البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ دراسات ـ عدلتَ فنمتَ
الـرّئيسيــة > دراســات > عـدلـتَ فنمــتَ


بقلم : محمود سلطاني 03/08/2011


حين زار وفد كسرى المدينة ورأى سيّدنا عمر رضي الله عنه نائما في ظلّ نخلة ، متوسّدا كومة قشّ ، قال قائلهم : " عدلتَ فأمنتَ فنمتَ يا عمر " .
أمّا عدل مولانا أمير المؤمنين رضي الله عنه فمعروف لا حاجة لذكره .
وأمّا نومه عليه الرضوان على تلك الحالة فليست ناتجة - في رأيي - عن اعتماده على عدله ، وعلاقته به ليست علاقة المتسبَّب فيه الواثق بمتانة سببه وعدم تخلّفه . بل إنّي أكاد أجزم أنّ سيّدنا عمر رضي الله عنه لم يكن يفكّر في عظمة عدله - وهو فعلا كذلك - حين قرّر أن يستريح في ظل الشجرة .
فإذا كان النوم من غير حراسة يمكن أن يوحي للناس بأنّه من ثمرات العدل الذي لا يخشى صاحبه غائلة أو خديعة ، فما بال توسّد كومة قشّ أو توسّد نعلين ؟ وما بال لبسه ثوبا مرقّعا في أكثر من موضع كما جاء في القصّة ؟
ولو كُتِب لأحد أن ينام في طمأنينة معتمدا على عدله فلا شكّ أنّه ليس أمير المؤمنين ، لأنّه أبعد الخلق عن الرياء والإلتجاء إلى الوسائل الموحية بذلك ولو من بعيد . وليس لي شكّ في أنّه عليه الرضوان لو أحسّ في قرارة نفسه أنّ في تلك النومة احتمال انعكاس عظمة عدله لمحيطه ومجتمعه ما أقدم عليها ، ولانتقل إلى بيته أو إلى أيّ مكان يتستّر فيه فرارا من دسائس النفس وسدّا لباب كلّ شبهة .
ما الذي كان سينقص من مقدار عدله العظيم لو وضع وسادة أو ثوبا تحت رأسه ؟ لا شيء طبعا ، لأنّ سمات العدل الكبير لم تكن في يوم مّا في إمعان صاحبه في التفنّن في تمريغ النفس في أوهن المكتسبات ، إذ لا علاقة بين الأمرين . بل الأوْلى للتبادر إلى الذهن هو العكس ، وهو أنّ القاضي أو الحاكم مطالب بشيء من الإعتناء بالمظهر الشامل لجميع مناحي الحياة كي يكون سفيرا لما يدعو إليه ويسهل تمرير رسالته بين الرعيّة . وهذا في حدّ ذاته أمر يعرفه سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين وإن كان يتوجّس منه بعض التوجّس . نعرف ذلك ونلمسه من جوابه لسيّدنا معاوية رضي الله عنه حين برّر له هذا الأخير لزوم ما أقدم عليه من تدابير ملَكيّة تضاهي تدابير سلاطين الروم خدمة للدين الإسلامي في بيئة لا يصلح لها إلاّ مثل هذا التدبير . لقد قال له : " لا آمرك ولا أنهاك " . وهو كلام رجل مسؤول يحذق فنون السياسة ، ومتفطّن إلى الفوارق التي تصنعها الظروف ، وأكرم به من مسؤول .
فهو إذنْ لم ينم ثقة بعدله . ولم يهجر أحقر الأمتعة إلى ما هو أدنى منها إشهارا لعدله . بل إنّه قُتِل بجبنٍ بالرغم من عدله .
فلو كان الغدر سيستثني عادلا في الخلق من ويلاته لاستثنى سيّدنا عمر رضي الله عنه . لكنّه لم يستثنه . وقديما قيل : " نصف الناس أعداء لمن عدل " ، وهي إشارة إلى كثرة الساخطين في الدنيا الذين يقلب العدل حساباتهم أصفارا ، ونواياهم السيّئة صغارا . وهي إشارة أيضا إلى عجز العدل على استئصال الشرّ . وكلّ فهم أو قول أو سلوك يصدر لإثبات أو الْتِماس عكس ذلك هو إيكال مهمّة لغير مخلوق لها .
فما مهمّة العدل إذنْ ؟
مهمّته هي مهمّة كلّ خُلُق وفعْل يُرجَى من وراءه أقلّ الخسارات . هنا تصبح المقارنة ممكنة بين مجتمع وآخر ، وبين أمّة وأختها .
لقد أفلح مولانا أمير المؤمنين رضي الله عنه في استثمار العدل إلى أقصى قيمه التي لم تُتَحْ إلاّ لرسول أو نبيّ . ورأى من حوله مجتمعا ينمو وإحدى مقوّمات نموّه الرئيسيّة عدله المدرار بالليل والنهار . وكان من الطبيعي أن تسري سنن الله باطّراد وفق ما يتهيّأ لها من أسباب ، وكانت النتيجة مجتمعا إقتربَ إلى أبعد المواضع في أطوار النفوس السويّة ، وتموقع فيها وحطّ رحاله بها ردحا من الزمن في حين كان غيره من االمجتمعات لا يرى ذلك المحلّ إلاّ كما يرى الواحد منّا النجم بازغا في السديم النائي .
هذا هو الممكن .
أمّا الإنتفاء المطلق للشرّ والأشرار بواسطة العدل ، ولو بمثل عدل عمر رضوان الله عليه ، فغير ممكن . وعدم إمكانه هو أنّ المشيئة الإلهية المقدّسة لم تُرِدْهُ . وإنّ أدرى الناس بذلك من ضمنهم مولانا أمير المؤمنين رضي الله عنه .
فما الذي جعله يخلد إلى النوم على تلك الهيئة ؟
قلنا ليس إحساسه بإتمام المهمّة ، إذ أنّه لم يعترف أبدا لنفسه بأنّه أتمّها .
هو كمال إيمانه بالله المنقطع النظير . فقط .
لم ينم لأنّه مطمئنّ في قومه وبين أهله بحيث يمكن القول أنّه كان سيكون أشدّ حيطة وحذرا لو كان عند غيرهم . بل نام لأنّ قيمة كلّ شيء استوتْ عند درجة الإضمحلال لديه أمام إيمانه وحبّه لمولاه جلّ شأنه . فلا أحد يحتلّ قلبه سوى الله ، ولا ذِكْر يسكن لسانه سوى ذكر الله ، ولا موجود يشغل باله وفكره إلاّ التفكّر في الله ومراقبته والتلاشي في التولّه به . ولقد كان عدله وسيلة في جدول تقواه وورعه وخشيته لربّه ، وكان تطبيقه وتصريفه من أعظم القربات والمسؤوليات دون أدنى اهتمام بما إذا كان سيمنحه فرصة النوم أو سيودي به إلى السقوط " شهيدا " بيدٍ آثمةٍ كافرةٍ .
لقد قال له قاتله يوما أمام الملإ : " سأصنع رحى لك تتحدث بها الركبان " . لكن الذي تحدّثت به الركبان وفي كلّ الأزمان هو عدل سيّدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه المتفتّق عن شديد تقواه وخوفه من الله .
نسأل الله أن ينفعنا بسيّدنا الفاروق رضي الله عنه وبجميع ساداتنا صحابة سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .
والله ورسوله أعلم .