البحث في نفحات7

 نفحات7 - رجال وسِـيَـر - العلاّمة حمدان لونيسي
الرّئـيسيـــة > رجـــال وسِـيَـــر > العلاّمـــة حـمـــدان لـونـيـســـي


بقلم الأستاذ : ديدي محمد السعيد - الوادي - الجزائر

من أعلام الطريقة التجانية:
العلاّمة حمدان لونيسي (1856-1920)
مقدّم الطريقة التجانية بقسنطينة
هو الإمام العلاّمة الشيخ محمد بن أحمد بن محمد حمدان لونيسي ولد سنة 1856م بقسنطينة، فحفظ القرآن الكريم ودرس اللغة والفقه والتفسير والحديث على كبارعلماء عصره، منهم العلاّمة الشيخ عبد القادر بن الشيخ عبد الله، الملقّب بالمجار. ظهرت عليه عوامل النبوغ منذ صغره ما أهّله لمنصب الإمامة بجامع سيدي محمد النجار بقسنطينة، فكان يدرّس اللغة العربية والمعارف الإسلامية، ويوجه تلاميذه توجيها علميا أخلاقيا.
ومن تلامذته: سيدي محمود بن المطماطية، عبد الحميد بن باديس، الذي كان على منهجه المعتدل إلى حين احتكاكه بالعقبي الوهابي. والعلاّمة المصلح الشيخ السعيد بهلول الورتلاني، وغيرهم كثير ممن تأثّروا بآرائه الإصلاحية، ومواقفه الوطنية.
بدأ التدريس في الجامع الكبير بقسنطينة منذ سنة 1880 وعمره آنذاك لم يتجاوز 25 سنة، وكانت بداية دروسه في عهد الظالم ( لويس تيرمان 1882/1891 ). فقد كان المدافع عن كتاب الله تعالى وعن سنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم في خطبه ومواعظه ودروسه العديدة. كما تصدّى للمبشرين والملاحدة، وحارب البدع والضلالات التي شوهت صورة الإسلام غداة الإستعمار الفرنسي للبلاد. ورغم حساسية المنصب الذي كان يتولاه، إلا أنه كان من الموقعين على العريضة التي تضمنت مظالم أهل البلاد على السلطات الفرنسية سنة 1891م.
ومما اشتهرعنه تأثيره بعيد المدى في تلميذه عبد الحميد بن باديس الذي ظلّ يذكره طوال حياته، حيث أوصاه ( أن يقرأ العلم للعلم لا للوظيف ولا للرغيف ). وقد نفّذ ابن باديس وصية أستاذه تنفيذا كاملا. وبعد أن مُنع من تدريس الحديث، لأن شهادة التطويع لا تخوّل له ذلك، طلب ابن باديس من شيخه حمدان منحه إجازة خاصة بالحديث، وهذا عند زيارته للمدينة المنورة. ولأنّ الأستاذ لا يريد أن يقال أنه أعطاه الإجازة محاباة فتُرفَض، بعثه للجامع الأزهر، وحمّله رسالة خطّيّة لمفتي الديار المصرية، العلاّمة محمد بخيت المطيعي، يزكيه فيها، ويطلب منه إسعافه بإجازة في الحديث، فأحسن الشيخ بخيت استقباله، ودعاه إلى زيارته في منزله بحلوان، القريبة من القاهرة، ثم أعطاه الإجازة.
إلى جانب نبوغه في العلوم الفقهية، كان الشيخ رضي الله عنه بارعا في كتابة الشعر، وخاصة في مدح الطريقة التجانية وشيوخها الأجلاّء رضي الله عنهم أجمعين. وممّا جادت به قريحته قصيدة يمدح فيها تربة تماسين المباركة، وساكنها الشيخ الامام سيّدي الحاج علي التماسيني رضي الله عنه، هذه طلائعها :

تماسين فخري والتماسيني عمدتي *** وبرق تماسين منــاي ومنيتــي
فليتها ترضى والجميع مغاضبـــي *** وليتها تحلو كي تزول مرارتي
وإني على العهـــد القديــم ببرزخ *** دنت لترام عنـي نـات وتولتــي
هي الآل والأصحاب والبلــد الذي *** جمعت من الأجداد والأبد نيتي
ولا غرو أنهــا أساس ابن سالــــــم *** حليف ختامي الكتم أفخر حُلتــي
بجاه التماسيني أفخـم واصـــــــل *** تكون على حب التجاني موتتــي



كما كانت للشيخ حمدان جهود كبيرة في نشر مبادئ الطريقة في ربوع قسنطينة. وكان على اتصال دائم بزاوية تماسين، وبأبناء سيدي الحاج علي التماسيني، مبديا ولاء وتعلقا كبيرا بالزاوية، خاصة وأنه أخذ الطريقة عن الشيخ سيدي محمد حمّة التجاني التماسيني.
وهذه إحدى رسائله التي بعث بها إلى حفيد الامام التماسيني سيدي محمد رضي الله عنه:
العمدة الأرشد، الهمام الأمجد، الثقة الأسعد، المحب سيدي محمد العيد، نجل الغوث الرباني، والقطب الفرداني، شيخنا سيدي الحاج علي التجاني أسكن الله الجميع دار الأمان والتهاني. سلام عليكم أرقّ من النسيم، وأحلى من التسنيم:

سلام كعرف المسك تحمله الصبا *** لمولى العلا من في تماسين يطير

ونفحات رحمات، وصلات بركات من المولى الرحيم الكريم تمطركم في ساير الأوقات، وأسئلة كريمة دايمة فخيمة عن سامي الجناب، وواسع الرحاب، الله الذي لا ربّ غيره ولا معبود سواه. هذا، فإنّ الأعز جوابكم، والأرقّ خطابكم، المؤرخ بالخامس والعشرين من ثاني الربيعين، اتّصل بيدنا، وفهمناه جملة وتفصيلا، وقمنا له إجلالا وتعظيما. والواجب إعلامكم به هو أنه منذ سافر ركابكم الشريف لم يطرأ ما يكرر الراحة ولا ما يشوش الاستراحة، وإنّا على ما يرضيكم منّا لهذا الاتم والاطمئنان. إنّ سيدي محمد من حين سفركم ظهر له أن الوجه المختار أن يكون آناء الليل وأطراف النهار مفوضا أموره إلى الشيخ رضي الله عنه، ومترجيا وعدكم المحتوم وكلامكم المختوم.

وعدتمونا وإنّا نرجو وعدكم *** والوعد عند كرام الناس محتوم

ومنتظرا لما يرد عليه من الخليفة الأعظم وصاحب السراج الأفخم، وحيث لزم الدار حليف السكون والاستقرار، لازمته الأحباب منكبين عليه بالليل والنهار، يوانسونه ويوسعون على خاطره، متمسكين بأذياله، داعين له تفريج أموره وتوسيع أحواله، وعليكم السلام.
من محبّكم محمد حمدان الونيسي، خديم العلم وأهله، وحليف محبة الشيخ ونفره، عفا الله عنه آمين. حرّرفي 03 أول الجماد في عام 1314.
والمرجو من أخلاقكم الفخيمة وشيمكم العظيمة، أن تبحثوا لنا عن كتاب " نصرة الشرفاء "، فإنْ وجدتموه فاستعيروه لنا على مرة ننظر فيه حاجتنا ونرده لجنابكم في الأجَل. وقد أوصينا بذلك ابن عمّكم الأكمل سيدي الحاج معمر ولم يخبرنا بما كان، ولعله نسي، مع أني محتاج إليه للغاية. فالمطلوب أن تجتهدوا لنا في إرساله بارك الله فيكم، فان مضنته وجدت بدار الشيخ والسلام.
ونظرا لنشاطه التعليمي والتربوي الكبير، ومناهضته للإستعمار، تعرّض لمضايقات كثيرة، حيث طرد من التدريس بالجامع الكبير بعد 30 سنة من العطاء، رغم شهادة التقارير له بالنجاح في مهمته ( تقرير سان كالبر سنة 1910 )، وهو ما دفع به إلى الهجرة مفضلا جوار الرسول الآكرم صلّى الله عليه وسلّم على جوارالإستعمار. فتعلل لدى سلطات الاحتلال بأنه يسافر لمعالجة بصره، فقصد المدينة المنورة متبرما من الإستعمار الفرنسي وسلطاته الظالمة.
لمّا قرّر الهجرة استشار الشيخ محمد السحنوني كتابةً ( توجد هذه الرسالة ضمن وثائق المعهد السحنوني )، وقد بعث هذه الرسالة مع تلميذهما المشترك، الشيخ أبي القاسم طعيوج، وقد طلب منه أن يهاجر معه، وقد أجابه الشيخ مباركا له هذه الخطوة، معتذرا له بأنه لا يستطيع التخلي عن تسيير معهده، والقيام بشؤون عائلته وعائلة ابن عمه ومربيه وشيخه محمد السعيد ( الذي كان الاستعمار الفرنسي قد ألقى عليه القبض بعد نهاية ثورة 1871م، مع قادة هذه الثورة، وتم نفيهم إلى مدينة "كايان" بجزيرة قيانا الفرنسية الموجودة في المحيط الأطلسي بأمريكا الجنوبية، بعد أن أطلق سراحه اختار الحجاز منفى له، حيث عاش بقية حياته بالمدينة المنورة، وفيها توفي ).
وأكمل الشيخ حمدان بقية حياته بالمدينة المنورة، يدرس الفقه والحديث، إلى أن وافته المنيّة سنة (1338/1920). ودفن بمقبرة البقيع.
قال عنه الأستاذ أحمد لطفي السيّد، عند أدائه فريضة الحجّ سنة 1911م: (... أمّا نحن، فقد كنّا نغشى الوقت بعد الوقت درس الأستاذ الكبير الشيخ حمدان الونيسي، مدرّس الحديث والبيان بالحرم النّبويّ الشّريف ).
قال العلاّمة المحقّق، الشيخ محمد العربي بن التباني، صاحب كتاب: " براءة الأشعريين "، في إجازته للشيخ سليمان الصنيعت 1389هـ، والتي بتاريخ 18 ربيع الآخر سنة 1365هـ، المحفوظة بمكتبة الأمير سلمان بن عبدالعزيز، بجامعة الملك سعود بالرياض، برقم 1120، قال رحمه الله تعالى في تعداد شيوخه: ( قد أخذت العلم تحصيلاً عن جلة من المشايخ أجلّهم بالمدينة ثلاثة: الأول، شيخنا العلامة المحقق حمدان بن أحمد الونيسي القسطنطيني. وقد تلقّى العلم عن أشياخ بلده، أجلّهم شيخه المشهور بالمغربي. كما أجازه كثير من أعيان المشارقة، وقد أجازني رحمه الله تعالى إجازة عامة وخاصة في الصحاح الست، والموطأ، وكتب الفقه، سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وألف بمكة، بخطه وفي أوّل سبع وثلاثين توفي بالمدينة).
عاد ابنه محمد الطاهر بعد وفاته إلى قسنطينة، وشارك في الحياة الثقافية، إذْ كان أحد أصدقاء الأديب المعروف كاتب ياسين أثناء إقامته بقسنطينة.
ترجم له الأستاذ عادل نويهض ( ت 1417هـ ) في كتابه: " معجم أعلام الجزائر " ص 346:( الونيسي حياً سنة 1330هـ = 1912م ).
حمدان الونيسي: عالم، من زعماء حركة القومية الإسلامية في الجزائر، وأستاذ عبد الحميد بن باديس، من أهل قسنطينة، درس بها، ثم هاجر إلى الديار المقدسة بعد إعلان الدستور العثماني سنة 1908م، واستقر بالمدينة إلى أن مات.

المراجع

- محاضرة مرقونة بدون عنوان، لاذكر فيها لمن أعدها، أخذتها من الأستاذ علي غريسي.
- الشيخ سيدي محمود بن المطماطية " سفينة السكينة في تراجم كبار علماء الطريقة بقسنطينة ".
- أبو القاسم سعد الله " تاريخ الجزائر الثقافي " دارالغرب الإسلامي ج3.
- رسالة خطية من العلامة محمد حمدان الونيسي إلى الشيخ سيدي محمد العيد الثاني التماسيني رضي الله عنه، وهي تحت ملك التجاني محمد البشير نجل خير الدين ( تماسين ).
- الأستاذ عمار طالبي " آثار بن باديس ".
- ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.