البحث في نفحات7

 نفحات7 - دراسات - القيم الانسانية في الهدي النبوي من خلال خطبة سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه
الـرّئيسيـــة > دراســــــات > القيـم الانسـانيـة فـي الهـدي النبــوي من خـــلال خطبـة سيدنـا جـعـفـــر بـن أبــي طالـــب رضــي الله عنـه

بقلم : حيـاة تليلـي 09/06/2017

حينما اشتد الظلام واستبد الظلم، وساد في المجتمع العربي الانحطاط الأخلاقي الذي بلغ أوجه، بزغ فجر الرسالة المحمدية المنقذة من وحل تلطخت به القيم الانسانية حتى كادت أن تضمحل نهائيا فلا يبقى لها وجود
ومن الصور التي سادت في تلك العصور ما لخصه سيدنا جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - في خطبته أمام النجاشي، قائلا: " أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيئُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، وَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ تَعَالَى إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفُحْشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنَّ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَلَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ - قَالَ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ - فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَعَبَدْنَا اللهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا..الخ ". 1
من خلا ل هذه الخطبة، التي وصفت حالة المجتمع قبل بعثة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، يتبيّن لنا مدى حاجة الناس للرسل والرسالات التي تنظّم الحياة الاجتماعية بقيمٍ إنسانيةٍ تقدّر الإنسان وترفع من شأنه، فتحيطه بمنظومة أخلاقية نابعة من إنسانية الرسالة وسُمُوّها.
فما هي وجوه هذه الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة؟ وكيف غيّرَها النبي صلّى الله عليه وسلّم في ظرف زمني لا يتعدّى الثلاث وعشريون عاما؟.
قال سيّدنا جعفر - رضي الله عنه - كلّ هذه الصفات التي وصف بها المجتمعَ الجاهليَّ نجدها في أيّ مجتمع ابتعد عن الوازع الروحي الذي ينتج عنه الدافع القيمي الكامن وراء أيّ خلق إنساني يهدف الى التغيير والتطوير الفكري والاجتماعي. ولهذا، أوّل ما بدأ به النبي صلّى الله عليه وسلّم، كأساس للتغيير الجذري في مجتمعٍ ساد فيه الفساد، وانتشرت فيه الرذيلة، بعد أن فَقَدَ الفرد علاقته بالله عزّ وجلّ، وأصبحت علاقة جوفاء، فصحّح أهمّ جانب للتغيير في أيّ مجتمع وهي علاقة العبد بربه. وبعدها توالى التغيير شيئا فشيئا. وكان أوّل ما عني به بعد ذلك: الأسرة. فأسّس بنيانها على قواعد شرعية متينة تحفظ الكرامات والحقوق، بعدما كان الزواج على أربعة وجوه، واحد فقط هو الذي أقرّه الإسلام لموافقته للفطرة السليمة، وحفاظا على كرامة الإنسان عموما والمرأة خصوصا. فبعدما كانت توؤد وتُباع وتُشترى وتُستأجَر، إلاّ مَن كانت في الطبقة العليّة، أمّا الفقراء فلا حياة كريمة يُحضون بها، ناهيك عمّا يحدث من خلط في الانساب حتى يصعب على الشخص تحديد نسبه الحقيقي. وما كابد المجتمع من تسلّط الأقوياء على الضعفاء. كما تعدّدت صور الحقد والرذائل الى أبشع الصور.
كلّ هذه الفوضى قاومها النبي صلّى الله عليه وسلّم وفق مراحل الدعوة، وها هي الأحاديث تبيّن لنا ذلك المنهج القويم الذي وضع أسسه نبيُّ الرحمة والهُدَى سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ومهما بلغت العلوم والمعارف، وتأسّست المنظمات والهيئات، فلا يمكن أن تكون أقوى من تلك القيم الانسانية التي غيّرت وجه التاريخ من مجتمع همجي حيواني إلى مجتمع صانعِ حضارةٍ عجزت عن الصمود أمامها الحضارات .
فقال سيّدنا جعفر - رضي الله عنه - : ومُلاحظ أنّ هذه القيم كلّها إنسانية تحفظ كرامة الفرد، وتُعلي من مكانته، كما تُبيّن روح الإسلام ورسالته السامية. فهو ليس شعارات تتعالى، ولا عبادات طقوسية، بل هو نظام حضاري إنسانيّ، أساسه توجيه القلوب والعقول لله عبوديةً وخضوعًا، وبنيانه قائم على المعاملة الصادقة مع الله والتقيّد بآداب وقيم اجتماعيه هدفها إنساني نبيل لا وجود له بهذه الكيفية الاّ في منهج النبوّة الخالد.

1 - الكتاب: حِلْيَة الأولياء وطبقات الأصفياء
المؤلف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430هـ ).
الناشر: السعادة - بجوار محافظة مصر، 1394هـ - 1974م، ثم صورتها عدة دور منها:

عدد الأجزاء: 10، ج/1، ص 115.