البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ ذكرى المولد النبوي الشريف
الرّئيسيـة > نـوافـذ علـى الحـق > ذكـرى المـولـد النبـوي الشريـف


بقلم : محمود سلطاني

كل سنة ، وعند حلول شهر ربيع الأول ، تنهال علينا شلالات الإنتقاد والشتم والتكفير من المنكرين علينا الإحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف . نغمة واحدة من ألسن وعقليات تشابهت منذ مئات السنين ، تكاد تكون هي نفسها إحياء لذكرى من القدح والسباب ، يطلقونها لعدة أيام ثم يطوونها بعناية لتظل صالحة للإستعمال في القابل .
في نفس الوقت الذي يتعالى فيه الهرج والضوضاء من أهل الإنكار ، يستقبل أهل المحبة والصدق والشوق الحق نفحات مولد المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بكل مظاهر البشر والإحتفاء والكرم ، ويمضون وقتا ليس كغيره من أوقات الذكر والتبصير لاختلاف المعنى والمقام والتأثير والتركيز ، وتظلهم من طيب سيرته ، وعطر خصوصياته ، سحب الرضى والرسوخ والتمكين .
إستوقفني انتقاد المنتكرين كثيرا ، وقلّبت الأمر من جميع جهاته لفترة غير وجيزة ، ونظرت إليه بحياد عند الجلي منه والغامض نسبيا لعلّي أجد نبرة حق في إنكارهم ، فلم أجد شيئا يستقيم مع الحجج الشرعية ، ولا مع العقل السليم .
وملخص إنكار الرافضين هو ما يلي :
" إن إحياء ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم بدعة منكرة ، ولا أصل له في كتاب الله وسنة رسوله ، وعمل الخلفاء الراشدين والصحابة ، وأهل القرون المفضلة . وتتجلى صفة البدعة في كون هذا السلوك إضافة عيد إلى الشريعة التي اكتملت في حياته صلى الله عليه وسلم " . مهما تعددت صيغ الإنكار فإنها لن تخرج عن هذا المعنى ، ونحن طبعا قد اكتفينا بأقرب الأساليب إلى اللياقة في الطرح ، وترفعنا عمّا قرأنا وسمعنا من اتهامات وتفاهات وبذاءات لأننا نحترم المبدأ الذي من أجله نناضل .
وأول ما أودّ البدئ به هو أن هذا الأمر كما له من حاربه وناصبه العداء ، فإن له ، ممن هم خير منهم ، من تصدّى مدافعا عنه ، متبنيا له ، وهو وحده كافيا لكبح اندفاع المنتقدين ، ودفعهم للقصد في حماسة إعلانهم امتلاك الحق الذي لا يدحض . فهو في أحسن أحوالهم أمر خلافي تلتمس فيه الأعذار ، دون جرح لمشاعر المخالفين فضلا عن رميهم بالكفر والضلال .
ويقول السادة العلماء المعتدّ بعلمهم وتقواهم وورعهم من السلف الصالح والمعاصرين أن إحياء ذكرى المولد من البدع المستحسنة ، وهو مما له أصل في الدين . لكننا ، وقبل الشروع في تقديم الأدلة المؤصلة له ، نقول أنه في الإمكان ـ إذا نظرنا إليه من زاوية معينة ـ نفي صفة البدعة عنه كيفما كانت ، واعتباره أمرا عاديا .
ما المانع الشرعي من أخذ ذلك الإحتفال على أنه برنامج تربوي استلهمه واضعوه من قراءة خاصة للتاريخ ، ورأوا فيه بمقتضى دوافع وأحوال العصر ما هو أكثر صلاحا في إيصال رسالة من غيره من البرامج . هو في هذا المقام وسيلة أشد نجاعة في تلقين مبادئ بجرعات وتركيزات لا تتأتّى لوسائل أخرى موازية لها وبنفس الوجهة والهدف . إنها الفوارق الدقيقة في وسائل التكوين الأكثر مردودية في أصناف من الفنون ، بالرغم من صفات مشتركة تجمعهما ، وهو ما يقيم موازين المفاضلة بين العلماء فيقسمهم إلى عباقرة وعاديين . وللمنكرين في عصرنا وحضارته وعلومه ونزوعه إلى التخصص شاهد ودليل دامغ على ما نقول ، وهم أنفسهم يتسابقون إليه تعلّما وتطبيقا ، ويرصدون فيه كل تعديل وتنقيح لإحلاله محل القديم . لقد أصبح من الشائع العادي انتهاج الطرق التربوية الحديثة لكل شريحة من شرائح الناس ، سواء بالقياس إلى أعمارهم ، أو جنسهم ، أو مراكزهم الإجتماعية والمهنية . تكاد كل سنة من سنوات الطفولة والمراهقة والشباب أن تجد علما خاصا بها ، قائما بذاته ، في التربية ، وتحسين سرعة التلقي ، وفي أنسب الطرق لفهمها وإطعامها ومصاحبتها . ونشأت وازدهرت علوم التسيير والقيادة والتوصيل ، وذللت لها كل الوسائل لتهذيبها حتى تقترب مما يرتجى منها . وما يرتجى منها هو استغلالُ أحسنِ ما بطاقات الفرد من ملكات مختلفة إرسالا وتلقيا ، وتحاشي إهدار الفرص الممكنة التي يتسبب فيها التعميم المعالج لمختلف النماذج بنفس الأدوات . والإحتفال بالمولد النبوي الشريف ضرب من ضروب التربية لتلقين فكر محدد ، وهو بعد الكتاب والسنة أقدم برنامج تربوي في الإسلام أثبت نجاحه ، ولم يفقد من فعاليته شيئا برغم اختلاف العصور وأهلها .
إن ما يرسخه الإحتفال مرة كل سنة لا يمكن أن تفعله الدروس الأسبوعية بل اليومية ـ على جلالة قدرها ـ لأن لكل ظاهرة مظهر من القوة والطاقة في مخاطبة جانب معين من الإنسان ، يكمّل الواحد منها الآخر ولا يعوضه إذا فُقِدَ دوره .
إن لإقامة الذكريات تأثير الوثاق المتين إلى أوتاد الأصالة والإنتماء والعقيدة ، ولها في دوراتها مفعول أنامل ساحرة في عجن تدريجي للطبائع مع المبادئ ، وحبكها حبكة اللحمة والسدى ، خاصة مع النشئ الذين يكبرون ويكبر معهم المبدأ على مقاسهم فيكون الأنيس والجليس والبوصلة والمنبه والمؤشر للخطوط الحمراء . وقد فهم الناس منذ آماد معنى الذكريات وتخليد المناسبات ذات الصلة بالوجود والمصائر ، فرعوها حق رعايتها ، وقدروها حق قدرها . وللمنكرين أنفسهم أعياد وطنية مثل باقي الأمم ، وأحداثا تاريخية عدّوها من المفاخر ، يحتفلون بها كل سنة وحول ، ولا أحد يعترض على ذلك لأننا نعلم حق العلم أن جانبا من الوجدان الإنساني يحتاج إلى تغذية متدرجة ليتربى في تربة من الحنين والإرتباط ، وتكون الذكريات مركزا مشعّا يجذبه على الدوام ، وخارطة مشرقة عند ظهور بوادر التيه ، ومرتكزا لتطبيب وهن الشخصية ومصدر مناعة للحؤول دون ذوبانها عند نقاط تقاطع المسالك . غرس وتجذير لعقيدة مّا تصبح ، على مرّ السنوات ، طبيعة إضافية ، وجزء من الفطرة ، ورقيبا مسلّما ومرحّبا به ، يملي ويأمر بعفوية دون ما تذمر أو سخط من صاحبه .
ومهما قلت فلن أستوفي عجائب مفعول الذكريات والحنين . مفعولها في الأطفال والشباب والرجال والنساء ، وفي الفقراء والأغنياء ، وفي البسطاء وأهل العلم والسياسة والعقائد على اختلافها . ويطرد ذلك المفعول مع عظم شأنها ، ومقامها في النفوس والعقول ، وتكتسي جزء كبيرا من أهميتها من الصدق في اعتبارها وتنظيمها وشدة الحفاوة بها ، واتساع رقعتها في الزمن الواحد أو بالتوارث بين الأجيال .والذين أقاموا المولد لأول مرة كانوا من الصالحين النوابغ الذين يعلمون أكثر مما نعلم بالمغزى السامي لتصرفهم وفحواه ، وكانوا كذلك يعرفون قيمة العلم والدرس والتبليغ المتواصل الذي لا يستغني عنه أحد ، فاستغلوا الفرصتين ، وأضافوا الخير إلى الخير ، فجازاهم الله خير ما يجازي به الأفذاذ المخلصين عن أمتهم ، ولو تنكّر بعضها لهم .
هذا كله إذا اعتبرنا إحياء ذكرى المولد النبوي حدثا لا صلة له بالبدعة أصلا .
أما في حالة تسليمنا بأنه بدعة فنقول إنها بدعة حسنة تكلم فيها الرجال وقالوا كلمة صدق مسموعة بالأذن والقلب والروح لا تزيد المؤمن إلاّ طمأنينة وحبورا وقربا من الله تبارك وتعالى ، وقربا من حبيبه وحبيبنا سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم . والشواهد من الكتاب والسنة على شرعية الإحتفال كثيرة .

الأمر العام بالتذكير

قال الله تعالى في محكم تنزيله وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (1) . لو لم يكن بين أيدينا سوى هذه الآية لتقديم الدليل على شرعية الإحتفال بيوم مولد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكان كافيا وافيا شافيا ، لأن المولى تبارك وتعالى لم يحدد لنا نوعية الذكرى ، ولا كيفية ممارستها بالتفصيل . ونرى من خلال الآية أنها تكون للمؤمنين ، ولهذا يجب أن تكون مما يليق بأمثالهم . إنه جواز مرور من باب مفتوح على مصرعيه إلى عالم لا محدود من السبل والإجتهادات والنماذج ، تصب كلها في مصلحة الأمة من لحظة نزول الآية إلى يوم القيامة . فكل ما يخطر ببالك من الحلال والمباحات يمكن أن يكون أداة للتذكير ، وما تظنه اليوم بعيد كل البعد عن ذلك ، قد يقفز إلى الصف الأول عند غيرنا في مكان مّا أو في زمان مّا . هو اختلاف خاضع أساسا إلى نوعيات الفهوم والمفاهيم المرتبطة ببيئاتها ، وثقافات عصورها ، وأحكام أهل الصفوة فيها على ما هو أمثل وأنفع في تمريرها . ومن بين أعظم السبل المباركة المناسبة ـ التي لا تحصى ـ لتذكير المؤمنين ، تخصيص يوم مولده لضخ دفقات مركزة من الحب وتجديد العهد .

صوم يوم عاشوراء

لما هاجر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء شكرا لله على نجاة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام من فرعون وجنوده .
روى البخاري رضي الله عنه عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قَال : « قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى قَالَ فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ »
وروى مثله كذلك الإمام مسلم وأبو داود والإمام أحمد بمتون مختلفة .
عند تأمل الحديث الشريف يظهر لك من سياق السرد أنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ صوم يوم عاشوراء منذ تلك المناسبة التي جمعته باليهود . تمعن في قول الراوي الكريم « ... فصامه وأمر بصيامه » ، إنه أسلوب يوحي بكل معاني الإبتداء . لكننا نقرأ في أحاديث أخرى صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم عاشوراء في الجاهلية . ففي البخاري أن أم المؤمنين سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت : « كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا يَصُومُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ كَانَ رَمَضَانُ هُوَ الْفَرِيضَةَ وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ » . وللتوفيق بين الخبرين لا يوجد سوى سبيل واحد ، وهو أن أن صيامه صلى الله عليه وسلم في المدينة كان فعلا بداية لكن وفق قصد جديد محدد ، ويصير معنى مقطع الحديث المذكور أعلاه « ... فصامه وأمر بصيامه » ، أي بنية شكر الله ، وإحياء ذكرى نعمته التي أنعمها على سيدنا موسى عليه السلام . وبعبارة أخرى فإن ليوم عاشوراء ميزات كثيرة ، وأن كل مسلم يصومه فإنه ، بالإضافة إلى نيل ما يترتب على صومه من أجر ، يحتفل بذكرى نجاة كليم الله عليه السلام .
وسيدنا موسى ، وإن كان رسولا عظيما من أولي العزم ، فإنه ليس من أمتنا ولا شرعه شرعنا ، إلاّ أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد احتفى بذكرى انتصاره ، وخلدها في أمته على شكل دورة سنوية بعد أن أعطى لها صبغة إسلامية خلافا لليهود .
من هذا نستنبط أن إحياء الذكريات الربانية الثابتة الصحيحة مشروع في الإسلام ، ونفهم من سلوك المصطفى أنه لا توجد حدود عاطفية بين الرسالات والرسل وإن كانت هناك حدود شرعية مرتبطة بالإرادة الإلهية ، لأنها كلها تندرج تحت اسم الإسلام ، وأنها كلها من عند الله .
فلماذا يعاب علينا احتفالنا بذكرى المولد النبوي الشريف شكرا وقد توفرت فيه ما لم يتوفر في غيره من المناسبات المذكورة من عظائم النعم ، وكامل المنن الإلهية ، وجزيل العطايا التي لا تُعَدّ . فرسولنا الكريم المفدّى سيد الأنبياء والرسل جميعا ، وتاريخ مولده الثابت الموثق أعظم نصر إلهي للحق ، وأكبر هزيمة للشيطان وحزبه . فالحمد لله رب العالمين .

صوم يوم الإثنين

روى الإمام مسلم عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه : « ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين ؟ فقال فيه ولدت. وفيه أنزل علي. » .
المتمسكون بحرفية النص اعترفوا بجواز الإحتفال كل يوم إثنين وأنكروا علينا الإحتفال كل سنة بحجة عدم تعدي ما خطّه رسول الله بنفسه . هذا القول عيّنة معبرة عن سقم الفهم الذي يتخبط فيه هؤلاء تعبيرا دقيقا ، لأن من يظن أن حدود تصريحات سيد الوجود صلى الله عليه وسلم تُخَطُّ عند آخر حرف يصل إلى أذن سامعه لا يسعنا إلاّ نعته كذلك . أما نحن فنعتبره من إساءة الأدب معه عليه الصلاة والسلام ، كيف لا ونحن نرى ونسمع بملئ حواسنا عبارات وإيحاءات رجال السياسة والفلاسفة تقلّب على عشرات الأوجه ، ويفوق ما يُكتشف بطيِّها ما بنشرها ، وتؤلف في تحليلها كتب ، فإذا تعلق الأمر بمن أوتي جوامع الكلم ، ومن يوحى إليه من فوق سبع سماوات بآخر دستور رباني إلى عباده ، تصطدم بمن يحدثك عن لزوم تخوم الحروف ومقاطعها ؟ إن ما أراده صلى الله عليه وسلم منّا هو الغوص في بحار أحاديثه ، والإجتهاد للإستخراج منها قواعد تكون لنا مناهج في حياتنا . إن من علامات تأدبنا معه عليه الصلاة والسلام تعظيمه ، ومن تعظيمه إكبار كلامه وأفعاله ، وتعدي أبواب ظاهرها إلى عوالم المعاني والإشارات والعلوم المكنوزة من وراءها . ومن هذا الحديث الشريف نكتشف ثلاث حقائق هي :
ـ عظمة يوم مولده وعلوّ شأنه واقتران قيمته بقيمة بالوحي .
ـ اعتباره نعمة تقابل بالشكر ، وجواز تخصيصه بعبادة تضاهي الصوم فضلا عما هو أفضل .
ـ دورية الإحتفال بغض النظر عن المدة ، وتحكمه الظروف والأهداف المحددة المتوخاة منه .

شعائر الحج

الحج رحلة إلى الله سبحانه وتعالى على مطايا من الذكريات .
كل شعيرة من شعائر الحج تحمل ـ من جملة ما تحمله ـ صفة الذكرى والتذكير .
إن السعي بين الصفا والمروة هو إحياء لذكرى حدث عظيم ، مأساوي في ظاهره ، رباني مفعم بكل خير في باطنه ، تركّزت فيه أسمى الأحاسيس الإنسانية بجميع أشكالها المتآلفة والمتناقضة ، فكان مثالا من طراز خاص استحق عنوان المثال الصالح للعبرة لبني بشر . إنه إعادة لحركات وتصرفات بعينها في عين مكان الواقعة ، وهو ما يسمّى في عصرنا reconstitution ، لما يتعلق الأمر بإحياء أحداث تاريخية لأمة أو لإبراز جانب من حياة عظيم فيها ذي مغزى ، يمثل ويعرض في فيلم سينمائي أو شريط وثائقي لتمرير الفكرة ، وحقن القيم التي تحملها في أبناء تلك الأمة في مرحلة من مراحل الإعداد والتنشئة .
ورمي الجمرات مثله تماما . إنه اندماج في دور روحي ، يعيده كل حاج ، كان ولا يزال رمزا لأعتى حرب ضروس بين الصالحين وجحافل النفس والشيطان . في تلك الأماكن ، ومن خلال ذلك السلوك ، تسري ذكريات تحكي بأفصح لسان قصة مكابدة البلاء الذي لا أعظم منه سوى صبر المقرّبين الفانين في حب المولى عزّ وجلّ ، وتتحوّل كل رمية إلى زخة من العلم النافع المصبوب صبّا بغير حساب في قلب وعقل الحاج الذارف للدمع ، واللآّهج بالذكر ، والغائب عن لحظته في طيات حنينه لماض أشرق في يوم مّا ولم تذبل أنواره ولن تذبل إلى يوم الدين .
والطواف تذكير للنفس ، وتذكير من كل حاج بحاله لإخوانه من حوله بالصيغة الموحدة لتسبيح كل المخلوقات بحمد بارئها . إنه اندماج دوري للإنسان المؤمن في حركة الأكوان السابحة في أفلاكها على كل المستويات والأبعاد ، وانسجام مع طاعة السماوات والأرضين والتفافها المعبر عن الإفتقار المطلق لصاحب الصمدية المطلقة .
أما الوقوف بعرفة فهو ذكرى من نوع خاص . ذكرى من المستقبل الذي أصبح في قلوب المؤمنين بمثابة الماضي لشدة رسوخ الإيمان بوقوعه . إنها عملية محاكاة Simulation استعدادا لليوم الآخر بجميع الخطوط العريضة لتفاصيله ، يعيشها الحاج بكل أقطاره ، ويغتنمها تجربة وتمرينا في الحياة ما دامت كل فرص النجاة من هول يوم الإمتحان الحقيقي ممكنة .
تلك بعض من المنافع التي أشارت إليها الآية الشريفة : لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ (2) ، وهي الذكرى والإعتبار ، وليس صدفة أن تتحدث الآية الأخرى وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ باستعمال كلمة « النفع » . فهو حاضر في العموم وفي الخصوص ، وهو الدليل القاطع على أن جزءا كبيرا من الدين الإسلامي قد أقيم على أسس من الذكريات الصحيحة الصادقة الممجدة ، لأنها أمثل مرآة تعكس ذات ووجدان وطبيعة الكائن البشري السالم من التنكر لفطرته ، فيرى نفسه في إيهاب غيره عند كل لفتة والتفاتة ، ويصحح ويثري ويستمد من الطاقة ما يضمن الإستمرار .
فإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد جعل لنا في أمم سابقة إسوة حسنة ، وفرض علينا مما اختلف عليهم من الأحداث فرائض جعلها من أركان الدين للتعبّد والإعتبار ، فإن كل لحظة عاشها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالإحياء والإحتفاء والتمسك بحبالها المتينة بصفتها دينا وتقوى وقربة . ومولده عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم من أعظم هذه الأحداث في كل وقت ، وفي عين كل منصف .
يقول المنكرون أن اعتماد الحج حجة للتّأصيل لذكرى المولد النبوي هو اعتماد باطل ، لأنّ الحج عبادة توقيفية غير معلومة المقاصد والعلل ، ولا يجوز القياس عليها ، بل تؤخذ بالتسليم والإيمان .
أما أن العبادات توقيفية فهذا مما لا شك فيه ، لكن التوقيف في فرضها ، وكيفيات ممارستها ، ومواقيتها ، والمراد الكلي الشامل للحق تبارك وتعالى منها . لكن ذلك لا ينفي جواز تدبرها ، واستقرائها ، واستخراج ما فتح الله به من مقاصدها وفوائدها ، من غير أن يرفع ذلك عنها صفة التوقيف . ثم أننا إذا احتججنا بشعائر الحج على مشروعية المولد فإننا لم نقم عبادة تنافسه أو تنافس غيره مما هو من الدين ، ولكننا قسنا على جوانب انجلت لنا مقاصدها ، وثبتت فيها العلة بالنص ، ووضّحتْها نصوص أخرى في غير ذلك المحل . ولا يوجد مسلم عاقل مهما كانت بساطة علمه ينكر أن من بين أهداف الحج العبرة والتذكر ، والمسلمون بدون استثناء يعرفون أنهم يتقمصون دور السيدة العالية القدر هاجر ساعة المحنة عند السعي بين الصفا والمروة ، ثم دورها ودور إبنها وبعلها عليهم الصلاة والسلام جميعا عند الرمي ، وهيئة وحالة المخلوق المؤمن في المحشر عند الوقوف بعرفة . ولا نعني بقولنا أننا عرفنا كل ما في هذه العبادات من مقاصد ، إلاّ أنه من الغباء التمادي في جهل أو تجاهل الواقع بعد زوال مبررات إنكاره .
وفي الآية المذكورة أعلاه ، وردت كلمة " ليشهدوا " ، ومن غير الممكن أن تشهد من غير أن تفهم وتدرك المغزى ، ثم أن المولى عز وجلّ ساق لنا كلامه متصلا بـ " لام " التعليل متصلة بالمنافع من غير أن يحصرها في صنف محدد وإن حدد مواصفاتها كما تقدم ، وهي دعوة صريحة إلى استغلال كل طريق تتجلى في انتهاجه المنفعة .
ولو التزمنا الإنصاف لعرفنا أن كل حكم ثابت في الشرع قيس عليه هو في الحقيقة حكم تعبدي توقيفي حتى عند ظهور علة تشريعه . أليس الإنتهاء من تناول كل مسكر عبادة ؟ ومن له الجزم بأن كل شيء قد عرف عن قصد تحريمه ؟ من يجرؤ عن القول بأن إرادة تجنيب الخلق ضرر الخمر على العقول والأجساد هي كل ما أراد الحق تعالى من التحريم ؟ لا يوجد تقي يقول ذلك . لكننا نحكم بحرمة كل مسكر قياسا على الخمر للعلة التي أتاح الله لنا معرفتها .
ومن الأحكام التوقيفية في الإسلام حدود الله في ما يتعلق ببعض الذنوب كالزنا ، والقذف ، والسرقة ، وسائر الكفّارات . وقد قاس أمير المؤمنين سيدنا ومولانا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه حد الخمر ، الذي لم يرد فيه نص محدد صريح ، على حد القذف المعلوم ، وحجته في ذلك رضي الله عنه سقوط المخمور في الهذيان ثمّ في ذنب القذف ، مع علمه أن حد القذف توقيفي ، وعلمه كذلك أن القذف ليس بالضرورة مصاحبا للخمر ملازما إياه . فقد يسكر ألف من غير أن يقترف أحدهم هذا الإثم . حَكَمَ به عندما بَانَ له القصد واتضحت له المرامي ، من غير أن يكون " التوقيف " عقبة .
وكذلك القياس على نِسَبِ الزكاة التوقيفية التي أوضحها سينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يعرف حكمه من المنتوجات والثمار التي اشتركت في علة من العلل ، ولو كان التوقيف عائقا لتركت تلك العينات بلا حكم .
إذن فحيث ما ألقيت نظرك في الكتاب والسنة إلاّ وجدت ما يدعوك إلى التفكر ، والتذكر ، والتذكير ، والسير في الأرض للإعتبار ممن عاصرك وممن سبقك ، وهو دليل على أن للذكريات دور أكثر من هامّ في ضمان الوصول إلى الله بالسلامة .

الرد على بعض الإتهامات الباطلة

من خلال اطلاعي على فحوى اعتراضات المنكرين على الأنترنت ، والمبثوثة في كتبهم ، والتي سمعتها وشاهدتها على التلفزيون ، أعرض على القارئ الكريم بعضها ، وأرد عليه بإذن الله تعالى . هذا الكلام قرأناه ، وهو كلام من أجل الإستهلاك والتأثير في الضعفاء ، يؤدي إلى الهلاك لأن فراغه بيِّن ، وحب الظهور فيه طافح . ولو كان هذا القائل صادقا لذكر كل الوجوه الممكنة للظاهرة التي تحتمل وجهين : فإمّا أن كلامه صحيح أو خاطئ . وقد ذكر ما رآه هو صحيحا من غير دليل على صحته ، وبذلك يبقى الوجه الثاني المحتمل قائما . ومثل هؤلاء لا يُعتدّ بكلامهم لأنهم غير صادقين مع أنفسهم فكيف بهم مع خصومهم . ومنطق الحق يقول أن ذكر الوجوه الممكنة في الأمور واجب ولو كنا نرجح وجها على آخر ، ونميل إلى وجهة نظر دون غيرها مما ذكرناه ، ولنضرب لذلك مثالا . أمامك ورقة مرسوم عليها مجموعة من المربعات ملونة بنفس اللون ، وطُلِب منك أن تميّز لون مربع واحد من بين ألوان البقية ، فإن لك إمكانيتين لفعل ذلك . فإمّا أن تنقص من قوة ألوان جميع المربعات إلاّ واحد ، وبذلك يتميز لونه ، أو تزيد من قوة لون مربع وتترك الأخرى على حالها .فإذا اخترت الحالة الأولى واعتبرتها هي الحق فأنت في نظر أهل السداد مخطئ ، قاصر النظر ، وتحتاج إلى توجيه أكثر ، لأن اختيارك دلّ على افتقارك إلى تعديل في موازينك .
والمنكر الذي رمانا ببهتان نسيان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا النوع الناقص العقل والدين ، لأن عدوّ الإسلام يعلم كما يعلم معتنقه أن حبّ المسلمين لنبيهم لا يعادله حب بل ولا يقترب منه ، ولم يعد خفيّا على أحد أن من بين الأسباب الحقيقية في حقد أهل الملل الأخرى علينا هو التفاني والتفنن في إظهار عشق المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم . أما في الطريقة التجانية ، فإن حب سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام حاضر في كل طرفة عين . حاضر عند تلاوة أورادنا ووظيفتنا ، وفي مجالسنا مع الشيخ رضي الله عنه ، والتي لا تقوم إلاّ على أسس من ذكره ، وفي حلقات التدريس بالزوايا والمساجد ، وفي بيوتنا بين الأهل ، وأسمارنا مع الخلاّن ، وفي أفراحنا وأقراحنا ، وعند الأمي فينا والعالم ، والشباب والشيوخ . ونغتنم فرصة كتابة هذا المقال لدعوة كل من يشك في قولي لزيارتنا والقرب أكثر ، ليشاهد ويتحقق بنفسه . وهو باطل ، لأن الأعياد بالمصطلح التشريعي الإسلامي قد حُدِّدت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولا مجال لإضافة مضِيف . ولم يدّعِ أحدنا أن الإحتفال بالمولد النبوي مناسبة تنافس عيد الفطر أو عيد الأضحى . أما إن كان المنكرون يقصدون مظاهر الفرحة والإبتهاج فيه وإحياءَه كل سنة ، ويبنون عليها إنكارهم ، فهذا ليس دليل على أننا نعتبره عيدا إضافيا في الدين لأن الفرحة والمسرة ، ولو جُعِل لها موعدا ، تجلٍّ للسعادة التي تحدثها وتشترك فيها مناسبات العبادات والعادات ، والعبرة بالنوايا ، وقد قلنا أن احتفالنا هو بقصد التربية والإعداد والتذكير بأسلوب ظهر لنا تميُّزَه وجدواه . كل عصر تتحكّم فيه ظروفه تحكّم المغاليق في الأبواب ، وعلى أهله مسؤولية الجدّ في إيجاد مفاتيحها لأنها من مسؤولية عيشه بما يتلائم مع خير مقاصد الشرع ، وبذلك فليس حتما على الأجيال المتعاقبة أن تكون صورة طبق الأصل لبعضها البعض حتّى ولو كان مجتمع الصحابة الكرام رضي الله عنهم جميعا . ولنا في نصوص الدين الحنيف ، وفي آليات مصادر التشريع الإسلامي ، فسحة للتدبر والإجتهاد وتسيير فروعنا بما يرضي الله ورسوله ، من غير أن نستنكف عن تبنّي المشترك بيننا وبين السلف الصالح ، ومن غير أن نتنكر لفضلهم وسبقهم إذا خالفناهم في خصوصياتنا التي هي من شؤون الله ومراده في ذلك الوقت بالذات . يتحدث المنكرون عن مخالفات للشرع أثناء الإحتفال بالمولد النبوي كالإختلاط وشرب الخمر ، وهو ما لا وجود له في الطريقة التجانية . وكيف يتأتّتى ذلك ونحن نحتفل في المساجد والزوايا المطهّرة ، وبصحبة العارفين وأصحاب المراتب العلية ، والجو السائد في تلك الأيام المباركة له من ثقل الخير ما هو كاف لكبح غواية النفوس ، وإفساد مخططات الشياطين . وعلى فرض وقوع شيء مما يقولون ، فالذنب ليس ذنب المولد ولا المحتفلين به ، والحرام حرام لذات الفعل بالنص من غير نسبة إلى سبب منفصل إلاّ إذا دعا إليه ، ونحن لا نقيم المولد لتيسير اقتراف الآثام ، وإغضاب القادر العلاّم ، ومن وقع فيها فوزره على ظهره وحده . هو توسّع في الإنفاق لا تبذير ، والله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عباده لأنها من مظاهر شكره ، خاصة في المناسبات . وهو برهان جليّ على إفلاس أفكار المنكرين وعجزهم عن إثبات ادّعاءاتهم .

خـاتـمـة

إن الإحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، لأنه عمل صالح من أعمال الصالحين التي يباركها المولى تبارك وتعالى فتدوم ، وتنتشر كل ما شدد الجهلة النكير عليها ، ويتضاعف مفعولها في المؤمنين لأن لها انسجاما مع الحق ومع الفطر السليمة . وهو باق أيضا ما دامت الطريقة التجانية تحمل لواء الإسلام في مقدمة أهل الله ، ولن تطلع شمس على الدنيا والناس يرون فيها طريقة القطب المكتوم في غير الصدارة إلى يوم الدين .
إن نصيحتنا للمنكرين أن يكفوا عن تبذير جهودهم في ما لا يخدم سوى الأعداء والأهواء ، وما يزيد من ثقل أوزارهم ، من ظلم عظيم ، وبهتان مبين ، في حق الموحّدين المؤمنين . وإن كانوا لا بدّ معارضين ـ وهذا من حقهم ـ فاليشفقوا على أنفسهم ، وليعارضوا بموضوعية ونزاهة ، وليتنصلوا مما يشاؤون من غير إفراط ولا تفريط ، وليرفضوا ما بدا لهم بدون اتخاذ عقائد وأعراض إخوتهم جسورا للعبور .
نسأل الله العلي القدير بجاه سيدنا ومولانا الحبيب المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعيد على أمة الإسلام جميع أعيادها ومواسمها ومواعيدها وهي محفوفة بعنايته وستره وألطافه العامة والخاصة .
والله ورسوله أعلم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


  1. سورة الذاريات ، الآية 55 .
  2. سورة الحج ، الآية 28 .