نفحات7 ـ جواهر المعاني1 - خطبة الكتاب
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخطّ > جواهر المعاني - فهرس الجزء الأوّل > خطبة الكتاب



بسم الله الرحمـن الرحيـم

الحمد لله الذي أفاض على أوليائه وأحبّائه وأصفيائه من النور الأحمديّ أنوارا ، وأصفاهم مِن مكنون سرّه وجوهر علمه ودرّه معارف وأسرارا ، وحلاّهم بحِلية سنائه وحُلل جماله وبهائه وأطلعهم في سماء التوحيد أقمارا ، فاستضاءت بأنوارهم الخليقة ، وسلكوا بهم من الدين طريقه ، وتبوّءوا منه وطنا وقرارا ، وصاروا للسالكين هداية ، وعلَما بالمحجّة وآية ، وبرزوا بكلّ لاحق منارا ، فلولاهم ما سُلِكَ من تلك السبل فجاجُها ، ولا قُوِّمَ من ضلع النفوس اعوجاجُها ، ولا تبيّن لها الهدى استبصارا ، فسبحان من خصّهم بالحكمة والنور ، وشرح بهم القلوب والصدور ، وجعلهم للدين أعوانا وأنصارا ، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمد الذي من فيض بحره يغترفون ، ومن روض مواهبه يقتطفون ، ويجتنون ثمارا وأزهارا ، ومن نوره يستمدّون ، وعنه يرثون ويستبدون ، وعليه يحوم كلّهم مرارا ، فما من نعمة واصلة ، أو رحمة متراسلة ، إلاّ على يديه أرسلت مدرارا ، فهو باب الله العظيم ، وصراطه المستقيم ، وغيثه النافع إكثارا ، فلولا طلعته الكريمة ، وإمداداته العميمة ، الفاتحة قلوبا وأبصارا ، ما استُطعِم لذيذُ الوصل ونعيمُه ، ولا عُرِفَ كأسُ الحبِّ ونديمُه ، ولا استنشَق صبٌّ من شميمه عرارا ، صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله المكمّل شرفهم بشرفه وكماله السامين مجدا وفخارا ، وعلى صحابته الأبرار ، المنتخبين الأخيار ، مهاجرين وأنصارا .
وبعد :
فإنّ مِن أحسن ما يصرف إليه الإنسان اهتمامه ، ويصرف فيه لياليه وأيامه ، ويعمل فيه ّفكره وأقلامه ، ويجعل ذكره نديمه ومُدَامَه، ويتّخذه محراب وجهه وإمامه ، ويقصد فيه سَمْتَه وأمامه ، ويقتني ذخره الأسنى ، ويجتلي بكره الحسنى ، ويقتبس من مشكاة نوره ، و يستضيء بشموسه وبدوره ، ويرتع في خمائله ورياضه ، ويكرع من موارده وحياضه ، ويتضمّخ منه بأزكى عرف وطيب ، ويتذكّر به المنزل والحبيب ، محاسن أهل الله الأولياء ، وخاصّته الأصفياء ، حزب الله وأهل حضرته ، الفائزين بشهوده ونظرته ، المجذوبين إليه ، والمحبوبين لديه ، الواقفين بين يديه ، والعاكفين عليه . الساجدة لله على الدوام قلوبهم ، والحافظة لعهده سرمدا شهادتهم وغيوبهم ، مظاهر آيات المصطفى ، ونوّابه الخلفا ، الواردين من منهله الأروى ، والشاربين منه زلالا صفوا ، المتخلّقين بشيَمه وخلاله ، والمتّبعين لأقواله وأفعاله . فإلى سماع ذكرهم ترتاح القلوب ، وتشتاق به إلى علاّم الغيوب ، وتنشط بذلك من عقالها ، لفعل الطاعات وأدائها ، فإنّ كثيرا من الناس حملهم على ذلك حتّى أثار منهم العزم والقوّة والجدّ والتشمير ، وبلغوا إلى أن حاسبوا أنفسهم على النقير والقطمير ، ولم يرضوا منها إلاّ باللحوق بمعالي الأمور ، والمسارعة إلى ما تحمد عاقبته بدار السرور ، ونزّهوا جوارحهم عن دنس المخالفات ، وارتكاب السيّئات ، وقاموا بوظائف الدين من فعل المأمورات واجتناب المنهيات ، وجادوا في رضا محبوبهم بالأرواح والنفوس ، وتلقّوا ما جاء عنه على الأكفّ والرؤوس ، فصارت أخبارهم وشمائلهم تتلى وتكتب في الطروس ، فقد بلغنا عن بعضهم أنّه قال : ( والله لأزاحمنّ أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم في أفعالهم حتّى يعلموا أنّهم قد خلّفوا وراءهم رجالا ) ، أو كما قال رضي الله عنه . فانظر رحمك الله إلى هذه الهمّة العليّة ، كيف لم ترض إلاّ بالرتب السنيّة ، وما ذاك إلاّ حين سمعتْ بفعل الأوائل اشتاقت وصحبها التنافس فجدّت في طلب ذلك . قال الله تعالى : وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (1) . اللهم ارزقنا همّة عاليه تبلّغنا بها إلى كلّ أمر محمود ، ونيّة صادقة تحجزنا بها عن كلّ ما يوجب الصدود ، وقيل :
إن  شئت أنّك تظفـر      فكن  في حبّك  صادق
عن ساق عزمك شمّر      وانبذ جميع  العلائـق
سرّ الموالى ما  يظهر     إلاّ على من هو  عاشق
فهذه أيّها المحبّ فائدة وجودهم وظهورهم ، وسماع أخبارهم على وجه الإيجاز والاختصار ، وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ (2) .
وبالجملة فنِعَم الله علينا لا تحصى ، وما غاب عنّا أكثر ، فله الحمد حتّى يرضى ، فإنّا لو تتبّعنا ما للقوم رضي الله عنهم من الأ قوال ، وما منحوا به من محاسن الخلال ، لكان لا يسعنا الوقت لضيق الزمان ، فلنقبض العنان عن التتبّع لأقوال من يغترفون من بحر المواهب والامتنان ، ويقتطفون أزهار اللطائف والمعارف من معدن الجود والإحسان ، وكيف لا وهم القوم الذين اصطفاهم الحقّ لخدمته ، وجعلهم أهلا لمناجاته وحضرته ، وأشهدهم أنوار جماله و إحسانه ، وأجلسهم على بساط كماله وامتنانه . وهم القوم الذين شربوا من محبّته فطابوا ، وتحيّرت قلوبهم في عظمته فغابوا ، فنالوا من مولاهم ما طلبوا ، وساعدهم الوقت فيما رغبوا ، فَهُم السادات والأمرا ، والسلاطين في زيّ الفقرا ، الذين صلحوا أن يكونوا قادة لخليقته ، ممتثلين قائمين بخدمته ، على وفق حكمه ومشيئته ، فلا تصفو الحياة إلاّ بهم ، ولا تطمئنّ القلوب إلاّ بذكرهم . وحين هاجت القريحة بحبّهم ، صاحت ونادت في حيّهم ، على جهة الافتخار بقربهم ، فقالت :
فوالله  ما طاب الزمان إلاّ بهـم      فلولاهـم  ما كنت أرضى بعيشتـي
فما العيش إلاّ بينهم تحت ظلّهم      وهم راحتي وأنسى وسؤلي وبغيتي
لقد  سكنوا قلبي ومالي  غيرهم     عليهـم من الرحمـن أزكى  تحيـة
فلتحمد أيّها العاشق لجمالهم ، والمحبّ لطريقهم وكمالهم ، وقرّ عينا بهم وتعلّق بأذيالهم ، و لا تلتفت إلى شيء يصدّك عن جنانهم ، ولتغتبط بما أرسمه لك في هذا المكتوب الكريم من شمائل وخصائص هذا الشيخ العظيم ، الذي لم يسمح الزمن بمثله إلاّ في القديم ، ولله درّ القائل حيث يقول :
محاسن أهل الله لا شكّ جمّة      وما  قصبات السبق إلاّ  لتجـان
فبوّءه الفردوس والخلد ربّه      وجنّـة عدن بين حور وولـدان
وجنّـة مأواه ودار قـراره      ومقعد صدق في رياض وريحان
وقال غيره في هذا المعنى رحمه الله :
آليت وهو أنا المبرور في قسمي      ما سمحت به في الأعصار أزمان
نعـم وحقّـق يقينا غير  متّهـم      ما ولدت مثله في الدهر نسـوان
وإنّ ممّن أكرمه الله بهذه الكرامة ، وأحلّه بمكانتها وأقامه ، وأنزله منها أعلى مرتبة ومرقبة ، وأولاه منها أعظم آية ومنقبة ، وحاز في مربّعها الخصيب ، أكبر حظّ وأوفر نصيب ، شيخنا وسيّدنا وسندنا ووسيلتنا إلى ربّنا ، الشيخ الواصل ، القدوة الكامل ، الطود الشامخ ، العارف الراسخ ، جبل السنّة والدين ، وعلَم المتّقين والمهتدين ، العلاّمة ، الدرّاكة المشارك الفهّامة ، الجامع بين الشريعة والحقيقة ، الفائض النور والبركات على سائر الخليقة ، الواضح الآيات والأسرار ، ومعدن الجود والإفتخار ، البحر الزاخر الطام ، المعترف بخصوصيته الخاص والعام ، نادرة الزمان ، ومصباح الأوان ، الشريف العفيف ، ذي القدر المنيف ، أبا العباس مولانا أحمد بن الوليّ الشهير ، العالم الكبير ، الشيخ الإمام ، القدوة الهمام ، المدرس النفاع ، النبوي الإتّباع، أبي عبد الله سيّدي محمد بن المختار التجاني ، رضي الله عنهما . وإنّي لما منّ الله عليّ بمعرفته ، والانحياش إلى حزبه وزمرته ، ورأيت من شيمه وشمائله ، ومحاسنه وفضائله ، وسمعت من كلامه ومعارفه ، وإشاراته ولطائفه ، ما عزّ وجوده ، وقلّ وروده ، وعدم مثله ، وفُقِدَ شكله ، ممّا هو جدير أن يفاد ويستفاد ، ويقصد إليه ويراد ، وتسطّره في الطروس الأقلام ، وتدوّنه في الدواوين الأعلام ، حداني ذلك مع ما طلبه منّي بعض الإخوان ، والأحبّاء الأعيان ، أن أتعرّض لما تيسّر لديّ ، وساقه الله إليّ ، من التعريف به وبطريقته ، وعرفانه وتحقيقه ، ونشأته وسيرته ، وخلقه وشيمته ، وكلامه وإشارته ، ومكاشفته وكرامته ، وغير ذلك من مآثره وآيته . فجمعت في هذا التأليف ما استحضرته من ذلك ، ممّا هو بعض ما هنالك ، إسعافا لمن طلب ، وإتحافا لذوي الرغب ، وإعانة لذوي الاعتبار ، وإبانة لذوي الاستبصار ، وإفادة لأهل المحبّة والوداد ، وهداية لذوى الانتساب والاستناد ، إذ التعلّق بأهل الله واللياذ بجنابهم ، والانحياش إليهم والوقوف بأبوابهم ، تعلّق بجناب الله الكريم ، ووقوف ببابه العظيم ، وتعرّف لرحمته العميمة ، ورحمته الجسيمة . وفي حديث الطبراني : « إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات ألا فتعرّضوا لها لعلّه أن تصبيكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدا » . فيا فوزَ الذين نهضوا إليها ، وتعرّضوا لها ، فاستمدّوا من تلك النفحة مدادا . وإذا كان عند ذِكْرِهم ، كما في الأثر الموقوف ، والخبر المعروف ، « تتنزّل الرحمات » ، وتنم عواطف النسمات ، فما بالك بنشر محاسنهم ومفاخرهم ، وتعداد مناقبهم ومآثرهم ، وذكر سيرهم النبويّة ، وأخلاقهم المصطفويّة ، التي هي هدى ونور ، وشفاء لما في الصدور ، ودواء للقلوب ، وجلاء للكروب ، وفتح للبصائر ، ونفع للسرائر ، وهدى للسالك والسائر . يطرب السامع حديثها ، ويحثّ الأشواق إلى حضرتهم حثيثها ، وما ملئت الدواوين والدفاتر ، ولا فاهت الأفواه والمحابر ، بعد شمائل رسول الله صلّى الله عليه وسلم وسيره ، وشيمه الطاهرة وأثره ، بأفضل من أخبارهم ، ومكارمهم ومأثرهم ، إذ هُم أصحابه الصحبة المعنويّة ، ومعجزته الباقية السرمديّة ، ولله درّ القائل حيث يقول :
يا سادتي يا أفضل السـادات      لأزينـن بذكـركـم أوقاتـي
يا خير صحب محمد من بعده      يا أفضـل الأحياء والأمـوات
ونحن وإن لم نكن من الأتباع ، ولا من الأشياع حقيقة والإتباع ، فَحَوْلَ نفحاتهم نحوم ، ولشيء من بركاتهم نروم :
خـذ ما دنى إن فاتـك الأجـل      إن لـم يصبهـا وابل فطـل
وجدير لمن ردّد أخبارهم ، واستمع آثارهم ، وأكثر حديثهم ، وأحبّ قديمهم وحديثهم ، أن يدخل ديرهم ، وينال برّهم ، أو يعلق منه بفائدة ، تكون منفعتها عليه عائدة ، وفي معنى ذلك قيل :
حدّث السمع بالمحاسن منهم      فالحديـث  لنـا نديم النفـوس
فـإذا ما سقيت منه بكـأس      زال عنـك من العنا كلّ بـؤس
جعلنا الله ممّن أحبّهم واتّبع طريقتهم وحزبهم ، ورزقنا التلذّذ بخبرهم واستحسان سيرهم وأثرهم .
واعلم - رحمك الله - أنّي لا أستوفي ما لسيّدنا وشيخنا ومولانا أحمد التجاني رضي الله عنه من المآثر والآيات ، والمناقب والكرامات ، أبد الآبدين ، ودهر الداهرين ، لأنّي كلّما تذكّرت فضيلة وجدت فضيلة أخرى ، وكلّما تدبّرت آية رأيت أكبر من أختها إلى هلم جرّا ، لا سيما رضي الله عنه باق في قيد الحياة لهذا العهد ، شهر الله شعبان سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف ، فكلّما يَرِدُ عليك ذكره في هذا التقييد فإنّما هو بعض ما فات ممّا سلف ، قبل هذا التاريخ وخلف من خلف ، فدونك فإنّك ستقف إن شاء الله على كلّ شيء شريف ، وأمر منيف ، من كرامات عديدة ، وأخبار جديدة ، تكسبك نورا ، وتقذف في قلبك سرورا ، فإنّ النبأ الجديد موقعه في الأسماع لذيذ ، وها أنا أذكر لك إن شاء الله ما تقرّ به العيون ، ويتسلّى به كلّ محزون ، ممّا صحّ عندي وتقرّر ، وفيه مقنع لمن فَهِمَ وتدبّر ، لأنّ مآثر هذا الشيخ رضي الله عنه لا تحصى ، ومناقبه لا تستقصى ، فقد شاعت بها الأخبار ، حيث صار الليل والنهار ، وليس يوجد لها حدٌّ ولا مقدار وإنّما نورد صبابة منها ، وشظية مِنْ عدّها ، فقد يكلّ عنها القرطاس والقلم ، ويعيا في طلبها اليد والقدم ، فهي في الناس أشهر من نار على علم ، وقد صدق الشاعر في بيته حيث يقول :
فَسَلْ عنه أهل العلم والعقل والحجا      ومن كان ذا علم وكلّ ذوي النسك
ولكن أذكر لك جملة تستحليها أذن السامع ، وتذرف لها العيون بالمدامع ، وينتفع بها إن شاء الله العاصي والطائع ، من كلامٍ سمعته منه ، أو كتبتُه من خطّه ، أو أخبار في سيرة تلقّيتُها من أصحابه وملازميه ، وما شاهدته من ذلك وبعضها من خطّ غيره . ولم أكتب شيئا من أحد حتّى أتثبّت فيه ، وأتحرّى الصدق ممّن يحكيه ، ولكن الظنّ بهم جميل ، إذ كلّ من نقلتُ عنه أو رويتُ ، موسوم بسمة الصلاح فيما رأيت ، فإنّهم أهل سيادة وأهل ديانة ، وأهل محبّة وأهل صيانة ، كلٌّ يُقتدَى بقوله ، جعلني الله وإيّاكم من المنخرطين في سلكه ، ومن المحسوبين في حزبه ، وممّن عرف قدره وقدر محبّه ، بجاه سيّدنا محمد وآله وصحبه ، فإنّ من تشبّث بأذيالهم بلغ المأمول ، وكان فيما يرومه قريب الوصول ، فابسط أيّها المحبّ أيدي الضراعة عند ذكرهم ، وقفْ متذلّلا عند بابهم ، وقل بلسان الافتقار اللهمّ ارحم عُبَيْدَكَ الضعيف ، وإن كان على الجور والتطفيف ، فقد قال تعالى على لسان رسوله صلّى الله عليه وسلّم : « أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجْلي » ، فالتذلّل والافتقار ، خير ما يقتني العبد في هذه الدار .
واعلم - رحمك الله - أنّي شرعت في ابتداء هذا الكتاب المبارك أوائل شعبان سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف بفاس حرسها الله بعين رعايته ، وأرجو من الله أن يرزقنا خيره إنّه رحيم ودود ، ولم أكتب منه حرفا إلاّ بعد الاستخارة النبويّة ، واللجا إلى الله والافتقار إليه من كلّ البريّة ، فنسأله سبحانه أن يلهمنا فيه إلى حسن الصواب ، إنّه كريم وهّاب ، وما مثلي من يتجاسر على جمع كلام أولياء الله تعالى وشمائلهم ، ويتعرّض لمسائلهم ومواهبهم ، لكن لمّا رأيتُ خُطَى أصحاب سيّدنا رضي الله عنه تقاصرت عن جمع كلامه ، واستولت عليهم الغفلة في الْتقاط علومه وأسراره ، وصار الكدح والجدّ والسعي إنّما هو مقصور على الفاني ، وله كلّ شخص يعاني ، أخذت في الْتقاط هذه الدرر في هذه الفترة وهذه الكسرة ، حين بذل كلّ واحد فيه جهده ، وجعل في ذلك نيّته وقصده ، وعلمت أنّ كلّ كاسد لا بدّ أن يُطلب ، وعمّا قليل يُبحث عليه ويُرغب ، وربّما طُلب في بعض الأحيان فلا يوجد لعزّته ، عند من يعرف قدره وقدر قيمته ، فألزمتُ نفسي القعود إليه ، وصرفت الهمّة لطلبه وجمعه ، وكلّ يعطي على قدر طاقته ووسعه ، استرجاء لهذه الهمّة الدنيّة ، المشوبة بالأفعال الرديّة ، علّ الله أن يثيبها بقول خير البريّة حيث قال : « وأوجب المرء مع من أحبّ » ، وقوله صلّى الله عليه وسلّم : « من أحبّ قوما كان منهم » ، وكما يقول : « هُمُ القوم لا يشقى بهم جليسهم » .
اللهمّ كما مننت علينا أوّلا بمعرفتهم فلا تحجبنا عن محبّتهم ورؤيتهم ، واحملنا على سنّتهم وطريقتهم ، ولا تَحُل بيننا وبينهم حتّى تحلّنا محلّهم وتدخلنا مدخلهم يا ربّ العالمين ، وأسألك اللهمّ أن تغفر لنا ما طغى به القلم ، وزلّت به القدم ، فإنّك أنت الله ذو الجود والكرم ، وأسألك أن لا تجعل ما نسطّره حجّة علينا ، واجعله حجّة لنا يا ربّ العالمين ، ومَنْ لنا بالكمال ونحن محلّ النقص والخطأ ، قاصرين في السعي عن مدّ الخُطى ، لكن الظنّ بالسادات جميل ، إذ هُم محلّ الكرم الجزيل ، وحاشا لمن تعلّق بأذيالهم أن يهملوه ، أو تحيّز لجنابهم أن يتركوه ، فإنّ طفيلي ساحتهم لا يُردّ ، وعن بابهم لا يُصدّ ، ولله درّ قائلهم :
هم سادتي هم راحتي هم منيتي      أهل الصفا حازوا المعالي الفاخره
حاشا  لمن قد حبّهم أو زارهـم      أن  يهملـوه سادتي في الآخـرة
وقال غيره
ولي بصحبتكم فضل على  الناس      وكلّ من حبّكم ما به من بـاس
أنتم مرادي وما في الكون غيركم      لولاكم لم تطب نفسي وأنفاسي
لا تهملوني فاني عبد حضرتكـم      محلّكم سادتي منّي على  الراس
وأرغب لمن طالع مكتوبنا هذا أن يغضّ عنه عين الانتقاد ، ويسمح لنا ما يلقاه من التصحيف والتحريف ، والزيادة والتطفيف ، ويصلح ما وجد فيه من الخلل ، ويقابل جهلنا بالصفح والإغضاء وحسن العمل ، فإنّا لسنا من أهل العلم ودرايته ، ولا من أهل النحو وصناعته ، وإنّما حملنا على ذلك شدّة حبّنا في أهل هذا الجناب ، وتعلّقنا بهؤلاء الأحباب ، ومن أقام لنفسه عذرا سقط عنه اللوم ، وفيه يقول القائل :
إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه      وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب
وقد آن لنا أن نذكر بعد هذا ما رمناه ، ونوضّح للسامع ما به وعدناه من ذكر فضائل هذا الشيخ رضي الله عنه ، وأخباره وأقواله وأفعاله وآثاره ، وما لاح على القلوب والأرواح من أنواره وأسراره ، وأحزابه وأوراده وأذكاره ، لتطمئنّ به القلوب والنفوس ، وتطلع من بعد ليل الوحشة نهار التذكرة البدور والشموس .
فأقول وبالله أستعين ، فهو حسبي نعم الحسب ونعم المعين ، مضمّنا أبوابه وفصوله ، وتراجمه وأصوله ، في ستة أبواب ، ومقدّمة ، وخاتمة في العدد ، والله أسأل أن يمدّنا منه بحسن المدد ، فهو جلّ وعلا الواحد الفرد الصمد .
  1. الباب الأوّل : في التعريف به وبمولده وأبويه ونسبه وعشيرته الأقربين إليه ، ونشأته وبدايته ومجاهدته وأخذ طريق رشده وهاديته ، وفيه ثلاثة فصول .
  2. الباب الثاني : في مواجده وأحواله ومقامه المتّصف به وكماله ، وسيرته السنيّة ، وجمل من أخلاقه السُّنِّية ، وحسن معاملاته مع إخوانه وأهل مودّته وفيه ثلاثة فصول .
  3. الباب الثالث : في كرمه وسخائه ، وعظيم فتوّته ووفائه ، وخوفه وعلوّ همّته ، وورعه وزهده ، وموعظته وحريته ، ودلالته على الله وجمعه عليه ، وسوقه الأقوام بحاله ومقاله إليه ، وفيه ثلاث فصول .
  4. الباب الرابع : في ترتيب أوراده أذكاره ، وذكر طريقته وأتباعه ، وفضل ورده وما أعدّ الله لتاليه ، وصفة المريد وحاله ، وما يقطعه عن أستاذه ، وكيفية الشيخ الذي يتّبعه بسائر أقواله وأفعاله ، وكيفية السماع وما يتبعه في سائر لياليه وأيامه ، وأدعية شتى أجراها الله على لسانه كما هي عادته الكريمة على قلوب أهل عرفانه ، وفيه ثلاث فصول .
  5. الباب الخامس : في ذكر أجوبته على الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، وفي ذكر رسائله وكلامه وإشاراته ، وما سمعته من فيض علومه وتقريراته ، وفيه فصول .
  6. الباب السادس : في جملة من كراماته ، وبعض ما جرى من تصريفاته ، وما اتّفق لبعض أصحابه معه من مكاشفاته ، أوردتها آخر الأبواب لتكون مسك ختامه ، ويكمل فيها ما يستملح من الكلام على كراماته ، ويظفر المحبّ بمرامه ، ويشفي غليل لوعته وغرامه .
وسمّيته : جواهر المعاني وبلوغ الأماني في فيض أبى العباس التجاني ، وإلى الله الاستناد ، وعليه الاعتماد ، ومنه الفتح والإمداد ، والتوفيق والإسعاد ، فهو الكريم الجواد ، وبه سبحانه القوّة والإعانة ، وعليه التعويل في الإتمام والتكميل ، فلا قوّة إلاّ به ، ولا ركون إلاّ على جنابه ، فهو الوليّ والكفيل ، وهو حسبي ونعم الوكيل .
فأقول وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق .



  1. سورة المطفّفين ، الآية 26 .
  2. سورة المدثّر ، الآية 31 .


المقدّمة   >>