ـ وهما ما يعنينا في هذا المقال ـ بدعا من هذا الوضع العام .
إلاّ أنّ النظرة القريبة الفاحصة المتعمّقة تفيد غير ذلك ، وتنجلي بواسطتها حجب عن اختلافات جذرية من مكان إلى آخر ، وفوارق تفاجئ من اكتفى بالرؤية العامّة لو حاول الدنوّ أكثر .
كان المجتمع المكي مجتمعا أرستقراطيا متغطرسا صلبا . فزيادة على جلافة البداوة ، وحمية الجاهلية المشتركة بين الجميع ، فقد لعبت عوامل أخرى دورا حاسما في صناعته على هذا الشكل . وأوّل هذه العوامل وجود بيت الله الحرام في بلده ، ومسؤوليته المطلقة على إدارة مواسم الحج ، والطقوس الدينية ، وخدمة الحجيج . فلقد كانت قريش مهابة مرهوبة من القبائل العربية سواء خوفا من بطشها إذا حدث ما يدعو إلى سخطها ، أو هيبة دينية روحية من مرتبتها ، ورهبة من انتقام الآلهة المنتشرة في الكعبة . إنه وضع لم تستغلّه قريش أحسن استغلال فقط ، بل جرى مجرى الحقوق المُسَلّم بها التي لا فضل لأحد في إسدائها ، تصرّف القوم وتكلموا بمقتضاه باسم الآلهة ، ووجدوا فيه الحيلة السحرية التي لا يُعجِزُها فتح الفُسَحِ على مقاس كل هوى دون حسيب ، حتى رسخت في فهمهم وذهنهم وثقافتهم قناعة بارتقاء درجة من التألّه . لقد أدخل هذا التفكير قريشا في متاهة الغرور والدلال الثقيل فأفسدها ، وزادها قسوة وبعدا عن متعلقات الفطرة البشرية ، وعنجهية في التمسك بهيئة تركيبتها الإجتماعية التي أعدّتها لنفسها ، ورفضا باتّا لكل صوت معارض بالأخص إذا كان يحمل ما من شأنه أن يكون نذر تفريط وفقدان ولو يسير من نفوذها وجاهها .
والعامل الثاني هو انهمار أموال وثمرات التجارة والقرابين للوافدين على مكة ، أو الذين يتخذونها محطة أثناء سفرهم وترحالهم . عامل جذّر إحساس قريش بعمق حاجة الغير إليها ، وقدومه قدوم الساعي لإرضاءها ، وغلغل فكرة السيادة على كل سيد في غير ذلك المكان . وإذا أضفنا إليه طبقات الرقيق ، وشبكات العبيد العريضة المسخرين والمسؤولين عن إنجاز الحقير والجليل من الأعمال ، فإنّ أسباب التألُّهِ برمتها تكون توفرت ، ومارست قريش بذلك حياة راكدة ، مترفة ، فارغة ، لا تَنَافُس فيها إلاّ في التعالي والرياء والكسب .
وما زاد الطين بلة ـ وهو العامل الثالث ـ العزلة وانعدام المقارنة مع أنماط أخرى من المجتمعات التي تفتح أبواب مبادرات التغيير . فقد كان التنقل في رحلات الإتجار إلى الشام واليمن ، وهي بلاد بعيدة ، غير متيسر للجميع ، ومن تيسر له مرة فهناك أكثر من سبب في احتمال عدم إعادته ، وقليل هم الذين دأبوا على السفر ، والإنفتاح على الأمم والأجناس الأخرى ، إلاّ أنّ تأثير تلك الأسفار في المجتمع كان ضعيفا وإن لُمِسَ في أصحابه . ولذلك ظلّت قريش على العموم تجهل الدنيا ، ولا تعرف نفسها إلاّ من خلال مرآة نرجسيتها ، أما من وراءها فهم أعاجم لا ترى أي حاجة للإهتمام بهم .
إننا بتسليطنا الأضواء على الجوانب السلبية المذكورة ، لا نريد أن نتغافل أو نُغْفِل الجوانب الإيجابية للعرب بصفة عامة ولقريش معهم ، فقد شهد التاريخ الصحيح لهذه الأمة أنهم امتازوا بصفات إنسانية راقية كالشجاعة ، والكرم ، والغيرة ، والإستعداد لنصرة ذوي القربى ، ورهافة الحس ، والألمعية ، والروية ، والحكمة ، لكنها كانت صفات كالدرّ الثمين المتناثر وسط الأحجار والصخور والأوحال ، وُظِّـفتْ في جلها في تحقيق مصالح ضيقة هي أقرب إلى التبذير منها إلى الإنفاق المرشّد .
فهل كانت المدينة المنورة على مثل هذا الحال ، وتلك الهيئة ؟
فيما عدا الصفات العامّة المشتركة بين كل أفراد الجنس العربي في شبه الجزيرة ، فإن المجتمع بالمدينة كان مختلفا اختلافا بعيدا عنه في مكة .
لقد كانت طبيعة المدينة الجغرافية وتضاريسها ومناخها من العوامل الرئيسية التي مكّنتْ لهذا الإختلاف . فهي تمثل أرضا ملائمة لزرع النخيل والأشجار ، وكانت على مر الزمان واحة كبيرة تجذرت فيها أصول فنون الزراعة ، ونُسِجَتْ حولها بمتانة الثقافة والتقاليد المعلومة والمميزة لكل من أوثقه قَدَرُهُ ببيئةٍ معينة فعاش وتأقلم معها . لم يكن الفرد في المدينة إمّا أرستقراطيا أو عبدا مملوكا ، بل كانت الفرصة متاحة لكل من مكنته قدرته على نحت حياته على مقاسه أو ما يقترب اقترابا شديدا مما يطمح إليه ، ونتاج هذا كان مجتمعا خال من الطفرات الطبقية الكبيرة العازلة ، وهو التعدد الذي ينقص من حدّة الجفوة بين الطبقات ، ويزيد من قوة سريان القيم في كل الإتجاهات ، والفهم السريع لكل صنف من الخطابات التي كلما ارتفع عددها ازدادت بها روابط المجتمع سلامة . ليس هذا فحسب ، بل يجب العلم كذلك بأهمية ضوابط التعامل التجاري ، وتقاليد السوق ، ومواسم التجمعات الكبرى عند الجنْيِ وعرض المحصول ، في تطوير وتهذيب أساليب الإتصال ، وحذق فن الأولويات مراعاة للمصلحة ، وصلات القرابة والإنتماء .
أمر آخر كان ذا أثر أساسي في كيفية تكوين المجتمع المدني على هذا الوجه المتميز وهو العداوة التي كانت بين قبيلتيّ الأوس والخزرج .
ففي الوقت الذي تفرّدت فيه قريش في مكة بدون منازع محلّي ، فإنّ احتدام الصراع بين الأوس والخزرج قد أجبر كِلا الطرفين على خوض غمار التخطيط والإستعداد والتنظيم ، وهي أفعال ليس لغير العقل والتفكير لها سبيل . وأهمّ من كل شيء في مثل هذه الظروف هي إقامة العلاقات الإجتماعية بالمتانة الكافية للمواجهة ، وتحديد هرم القيادة بالمتاح من وسائل الإجماع والإقتناع لتجنب غوائل الخيانة ، أو بروز الخلاف في المواطن والأوقات العصيبة . كانت هذه أولى لمسات التأطير والعمل الممنهج ، والنظرة ذات المغزى المستقبلي ، وأداة لحرية الكلمة ووتبَنِّي مسؤولية الإصغاء .
نعم كانت دوافع ذلك العداء جاهلية ، إلاّ أنّ الذي يهمّنا الآن هو المستوى الرفيع لتكوين الفرد والجماعة على الصعيد الفكري والعاطفي والجسدي ، لأننا لا ننظر إليه بصفته حالة خاصة محصورة في المكان والزمان تبعها ما تبعها من فساد وسلبيات ، وإنما نلحظه بالعين الراصدة للظواهر من حيث هي كذلك لنقتنص الحقيقة المطلقة للمنقبة الثابتة المخفية المدّخرة في طيِّها .
كذلك كان لوجود اليهود بالمدينة بصمة ساهمت في ظهور مجتمعها بما كان عليه . بصمة اليهود كانت دينية روحية . ولا جدال في أن الديانة اليهودية كانت محرّفة ، لكنها كانت عقيدة ودينا سماويا له كتاب مقدس يختلف عن وثنية العرب . وبحكم المعاشرة والإحتكاك فإن فكرة الإله الواحد ، والخير والشر ، والنشور والجزاء والعقاب ، وفلسفة التعبد والتقرب وغيرها كانت أشد التصاقا وقربا من أهل المدينة بالقياس إلى أهل مكة . زد على ذلك خصائص الثقافة اليهودية المختلفة ، ومفاهيمهم ، وطرائق عيشهم بأوسع المعاني كالتجارة والصناعة والنظام الأسري والتقاليد الذاتية . كلها ساهمت بقدر ما رشحت به في تكوين عجينة هذه الشريحة من الناس .
إذن فلقد كان المجتمع في المدينة في حالة تفاعل وتطور مُـتّجَهِيّ دائم ، متحركا بفعل جذب الأهداف المنتقاة لا بفعل قوة دفع خلفية مجهولة العواقب كما كان الحال مع المجتمع المكي . ولم تكن السلبية في صميم التصميم المختار لمواجهة الواقع المفروض ، ولكنها كانت في صميم الواقع نفسه ، وهو ما يجعلنا نقول أن هذا المجتمع كان في طريقه إلى الفكاك من واقعه اعتمادا على ما أبداه من غنى عقلاني ، وملكات حضارية ، من شأن من اكتسبها العثور على الطريق الصحيح طال الزمان أم قصر ، لكنه وفي كل الأحوال لا يلمس الغربة المعهودة التي يعانيها غيره ممن لم يألفوا التقلّب الدائم في أرحام الظروف ، ومراجل التنوع . إنها بحق إرهاصاتُ استحقاقٍ لاحتضان مشروع إنساني عظيم ، وبوادرُ صلاح فذّ لأرضية تنتظر أرقى بذور القيم .
كان هذا حال المدينة وذاك حال مكة .
وقد بُعِث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الظرف العصيب الذي يكتنف مكة ، وزُجّ به دفعة واحدة في هذا الأتون بمقتضى إرادة وحكمة إلهية لا يعلمها إلاّ هو سبحانه وتعالى . ومن خلال ما عرفنا عن حقيقة المجتمع المكي ، فإنّ المواجهة على أشرس وجوهها كانت قدرا محتوما . كانت الرسالة شرارة أشعلت ثورة لم يَحُلْ دون وقوعها من قبل سوى انعدام الزعيم ، وقد جاء صاحبها . لقد كان العبيد والمستضعفون ، وبِغَضّ النظر عمّا أرسته الأعراف والأوضاع من تعريفات ، بشرا فيهم المتميز الذي لم ينل فرصته ليظهر ويبدع ويتفوّق على سادته أنفسهم ، وكان التذمّر من الحيف وفقدان الكرامة ، وهوان الرق موجودا يتأجّج بالأفئدة المسكينة التي لا حول لها ولا قوّة ، لكن ما عسى عبدا أعزل ضعيفا أن يفعل في قوم أقسى من الصخر ، لا يُلقون بالاً إن كان الذي قُتِل دابة أو عبد مملوك ؟ أمّا وقد تغيّر الوضع فقد آن الأوان لبدء الصعود ، واسترداد الإعتبار المشروع ، ولم تعد التضحية أمرا مؤجّلا بإملاءٍ من الحكمة كما كانت من قبل ، بل أصبحت ضالّة الجميع بصفتها معبرا إلى الخلود في النعيم المقيم .
لا شيء سلك طريق التدرج ، وصعقة المفاجأة أذهلت الجميع ، ووقع الفعل هزّ الفريق المقابل من جذوره ، فكانت ردّة الفعل على شكل هبّة كاسحة ، لولا لطف الله تعالى ما كان نجى منها ناجٍ أبدا .
قلنا إذن ، كان لا بد من المواجهة على أكثر من جبهة لسدّ أبواب فتحت كلها في وقت واحد . كان الإنشغال منْصَبّا على تراث الآباء ، والسلطة ، والسيطرة ، والثروة ، والسطوة ، والممتلكات وخدمتها ، والحياة المترفة والوادعة . إنه السقوط الحرّ من قمم المجد إلى أسفل سافلين ، وفقدان كل شيء من غير مقدّمات أو تفسير منطقي .
وفُتِحت خزائن البلاء على أنصار الدين الجديد ، وعلى رأسهم سيد الخلق عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، وكان لا بد أن يكون بلاء متناسبا مع طبيعة وحجم الحدث . وفي مثل هذه النماذج من الظواهر الإجتماعية فإن الأولوية تعطى للمواجهة اللصيقة المادية بجرعات لا هوادة فيها ، وبتصعيد مستمر يرجى منه إحداث الضغط اللازم لكبح زحف العدوى ، ووأد الشر ـ كما يرونه ـ في مهده أو قبل أن يبلغ حجما يستحيل بعده التحكم فيه على أقل تقدير . وبالرغم من بعض صِيَغ الترغيب والليونة التي أبدتها قريش في أول الأمر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلاّ أن انتهاج العنف قد حلّ محله أضعافا مضاعفة ، والتجأت إلى كل أنواع التنكيل والإهانة والتضييق القاتل ، والتصفية الجسدية . لقد أخرس كل رادع أخلاقي إنساني في قريش ، وذُلّلت كل الوسائل من أجل الغاية ، ولسان الحال يردد : « ستسكت طواعية أو كرها .. لكنك ستسكت » . كان الحمل أكبر من طاقة الأجساد والمعنويات والعقول ، خاصة وأن طبيعة الرسالة تعتمد على التبليغ والمخاطبة والتوصيل ، ومن المستحيل إحراز نتيجة في مثل هذا الجو الخانق ، وهذا العدد الهائل من الأيدي الممتدة من كل مكان لتكميم الأفواه .
كان لا بد من تغيير ملائم لإنقاذ الرسالة ، وتوفير المناخ الذي يُمَكنها من الإنتعاش والحياة والإستمرار .
كان لا بد من هجرة .
وأذن الحق من فوق سبع سماوات بالخروج الميمون .
لقد توفرت بالمدينة ـ زيادة على الرعيل الأول من المؤمنين ـ كل الأسباب لمن أراد المنافسة الشريفة ، وإطلاق العنان لما يختزنه من ملكات وعبقرية . وأطلّت الرسالة من أول لحظة بوجه باسم أسس على إشراقته المسجد النبوي الشريف رمز عزة وجمال وكمال الإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام . وهنا أيضا كان لا بد من مواجهة شرسة ، تمثلت في صدّ خطر النفاق والمنافقين ، وفي دفع حقد وكيد اليهود ، إلاّ أنه خطر معنوي فكري ، يُقَارِع بالدعاية الهدامة والأراجيف ، وأساليب التشكيك والتثبيط . عقبات مشوشة في طريق الرسالة أثناء ذيوعها دونما مساس بمصادر بثها مباشرة ، ولم يكن ذلك ليقلق من أوتي جوامع الكلم ، فمهما كانت قوة التشويش والهرج فإن له لا محالة خفوت وتوقف ينفذ أثناءه نور الرسالة ومضمونها إلى الناس ، فيختارون عن رضى ما يناسبهم ، وكلما ازداد عدد المسلمين ، كلما كان ذلك إيذانا بذبولٍ أكبر للمفسدين ، وبانطفاء جذوة باطلهم .
إن حجم المشقة التي تجشمها المصطفى عليه الصلاة والسلام مع صحابته الكرام رضوان الله عليهم بالمدينة كان يفوق كل وصف . كانت مشقة من حول الدنيا من حال إلى حال ، وكان بديهي أن يمده الله بمجتمع كمجتمع المدينة كي يتسنى له ذلك وفقا لظاهر الأمور .
والله ورسوله أعلم .