البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ نوافذ على الحقّ - الردّ على من أنكر حكمة الصيام
الرّئيسيـة > هذه الأمّة > الـردّ علـى مـن أنـكــر حكمــة الصيـــام


بقلم : محمود سلطاني 08/06/2018


قال الصحفي المصري إبراهيم عيسى في إحدى حلقات برنامج تلفزيوني يقدّمه، إنّه لا يرى أهميّة للصوم، وهو متعب للصحة، وكاشفٌ لفروق اجتماعية وطبقية هائلة، وأنّه لم ير في صيام رمضان حكمة إلا أنّه قرار سيادي من الله عز وجل، “ إفعلْ وصُمْ ” فيصوم الناس دون أن يدركوا حكمة الصيام. إنتهى كلامه منقولا عن صحيفة " رأي اليوم " الإلكترونية.
هذا الشخص يتناقض مع نفسه.
فهو من جهةٍ يصرّح بأنّه لا " يرى " أهميّة للصوم ولا حكمة، بل " يرى " فيه ضررا للصحة وتماسك المجتمع. ثمّ يؤكّد، بعدها مباشرة، بأنه قرار سيادي لله عزّ وجلّ، أيّ أنّه هو وحده من يعلم الحكمة من فرضه. فكيف رأى بهذه الدقة ما لم يأذن الله بظهوره؟
وهو شخص أيضا وقع في سوء أدبٍ عظيم مع الله سبحانه وتعالى، لأنّ كلامه يوحي بأنّ القرار السيادي الإلهي مشحونٌ بالأوامر الخاطائة المضرّة بمخلوقاته. فانطلاقا ممّا يقوله، إمّا أن الله يتعمّد الإضرار بخلقه فقط لأنّه الأقوى، وإمّا أنّه أخطأ في تشريعه إلى الحدّ الذي اكتشفه إبراهيم عيسى وغاب عن الله.
تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
لا شك أنّ ما يأمر به الله تعالى عباده من تشريعاتٍ هو أوّلا أمر توقيفي، أيّ أن الأصل فيه هو الوحي والأمر وإن لم تفهم العلّة من ورائه. لكن الله، برحمته، أمرنا بالتدبّر في النصوص المنزّلة، فقال مخاطبا الكافرين والمنافقين: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ، فما بالك بالمؤمن المسلم. وقال جلّ وعلا أيضا: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا . وما معنى إيجاد الاختلافات بغير قابليتها للاكتشاف؟ وما قيمة الدعوة إلى اكتشافها إنْ كان القرآن بعيد المنال عن قوى المخلوق المعتادة المستعملة في الفهم والاستنتاج؟ وما ينطبق على الاختلافات ينطبق كذلك على الموافقات، لأنّ الكلّ من قبيل المبحوث عنه.
وقال أيضا: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ . في هذه الآية ربْطٌ للتذكّر والهداية بالتدبّر، وربْطٌ للتذكّر بأهل العقول، فهو إذن ربْطٌ للتدبّر بالعقول والقلوب السليمة الحصيفة، وهذا لا يستقيم إلاّ إن كان في آي الذكر الحكيم ما ينسجم مع طبيعة عمل العقل ويمكن نيْله بواسطته دون أن يخرجه عن كونه أمرا سياديّا من أوامر الله.
وقد أمر سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتدبّر القرآن، فقال: « ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده » . فكيف يحثّ سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على فعلٍ إنْ كان سرّه ممّا استأثر المولى به؟ وكيف يرغّب عليه أفضل الصلاة والسلام في تدارس القرآن جماعيّا إنْ لم يكن فيه ما هو ميسّر للاستخراج والفهم؟ فما هو المعنى الحقيقي لـ"الدرس" إذن؟
والصحفي، وإن لم ينكر القرار الإلهي السيادي في فرض صوم شهر رمضان، إلاّ أنّه أثبت عجزا مشينا عن فهم أبجديات العلاقة بين القرآن والإنسان، وهي علاقة ذات بُعديْن في ذات الوقت: بُعد متّصل بالمشيئة الإلهية، وبُعد متّصل بالحكمة الإلهية. فأمّا ما يتعلّق بالمشيئة فهو من شؤون الله الخاصة ولا منفذ للمخلوق لها، ووسيلة تلقّيه هو التسليم المطلق. لكن ما تعلّق بالحكمة، فهو جانب أراد الله أن يُبْديه للخلق على صفة تتناسب مع آليات رؤيتهم، وغالبا ما يكون من مقوّمات حياتهم العادية أو رافدا من روافد إيمانهم حين يستنبطه أهل العلم ويبيّنوا سرّه وخيره للناس. وهو ما حصل فعلا مع الصوم، فوُجِد في كلّ عصر من الرجال من يفتح الله عليه من حكمة الصيام الكثيرَ، يوافقه عليها العلماء، وتتقبّله منه العامّة، فيزداد الجميع إيمانا مع إيمانهم. هذا العجز كافٍ للحكم على الصحفي - وعلى أيٍّ كان في مقامه - إمّا بالجهل أو بالتقصير، وكلا الصنفيْن لا يملكان الحق في تبوّء مقاعد أهل مخاطبة الناس. فما بالك إن زاد على ذلك تأكيده دون تردّد على خلوّ الصيام من أيّ فائدة صحيّة أو معنوية اجتماعية، بل ادّعاؤه بأنّ في الصوم سلبيات مثل الإضرار بالصحة، وكشفه وتكريسه لطبقية هائلة في المجتمعات.
هذا كثير، والله !
وما هالني هو أن بعض تعليقات قرّاء النبإ دافعوا عن الصحفي من باب حريّة التعبير والمعتقد.
والمسألة لا علاقة لها بحرية التعبير ولا بالاختيار الحرّ للمعتقد. ولا أحد يفرض على أحد أنْ يؤمن أو أنْ يكفر.
إنّ ما يدعو إلى الاحباط في هذا هو إلغاء دور المسؤولية في ميلاد الآراء ووجهات النظر، وكأنّ لصُنْع الآراء طرقا أخرى يمكنها الاستغاء عن المسؤولية.
هنا، لا نلوم الصحفي لأنّه أنكر، وإنما نلومه لأنّه بنى إنكاره على ما ليس له به علم ممّا ثبتت صحّته بالدليل الملموس الظاهر في بحوث أهل الدراية الموثوق برتبهم العلمية، وفيهم الكثير من غير المسلمين.
لسنا نصادر رأي الصحفي، وإنّما ننقد اعتبار مخالفته لإجماعٍ، يكاد يكون مثاليًا، حقّاً، ثم إعلان ذلك في الناس دون تقديم دليل على ادّعاءاته.
الأسف ليس مِن وجود شذوذ الصحفي الفكري، وإنّما الأسف من إعطاء الأولوية لحكم الأحاسيس الذاتية الضيقة المتسرّعة مقابل قوّة الحجّة القائمة على المنطق الطبيعي والتاريخي للجنس البشري متمثّلا في وحدة ما وحّدتْه الموضوعية والتراكم المعرفي.
لا أدري بأي درجة من السطحية رأى ذاك الصحفي ما رأى، لكنّي متأكّد من أنّ تصرّفه لو عمّ فإنّ الفوضى الفكرية هي ما سيحلّ مكان الصواب، ولن يصحب تلك الفوضى إلا مزيدا من الباطل مهما كان الموضوع المُناقَش.
فهل لهذا خُلِقنا؟