نفحات7 ـ الجواب المسكت 3
الرّئيسيـة > مكتبة على الخـطّ > الجواب المسكت ـ الفهـرس > الصفحـة الثالثة


وقال الشيخ الإمام العارف بالله سيدي محمد بن عبد الله الهبطي في شرح نونية أبي مدين الغوث عند قوله :

إذا اهـتـزت  الأرواح شـوقا إلى اللقـا
نعم ترقـص الأشباح يا جاهـل  المعنـى

بعد الكلام على الروح والشوق :

قال الإمام ضياء الدين أبو النجيب عبد القاهر السهروردي رضي الله عنه : " ثم أن أهل السماع في حال سماعهم يتفاوتون ، فمنهم من يغلب عليه في حال السماع الخوف والحزن والشوق ، فيؤدي به إلى البكاء والأنين والشهقة وتخريق الثياب والغيبة والإضطراب ، ومنهم من يغلب عليه الرجاء والمحبة والإستبشار ، فيؤديه إلى الطرب والرقص والتصفيق" أهـ . ثم قال الهبطي : وقوله : " يا جاهل المعنى " ، أي المقصود عند القوم بالوجد وما ينشأ عنه من رقص الأشباح بسبب اهتزاز الأرواح ، واهتزاز الأرواح بسبب تذكارها ما كانت عليه من المسامرة مع المحبوب يوم أَلَسْتُ بِرَبِّكُم ، ولذلك قال الجنيد لمّا سئل عن شخص وقور لا يحل سرّه وقاره بحال ، فإذا سمع صوتا موزونا يظهر فيه قلق ، وتَصْدُرْ منه حركات غير معتادة ، فقال الجنيد : " لما خاطب الحق تبارك وتعالى يوم الميثاق ذرات ذريات آدم ، بقيت حلاوة ذلك الخطاب في مسامع أرواحهم ، لا جرم أنهم إذا سمعوا صوتا طيبا تذكروا حلاوة ذلك الخطاب الغير المعتادة شوقا وطربا " أهـ كلام الإمام الهبطي رحمه الله تعالى .  

ومعلوم ما وقع للقاضي الذي منع قوما يذكرون الله جهرا ، كما هو الشأن ، فكانوا يذكرون سرا ، فتضرروا بذلك ضررا كبيرا ، حتى مات بعضهم ، فتهدمت دار القاضي عليه مع جميع أهله وأولاده ، وجميع ما يملك من الحيوان وغيره ، كما ذكره الشيخ الشعراني في العهود المحمدية . ولا شك أنهم في حالة هذا الذكر الموصوف لا يتأتى أن يخطر في بالهم لامال ولا ولد ولا جاه ، ولا نفع ولا ضر ، ولا غير من الأغيار ، لأن جوارحهم وأعضاءهم كلها ذاكرة ، وظاهرهم وباطنهم مستغرق في مذكورهم ، مُتَجَمِّعٌ بِكُلِّيَتِّه عليه ، فأي جمع أقوى من هذا الجمع ، وأية حالة غير هذه تفيد مثل هذه الإفادة العظيمة ؟ بل قَلّ ما تتفق هثل هذه الجمعية لأكابر المجتهدين بغير هذه الكيفية ، ولهذا اختار الأئمة رضوان الله عليهم هذه الكيفية الشريفة . فهذا الإسم الشريف في هذا الوقت الشريف الذي كاد المعتبرون أن يتفقوا على أن هذه الساعة هي ساعة الجمعة .
إذا  محـاسنـي اللاتـي أَصُـولُ بـهـا
كانـت ذنوبـا فقـل لـي كيـف أعتـذر

فلينظر الموفق الذي شرح الله صدره للحق ، وعرف مقاصد الأولياء وآدابهم ، إلى هذه الحالة الشريفة التي سماها ذلك المبلّغ الجهول ضلالاً ولعباً ، وآذى لله تعالى مالا يحصى من الأولياء بغيًا عليهم ، واستخفافًا بحرمة الإيمان ، ورِضًى عن نفسه ، وتعالياً بها ، واحتقاراً لغيره من المؤمنين ، مع ما تحصنوا به من حرمة الإيمان لو لم يكن لهم من الخصال غير الإيمان . والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا . قال الشيخ محي الدين بن عربي في باب الوصايا من الفتوحات :

إياكم ومعاداة أهل لا إله إلا الله فإن لهم الولاية العامة ، فهم أولياء الله تعالى ولو أخطأوا وجاءوا بقراب الأرض خطايا لايشركون بالله شيئا فإن الله تعالى يتلقّى جميعها بمثلها مغفرة ، ومن تبثت ولايته حرمت محاربته ، وإنما جاز لنا هجر أحد من الذاكرين الله لظاهر الشرع من غير أن نؤذيه او نزدريه .

وأطال في ذلك .
قال الشيخ البرزلي :

رأيت كثيرا من أشياخي ليس ذلك طريقهم ، لاينكرون على هؤلاء القوم . ولا يجوز أن يُسْتَدَلَّ على مثل هذا بقوله تعالى :        وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وفي التمهيد : " من سرّته حسنته وساءته سيئته إنه مؤمن " . فمَنْ كان كذا أين تكون الشهادة عليه بغير الإيمان ؟ " . قال : " وقد ضلت جماعة ، وخالفوا أهل السنة والجماعة ، واستدلوا بظاهر قوله تعالى :    وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وانظر لو كانت حِسْبته تسوغ من هذا الوجه لكانت لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن كان في أمتي مُحَدثّون فعمر منهم » ، ومع ذلك لما لقيه سيدنا معاوية رضي الله عنه في موكبه العظيم قال : هذا كسرى العرب ، ثم سأله سيدنا عمر رضي الله عنه ، فقال له سيدنا معاوية : نحن بأرض العدو ، والجواسيس كثيرون بها ، فأردنا أن نُظْهر من عز السلطان ما نرهبهم به ، وإن نهيتني انتهيت ، فقال : لا أنهاك ولا آمرك ، إنْ كان ما تقول حقا إنه لرأي أريب ، وإن كان باطلا إنه لخدعة أديب " . اهـ . كلام البرزلي .

وانظر ما تقدم عن البرزلي من قوله :

ولا يجوز أن يستدل على هذا بقوله تعالى: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه

، فإن الإستدلال على السادة التجانيين وغيرهم بقوله تعالى : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون أخطر وأهول والله غفور رحيم . وقال الشيخ العلامة البركة سيدي محمد بن يوسف العبدري المعروف بالمواق :

رويت عن شيخي المنشوري ، عن جدي ابن بقى ، عن شيخه المقري أنه كان يقول : " الشطح كناية ، والكرامة عناية ، والإعتراض جناية ، إياك و ( لِمَ ) " . اهـ .

وقال في التمهيد :

نظر ابن عمر رضي الله عنه إلى الكعبة فقال : " والله إن لك لحرمة ، ولكن المؤمن أعظم حرمة منك ، حرّم الله عرضه وماله ودمه ، وأن لا يظن به إلا خيرا " . اهـ .

وكان من حق هذا المبلغ الذي بلغكم ، أيدكم الله ، إن كان ممن لا يرى السماع ، مع ما تقدم من أدلة الجواز المتفق عليه اليوم ، أن يقول : نحن لا نرى هذا ، ولا نعرف شيئا منه ، ولعلّ ما وقع عليه اتفاق الأمصار اليوم له وجه حسن لم نطلع عليه ، فإن الأمة لا تجتمع على ضلال ، فلو قال مثل هذا من القول لكان قد سلم من هذه الورطة الشنيعة ، غفر الله لنا وله ولجميع المسلمين آمين .
وبقي أن نقول في قول من بلّغكم أن شيخنا أبا العباس التجاني رضي الله عنه ليس من أهل التربية :
خذهـا وهـات ولا تمـزج فتظلـمـهـا
المـاء فـي النـار أصـل غيـر مطـرد

إن أراد بالتربية التربية المشهورة الإصطلاحية التي كان سَلَكَهَا وسلك بها الجنيد والسري وابن ادهم وأمثالهم ، فإنها اليوم طريق مهجورة مندثرة الأعلام ، وقد نص الائمة على أنها مطموسة لا يمكن لأحد الأخذ عليها . قال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه :
واعلـم بـأن طـريـق القـوم دارسـة
وحَـالُ  مَنْ يدّعيهـا اليـوم كيف تـرى

وذلك في زمن أبي مدين ، وكان في المائة السادسة ، لأن وفاته كانت سنة 594 هـ ، فأحرى اليوم . فمن ادعاها فالحال يكذّبه ، فإنّ أحوال السلف رضوان الله تعالى عليهم لايخفى شئ منها على أحد ، فنحن نرى أصحاب من ادعى ذلك أحوالهم كلها مناقضة لأحوال السلف أكلا وشربا ولباسا ، وإقبالا على الدنيا ، ورغبة في الرئاسة ، وتهافتا على أبواب الظلمة ، إلى غير ذلك مما لا يسعهم إنكاره . فلذلك قال أبو مدين : " من يدّعيها " ، وسمّى ذلك دعوى لا غير ، وقال :

حال من يدّعيها يُكذِّبُه في دعواه ، فلو كان عاقلا ما ادّعَى أَمراً وهو يحمل منه شاهداً عليه .

وقد هتك الشيخ الشعراني ستر المدّعين لذلك في رسالته المسماة بــموازين القاصرين ، وقد قال شيخنا أبو العباس التجاني رضي الله عنه :

مثل مَنْ طلب الإستقامة التامة اليوم كمثل مَن طلب سُلّما يصعد به إلى السماء .

والإستقامة التامة هي ثمرة التربية ، لأنها مجاهدة النفوس على سلوك طريق السلف الصالح شبرا بشبر ، وإصبعا بإصبع ، وذلك في هذا الزمان من قبيل المحال العادي ، مثل الصعود إلى السماء بسلم . وقال الشيخ زروق :

قال شيخنا الحضرمي : " إرتفعت التربية بالإصطلاح ، ولم يبق إلا الإفادة بالهمة والحال ". إنتهى . وقال الشيخ زروق أيضا ، ولعله عن شيخه المذكور : " رأيت أبواب الله قد استدارت للغلق ، ولم يبق مفتوحا إلا أبواب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

وقال العلاّمة العارف بالله أبو علي اليوسي رضي الله عنه :

قد نص شيوخ الطريق على انقطاع التربية المصطلح عليها منذ أزمان ، وكرهوا السلوك عليها والتسليك بها .

وقال الشيخ سيدي عبد الوهاب الشعراني في موازين القاصرين ما نصه :

" وسبب ترك العارفين فتح باب المشيخة والتسليك في هذا الزمان شهودهم كثرة البلايا النازلة على الخلق ليلا ونهارا ، وعلمهم بأن الأمر نازل إلى وراء ، وقد اشتد الأمر ، ولا يزيد إلا شدة حتى تكمل الدورة وتقوم القيامة " ثم قال : " إذا علمت هذا علمت أن ترك العارفين فتح هذا الباب في هذا الزمان هو الصواب ، فلا يفتحه الآن إلا من أعمى الله تعالى بصيرته وبصره من هؤلاء المدعين للمراتب والمتنازعين عليها ". أهـ . كلام الشعراني .

وإن أراد المبلِّغ المذكور بالتربية الترقية بالهمة والحال ، وملابسة الزمان على مقتضى مراد الحق سبحانه وتعالى ، فإن شيخنا رضي الله عنه هو سيد المربين ، وقدوة السالكين بالأمرين المذكورين جميعا . أما الترقية بالهمة فقد شاهدنا أقواما من أصحابه من أغمار الناس ، وجفاة العوام ، إما دبّاغ أو حائك أو فلاح ، في البعد الأبعد من الخير ، فما هو إلا أن وقعت عليه نظرته ، ونزل عليه طابعه بأن أتاه صادقا ، وتلقن منه ، وذكر ورده المحمدي أدنى مدة ، فتنقلب أحواله ، وتصفوا مشاربه ، وينشط لعبادة ربه ، ويَعْظُم شوقُه إلى ما عند الله ، وتَقِلّ رغبته في الغرض الفاني ، وربما نطق بالحكمة ، وتفجر بالحقائق ، ويشرق ظاهره بالأنوار التي في باطنه ، وهذا القدر مشاهَد في أصحابه لا ينكره أحد ممن شاهدهم ومارسهم ، وذلك بلا خلوة ولا رياضة ، وقد ضمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من داوم على ورده بل على محبته لله تعالى لا يموت إلا وليا .
وخاصية ورده رضي الله عنه أنه لا يذكره أحد صادقا في طلب الله تعالى إلا ظهرت عليه تلك الأحوال كلها أو جلها على قدر قوة استعداده وضعفه .
وأما الأمر الثاني ، وهو مسايرة الوقت ، فتلك عمدة حاله رضي الله عنه ، يحض على ذلك ويقول :

الفقير ابن وقته ، ولون الماء لون إنائه ، وما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يُظهِر في الوقت غيرَ ما أظهرَه الله تعالى .

ويدلّ على مثل ما قال محي الدين الـحاتمي رضي الله عنه وهو قوله :

إعلم يا بني أن للحق وجوها كثيرة ، فخذ منها ما يوافق زمانك .

ومن ذلك نهيّه أصحابه عن زيارة التعلق والإستمداد لغيره من الأولياء الأحياء والأموات ، وذلك بأمر سيد الوجود صلى الله عليه وسلم له بذلك . قال له صلى الله عليه وسلم : " مُرْ أصحابَك أن لا يزوروا أحدا من الأولياء إلا إذا مروا بأصحابي فليزوروهم " . مع أن هذا ، عند المشائخ المعتبرين ، أمر معروف ، وشرط مشروط ، وإنّما ترَكَهُ مَنْ تَرَكَهُ ، إمّا لعدم معرفته به لكونه أجنبيا من الطريق واغلا فيها ، وإما لكونه متهاونا به وبما ينشأ عنه من المفاسد ، لظهور مصلحة أخرى هي أهم وآكد من ذلك ، والله أعلم . وقد أشار أبو العباس الشركيتي إلى الحكمة في عدم إباحة الزيارة للمريد في رائيته ، والشريشي يروي عن العالم الكبير ، قاضي القضاة ، أبي صالح سيدي نصر بن الشيخ سيدي عبد الرزاق بن الشيخ الكامل سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنهم ، قال الشريشي :
فـإنّ رقـيـب الإلـتـفـات لـغـيـره
يقـول لمحبـوب السـرايـة لا تسـري

والحجة القاطعة في ذلك قول الشيخ والدكم المبرور ، سيدي محمد بن المختار رضي الله عنه في جنة المريد ، ونصه ، بعد ما ذكر وظائف الشيخ :

ثم لا يترك أصحابه يزورون شيخا آخر ، ولا يصلح ذلك بالمريد إذِ المضرة لهم بذلك متحققة الوقوع . قال في الإبريز : " وكنت مع الشيخ ذات يوم في الباب الجديد ، فنظر إليّ وقال : لا يطمع أحد في معرفة الله تعالى وهو لا يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا يطمع أحد في معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لا يعرف شيخه ، ولا يطمع أحد في معرفة شيخه وهو لم يُصَلِّ على الناس صلاة الجنازة . فإذا خرج الناس عن نظره ، وصار لا يبالي بهم في أقواله وأفعاله وشوؤنه كلها ، جاءته الرحمة من حيث لا يحتسب " .

وقد ورد في الخبر :

إجعل عملك كله لوجه واحد يكفيك الوجوه كلها .

ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون . ولعل هذا هو مراد من بلّغكم عن السادات التجانيين أن فيهم هجرانا لأولياء الله تعالى ، كما هو بخطّكم الشريف ، وهو مراده لا محالة ، لأنك لو سألته عن جزئية واحدة من هذا المدّعي لما وجد إلا أن يقول : أنهم لا يزورون أحدا غير شيخهم ، أي لا يتعلّقون إلا به ، ولا يستمِدّون إلا منه ، فهذا هو الذي سماه هجرانا لأولياء الله تعالى . كلا والله العظيم إنهم ليعظّمون أولياء الله تعالى غاية التعظيم ، وذلك من الآداب المشروطة عليهم في طريقهم ، وكأنّ ذلك المبلّغ يرى أن من لم يزر الأولياء – أي لم يستمد منهم ـ فقد هجرهم ، ولم يعظمهم ولم يحترمهم ، وهذه غباوة ظاهرة ، فنسبة ذلك إلى التجانيين رضي الله عنهم من التنقيص للمسلمين بلا منقص وهو خطر ، لا سيما إن جاء من قِبَلِ مَنْ يُستسقَى بهم المطر أمثالكم ، أيّدكم الله . وبالله عليكم ، مَنْ هو غير المعظِّمٍ لأولياء الله تعالى ؟ هل هم السادات التجانيون المَوْصُوفون ، أو هذا المبلغ الذي أعرض عن الإشتغال بنفسه ، ومعالجة عيوبه ، والتزود لمعاده ، واشتغل بالفضول البعيد عنه بمراحل ، ودأبَ على تنقيص أولياء الله المؤمنين ، ونسبته إليهم ما هم برآء منه ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم .
ثم أن قولكم ـ أدام الله رفعة أقداركم وإشراق أنواركم ـ فيما كتبتموه : " ولا شك أنه لا أهل طريق إلاّ يعلمون أن الطريقة القادرية أفضل ، ولا أصحاب شيخ إلاّ يعلمون أن الشيخ عبد القادر أفضل " . فاعلم سيدي أنّنا ما فهمنا هذه الكلية ، ولا تصورنا إدخالها تحت القواعد العلمية ، ولا كلام لنا في فضل الشيخ مولانا عبد القادر رضي الله عنه ، ولا في كماله ، ولا في جلالة قدره ، ولا في فخامة شأنه ، ولا في شموخ عنايته ، ولا في عموم هدايته ، وشهرة ولايته ، فإنه إمام الصديقين ، وقدوة المستهدين ، وحجة العارفين . وإنما الكلام فيما اقتضاه قولكم المتقدّم من أفضليته على كل من سواه من الأولياء ، وما خَفِيَ عنكم ـ أيّدكم الله ـ ما وقع من الخلاف في تفضيل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بعضهم على بعض ، ما عدا نبينا سيد الوجود صلى الله عليه وسلم الذي ثبتت سيادته على بني آدم وغيرهم من جميع المخلوقين ، وسائر العالمين . وكذلك ما وقع من الخلاف في تفضيل الصحابة الكرام رضوان الله عنهم بعضهم على بعض ، ما عدا الصدِّيق رضي الله عنه ؟ بالتفضيل كما علمتم توقيفي : ما ورد من الشارع صلى الله عليه وسلم قلنا به وما لا فلا . ومما ورد تفضيل الخلفاء على الترتيب المشهور ، قال الشيخ سيدي عبد الوهاب الشعراني في لطائف المنن ، بعد كلام نفيس :

ولا يلزم من الأفضليةِ الظاهرةِ الأفضليةَ الباطنةَ ، بل الواجب علينا محبة الجميع ، والوقف عند ما أمر الله به .

وقال الشيخ ابن عباد في معنى الأفضلية التي ثبتت بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ومن في معناهم ما معناه : "

إنما وقعت الأفضلية بينهم بحكم الله تعالى لا لِعِلّة موجبة وجدت في الفاضل دون المفضول ، فللسيد أن يفضل بعض عبيده على بعض وإن كان كل منهم كاملا في نفسه ، والتمثيل بالسيد أمر تقريبي ، إذ لا يخلو من البواعث والأغراض ، وحضرة مولانا جل وعلا منزهة عن ذلك " ، إلى أن قال : " والتفضيل راجع إلى اختيار سيد الجميع ، وهو الله تعالى ، وبذلك نَسْلَمُ من سوء الأدب مع خواص الله تعالى وأحبائه ، ومعه سبحانه ، وإلاّ فسوء الأدب لازم لزوما ضروريا ، كما تواطأ عليه الجهّال ، ولا أقول أنهم في ذلك بمنزلة من هدم قصرا وبنى مصرا ، أو بنى قصرا وهدم مصرا ، ولكن بمنزلة من هدمهما معا ، إذِ الأفضل لا يجب أن يُفضَّل بما لم يجعلْه الله سببا لأفضليته ، والمفضول لا يجب أن يكون مفضولا بما لم يجعله الله تعالى سببا لمفضوليته ، والله تبارك وتعالى لا يحب أن يفاضَل بين أحبائه بما لم يجعله سببا للمفاضلة بينهم ، فآلَ سوءُ الأدب معهم إلى سوء الأدب مع الله سبحانه وهو عظيم " .

واعتراض الشيخ أحمد باب كلام الشيخ ابن عباد هذا مردود ، وربما قيل أنه من الفضول معدود ، وحاصل ما في المسألة من أصلها أن المزية لا تقتضي الأفضلية والله أعلم . ومن ذلك فرار الشيطان من سيدنا عمر بن الخطاب ، ولم يكن ذلك لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما مع ما ورد أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم :« لو حدثتك بفضائل عُمَر طول عُمُرِ الدنيا ما فرغت منها ، وإنما عمر حسنة واحدة من حسنات أبي بكر » . ولهذا قالوا إن الكرامة لا تقتضي التفضيل ، كما قال الجنيد :

مشى رجال باليقين على الماء ، ومات رجال بالعطش وهم أفضل منهم .

ومن أجل هذا كان الأكابر لا يرضون بالكرامة ، وكان شيخ المشائخ مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه يُدْعي الجبل الراسي لأنه ما رضي بإظهار كرامة ، ولا إخبار بغيب ، فقيل له في ذلك فقال :

يمنعني من ذلك قوله تعالى : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا

، قال في الجيش الكبير :

فاعتبر هذا ، فإنّ كثيرا من الناس إذا سمع فضلا لعمل ، أو كرامة لشخص ، إغترّ بها ، فاعتقد أفضليته .

وإنما قال صاحب الجيش ذلك ردّاً على بعض الجهّال حين سمع قول من قال أن بعض صيغ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يثاب المصلي بها مرة واحدة ثواب ختمات من القرآن العظيم ، فقال ذلك الجاهل هذا يقضي أن تلك الصيغة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من القرآن الذي هو كلام الله تعالى ، وهذا منه جهل بما تقدم من النصوص المحرّرة ، والقواعد المقررة . قال العلامة البركة أبو عبد الله سيدي محمد الخرشي في شرحه الصغير للمختصر ، عند قول المصنف : " وفضل حج على غزو إلاّ لخوف وركوب الخ " ، بعدما قرر كلام المصنف ، وأنّ الحجّ راكبا أفضل من الحجّ ماشيا ما نصّه :

ولا يعارض هذا ما رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة وللماشي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة » ، لأن المزية لا تقتضي الأفضلية .

وقال الشيخ محي الدين الحاتمي في الباب 438 من الفتوحات :

فإنْ قلتَ فما الفرق بين الوارث المحمدي والوارث لغيره من الأنبياء ، فالجواب : إن الفرق بينهما ، أن ورثة الأنبياء آياتهم في الآفاق ، من خرق العوائد وغيرها ، والوارث المحمدي آياته في قلبه ، فلذلك كان الوارث المحمدي مجهولا في العموم ، معروفا في الخصوص لا غير ، لأن خرق عادته إنما هو حال وعلم في قلبه ، فهو في كل نفس يزداد علما بربه علم حال وذوق لا يزال كذلك

. فإذا كانت الوراثة المحمدية ، التي هي أعظم الموجبات للتفضيل ، أمرا خفيا محله القلب ، فكيف يقدر أحد أن يفضّل أحدا على أحد من غير إخبار ممن له العلم بما في القلوب ؟ لا محالة أن ذلك خطر محذور ، وبيان المحذور الواقع في ذلك ، أي في التفضيل بلا إذن ، معتبر . إنك إذا فضّلتَ أحدا على أحد فقد نقصت ذلك المفضول ، وهذا وإن كان يؤمن توهمه من الخاصة الأقوياء ، فإنه لا يؤمن من العامة الضعفاء ، كما نبّهَ عليه قوله صلى الله عليه وسلم : « لا تفضّلوني على يونس بن متى » ، قال القاضي عياض في الشفاء :

إنما نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك سدّاً للذريعة لئلاّ يتوهّم أحدٌ في جانب يونس عليه السلام المنزه ما لا يليق .

وذكَرَ مثلَ ذلك الحافظ بن حجر في شرح هذا الحديث ، وكذا ذكره الجلال السيوطي في الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج ، وقال العلاّمة المقري في محاضراته ، قال يونس بن حبيب :

أقبح الهجاء بالتفضيل

يعني كقول الشاعر :
وشتـان ما بيـن اليـزيديـن في النـدا
يـزيـد سلـيـم والأغـر بـن حـاتـم

وتمام كلام المقري

ولا دليل على وجوب التفضيل ، ولا على كون شئ من حقيقة الإيمان يؤمن فيه الخطر ولو من بعض الوجوه ، فَسَدُّ هذا الباب واجب

. وقد نقل العلامة الشيخ أحمد بابا في رسالته المسماة بـنيل الأجر والسول لخدمة آل بيت الرسول ، عن الإمام المتفق على جلالته عز الدين بن عبد السلام في قواعده الكبرى في هذا المعنى ، مقالة هائلة تركْنَا نَقْلَهَا هنا ، لأنها لا تليق مواجهة جلالتكم بها ، والحجة القاطعة في ذلك هي قول جدكم الشيخ الأكبر سيدي المختار رضي الله عنه في الكوكب الوقاد ، ونصه :

ولا ينبغي لأحد أن يحكم بتفضيل شخص على شخص ، ولا نوع على نوع إلا بتوقيف ممن له التفضيل ، أو بدليل يستدل به من كتاب الله تعالى ، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو إجماع أمّتِهِ .

وأما اعتقاد أفضلية الطريقة القادرية ـ أيّد الله برهانها ، وكثّر في الأمة أهلها ـ فإنما يجب اعتقاد ذلك على أهلها الذين كتبهم الله في قسمتها ، وإلاّ ، لو كان كل الناس يعتقدون أفضليتها ، ما عدَلَ أحد عنها ، إذِ العقلاء مجبولون على أخذ الأفضل وترك المفضول ، وأما مَنْ ليس من قسمتها ، فإنّ كل واحد يجب عليه اعتقاد أن طريقته أفضل من غيرها ، وشيخه أكمل من غيره ، وإلا لم يحصل على طائل ولا نفع . قال في الإبريز ، بعد ما أنشد قول الشريشي المتقدم وهو " ولا تقدمن قبل اعتقادك الخ " ما نصه :

قال الشيخ : " أي ولا تقدمن على شيخ من المشائخ بقصد الدخول في صحبته حتى تعتقد أنه من أهل التربية ، وأنه لا أحق منه بها في زمانه ، وإنما وجب عليه ذلك لأن الشيخ الذي يرى مِنْ مريده الإلتفات إلى غيره يقطع عنه المادة ، والمريد الذي يدخل في صحبة شيخ ، وهو يرى في الوجود شيخا مثل شيخه أو أكمل ، يبقى متشوفا إلى ذلك الأكمل ، فيراه شيخه متشوفا إليه ، فيطع عنه المادة ، فلا يكون بالأول ولا بالثاني " ، قال الشيخ : " وقد رأينا هذا في زماننا كثيرا ، والله يكون لنا وليا ونصيرا .



<< الصفحة السابقة    الصفحة التالية >>