البحث في نفحات7

 نفحات7 - هذه الأمة - آفة الحكم الشامل بالخطإ
الرّئيسية > هـذه الأمّـة > آفـة الحكم الشامـل بالخطـإ

بقلم : محمود سلطاني 14/11/2007

عادة الحكم على الأمور العظيمة بجرّة قلم ابتلاء كبير منِيَتْ به الأمّة منذ زمن بعيد ، ويتجلّى اليوم في أعتى صورة .
أدركتُ هذه الظاهرة منذ سنوات رشدي الأولى ، وبداية عهدي بالمطالعة والإهتمام بقضايا الفكر والدّين . لقد كنتُ ألاحظ الأحكام الجائرة ، من بعض من اعتبرهم الناس علماء ، على منظومات فكرية ، وتيّارات عقائدية ، ذات انتشار واسع ، ورسوخ تاريخي ، وكنت أرفض الحكم الشامل بالخطإ عليها انطلاقا من اطّلاعي على أحكام مضادّة تقف في صفّ تلك الظاهرة أو القضية ، أو فقط اعتمادا على رأيي فيها بعد معرفتها . وكان ذلك سببا لسقوط ذلك الداعية أو العالم من عيني ، ومدعاة لوضعه في خانة خاصّة تحت مجهري لمتابعته عن كثب ، ورؤية ما إذا كان سلوكه الذي لاحظته استثناء أو أصلا . وبالرغم من خيبة أملي في الكثير إلاّ أني لم أكتب شيئا ، ربّما لغياب المنبر والفرص .
لكني شاهدتُ هذه الأيام ، على قناة فضائية ، أحد متصدّري الأمّة في العلم والفتوى والدعوة ، وسمعته يعلن عن رأيه الخاص لمن سأله عن حكم التمائم عندما تكون حاملة لآيات قرآنية قائلا :" ... والمؤسف أنّ القرآن أصبح يُتلى على الأموات بدل أن يكون وسيلة للإصلاح والهداية والتربية " . هذا معنى كلامه .
والحقيقة أنّ المؤسف هو تصدّر مثل هؤلاء أمّة الإسلام ، وانجرار الملايين وراءهم .
وكلام هذا الشخص مردود من وجوه عديدة .
1 - إنّ كل ظاهرة في الحياة تتميّز بوظيفتها التي بها تستقلّ عن غيرها ، وبها تتحدّد هويتها . ومن حكمة الله عزّ وجلّ أنْ جعل وظائف الكثير من هذه الأشياء تكاملية ، فتكون الواحدة لَبِنَة ضرورية للأخريات لإنشاء معمار مادّي أو معنوي ، بغضّ النظر عن حجمها ، وشأنها النسبي . ومن حكمته أيضا تخصيصه ظواهر أخرى بوظائف مستقلّة تفعل فعلها دون حاجة للإرتباط .
فإذا كانت الحياة تسير بمبدإ الوظيفة - المستقلّة أو التكاملية - فإنّ كل كلام يراد به إيهام الناس بصحّة تسبّب وظيفةِ ظاهرةٍ مّا بتعطيل أو إلغاء وظيفةِ ظاهرةٍ أخرى مختلفةٍ عنها هو كلام خالٍ من الصواب والموضوعية .
لو قيل أن تعطيل وظيفة تسبّب في عدم اكتمال منظومة معيّنة ، أو لو قيل أنّ وجود تلك الوظيفة في ذلك الظرف بعينه لا معنى له ولا جدوى منه ، لَكان هذا القول مفهوما .
والسؤال هو : ما الذي يمنع القرآن الكريم أن يكون وسيلة للهداية والإصلاح إذا تُلِيَ على الأموات ؟ ما العلاقة بين هذه الوظيفة وتلك ؟ إنّ المراد من قراءة القرآن على الميّت هو إهداء ثواب التلاوة إليه وهو في برزخه ، وأمّا قراءته وتدبّره وتطبيقه فهو من أجل تنفيذ إرادة الله تعالى منّا حالاً وقولاً وعملاً .
2 - إنّ الشطط البيِّن في الحكم - كما لاحظتُ على هيئة المتحدّث - نابع عن تساهل في إصداره ممزوج بنبرة تهكّم ، وهو إنباء صارخ عن فقر في الإحساس بثقل المسؤولية الضرورية في قول وعمل من يقود الناس . ثقلٌ يتوجّب توفّره بدرجات أكبر عند العالم منه عند العوام بصفته قدوة ارتبط قسط عظيم من صلاح المقلّدين أو فسادهم به مباشرة . ومن يستمع لقول ذلك الرجل يتوهّم أنّ الأمر الغالب في العالم الإسلامي هو اجتماعات القرّاء في المآتم لدرجة الطغيان الذي لم يترك للعمل الدّعوي والإصلاحي فرصة ، وهذا مرفوض عند من يمتلك ذرّة عقل ، إلاّ أن يكون عدد الموتى يفوق عدد الأحياء بصفة دائمة .
3 - وإذا كان القصد من كلامه : لماذا لا تزال قراءة القرآن على الأموات سارية المفعول في المجتمعات المسلمة ، ولماذا أُهمِل الجانب الإصلاحي ، فالذّنب ليس ذنب القرّاء ، ولا ذنب الأموات ، ولا ذنب الظاهرة في حدّ ذاتها ، وإنما هو ذنب من عطّل الجانب المأمور بتوظيفه . ويا سبحان الله ! وكأنّه لا يمكننا تحريك سوى جانب واحد من القرآن في نفس الوقت ، فيتذمّر هؤلاء من تلاوته على الموتى في الوقت الذي أرادوا ممارسة ما هو أولى في نظرهم .
4 - قلنا في البداية أنّ الأمور والظواهر منوطة بوظائفها وإن كانت هيّنة . وحتى لو كانت قراءة القرآن على الأموات من هذا الطراز لما كان عليها من غضاضة لأنها عمل مستقلّ له فوائد محدّدة لا يعطيها غيره .
لكن الحقيقة ، أنّ تلك القراءة عظيمة الشأن لأنها سبيل إلى مواصلة تزويد المسلم بالخير والثواب ، ونبع يزيد من رصيد حسناته بعد فراق الدنيا ، أيّ إمكانية إنقاذه وترقيته قبل قيام الساعة .
هذه عقيدة راسخة عندنا وإن أنكرها وضعّف نصوصها الضعفاء .
وحتى لو انطلقنا من ظاهر مساجلات العلماء بالرأي ، فإنّ قراءة القرآن على الأموات من المسائل التي أقرّها البعض وردّها البعض الآخر ، وهو دليل على خروجها من دائرة المتفق على حكمه بالحجّة القاطعة الجامعة ، والكل يعلم أن لا احتجاج بالمختلف فيه .
إنّ آفة ضحالة العقل وما يصدر عنه من أفكار هي المادة الأوّلية لحياكة الأحكام لهي السبب وراء كثير من ابتسامات السخرية منْ أمورٍ منَ الجسامة والخطر بمكان في الدين ، وهي أيضا السبب في جرّ الأشد سطحية من المنبهرين إلى تبنّي مواقف هي التجهيل والتعطيل والتأخير بعينه .
لقد كتب الله في هذا العصر على الأمة أن يستأثر بلوائها الفاشلون المتستّرون وراء الأعذار المختلقة الواهية بالرّعم ممّا توفّر بين أيديهم من وسائل كفيلة بطغيان أصواتهم وأدوارهم عن أي صوت ودور كان أضعافا مضاعفة ، وما مهزلة هذا الرجل التي ذكرتها لكم إلاّ واحدة من سلسلة من الكوميديا " المبكية " ألِفنا نغمتها على مرّ السنين والتجارب . فقَدْ سمعنا من يلقي بمسؤولية تخلّف الأمة على كاهل التصوف وأهله ، ومن يتّهم مذهب الإمام مالك رضي الله عنه بالتسبب في تحجّر الفكر في المغرب العربي ، ومن أعلن للعالم أن التجانيين هم الذين أدخلوا فرنسا إلى الجزائر ، وأعانوها على إتمام مخططها الإستعماري ، ثمّ كانوا العقبة الرئيسية دون تقدّم الجزائر المستقلّة إلى اليوم .