البحث في نفحات7

 نفحات7 - محاضرات - الخطاب الصوفيّ والعولمة : أزمة أخلاق
الـرّئيسيـة > محاضـرات > الخطاب الصوفيّ والعولمة : أزمة أخـلاق


بقلم الشريفة الأستاذة : التجاني حلّومة - الجزائر

إنّ أهمّ أسلوب تنتهجه العولمة للسيطرة على العالم ، والعالم الإسلامي على الأخصّ ، تمزيقه بإفساد أخلاقه ، و متى فسدت كان الباقي يسيرا ، لذلك كان مِن واجب الخطاب الصوفي أن يتصدّى لانتشار الظاهرة فيحاربها بالحثّ على الأخلاق الحميدة ، والعمل بها ، ونشرها من خلال العمل الدعوي ، ومن خلال اتّخاذها صفة لازمة لصاحبها لا تفارقه إلى الممات .
ليس الخطاب الصوفـيّ إلاّ شكلا من أشكال الخطـاب الديني ، ينبع من مشكـاته ويدعو إلى تعاليمه ، لكنّ أهمّ ما تنادي به فلسفته : الجمال و الحبّ المطلقان ، ونعني بهما أنّ الله عزّ وجلّ هو الجمال المطلق ، وهو الحبّ المطلق ، الـذي لا يجب أن نحبّ سواه ، و لا يمكن أن نصل إلى هذه المرتبة إلاّ إذا تجرّدنا من الماديات ، وتحرّرنا من كلّ ما يمكن أن يجعلنا إلى الثرى أقرب .
و من هنا ، إذا استطاع العالم تبنّي هذه الفلسفة الصوفية صار بإمكانه أن يجعل من العالم قرية صغيرة يسودها و يجمعها حبّ الخالق عزّ و جلّ وعبادته . و لمّا كان الخطاب الصوفيّ قادرا على الإسهام في تصيير العالم قرية صغيرة ، دلّ ذلك على أهمية الخوض فيه ، وتحليله في خضمّ صراع القيم ، وسيطرة العولمة GLOBALISATION التي باتت نظاما يفرض نفسه بالقوّة ليحقّق حسب منظوره مقولة القرية الصغيرة ، ذات لغة مشتركة ، وذات اقتصاد واحـد ، وتخضع لنظام سياسيّ واحـد ، وعقيدة واحدة .
تُرَى أيّهما الأقـدر على تحقيق هذه القرية الحُلُم ؟ أهـو الإسلام بجمـيع خطاباته ، وأهمّها الصوفيّ ، أم هي العولمة بكلّ قوّتها و جبروتها ؟
وللإجابة على ذلك ، وجب أن ننظر في أهداف ومساعي كلّ من الخطابين الصوفيّ والعولمي .
أوّل ما يلفت النظـر أنّ كليهما خطـاب يقتضي هيئـة مرسِلة DESTINATEUR ، ورسالة MESSAGE ، ومرسَلا إليه DESTINATAIRE ، ويبقى المرسَل إليه الهدف الذي إذا استجاب للرسالة تحقّق هدف المرسل . فالخطاب DISCOURS ممارسة لغوية تواصلية يتشكّل وفقا للموضوع الذي يصنع بنيتَه (1) . ولكنّ الخطاب لا يقف عند كونه خطابا ملفوظا أو منطوقا ، بل يتعدّاه إلى أن يكون سلوكا أو لغة جسدية قد تكون أحيانا أبلغ من اللغة المنطوقة ، لذلك فالمسلم الأوّل الذي صاحب الفتوحات لم يكن يتوسّل الخطاب الديني بشقّيه - القرآن و الحديث - فحسب ، وإنّما خاطب الناس من خلال سلوكاته ، كالصدق ، والتواضع ، والبشاشة ، واحترام الغير ؛ بل كان التجار المسلمون ، أثناء تجارتهم في بلاد الهند والصين و غيرها من بلاد الله ، يتاجرون ورسالتهم المحمدية نصب أعينهم ، فأحبّهم الناس وأحبّوا دينهم ، ومن أجل ذلك اعتنقوا الإسلام .
و بات تهافت القِلّة القليلة على الإسلام ـ بفضل الخطابات الدينية وأهمّها الخطاب الصوفيّ ـ أمرا يقضّ مضجع الغرب ، فجعلوا من الإسلام مرادفا للإرهاب الواجب مقاومته . فقد ورد عن كيسنجر ، من زعماء الصليبية الحديثة ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق ، قوله : " أنّ الجبهة الجديدة التي على الغرب مواجهتها هي العالم الإسلامي والعربي باعتباره العدوّ الجديد ".(2)
ولأنّ للزعامة الروحية ، أيّا كانت ، الأثرَ الكبيرَ على المجتمعات فقد تصدّى بعض الرؤساء الأمريكان لها بالقول : " أنّ على الولايات المتّحدة أن تنتزع الزعامة الروحية في العالم مثلما انتزعت الزعامة العسكرية والاقتصادية " .(3) و هكذا بعد انهيار النظام القديم القائم بين قطبَيّ الشرق ( الإتّحاد السوفياتّي ) والغرب ( الولايات المتّحدة الأمريكية ) برز نظام جديد أساسه القطب الواحد ، وهدفه الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والثقافية .
وهكذا بدأت العولمة ترسي قواعدها ، فأصبحت الثقافة لا ترى إلاّ من منظورها من حيث انتشار ثقافة الصورة ، وإضعاف الثقافة المكتوبة ، " و اختراق ثقافات العالم إلى درجة أنّ بعض الدولّ كفرنسا و كندا ، عند توقيعها على اتّفاقيات الجات الأخيرة بما يسمّى ' الاستثناء الثقافي' ، طالبتْ بالحدّ من الزحف الثقافي الأمريكي " . (4) و أصبح الأمل كبيرا في أن ينسحب مفهوم الاستثناء الثقافي على العالم كلّه لكي تظلّ الثقافة مستقلّة وحرّة دائما .
وإذا كان هذا موقف أوروبا مِن أمريكا ، فما بال المسلمين صامتين لا يحرّكون ساكنا ؟ إنّ العولمة بمقوّماتها هذه ، التي أهمّها إلغاء التعدّد والاختلاف ، تحمل في ذاتها بذور موتها ؛ يقول صامويل هنتنجتون SAMUEL P.HINTINGTON : " لم يغلب الغرب العالم بتفوّق في أفكاره أو قيَمِهِ أو دينه الذي لم تعتنقه إلاّ قِلّة من أبناء الحضارات الأخرى ، وإنّما غلب بتفوّقه في العنف المنظّم " .(5) إذن فالعولمة نمط جديد من الاستعمار يدعو إلى التبعية ، والعقم ، وقتل الإبداع ، ونبذ الحرية ، ومن هنا كان خوفها من الإسلام ، كونه قادرا على استيعاب المجتمعات بكلّ اختلافاتها . فالاختلاف في الإسلام كان دوما رحمة ، وكان آية من آيات الله في خلقه . أنظر إلى قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (6) ، وإلى قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (7) ، ومن هنا كان الإسلام متجدّدا لا يموت ، مشجّعا على الخَلْق والإبداع بما يفيد البشر ، فيحفظ أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم ودينهم ، وهي ذاتها المصالح المرسلة التي يسعى ديننا الحنيف إلى توطيدها ، وإرساء قواعدها .
أمّا كيف استطاعت العولمة أن تفرض نفسها على العالم كلّه ، والإسلامي خاصّة ، فللأسباب التالية :
1 - موالاة أشباه المسلمين للغرب في الوقت الذي يحثّنا فيه الإسلام على عدم اتّخاذهم مثلا وأولياء : لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَـى اللَّهِ الْمَصِيـرُ (8) .
2 - تردّي الأخلاق ، وانعدام الإيمان : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (9) ، و لذلك فَقَدَ المسلمون دعم الله عزّ وجلّ لهم بسبب ضياع أخلاقهم .
3 - جبن و خنوع المجتمعات الإسلامية لدرجة تجرّؤ الغرب على مقدّساتهم من إساءة لسيّد الخلق صلّى الله عليه وسلّم ، وللقرآن الكريم بإتلافه والاستهزاء به ككتاب مقدّس .
4 - شعور المجتمعات العربية بالدونية مّما سهّل على الغرب مهمّة فرض نظامه .
5 - عدم فَهْمِ جوهـر الدين الإسـلامي ، والمغالاة أو التفريط في جانبه . فالتطرّف والإرهاب لا يهدّد إلاّ المسلمين دون غيرهم ، إذ يغدو أشباه المسلمين أدوات قتل وفتك بمن يفترض فيهم أن يكونوا إخوة لهم في الدين والدم والوطن ، فالمسلم الحقيقيّ ، على حدّ قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، هو : « من سلم الناس من لسانه ويده والمؤمن من أمن الناس شرّه » و في رواية : « من أمن الناس بوائقه » .
6 - ضغط الغرب على المجتمعات الإسلامية ، وضرب كلّ حركة مهمّتها الاصلاح وهي في المهد .
وإذا كان العلم من أهمّ دعائم القوّة العولمية فللإسلام النصيب كلّه منه ، فلم يترك مجالا إلاّ و تناوله ووضّحه ، وإنّما القصور فقط في عقولنا نحن لا ديننا كما يدّعي الغرب . ففي الطبّ ، وتحديدا علم الأجنّة ، أنظر إلى قوله تعالى : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ، (10) وفي علم الفلك إلى قوله تعالى : أَو لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ، (11) ومثله في التاريخ وسِيَرِ الأولين و في الأطعمة و الأشربة و غيرها من مجالات العلم الواسعة .
ومن هنا كان واجب الخطاب الصوفيّ أن يحمل على عاتقه لواء مواجهة الغرب ، وكسر عولمته المشبوهة ، واستبدالها بعولمة حقيقية أساسها ديننا الحنيف ، ذلك أنّ الإسلام يحمل في ذاته مقوّمات العالمية الحقّة ، فهو دين العالمين ، به أُرْسِل الرسول للناس قاطبة ، حاثّا على كلّ ما يمكن أن يوفّر الأمن و السلام للبشرية ، ولن يتأتّى هذا الأمر إلاّ إذا عملنا على تحسين أخلاقنا وتهذيبها ، وهي خطوة أولى نحو الانتصار على الذات وتمرّدها ، ومنه إلى تحقيق السيادة العالمية التي تجمع الناس على كلمة واحدة هي : لا إله إلا الله محمد رسول الله .




الهوامش :
  1. A.J GREIMAS, J.COURTES : SEMIOTIQUE, DICTIONNAIRE RAISONNE DE LA THEORIE DU LANGUAGE, HACHET UNIVERSEL, 1ER EDITION, PARIS, 1979, P 102
  2. راجع عزّت السيّد أحمد : العولمة و الغزو الثقافي ، مجلة الفكر العربي ، العدد 96 ،ص 177
  3. أنظر الرابط http://www.awan.com/node/113865
  4. مستقى من انترنيت
  5. سورة الروم 22
  6. سورة فاطر 27
  7. سورة آل عمران 28
  8. سورة النور 55
  9. سورة الزمر 6
  10. الأنبياء 30