البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ العلم اللدنّي : حقيقته وبعض من أدلّته
الرّئيسيـة > نـوافـذ على الحـق > العلـم اللدنّـي : حقيقتـه وبعض من أدلّتــه


بقلم : محمود سلطاني

المنكرون على أهل الله يرفضون كلّ ما ينتسب إلى الصوفية ، وأشدّ ما يثير اشمئزازهم كلمة " العلم اللدنيّ " الذي هو عماد المعرفة بالله ، والعلامة الصحيحة على الوصول إلى حضرة القرب .
وكلمة " اللدنيّ " التي تنعت العلم المذكور مصطلح ككلّ المصطلحات ، ولا دور له في إيجاد أو عدم مسمّى وإن كان له دور في تحديد صنفه . هو إذنْ علم من بين العلوم الإلهية الكثيرة التي يعلّمها الله عباده ، لكنه يختلف عنها في وسيلة التعلّم ، ووسيلته هو الإدراك الروحي المباشر المختزل لكلّ حُجُبِ المادّة بمحض الإختيار الإلهي ، وحسن رعايته وتوجيهه إلى سبُل الإخلاص والتقوى واتّباع الشريعة .
ويتميّز هذا العلم بخاصيّتين :
- خصوصية كسبه وتلقّيه لأنّه ثمرة اجتباء رباني .
- إستعصاؤه أو استعصاء جلّه عن التعبير المألوف .
ويُسمّى العلم اللدنيّ كذلك بـ " علم الحقيقة " أو " العلم الباطني " ، وهذا أيضا من مصطلحات القوم التي يقابلها عندهم مصطلح " علم الشريعة " . وقد يختصر البعضُ المصطلَحَيْن فيقول : " الشريعة والحقيقة " .
وقد ظنّ السطحيون من إخواننا في الإيمان أنّ السادة الصوفية قد ابتدعوا دينا جديدا ، وأصبح لديهم الإختيار بين شريعة الله جلّ وعلا ورسوله صلّى الله عليه وسلّم وبين شريعتهم المزعومة . والحقيقة التي يتوجّب على كلّ أحد معرفتها هي أن لا شيء من هذا الإفتراء له أساس ، وإنّما هو من ثمرة سقم الفهم ـ نقولها بكلّ أسفٍ ـ التي تعوّدنا مرارتها وأذاها . ولو تبرّأ إخواننا من إنكارهم قليلا لفهموا أنّها مجرّد تسميات للفصل بين مسميّاتٍ مختلفة لا بدّ منها للفصل بين حقائق ذات مفاهيم متعدّدة .
ولتوضيح الصورة أكثر أمام القارئ الكريم الذي يجهل هذه الأمور ، والذي يمكن أن يكون ضحيّة اتهامات المنكرين الباطلة فيقع في ظلم الأبرياء ، فيهلَكَ ويُهلِك ، نقول أن المخلوق البشري ـ من غير استثناء ـ في حالة وجوده يمرّ بأربعة مراحل :
- المرحلة الأولى : وهي مرحلة ما بعد إيجاده من عدم في عالم الأرواح
- المرحلة الثانية : حين أُدخِلت الأرواح في الأجساد لتمضية أيام الحياة الدنيا . إنّها نفس الذات التي كانت في المرحلة الأولى وكانت تتمتّع بخصائص روحانية أُجْبِرت الآن على الحلول بداخل هذا الحيّز الضيّق . إنها تشبه في ذلك شخصا كان طليقا حرّا سائحا في كلّ مكان على الأرض ، ففُرِضتْ عليه الإقامة الجبرية في بيت محروس حدّتْ من حركته وتعامله وعلمه .
والذّاتُ الرابضة داخل الجسد كانت تعلم الكثير قبل دخوله لكنّها لم تعُدْ تتذكّر . فحينما كانت على حالتها الأولى سمعتْ الخطاب الإلهي المذكور في القرآن العظيم : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ وقد أجابت بَلَى . مَن منّا يذكر ذلك ؟ لا أحد طبعا . واسألْ أيّ مسلم أدّى فريضة الحجّ : هل تتذكّر جوابك بالتلبية حينما خاطبك سيدنا إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وأنت في عالم الأرواح ودعاك مع الجميع لحجّ بيت الله الحرام كما ورد في الحديث الصحيح ؟ وسوف يردّ عليك بالنفي .
الحجب تحيط بك من كلّ مكان ، وتطبق عليك من جميع أقطارك ، وليس لك سوى حواسك وعقلك لإدراك وفهم العالم الخارجي ، وهو إدراك لا يفلح في اقتناص الكثير من معانيه وحقائقه ، ولا تصل إليه إلاّ ظنّا و تقريبا ، أو تسليما إذا تعلّق الأمر بما لا إِذْنَ في خوضه بالعقل وحده .
- المرحلة الثالثة : انتهاء العمر الدنوي ، ومغادرة الجسد ، وولوج عالم البرزخ على هيئة روحانية ذات خصائص معيّنة
- المرحلة الرابعة : وهي القيام لربّ العالمين ، والإستقرار النهائي في عالم الآخرة .
إنّ الذات طيلة هذه المراحل هي نفسها ، والمتغيّر هو الثوب الذي يُلْبَس لها أثناء كل مرحلة . فاختلاف الأحوال والخصائص ليس بدعا من ذات البشر إذَنْ ، والذين يحصرون طاقتها في مستوى ما تطاله جوارح الجسد الترابي يحجّرون على واسع ثبت وجوده وإمكانية نيله .
وموقع علم الشريعة والحقيقة الذي يتحدّث عنه العارفون هو في المرحلة الثانية حين تكون الروح في الجسد الطيني الدنيوي ، لكن الفرق هذه المرّة يكمن في شفافيةٍ نسبيةٍ للحجب التي كانت كثيفة ، وفي هامش من الحريّة الإضافية الإستثنائية مقرونة بشروطها للتفلّتِ من قيود النواميس المادية المطّردة . ولْنعدْ إلى صاحبنا في إقامته الجبرية ، لكن لنتصوّر أنه نُقِل إلى شقّة بأعلى برج جدرانه من زجاج تخفيفا عنه . فبعد العزلة المريعة أصبح الآن يتمتّع ببعض الحرية المعنوية ، ويرى الشمس ، والضواحي ، ويشاهد حركة الناس في كلّ اتجاه . وأنتَ لو قارنته مع غيره من كثير من السجناء فإنّ حالته الجديدة تعدّ نعمة عظمى ، وحظوة قصوى في أعينهم .
هذا فقط مثال لتقريب الفهم .
إنّ علم الحقيقة هو العلم الحاصل لمن هذا حاله ممّن قرّبه الله من المؤمنين في مقام الإحسان فأطلعه يقينا لا يعتريه مقدار ذرّة من ريبٍ على حقائق من مراده في ما شاء هو من أموره في ملكه وملكوته . معارفه تصل إلى روحه عبر قنوات غير قنوات الحواس والعقل والوسائط ، ولكنها تُعْرَضُ عرضا أمام الروح فتراها " شهادة " لا " رجماً بالغيب " .
وقد قرأتُ كلام مَن حرمه الله التصديق وهو يتندّرُ بقول بعض العارفين رضي الله عنهم : " أخذْتُم عِلْمَكم ميّتٍ عن ميّتٍ وأخذنا علمَنا عن الحيّ الذي لا يموت " ، أو حين قال آخر : " حدّثني قلبي عن ربّي " ، وقال مستخفّا ـ فيما معناه ـ : " إن ذلك من المبالغة المسرفة ، وهل يعني هذا أننا سنترك السلسلة الذهبية من روّاة الحديث لنتبّع ما يقول قلبه ؟ " .
وحاشا الصوفي أن يكون مراده التهكّم بالعلماء الأجلاّء حين قال أنّ علمهم علمُ ميّتٍ عن ميّتٍ ، ولكنه يقصد ما شرحناه آنفا ، وهو أنكم بحكم طبيعة البشرية فيكم لا يتعدّى ما تعلمون ما ألْقَتْهُ إليكم عقولكم ونظرياتكم وآراؤكم ممّا استنبطَتْهُ أجيال مضتْ وقضَتْ قبلكم ، وما أضفتم أنتم له ، وهذا معروف معتَرَف به عند العلماء المستنبطين في كلّ مذهب ، بل ويلحّ كلّهم على جميع من قلّدهم ووثق في آرائهم أن يتّبع الحقّ إذا ظهر مع غيرهم في يوم مّا . وهي ، كذلك ، دعوة لبعض العلماء إلى عدم الغرور بما اكتسبوا ، وتنبيهٌ لهم إلى أنّ لله في عباده شؤونا غير ما علموا ، يصطفي ، من غير أن يُسْأل لماذا ، مَنْ يشاء من عباده ليعلّمه بنفسه بغير أسباب . والأمر طبعا من الخوارق لأنه لا يمُتّ بِصلَةٍ إلى أحوالنا التي نعهدها ونعيشها .
هذا هو علم الشريعة وعلم الحقيقة بالمعنى الإصطلاحي لمن أراد أن يفهم ، ويخرج من دوائر اتهام الأبرياء بالمجان .
أما الشريعة بالمعنى المطلق فشيء مغاير تماما ، عند الصوفيّ أو عند غيره .
الشريعة بهذا المفهوم بيئة روحية ، معصومة ، محيطة ، تتّسع لجميع أصناف المصطلحات ، ومستويات العلوم ، ولها على كلّ صنف تحتويه سلطة ضابطةٌ ، وروابط انسجام ، وحضور دائم .
إنّ البحر بيئة عظمى يضمّ داخل مياهه ما يخرج عن الحصر من الكائنات المختلفة في خصائص تكوينها وتغذيتها والدفاع عن نفسها ، والمختلفة كذلك في مستويات أعماق استقرارها إلى مسافات سحيقة لم يتخيّلْها كثير من العلماء المختصّين حتّى اكتشفوها .
وبرنامج إلكتروني مثل " وندووز " الشهير Windows في الإعلام الآلي بيئة أيضا ، وبإمكان أيّ منّا تسيير واستغلال مآت البرامج المختلفة الوظائف ، والمبتكرة لتتوافق ومنظومة تسييره ، وتنسجم مع آلياته كما أراد له مخترعوه .
والرابط الجامع في كلّ مثال هو روح البيئة وطبيعتها الراعية لمحتويات كلّ مستوى فيها بدقّة محكمة بحيث لا يبغي مستوى عن مستوى آخر ، وإذا فعل فإنّه سيواجه نتائج تعدّيه السلبية ، ولا خاسر سواه .
تصوّرْ أنّ أسماك السطح في بحر من البحار ستنكر أنّ بعمق كذا تعيش أسماك أخرى لها القدرة على تحمّل الضغوط الهائلة وإنتاج أنماط من الكهرباء الشبيه بالبرق في ظلام القاع الدامس .
وتصوّر أنّ برنامج لعِبٍ بسيط للأطفال ينكر مقدرة برامج أخرى على البرمجة نفسها داخل بيئته لمجرّد أنه لا يحسن سوى التطبيق واستغلال المعطيات .
ولقد نسيتْ سمكة السطح ، ونسي برنامج الأطفال أنهما أوّلا لم يُصمّما لغير مستواهما ، وثانيا أنّ في بيئتهما اتّساع وتنوّع ودقة في الإشراف على غيرهما من الممكنات .
ولو علمتْ سمكة السطح ، ولو علم برنامج الأطفال أنّ إنكارهما لما هو أقوى وأكثر تميّزا لا يغيّر من الواقع المنطقي شيئا لأراحا أنفسهما من عناء تحمّل أعباء بدون طائل .
وكذلك المنكرون على أصحاب العلم اللدنيّ .

فواتح بعض سور القرآن
لم يفلح أحد بواسطة العقل والوسائل العادية إلى يومنا في فهم معاني الحروف المجمّعة في أوّل كثير من سور القرآن الكريم ، والإطلاع على ما ترمز إليه . إنه ولا شكّ سرّ من أسرار المولى تعالى أودعه فيها .
وممّا لا شكّ فيه أيضا أنّ سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعلم تلك الأسرار لأنه من غير المعقول أن ينزّل الله على عبد من عباده كتابا يعضد به رسالته إلى خلقه دون أن يمكّنه من معرفة دقائقه ومراميه .
ومن ناحية أخرى فإنّ القرآن أُنزِلَ لهداية صنف من مخلوقات الله في عالم محدّد محدود ذي أبعاد وخصائص معيّنة ، وهي " الحياة الدنيا " ، ولذلك فإنّ كلّ آية فيه لا بدّ وأن تكون حاملة لمراد ثابت لله من هذا الخلق ، ولا يمكن أن يُتصوّر أنّ بعض الآيات أنزلت إلى دار الدنيا والقصد منها مخاطبة الملائكة تكليفًا مثلا ، أو أنها أنزلتْ وبقيتْ من غير استعمال . كلّ شيء بين دفّتيْ كتاب الله من أجل تنظيم عبادة الله على الأرض ، وإرساء مخطّطٍ موجِّهٍ للثقليْن إلى طريق النجاة في ما وراء عالمهم الحالي .
وإذا نظرنا إلى وصف الله لقرآنه المجيد الذي منّ به علينا ـ له الحمد ـ فإننا سنجد أنه ينعته بـ " قرآن عربيّ مبين " . لكن أين الإبانة والبيان في فواتح السور مثل الم ، المص ، الر ، كهيعص ، طسم ، طس ، حم ، ص ، ق ، ن ؟ نحن أمام حروف مقطّعة وُضِعتْ جنبا إلى جنب ولا تُنشِئُ مجتمعة كلمة ذات معنى معروف في اللغة العربية . وبالرغم من ذلك فإنها ولا شكّ " مبينة " لأنّ الله الحق صرّح بذلك . فكيف يلتقي البيان والغموض في نفس الوقت ؟
يقع في حالة واحدة .
أن تكون الإبانة مطّردة في كلّ آية إلاّ أنها تخصيصية ، أيّ أن يكون الإختلاف في المخلوقات المتلقّية لمحتوى تلك الآية ، فإذا كان العبد يمتلك الوسيلة لفهمها ومعرفتها فإنّ معناها سيصله كاملا وبأفصح لسان مبين ، وإذا حُرِم منها فسيبقى مشدوها أمام ظاهرها المبهم من غير أن ينقص ذلك من صفة " البيان " لها . وكلّ محاولة لاعتماد رؤية أخرى توقع لا محالة في التناقض ، وحاشا أن يحلّ التناقض في كتاب الله .
وكما قلنا في أول كلامنا فلقد أثبتت التجربة التاريخية منذ نزول القرآن أنّ الإنسان بقواه الإعتيادية فشل في كشف اللثام عن حقيقة هذه الفواتح ، وبالرغم من كثرة المفسّرين والمؤوّلين والمفكّرين إلاّ أنهم كلّهم يصطدمون في نهاية المطاف بقصورهم ، ولا يملكون جميعا إلاّ أن يقولوا : " الله أعلم بمراده بها " . فلا بدّ إذَنْ من عباد وبوسائل أخرى غير مادية مألوفة لعبور أسوار تلك الحقائق المكنونة الغامضة ، والإطّلاع عليها على الوجه الذي يسّره الله سبحانه وتعالى جليّة واضحة مبينة ، ثمّ تطبيق مراده المحتوم فيها . يتِمُّ ذلك بوجودٍ دائمٍ ومستمرّ لهؤلاء في كلّ آنٍ إلى يوم الدين لأنّ أمر الله في كلامه المنزّل ماضٍ في كلّ وقتٍ ، تماما كما للأساليب والمفاهيم القرآنية الغير غامضة رجالها وفحولها في كلّ عصرٍ . بهذا فقط تكون كلّ نصوص القرآن قد شملها التطبيق في الحياة الدنيا دون انقطاع .
ولسنا نقصد أن يكون مراد الله في فواتح السور عبادة عامّة شاملة مفروضة كأركان الإسلام حتى يُعْترَض علينا ويُقال : كيف يتعبّد الله جزء من عباده بما لا يتعبّد به جزء آخر ؟ لأنّ العبادة تأتي على وجوه لا حصر لها ، وتختلف فيها المخلوقات على كثرتها . فالنوافل ، وحسن الخلق ، والتفكّر ، والذكر ، والمعرفة بالله ، أصناف من العبادة السامية الفردية ، تتفاوت وتتناسب في علوّ شأنها وكمالها مع درجات الترقّي والإصطفاء في مقام القرب ، وتتناسب كذلك مع واردات أنوار العلم بالله التي كلّما زادتْ إزداد معها وبمقتضاها الفهم لحقوق الباري جلّ وعلا ، والإستماتة في مقابلتها بما يليق من الأدب ، والحبّ ، والرضى ، والشكر ، والخنوع ، والإحساس اللذيذ بالفقر المطلق له . تلك أسرار من المستحيل إعلانها لغير أربابها ليس بخلا ولكن لأنها مرتبطة مباشرة بمدى طاقة المؤهّلين لحملها وفهمها ، وإنه لَمِنَ العبث مجرّد محاولة الإفصاح عنها لأنّ توصيل المعاني لا يكفي أن يتوفّر فيه الإفصاح فقط ، وإنّما يتطلّب استعداد المتلقّي لتقبّل العلم الملقى إليه ، والإستعداد كما هو معلوم موهبة إلهية لا حيلة في جلبها حتى في ميادين الفنون والمنطق فما بالك في ميادين العلاقة بين العبد وربّه .
صاحبا القبرين ووسيلة تخفيف عذابهما
جاء في الصحاح :
« مَرّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بحائط من حيطان المدينة ، أو مكّة ، فسمع صوت إنسانين يعذّبان في قبورهما ، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : يُعذّبان وما يُعذّبان في كبير . ثمّ قال : بلى كان أحدهما لا يستتر من بوله وكان الآخر يمشي بالنميمة . ثمّ دعا بجريدة فكسرها كسرتين فوضع على كلّ قبر منهما كسرة فقيل له : يا رسول الله لِمَ فعلتَ هذا ؟ قال : لعلّه أن يُخفّفَ عنهما ما لم تيبسا . أو: إلى أنْ ييبسا »
توقّفتُ كثيرا أمام هذا الحديث الشريف ، وتدبّرته مدّة طويلة جدّا ، وانبهرتُ به أيّما انبهار .
وتذكّرتُ ردّ المنكرين المتكرّر على أهل التصوّف الرافض للعلم اللدنيّ ، واعتبار ذلك من الدجل والبدعة والشرك وهرطقة المجانين . في نظر المنكرين كلّ شيء واضح في الإسلام ومن يدّعي أنّ الله قد اختصّه بعلم أو معرفة خارقة فهو كاذب .
أيها السادة المنصفون نحن أمام سرّ عظيم من أفعال سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ونقلة نوعية في تعامله الشرعي مع الدعاء والإستغفار للمؤمنين المذنبين ، وما يزيد السرّ خفاء وغموضا سكوته عليه الصلاة والسلام عن إعطاء أيّ توضيح أو تفصيل إضافي عمّا بَدَرَ منه بعد قوله : « لعلّه أن يُخفّفَ عنهما ما لم تيبسا »
إلى ماذا يشير صلّى الله عليه وسلّم حين قال : « ما لم تيبسا » ؟ هل السرّ كامن في حالة الغصن بين الإخضرار واليبوسة أم أنه في الزمن اللاّزم للتحوّل من حالة إلى حالة ؟ قالوا إنّ السرّ ليس في الإخضرار ولكن في زمن التحوّل ، ونقول نعم ليس في ذات الإخضرار قطعا ، لكن حتّى الأخذ بخيار الزمن لا معنى له في هذا الصدد ، إذِ السؤال : مَنِ المستفيد من معرفة مدّة الإستغفار ؟ لمن يُحدّد الزمن ؟ ومن هو في حاجة إلى ذلك ؟ وهل ظروف عالمنا مماثلة لظروف وأبعاد العالم الروحاني حتى نتعامل معهما بنفس المقاييس والقيم ؟ لماذا إقران الغفران بحالة الجريدة ، ولمن تلك الإشارة المادية إذا كانت كلّ الأطراف المعنية في الغفران لا تحتاجها ؟ فالله تعالى منزّه عن كلّ نقيصة ، وإن كان هناك ملائكة مكلّفون بتلك المهمّة فَهُمْ لا يحتاجون إلى تنبيه أو علامات ، وأمّا الميّت فهو في البرزخ ولم تعد له صلة أو استفادة بأمور الدنيا العادية .
والسؤال الآخر هو : ألمْ يكن سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قادرا على الإستغفار لهما بالتضرع إلى الله ، وبدعائه المجرّد المستجاب فقط ؟ والجواب : بلى .
فما هي مهمّة الغصن في كلّ هذا إذَنْ ؟
وأدعو الإخوة القرّاء لمشاركتي في التصوّر التالي :
نحن في عصر المعلوماتية والبرمجيات والكمبيوتر . هبْ أنّنا أنشأنا برنامجا إلكترونيا لتقييم قوّة عقيدة المؤمن من خلال قائمة طويلة من السلوك الظاهري وفقاً لمفهوم العقيدة لدى المنكرين على الطرق الصوفية ، ثمّ أدخلنا ما فعله سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حادثة القبرين إلى الحاسوب ، فإنّ نتيجة التقييم ستكون لا محالة سلبية ، وسيدرج صاحبه ضمن الوثنيين أو " القبوريين " كما يحلو للمنكرين استعماله عندما يصفون سلوك المتبرّكين بأضرحة ساداتنا الأولياء أو المستغيثين بجاههم ، أو المتوسّلين بمقامهم عند ربّ العزّة .
ولو افترضنا عدم وجود هذا الحديث ، وأنّ أحد العارفين وضع غصن شجرة ، أو جريدة نخلة على قبر وقال للناس : " لقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو الذي أمرني بفعل ذلك " للُعِنَ وعُدّ من الداعين إلى البدعة وعبادة الأصنام . لكن والحمد لله هذا هو الشارع نفسه عليه الصلاة والسلام من يصنع هذا الصنيع ، وهي إشارة جليّة إلى سعة وعمق الدين ، وإلى استعصائه على الإحاطة الكليّة ، واحتوائه على جوانب سرّية غامضة لها أربابها .
وظلّ سؤال يلحّ عليّ : من المعني بالخطاب من تصرّف سيّدنا المصطفى الكريم صلّى الله عليه وسلّم ؟
وتبيّن لي أنّ كلّ القرائن تشير إلينا نحن الأحياء في الدنيا .
منطقيّا ، إنها رسالة " مشفّرة " موجّهة إلى المسلم المكلّف الذي لا يزال على قيد الحياة لأنه هو الوحيد الذي تتوافق معطيات الحدث معه .
ومحتوى هذه الرسالة هو إعلام مباشر لنا بصنف من العلوم الذوقية الربانية التي لا يفي التعبير عنها بيان اللغة وأساليبها ، ولا يستوعبها التفكير المألوف . وإذا حاول صاحبها إبرازها فإنه يجد نفسه مضطرّا إلى الإلتجاء إلى الرمزية والإشارات كي يقرّبها إلى الأفهام ، وغالبا ما تتميّز هذه الإشارات بتعبير غامض مركّزٍ ، أو بتصرّفات تتخلّلها طفرات تغيّبُ ـ ظاهريّا ـ وحدة الفكرة والتسلسل الموضوعي فيها .
هي حالة تواجد معبّرة عن فيض روحاني من تجلّيات الحق سبحانه على عبده المقرّب إزاء مظهر من مظاهر الإرادة الإلهية يهتزّ لها باطنه ، وتتحرّك بها همّته ، فيصوغ تعبيره ويبني تصرّفاته بما يحسنه من وسائل من غير إعارة كبير اهتمام للحدود بين عوالم المعاني والمباني ، إذِ الكلّ مسخّرٌ طيّعٌ قد اكتسب القابلية لحمل المراد .
لقد تواجد سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حينما اطّلع على عذاب الميّتين ، وتحرّكت همّته في حضرة القدس الأعلى ، وأُذِنَ له في الشفاعة لهما ، فترافق استغفاره والدعاء لهما بوضع الجريدة وإناطته بحالها ، وهو كما يرى الجميع فسيفساء من ألوان التعبير المختلف الأبعاد والرّامي إلى نفس الهدف .
ولا دخل لما ذكرنا من التواجد في مسألة جوامع الكلم التي أوتيها صلّى الله عليه وسلّم ، فجوامع الكلم قوّة في البيان والبلاغة العربية ، وهي ولا شكّ معجزة عظمى ، لكن الأمور الذوقية مستعصية عن اللغة أصلا ، وما يبرز منها سوى إشارات أو إيماءات أو إيحاءات .
وإذا قلنا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد تواجد فهذا لا يعني أنّه قد اعتراه حال أخرجه عن حالة صحوه وعقله مثلما يقع لبعض أهل العرفان . حاشا . ولكنه حالُ كاملِ الكمّلِ من عباد الله المقرّبين على الإطلاق بحيث لا يظهر قصور أو تعطيل على جوارحه أو عقله في اللحظة التي يكون في ذروة تواجده ، وأكرم بذلك من كمالٍ .
وهي كذلك رسالة " مشفّرة " تُنبِئنا بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أودع في اخضرار ورطوبة الجريدة بركة دعائه ، فإذا يبست أو بعبارة أخرى إذا فُقِدَ الإخضرار والرطوبة انتهتْ معه شحنة البركة . وهذا في حدّ ذاته ينقلنا إلى قاعدة ثابتة ، وهي أنّ الله تعالى قد أنعم على صاحب القرب بقدرة تحويل ما يشاء ـ بإذنه ـ إلى حاملٍ للبركة ، وجالبٍ للنفع سواء بقي ذلك العبد الصالح حاضرا في ذلك المكان أم غادره .
عدّة أصحاب الكهف
قصّة عجيبة حقّا ، وأعجب ما فيها سرّ عدّة أصحابها التي أبى الحقّ سبحانه وتعالى أن يعلنها إلاّ لقِلّة من عباده ، وهو دليل على أنّ في الدين وعلومه تخصيص وأهل خصوص .
قال الله تعالى في محكم تنزيله في سورة الكهف : قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ والثابت من هذين الحصرين أنّ عددهم سرّ من أسرار الله ، باب الإطّلاع عليه ضيّق جدّا لم ولن يدخله سوى القليل . هذا القليل كان ولا يزال من أهل الله المقرّبين .
ويقتحمك التساؤل تلو التساؤل عن قيمة ووزن عدد هؤلاء الفتية الذي أخفاه الله ، وجعل العلم به من علامات الصلاح والحظوة . لكن لا مناص من التسليم ، ولا حيلة لمعرفة الحقيقة لأنّ الذين يعلمونها لا يعلنوها للناس .
لكن السؤال : من الذي يخبر " القليل " بعدّة أصحاب الكهف ؟ وعلى افتراض أنّ القليلين من الصحابة الذين عرفوهم قد استقوا علمهم من سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد وحيٍ ، فمَنْ الذي يخبر من أتى من بعده وإلى يوم القيامة ، وهم موجودون في كلّ عصر ؟ السؤال للذين ينكرون استحالة العلم بغير وسائله المعتادة .
قطعا لن يكون المُخبِر إنسانا عاديّا عماده في نيل علومه العقل المستنبِط ، والتقريب بين أطراف المسائل ، والإستنتاجات الظنّية ، وإنّما هي مصادر يقينية خارقة سرّيةٌ سرّيةَ موضوعِها الذي تتكفّل به . هو ما يُسمَّى بكشف الحجب عن الروح ثمّ تتويجها بعلمٍ وهبيّ لا دور فيه للكسب والكدّ أو لكلّ ما هو معروف من سبل التحصيل الشائعة . لا مفرّ من قبول هذا المسلك في البرهنة لأنه الوحيد الممكن ، وكلّ ما عداه يؤدّي إلى التناقضات .
المنكرون يقولون : إنّك تعطي الحادثة اهتماما أكثر من اللزوم ، وتتشبّث بجوانب لا تعلّق لها بأمّهات القضايا في الدين .
وأقول : على افتراض أنّ ما يدّعيه المنكر من قلّة قيمة الحادثة صحيح ، إنّ قيمة الأشياء ليس بالضرورة أن تكون أصيلة فيها ، ولكن قد تكون في ما تؤدّي إليه ، ولا يهمّنا من هذا المنظور صغر أو كبر شأن القرائن ولكن عظمة شأن الهدف الذي نريد تحقيقه . وتقييم المنكر للحادثة خاطئ طبعا ، بل وفيه جبال من سوء الأدب مع كلام الله القديم المقدّس لأنه يوحي بأنّ في القرآن ما هو جدير بالإهتمام وما هو دون ذلك .
إنّ هؤلاء الفتية الصالحين نموذج لعظمة الله تعالى ، وقدرته المطلقة العجيبة : ناموا طيلة ثلاثمائة سنة بلا ماء ولا طعام ولا كساء ولا دواء من غير أن يصيبهم مكروه . ثمّ على أيّ شكل يكون هؤلاء الذين يخبر الله عنهم حبيبه صلّى الله عليه وسلّم بأنه لو اطّلع عليهم لولّى منهم فرارا ، ولملّئ منهم رعبا ؟ أشجع الخلق جميعا بشهادة العباد والتاريخ ، الذي لم يخشَ يوما أحدا إلاّ الله يصاب بالفزع من مجموعة نائمة في كهف ؟ والعجب العجاب في كلبهم الذي لم يظهر في الصورة إلاّ حين بدأت مناقشة عددهم . إنه الوحيد الغير مجهول ، لكن الذي يصيبك بالدهشة إدراجه في العدّ عند كلّ احتمال وهو من طبيعة مغايرة للمعدودين ، وذكره أو عدمه لا يقدّم ولا يؤخّر في حلّ الإشكال . هل يلفت الله انتباهنا إلى أن هناك شيئا مشتركا بين الصنفين بحيث تذوب الفوارق ولا تبرز سوى المتوافقات التي تفتقر إلى نفس الحاجة ؟
شيء آخر
لا يوجد دليل على أنّ عدد الفتية محصور بين الإحتمالات الثلاثة المذكورة في الآية ، فقد يكون أقلّ وقد يكون أكثر . والعلم أوّلا وآخرا لله الواحد القهّار ، ثمّ لمن علّمه الله .
هذه هي الأسرار بالمعنى الكامل للكلمة ، وما العبارات التي أخبرتنا عنها إلاّ واجهة لطبقات متراكمة من الألغاز والغيوب التي أخفاها المولى تبارك وتعالى إلاّ على من زوّده بوسائل معرفتها من عباد ليسوا بأنبياء ولا حملة دين أو تشريع جديد ، وقليل ما هم .
تخصيص سيّدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه بنبإ المنافقين
سيّدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه " نجيب " من نجباء سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ويُلقّب بحافظ سرّه عليه الصلاة والسلام لأنه أنبأه بأسماء جميع المنافقين ، وكان ذلك من الشائع في أوساط الصحابة الكرام رضي الله عنهم . والغريب أن لا أحد كان يعرفهم على اليقين سواه حتّى سيّدنا الصدّيق وسيّدنا الفاروق رضي الله عنهما . وقد عاش سيّدنا حذيفة ولم يفش اسم أحد إلاّ إذا حاصرته الضرورة فإنّه يكشفه بعدم خروجه في جنازته . هناك فقط يدرك الناس أنّ فلانا كان منافقا .
هذا تخصيص صريح بالعلم شرّعه سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبدى بمقتضاه لرجلٍ بعينه ما لم يُبدِه لِمَن اتّفقتِ الأمّة أنّهم أفضل منه .
وقالوا الكثير عن هذه الظاهرة .
قالوا إنّها استراتيجية سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في تعقّب المنافقين ومراقبة حركاتهم حتى لا يباغتوا المسلمين بمكروه في الوقت الذي يثق هؤلاء فيهم ، وأنّ مهمّة كهذه تستلزم سرّيّة كبرى ، وعدم توسيع دائرة المنتدَبين لتنفيذها .
كلام رائع جدّا ، لكنه لا ينطبق على نموذج كهذا .
أوّلا ـ إنّ أمر مراقبة المنافقين خطير وشائك ولا يكفي للقيام به فرد واحد مهما كانت قوّته ونبوغه ، والقول ـ الصحيح ـ بعدم توسيع دائرة التنفيذ لا يعني التضييق المُخِلّ والمعرقِل للسّير الأمثل للعملية ومردوديتها .
ثانيا ـ كان معلوما عند الناس أنّ حذيفة يعرف المنافقين ، فلا أيسر عليهم ، وهم مختبؤون بين ظهراني المسلمين ، من الإحتيال وتحاشي حذيفة عند تبييت أي أمر . وتصوّر أنّ رئيس دولة يعلن في التلفزيون عن علم السلطات بوجود جواسيس على أرض البلد وأنّه كلّف فلانا وفلانا بالبحث عنهم . إنه إعلان بمثابة القول لأولئك الجواسيس أن فرّوا بجلدكم قبل فوات الأوان . إنّ استفادة المسلمين من ذلك محدودة جدّا إذْ يجب أن يكون حذيفة حاضرا في كلّ مرّة في المكان والزمان المناسب ليحبط المؤامرات ، وهذا غير ممكن .
ثالثا ـ أثناء حياته صلّى الله عليه وسلّم كان الوحي الإلهي أفضل وأضمن وسيلة للإحتراز من المنافقين ، وقد وقع ذلك ، وأنزل الله تعالى فيهم الآيات والسور .
وأما بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى فإنّ علم سيّدنا حذيفة بهم يستوي مع عدم علمه لأنّه لا يستطيع أن يعلن عن أسمائهم لخليفة سيّدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام . ويذكر لنا التاريخ أنّ سيّدنا عمر رضي الله عنه ناشد سيّدنا حذيفة أن يخبره إنْ كان منهم فقط ، وقد طمأنه عليه الرضوان بأنه ليس منهم ولم يزدْ .
وهنا بيت القصيد ، والسرّ الذي نهدف لإبرازه
هذا الطور من الحادثة ينقلنا نقلة نوعية في طبيعة النفاق المقصود .
باستقراء مناشدة سيّدنا عمر رضي الله عنه ظهر أنّ سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أخبر سيّدنا حذيفة ليس فحسب عن المنافقين الفعليين الذين كانوا في ذلك الوقت على حالة النفاق ولكن أيضا عمّن سيؤول أمرهم إلى النفاق ممّن هم فعلا مسلمين ، لأنّ سيّدنا عمر رضي الله عنه كان يعلم أنّه ليس من المنافقين بالمفهوم الأوّل أيّ إضمار الكفر وإبداء الإسلام والولاء ، وما كان يحتاج ليسأله لو اقتصر الأمر على ذلك الطراز فقط . سيّدنا عمر رضي الله عنه لم يكن يخشى أن يكون منافقا بالتعريف والسلوك والعقيدة ولكنّه كان خائفا من أن يكون منافقا في علم الله وهو لا يعلم . وهي شهادة من سيّدنا عمر رضي الله عنه أنّه يؤمن بأنّ الله تعالى قد أطْلَع سيّدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه دون غيره ـ بواسطة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ـ عن مصائر بعض الناس حتى قبل أن يبلغوها . وهي أيضا شهادة عامّة شرعية من الخليفة الراشد المبجّل على إمكانية اطّلاع أهل الله العارفين الكاملين في أمّة الإسلام على غيوب ، واختصاصهم من الله بعلوم تتعلّق بصلاح أو فساد عقيدة الخلق ذاتها .

ولا يزال الكثير .
لكنني أكتفي بما أوردتُ من نماذج لأنني رأيتُ أنها كافية لتوصيل المعنى لمن فتح الله بصيرتهم لتلقّي الخير أو لمن زرع الله تعالى في أنفسهم بذور الإستعداد الطيّب لاتّباع الحقّ بعد انبلاجه ولو مرّ عليهم حين من الدهر وهم في صفوف المنكرين .
والله ورسوله أعلم .