نفحات7 ـ الجواب المسكت 1
الرّئيسيـة > مكتبة على الخـطّ > الجواب المسكت ـ الفهـرس > الصفحـة الأولى



بسم الله الرحمـن الرحيـم

اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حقّ قدره ومقداره العظيم .

دعـت بعدمـا أبـدا مبـاسمـه الفجـر
مُهَفْـهَفَـة  يسبـي العقـولَ  جمـالُـها
تقـول  استَفِـقْ إنّ الرّكـائب  سـاقَهـَا
فقلـت لصحبـي والأبـاعـر تشتـكـي
أتـأمَـل  ذات الخـال أنـي ظـاعــن
وأنــي  للـوادي المـقـدّس  تــارك
وهـل  تترك العيـس الهوامي  مسارحـا
وإن هـاج مـن حَرِّ الهـواجـر  فيحهـا
فـلا والـذي خـصّ المُجَـابَ وقـومَـه
بني عقبـة الشيـخ الهجـان  ابن نافـع
ولا خـيـر إلاَّ فـي نـزار وخـيـرهـم
بأسيـافـهـم  فتـح المغـارب  كلـهـا
ومن نورهـم فتـح القلـوب التي دجَـتْ
بسـيّـدنـا  المـخـتـار لا زال ذكـره
وبالشيـخ  مـولانـا والإمـام محـمـد
ونجلهـمـا  المختـار خـيـر خليـفـة
ورابـع أركــان الخـلافـة أحـمــد
بهـم نُصِـرَ الإسـلام وازدان وازْدَهـَى
بهـم نَـشَـرَ الله العـلـوم فأصبـحـت
بهم فاضـتِ الأسـرارُ والنـورُ  والتُّقـَى
أسيـّـدنـا  البكـاي يـا مـن إذا بـدا
خلفْـتَهـُم  في المكـرمـات وفي  العـلا
وأبدَيْـتَ  سـرّا لم يكـن قبـل  بـاديـا
وبَـابُـك بـاب الله فـاض بـه النّــدا
وعَلْيـَاكَ  لا يستوعـب القـولُ وصْفَهـَا
فـلا  زال كـلُّ الكـون يثنِـي وأهـلُـه
وزال عـن الإشـراق من ليلـهِ الحجْـر
أَفِي  لَحْظِهـا سحـرٌ بلـى إنـه السّحـرُ
وأحـدجهـا  من قبـلِ إِسفـارِه السفـر
بهــدر وما تغنـي الشكـايـة والهـدر
عن الحـيّ لا يقضـي بما تأمـل الدهـر
وتلـك  ُالتـي لا يستـقـلّ بهـا العـذر
مبـاركهـا أمـن ومنهـلـهـا غـمـر
أفـاءت عليهـا الظِلَّ  أدواحُـهُ  الخضْـرُ
بمـا لم  يَنَـلْ زيْـدٌ سِوَاهُـمْ ولا عَمْـرُ
مناسـب  تأبـى أن يفـوتـهـم  فخـر
علـى كـل حـال مـا تـوارثـه  فِهْـرُ
علـى حيـن عَمّتْهـَا الضلالـةُ والكُفْـرُ
بهـا ظلـم الأهـواء واجتاحهـا  الـوزر
يحُـفّ بـه الرضـوان إنْ جلـى الذكـر
فَـذَانِ همـا الشمـس المنيـرة والبـدر
كمـا  تَخْلُـفُ الآسـادَ أشبَالُهـَا الخـزرُ
أولئـك فـي أَوْجِ المعالـي هُـمُ الزُّهْـرُ
ولازَمَـهُ فـي ظِلِّـهِـم ذلـك النَّـصْـرُ
وقـد  طـاب منها بعـد طَـيِّهَا  النّشْـرُ
فـأضحـى  لَدَيْهِـمْ كالعَلانِـيـةِ  السِّـرُّ
مُحَيّـاهُ  حَيَّتـْنـَا البشَـاشـةُ  والبِشْـرُ
وشَـيّـدْتَ ما شـادُوا وشُـدَّ بِـكَ الأزْرُ
كذلـك فضـلُ اللَّـهِ ليْـس لـه  حَصْـرُ
لمستمطــريـه  لا بكـي ولا نـــزر
وفضـلُـك  يَكْبُـو دون غايَتِهِ الْفِـكـرُ
عليـك  كما يُثنِـي على الوابِـلِ الزّهـْرُ

اللّهم إنّا نبرأ إليك من الحول والقوة . اللّهم إنّا نعوذ بك وبآياتك المتلوّة والمجلوّة ، من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، واتّباع أهوائنا . اللّهم إنك تعلم عجزنا وفقرنا وذلّتنا وضعفنا . اللّهم إنّا لا ندّعي أن يكون شئ من العزة أو القوة أو الكمال وصفنا ، إلاّ أن يشاء الله ربنا ، وسِع ربّنا كل شئ علما ، على الله توكلنا ، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين . اللّهم إِنّا نستوهبك سكينة تنعش القلوب والأرواح ، وطمأنينة يتجلّى بها علينا في ظلمات هذا الزمان ضوء الصباح . وإنّا نحمدك اللّهم حمدا كثيرا كما أنت أهله ، ونصلّي ونسلّم على بدر الوجود ، وقِبلة السجود ، سيّدنا ومولانا محمد الذي عمّ جميعَ المكوّناتِ نوالُه وفضلُه ، وعلى آله وأصحابه الهداة المهتدين ، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . ثم نخصّ بأزكى التّحايا وأنماها ، مَنْ خصّه الله بأسنى المواهب والعطايا وأسماها ، ومن هو مثابة الجلالة التي تفوت المطامع ، ومَنْ هو مركز الأصالة التي تزهُو بها الجوامع والمجامع ، ومَنْ هو مطْلع الأسرار الخافقة الألوية ، والسيادة المشرقة أفلاكها العلوية ، ومَنْ هو مظهر المعارف التي زانها الجمع بعد الفرق ، ومَنْ هو بحر الحقائق التي تمُوج ما بين الغرب والشرق ، إمام الطريقة ، وشيخ السّنة والحقيقة ، ومَنْبَع الفيوض اللّدُنِّيةِ على الإطلاق ، والمتحلّي بمكارم الشّيَم وأحاسن الأخلاق :
أغـر ميـمـون وجـه يستضـاء  بـه
يتـلـو الأئمـة مـن آبـائـه وبـهـم
تبلّـج  السعـد عـنـه وهـو مقتـبـلُ
فـي كـل ما أتـلـوه يُضْـرَب المـثـلُ

أبو العباس سيدي أحمد البكّاي بن الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي المختار ، أعَزّ الله أولئك الأئمة العالية الأقدار ، التي عليها المدار .
وبعد : فإننا نحمد إليكم الله الذي تعالى جدّه ، وهو الذي ليس لأحد سلطان على مَنْ هو عبده ، ونسأله لنا ولكم العفوَ والعافيةَ ودوامَها ، وإخصابَ الآمال بحيث لا ينال المُحِلُّ سَوَامَها . ، وقد بلغني كتابكم الكريم ، وخطابكم الواجب التهويل والتعظيم ، وكان مورده لدينا عيدا جسيما، وموسما وسيما :
سقانـي  فأهـلا بالسقايـة  والسـاقـي
وقـد نشـأت لـي نشـوة بعـد نشـوة
سـلافـا بها قـام السـرور على سـاق
تـمــد بـروحـانـيــة ذات  أذواق

إذ أَهّلَنَا اللهُ سبحانهُ للحضور في بالِكم ، وشرّفنا بمواجهة إقبالكم . إلاّ أنه مع ذلك الفرح الزائد ، الخارق للعوائد ، أَوْقَعَنَا في حيرة أيّة حيرة ، كادت أن تُنْسِينَا خيْرَهُ ، وذلك أنّنا لا ندري ما هو الصواب : هل الجواب أو ترك الجواب ؟ لأن الجواب يقتضي كلاما ، ومقامُكم العالي لا يقتضي إلاّ انقيادا واستسلاما . ولكن نحمد الله الذي شرح بعد تلك الحيرة صدورَنا ، وأنَار بتوفيقه أمورَنا ، فنظرْنا فإذا نفوسكم النورانية المطمئنة ، منزهّة عن كل علّة ومَظَنّة ، وعَلِمْنا حقا أنّ مراد هِمَمِكم إنما هو الوقوف على محض الحق ، وإعطاء كل مستحق ما استحق ، وأن الأمر كما قال الشيخ أبوالقاسم السهيلي رحمه الله تعالى :

إذا نظرتَ الأمورَ بعين الإنصاف لا بعين الشهوة والتعصّب للمذاهب ، ظهرتْ الحقائق ، واتّضحت الطرائق .

ومن آكد الدواعي إلى الجواب ، أنّ جنابكم الأطهر لا يجوز بحال أن يُعرَض عنه ويُستظهَر .
وممّا جرّأنا على الجواب أيضا ـ مع حقارة أنفسناعندنا ، وإن كنا قد تعدينا في ذلك طورنا وحدنا ـ ما قاله الشيخ زروق ، ونصّه :

تحقّق العلم بالمزية لا يبيح السكوت بعد تعيّن الحق إلا بعد العلم بحقيقة ما عليه الفاعل من غير شك ، ثم إنْ وقع إنكار ، فليس بقادحٍ في واحد منهما ، كما قال الخضر لموسى عليهما السلام في أول أمرهما إلخ كلامه .

ومع هذا العذر الواضح في إتيان الجواب ، فإن الحق الذي لا مِرْية فيه أننا في غنى عن ذلك ، وفي شغل شاغل . أما الغنى عنه فإن الله عز وجل متكفل بالدفاع عن حوزة أوليائه ، وهم أيضا ليس شئ ينقص من عَلِيِّ أقدارهم ، وربما حاول المنتقص تنقيصهم ، فيزيدهم بذلك كمالا وشرفا . قال الشيخ ابن عَبَّاد رضي الله عنه في بعض رسائله :

ثم لنا في الإنتظام في سلك من اعتُرِض عليه من أهل الحق ، ونُسِب إلى الضلال والزندقة ، وهم خاصة الأولياء ، نعمة جزيلة لا يُقَدَّرُ قدرُها ، ولا يُوَفَّى شكرُها ، بَيْدَ أنهم لم ينقصهم ذلك ذرة واحدة من أحوالهم المكينة ، ولم ينقلب متنقِصهم إلا بالعين السخينة

. وأما الشغل الشاغل ، فإننا والعياذ بالله تعالى وإليه المشتكى غرقَى في غمار عيوب أنفسنا ، وحصائد جوارحنا . قال الشيخ الشعراني رضي الله عنه :

قال أخي أفضل الدّين : " لو كشف للإنسان لراى ذاته كلها عيوبا اجتمعتْ ، وضُمّ بعضُها إلى بعض فصارت صورة إنسان . وفي التمهيد لأبي عمر بن عبد البر رحمه الله بسنده : أن بعض الأمراء سأل محمد بن واسع عن القضاء والقدر ؟ فقال له : أيها الأمير ، إنّ الله تعالى لا يسأل يوم القيامة عبده عن القضاء والقدر ، وانما يسأله عن عمله ". اهـ .

لنفسـي أبكـي لسـت أبكـي لغيـرهـا
لنفسـي في نفسي عن الناس  شـاغـل

فمَنْ كان مثلنا لا تسَعه مقاولة أمثالكم الذين فرغوا من تهذيب أنفسهم ، وأقامهم الله تعالى مقام الإرشاد لخلقه من أبناء جنسهم ، وكان ـ والله ـ عدم التصدي للجواب أهمّ لنا ، وأليَقُ بنا ، لولا عارض عرَض وحق مفترض ، وهو ما رواه ابن المبارك من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الساكت عن الحق كالمتكلم بالباطل وكاتم الشهادة كالشاهد بالزور ومحرّم الحلال كمحلّل الحرام » . ولسنا نقول أنكم تقولون الباطل ، حاشا لله ، لكن المبطلون همُ الداغلة الذين بلّغوكم غير الحق . فإنما أنتم بشر تقضون بما تسمعون ، وأما جنابكم الطاهر المحفوظ ، فقد برّأه الله تعالى بقولكم فيما بلغنا ، كما أن حاكي الكفر ليس بكافر .

( فصل )

فإذا تمهد هذا ، فنقول بحول الله وقوته ، معترفين بالقصور والتقصير ، مقتصرين على ما يفيد مطلق التبصير ، فاعلم أيها الشيخ الإمام الهمام ، الذي هو مظهر رحمة الله تعالى المُفَاضة على الأنام ، أننا قد تيقّـنًا أنك بالغت في إرادة الخير لنا بمقتضى اجتهادنا وجميل اعتقادك .
ودعـوتنـي  وزعمـت أنك  نـاصحـي
وعـرضـت ديـنـا لا محـالـة أنــه
ولقـد صـدقـت وكنـت ثَـمّ أمـيـنـا
مـن خـيـر أديـان البـريـة  ديـنـا

وذلك شأن أمثالكم الهادين المهتدين ، الأُمَنَاء الناصحين ، لا يزالون يدعون إلى الفلاح ، ويتمنون لجميع المسلمين عموم الخير الصلاح ، ولا شك أن كل مؤمن يرجو لأخيه المؤمن ما يرجو لنفسه لقوله صلى الله عليه وسلم « لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » . ومقتضى هذه الشفقة التي تثيرها المحبة والأخوة في الله تعالى ، أنّ كل من دخل في طريق من طرق المشائخ رضوان الله عليهم ينبغي له أن يدعو من أحَبَّهُ وأشفق عليه وآخاه ، إلى الدخول في مثل ما دخل هو فيه ، وربما دعا كل واحد منهما صاحبه إلى ما عنده ، لأن كلاّ منهما مُحبٌّ للآخر ومُشفق عليه ، وكل منهما يرى أن طريقه أحسن الطرق ، وأن شيخه أكمل المشائخ ، وذلك هو الواجب عليه . قال في الذهب الإبريز في مناقب سيدي عبد العزيز ، ونصه :

" وإنما وجب عليه ذلك لأن الشيخ الذي يرى من مريده الإلتفات إلى غيره يقطع عنه المادة ، والمريد الذي يدخل في صحبة شيخ من المشائخ وهو يرى أن في الوجود مثل شيخه أو أكمل ، يبقى متشوّفا إلى ذلك الأكمل في اعتقاده ، فيراه شيخه متشوفا إليه ، فيقطع عنه المادة ، فلا يكون بالأول ولا بالثاني " . قال الشيخ ، يعني سيدي عبد العزيزرضي الله عنه : " وقد رأينا مثل هذا في زماننا كثيرا ، والله يكون لنا وليا ونصيرا " أهـ

. وقال أبو العباس الشريشي في قصيدته الرائية المسماة بـ : ( سرائرالأنوار وأنوارالسرائر) :
ولا تـقـدمـن  قبـل اعتـقـادك أنـه
مـربّ ولا أولـى بـه منـه في العصـر

ولعل أصل هذه النصيحة ما في الموطأ والبخاري وغيرهما ، من « أن أبا الدرداء رضي الله عنه كتب إلى أخيه سلمان الفارسي رضي الله عنه ، وأبو الدرداء بالشام وسلمان بالمدينة الشريفة : هلُمّ إلى الأرض المقدِّسة ، فكتب إليه سلمان : إنّ الأرض لا تقّدس أحدا وإنما يقدسه عمله ، وقد بلغني أنك صرت طبيبا تداوي إلخ » .
وأما أنا ياسيدي ، فإنّ شرْحَ قضيتي هذه في قضية سيدنا حذيفة بن اليمان وسيدنا عمّار بن ياسر رضي الله عنهما ، حيث « قال لهما نفر من اليهود بعد وقعة أُحُدٍ : لو كنتم على الحق ما هُزمتم فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلا منكم ، فقال لهم عمّار : كيف نَقْضُ العهدِ فيكم ؟ قالوا : شديد قال : فإني عاهدت الله تعالى أن لا أكفر بمحمد ما عِشْتُ ، فقالت اليهود : أما هذا فقد صبأ ، وقال حذيفة : وأما أنا فإنني رضيت بالله ربّاً وبمحمد صلّى الله عليه وسلم نبيّاً ، وبالإسلام ديناً ، وبالقرآن إماماً ، وبالكعبة قِبْلة ، وبالمؤمنين إخواناً ، ثم أَتَيَا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبراه بذلك ، فقال لهما : أصبتما الخير وأفلحتما » .
وإنني لو كنت مستفتيا فيما دعيتُ إليه غير قلبي ، لكان مقامك العزيز أولى من يُستفتَى في ذلك ، فتكون صورة الإستفتاء هكذا : " ما يقول أهل الله تعالى العلماء العاملون ، في رجل مؤمن بايع وليًّا من أولياء الله تعالى ، وألْقى إليه قياده ، وعاهد الله تعالى على متابعته في السرّ والجهر على قدر الطاقة . والحالة أنه ما دخل في عهد ذلك الولي حتى استقرأ جميع الطرق الموجودة بعقله ، وتوسّم جميع المشائخ الموجودين ، وظهر له بالبرهان الذي اعتمده ، والمعيار الذي اتخذه لارتياده واختياره لنفسه ، أنه ليس فوق الأرض ، ولا تحت السماء ، من هو أقرب إلى حضرة الله تعالى المقدسة ، وحضرة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والتي يريد السلوك إليها ، والإتصال بها ، من ذلك الشيخ الذي أجره رسنه ، وفوّض إليه إرادته . ونفرض ذلك الرجل المؤمن أحد أتباعكم ومريديكم ، هل يجوز له أن ينقض ذلك العهد ، ويتركه ويذهب إلى غير شيخه ، ويدخل في عهده تاركا لقدوته الأوّل ؟ وهل له عذر عند الله تعالى ؟ وهل لفعله وجه عند أهل الطريق ؟ ولا يستدل بمثل قضية الشيخ زروق مع شيخه الزيتوني والحضرمي رضي الله عنهم ، فإن الناس قد نصوا على أنها من باب غر وسلم . والذي تقرر عندنا هو قول إمام هذه الطريقة الشيخ الأكبر ، سلطان العارفين ، محي الدين بن عربي الحاتمي رضي الله عنه ، ونصّ ما ذكره في كتاب التجليات له :

المبايَعون ثلاثة : " الرسل ، والأشياخ ، والسلاطين ، والمبايَع في الحقيقة في هذه الثلاثة واحد ، وهو الله تعالى ، وهؤلاء شهداء الله تعالى على بيعة هؤلاء الأتباع " إلى أن قال ، بعد ذكر شروط المبايع فتحا وكسرا : " والبيعة لازمة لهم حتى يلقوا الله تعالى ، ومن نكث من هؤلاء الأتباع فحسبه جهنم خالدين فيها ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، هذا حظه في الآخرة ، وأما في الدنيا فقد قال أبو يزيد في حق تلميذه لما خالفه : دعوا من سقط من عين الله تعالى ، فرُئِيَ بعد ذلك من المخنّثين ، هذا لمّا نكث . أين هذا ممن وفّى بعهد الله تعالى مثل تلميذ أبي سليمان الداراني ؟ الذي قال له : ألق نفسك في هذا التنور ، فألقى نفسه فيه بلا توقف ، فعاد عليه بردا وسلاما ؟ هذه نفحة الوفاء " . اهـ . من الكتاب المذكور .

( فصل )

ومما يجب ذكره هنا ، لا لكونه مجهولا فيعرف ، أو خفيا فيظهر ، فإنه أجلى من شمس الظهيرة وأشهر .
كأنه الشمـس في البرج المنيـف  علـى
كـل  البـريـة لا نــار علـى عـلـم

ولكن ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حيي عن بينة ، وللـرد على من بلّغكم ـ ، أيّدكم الله ـ أنّ شيخنا أبا العباس التجاني رضي الله عنه لا طريق له ، حتى قلتم فيما كتبتم إلينا بأيديكم أنه شيخ معدوم ، وطريقه غير معلوم . فيقال سبحان الله سبحانه سبحانه كيف يسلِب العارفَ معرفتَه إذا أراد امتحانه ؟! لو غيرك قالها يا أبا عبيده !!
وأما الشيخ رضي الله عنه فقد لقي في طريق إرادته الجمّاء الغفير من الرجال بالمغرب والمشرق : في فاس ، وجبال الزبيب ، والواسطة ، وزواوة ، وتوات ، وإفريقية ، ومصر ، والحرمين الشريفين ، وتلقّى منهم الأسرار والأنوار ، وَوَرِث جلَّهم في مقاماتهم ، وبشّروه بما يؤول إليه أمره من عِظَم الشأن ، والتوحّد في القطبانية العظمى التي لم تكن لغيره ، وأخْذُهُ الطريقة الخلوتية متّصل السند ، مرفوعُ العمد من شيخه سيدي محمود الكردي المصري رضي الله عنه ، عن الشيخ الحفني إلى سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ، كما هو مذكور في جواهر المعاني وغيره . ولما سرد في الجواهر ذلك السند العظيم ، أنشد :
أولـئـك آبـائـي فجئـنـي بمثلـهـم
إذا جمعتـنـا يـا جـريـر  المجـامـع

ولقي قطبين جليلي القدر والشأن ، وأخذ عنهما أسرارهما ، وبشّرَاهُ بِنَيْلِ المكانة العليا من العرفان ، أحدهما بالمغرب ، وهو القطب الأشهر الشريف مولانا الطيّب بن محمد بن عبد الله الشريف الوزاني رضي الله عنه ، والثاني بالمشرق ، وهو القطب الجامع أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد الكريم السّمّان ساكن المدينة الشريفة رضي الله عنه . هذا كله في حال سلوكه وإرادته ، وأما الإذن له في هداية الخلق فمن حضرة سيّد الوجود صلى الله عليه وسلم كفاحا ، يقظة لا مناما ، وقال له صلى الله عليه وسلم : ( أنه لا مِنّة لأحَدٍ مِنَ الخلائق عليك ) . فلا واسطة بينه وبين رسول الله صلىالله عليه وسلم ، ولا مِنّة لأحَدٍ عليه إلاّ له عليه الصلاة والسلام ، كما هو شأن من تفضّل الله عليه بالوصول إلى هذا المقام المسمى عند أهل الله تعالى بالختم ، فطريقته رضي الله عنه محمدية جادّة مشهورة .
فإذا ثبت اتصال شيخنا في إرادته وسلوكه من كل جهة بالأولياء الأكابر ، والمشايخ الكرام ، والأقطاب المشاهير العظام ، فكيف يقال أنه لا طريق له ، أو طريقه غير معلوم ؟ هذا والله العجب ! وأعجب منه أن مِن الناس من يظن أنه لا يصل إلى الله تعالى أحد إلاّ على يد شيخ ، ويستدلّ بمثل ما نقله الشيخ سيدي عبد الوهاب الشعراني في ترجمة الشيخ شمس الدين الحنفي رضي الله عنه أنه كان يقول :

والله ما عرف الكيلاني وابن الرفاعي وغيرهما الطريق إلى الله إلا بالتربية على يد شيخ . اهـ .

ويأتي قريبا إن شاء الله عن الشعراني نفسه وغيره أن التربية قد انقطعت منذ أزمان . فمقتضى كون التربية اليوم معدومة مع كون الوصول لا يمكن بدونها أن لا يوجد وصول لأحد في هذا الزمان ، وذلك تهافت باطل .

الصفحة التالية >>