البحث في نفحات7
 

 نفحات7 ـ الجواب المسكت 4
الرّئيسيـة > مكتبة على الخـطّ > الجواب المسكت ـ الفهـرس > الصفحـة الرابعة


وقد قالوا :

إن الأرزاق المعنوية مثل الأرزاق الحسية السلطانية في الشاهد ، فإن الشأن في هذه أنّ أرزاق الأجناد تخرج من حضرة السلطان وتدفع للقهرمان الأعظم ، فيفرقها على عدد الأمراء التي للأجناد ، يأخذ كل بحسب ما في ديوانه ، هذا في زمامه فلان وفلان وفلان إلى آخر ما هو من جماعته ، وهذا كذلك وهذا كذلك . فإذا ذهب أحد من أصحاب الأمير زيد إلى الأمير خالد مثلا ، فقال له ادفع لي رزقي المرتب لي من حضرة السلطان ، فإنه ينظر في ديوانه فلا يجده فيه ، فيقول له ليس لك رزق عندي ، فإذا رجع إلى أميره زيد فإنه يغضب عليه ، ولا يقبله في الغالب إلا أن تدركه عناية ، أو عطفة رحمة . قالوا : ومثل ذلك الحضرة العليّة المقدسة ، فإن الأمدادات الإلهية كلها تبرز منها على يد سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ، ثم يفرقها على عدد حضرات المشائخ ، وكل شيخ يأخذ بحسب ما في ديوانه من الأتباع ، وهذا هو الحكمة في أن كل طائفة لا ترى أحسن من طريقها ، ولا أكمل من شيخها ، لئلاّ تبطل تلك الحكمة ، وتختل القسمة .

وقولهم : ثم يفرقها على حضرات المشائخ الخ ... ، مجرد تقريب وتمثيل ، وإلا فإن استمداد جميع العوالم العينية والغيبية من بحره صلى الله عليه وسلم ، له تفاصيل عجيبة تدهش العقول ، فإن القطب له ستة عشرة عالما إحاطيا ، الدنيا والآخرة عالم واحد منها ، والقطب يمدها جميعها ، ويمد ما فيها من الذوات ، يعطي كل ذرة حقها ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يمده بهذا المدد التام ، ويقوّيه على حمل أعباء هذا المقام ، ومَنْ أراد الإطّلاع على ذلك فلينظر كتاب الحجب للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي رضي الله عنه ، وقد تقدم هذا إجمالا على وجه آخر ، وأيضا لذلك موجب آخر يرجع إلى الأول ، وهو ما أشار إليه الشيخ زروق رضي الله عنه ، بعدما ذكر أن اتباع الأحسن أبدا محبوب طبعا ، مطلوب شرعا ، وإنّ التصوف مبني على اتّباع الأحسن ، واستدلّ بقوله تعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، قال :

" والإستحسان يختلف باختلاف نظر المستحسن " . ثم قال : " وتعدد وجوه الحسن يقتضي بتعدد الإستحسان ، فمِنْ ثَمّ كان لكل فريق طريق الخ كلامه " . وقال في محل آخر : " وفي اختلاف المسالك راحة للسالك ، وإعانة له على ما أراد من بلوغ الإرب ، فلذلك اختلفت طرق القوم ، ووجوه سلوكهم ، فمِنْ ناسكٍ يؤثرُ الفضائلَ على كل حال ، ومِنْ عابد يتمسك بصحيح الأعمال ، ومِنْ زاهد يفِرّ مِن الخلائق ، ومِنْ ورِعٍ يحقق المقام بالإحتياط ، ومِنْ متمسك يتعلق بالقوم في كل مناط ، ومِنْ مريد يقوم بمعاملة البساط ، والكل في دائرة الحق بإقامة حق الشريعة ، والفرار من كل ذميمة وشنيعة " انتهى كلام الشيخ زروق .

وانظر إلى ما نقله الشيخ سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه في كتاب اليواقيت والجواهر ، في المبحث الخامس ، في كرمات الأولياء ، ونصه :

فإن قلتَ : فهل القتل بالهمة ، والعزل والولاية ، الذي يقع من بعض الأولياء ، كمال فيهم أو نقص ؟ فالجواب : هو نقص بالنسبة لما فوقه من المقامات ، وقد أُعطِيَ الشيخ أبو السعود بن الشبلي التصرف في الوجود فتركه وقال : " نحن قوم تركنا الحق يتصرف لنا " ، فكان أكمل من الشيخ عبد القادر الجيلاني مع أنه تلميذه ، هكذا ذكره الشيخ في الباب 192 من الفتوحات . وأيضا فإن العارف الكامل لا يجد في الكون شيئا حقيرا يرسل تصريفه عليه ، وينفذ همته فيه . ومِنْ شرط نفوذ الهمة أن يكون على حقير فيرى صاحب الحال نفسه كبيرا ، وغيره حقيرا فيجمع حقارته في قلبه ثم يتوجه إليه فيؤثر فيه . قال : وسمعت شيخنا سيدي عليّا الخواص رضي الله عنه يقول : " الكامل من الأولياء هو من مات على التصريف والتدبير اكتفاء بفعل الله تعالى له ".

ومثل هذا ما ذكره الشيخ العلامة العارف بالله تعالى ، المنلا إبراهيم بن حسن الكردي الكوراني الشهرزوري ، ساكن المدينة الشريفة صلى الله وسلم على مشرفها في رسالته المسماة بالمسلك الجلي في شطح الولي ، فإنه نقل عن الشيخ الأكبر الحاتمي رضي الله عنه من الفتوحات في الباب 198 ، لمّا تكلّم على قوله صلى الله عليه وسلم : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » ، وأتى في ذلك بكلام عجيب ، وكذا على قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام إني عبد الله آتاني الكتاب الآيات ، ، قال في آخر ذلك :

فهذه كلها لو لم تكن عن أمر الهي بالوحي لكانت مِنْ قائلِها شطحا . فإنها كلمات تدلّ على الرّتبة عند الله تعالى على طريق الفخر بذلك على الأمثال والأشكال ، وحاشا أهل الله تعالى أن يتميزوا عن الأمثال أو يفتخروا ، ولهذا كان الشطح رعونة نفس ، فإنه لا يصدر عن محقق أصلا ، فإن المحقق ما له مشهود سوى ربه ، وعلى ربه ما يفتخر وما يَدّعي ، بل هو ملازم عبوديته ، مهيأ لما يرِدُ عليه مِنْ أوامره ، فيسارع إليها ، وينظر جميع من في الكون بهذه المثابة . فإذا شطح فقد انحجب عمّا خلق له ، وجهل نفسه وربه ولو انفعل عنه جميع ما يدعيه من القوة ، فيحي ويميت ، ويوَّلي ويعزل ، وما هو عند الله بمكان ، بل حكمه حكم الدواء المسهل أو القابض ، يفعل بخاصية الحال لا بالمكانة عند الله تعالى ، كما يفعل الساحر بخاصية الصنعة . ثم قال الشيخ محي الدين : هذا إذا كان بحق مذموم ، فكيف لو صدر من كاذب ؟ . فإن قلت : وكيف صورة الكذب مع وجود الفعل والأثر منه ؟ قلنا : نِعْمَ ما سألتَ عنه ، أما صورة الكذب فإن أهل الله تعالى لا يؤثّرون إلا بالحال الصادق ، وذلك المسمى شطحا عندهم ، حيث لم يقترن بأمر إلهي كما تحقق عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . فمن الناس من يكون عالما بخواص الأسماء ، فيظهر بها الآثار العجيبة ، والإنفعالات الصحيحة ، ولا يقول أنّ ذلك عن أسماء عنده ، وإنما يظهر ذلك عند الحاضرين أنه من قوة الحال ، والمكانة عند الله تعالى ، والولاية الصادقة ، وهو كاذب في هذا كله ، وهذا لا يسمى شطحا ، ولا صاحبه شاطحا ، بل هو كذب محض ، صاحبه ممقوت . فالشطح كلمة صادقة ، صادرة عن رعونة نفس عليها بقية طبع ، تشهد لصحابها ببعده عن الله تعالى في تلك الحال " . اهـ كلام ابن عربي بنقل الملا إبراهيم المذكور .

فإن قيل : إنّ الدّل على أفضلية الشيخ مولانا عبد القادر على جميع الأولياء هو قوله قدمي على رقبة كل ولي لله تعالى ، فالجواب : إن هذه المقالة ، وإن تلقّاها جميع الناس بالإذعان والقبول ، فقد حملها الناس على أنّ المراد أولياء زمانه لا غير ، ويأتي فيها ما تقدم من كونها مزية بدليل قضية أبي السعود المتقدمة ، أوعامة في أهل زمانه . وأبو السعود نادر لا حكم له ، والحكم للغالب ، ولم نر أحدا حملها على ما يعُمّ زمانه وغيره ، وعلى فرض وجوده ، فقد تقدمت القواعد المقررة المفروغ منها آنفا ، وانظر لو حملت المقالة الجيلالية على العموم لناقضها ما نقله صاحب ممتع الأسماع وغيره عن الإمام الأعظم ، شيخ المشائخ سيدي أبي عبد الله محمد بن سليمان الجزولي رضي الله عنه وهو قوله :

قيل لي يا عبدي فضلتك على خلقي بكثرة صلاتك على نبيّي .

ومِمّن صرّح بأن المقالة خاصة بأهل زمانه برزخ الشريعة والحقيقة ، شيخ المربين ، وقدوة العلماء والعارفين ، أبو العباس سيدي أحمد زروق رضي الله عنه ، فإنه قال في التوطئة لبيان فضل الشيخ عبد القادر ما نصه :

إثبات الحكم بالذاتيات ليس كإثباته بعوارض الصفات ، فقوله صلى الله عليه وسلم :« سلمان منّا أهل البيت » لأنه متصف بجميع جوامع النسب الدينية ، حتى لو كان الدين منوطا بالثريا لأدركه . وقد قيل في قوله صلى الله عليه وسلم : [ الأقربون أولى بالمعروف ] أنه يعني إلى الله تعالى ، إذ لا يتوارث أهل مِلّتين ، فالمعتبر أصل النسب الديني . ثم إذا انضاف إليه الطيني كان له مؤكِّدا ، فلا تلحق رتبة صاحبه بحال . وقد أُجِيبَ عن قول الشيخ أبي محمد عبد القادر الجيلاني : " قدمي على رقبة كل ولي لله تعالى " ، أنه في زمانه . ثم بين جزئيتين من كثرة عبادته وعلمه ، يعنى مع نسبه الشريف ، ففاق باجتماع هذه الثلاثة فيه جميع أهل زمانه ، فاستحق المقالة المذكورة عليهم .

فإذا حكّمنا هذا الضابط وأخذنا بمقتضاه ، وهو أن كل من اجمعت له هذه الخصال الثلاث استحق الأفضلية الظاهرة المسلّمة على غيره ممن ليس كذلك ، فإن الشيخ الجزولي رضي الله عنه ، لأجل هذه الخصال الثلاث ، نال مثل المرتبة التي نالها مولانا عبد القادر رضي الله عنه ، بل توَلّى الله تبارك وتعالى أن يقول ذلك عنه حيث أخبره به ، وإن كان لا فرق في الحقيقة ، لأن مقالة الشيخ عبد القادر إنما تكون عن إذن من الله سبحانه .وكذلك شيخنا أبو العباس التجاني رضي الله عنه ، فإنه قد اجتمعت له هذه الخصال المذكورة فلا شك ، وزاد خصلة رابعة ، وهي كونه في آخر الآخرين من الزمان ، فلذلك صدر منه مثل المقالة الجيلانية ، بل أزْيد منها . وإنما وقعت الزيادة ـ والله أعلم ـ للخصلة الرابعة ، ولمكان الختم المتقدم ذكره ، وقد أخبره صلى الله عليه وسلم مِن عُلُوّ شأنه على غيره مِنَ الأولياء في الدنيا والأخرى بما يبهر العقول لو ذكرناه . وإنما نذكر الآن شيئا واحدا اقتضاه المقام ، وهو أن جميع الطرق تضمحل ، ولا يبقى إلا طريقه ، وذلك واقع ما له من دافع بحول الله وقوته ، وعناية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك لِسِرِّ الختم الذي تقدم الكلام عليه . ثم نقول كما قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الفيروزابادي رحمه الله تعالى في شيخه محي الدين الحاتمي رضي الله عنه :
واللـه واللـه واللـه العـظـيـم ومـن
إن الذي قـلـت بعـض من منـاقـبـه
ومـا علـيّ إذا ما قلــت معـتـقـدي
أقـامـه  حـجـة للـديـن بـرهـانـا
مـا  زدت  إلاّ لعَـلِّـي  زدت  نقـصـانا
دع الجـهـول يظـن الحـق بهـتـانـا

وهذا لا تسعه حوصلة من حجّر فضل الله تعالى ، وأراد وقفه على ما عرفه واعتاده وقال حجرا محجورا ، بل يتخذ من وصف مولانا جل وعلا بالإطلاق والإختيار عدوا مهجورا ، نسأل الله السلامة والعافية .
وأراهـم  لم يجعلـوا الـواحـد القـهـا
ر فـي  الخـلـق فـاعـلا ما  يـشـاء

أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب
، ويرحم الله القائل
لـكـن  نـور الحـق جـل فـلا  يـرى
إلا  بتخصـيـص مـن اللـه الصـمـد

وما أرى مَنْ حجر فضل الله تعالى ، وأراد إجراء قضاء الله وقدَره على وِفْق مراده وهواه ، إلاّ كما حكى صاحب الذهب الإبريز في مثل هذا ، ونصّه :

ووقعت لي مناظرة أخرى مع بعض الفقراء المنتسبين إلى خدمة الصالحين رضي الله عنهم ، وذلك أني كنت أنا وهو نختلف إلى بعض الأولياء كثيرا ، فلما مات ذلك الولي جعلت أختلف إلى ولي آخر ، وبقي هو في زاوية الأول ، فلقيني ذات يوم فقال لي : أردت نصيحتك يا فلان ، فقلت له : حُبّاً وكرامةً ، وعلى الرأس والعين ، وقد فهمت مراده ، فقال : إنك كنت أولا مع سيدي فلان ، وكانت ولايته لا يشك فيها أحد ، ولا يختلف فيها اثنان ، وقد ذهبتَ اليوم إلى غيره ، فأنت بمثابة من ترك الجواهر واليواقيت واستبدلها بالأحجار ، فقلت له : أنت تتكلم عن بصيرة أو عن غير بصيرة ؟ فإنْ كان كلامك عن بصيرة فاذكرها لنا حتى نذكر لك ما عندنا ، وإنْ كان كلامك عن غير بصيرة فاذكر دليله ، فقال لي : ظاهر مثل الشمس ، فقلت له : فإن قال لك قائل إنّ كلامك هذا يبعدك من الله ويقربك من الشيطان فَبِمَ تجيبه ؟ فسكت ولم يدر ما يقول ، فقلت له : إني فكّرت في دليلك ، وجُلْتُ بخاطري في برهانك ، فلم أجد لك دليلا إلا أمرا واحدا ، فقال : وما هو ؟ فقلت له : إنك تزعم أنك شريك لله تعالى في ملكه ، بحيث لا يعطي شيئا ، ولا يفتح على أحد ، إلا بإذنك . والله تعالى في زعمك لا يعطي إلا بإذنك ، فمِنْ هذا الطريق تهيأ لك الإنكار على عباد الله الصالحين . ولو كنتَ تعتقد أنّ الله تعالى لا شريك له في ملكه ، ولا منازع له في عطائه ، لسلّمتَ لعباد الله تعالى ما أعطاهم ربُّهم عزّ وجلّ من الخيرات ، فقال الفقير : أنا تائب إلى الله تعالى ، والله ما نحن إلا فضوليون وما كنا ننكر إلا بالباطل ، والله الموفق .

تتمة

وقولكم أيدكم الله : " فإنّ التجاني لا علم لك به إذ لم تَلقَهُ ، ولم تَلْقَ عنه ذا عِلْمٍ تثق به إلخ " فإنّ ظاهره صريح أو كالصريح في أن مَنْ لم يَلْقَ أحدا مِنَ المشائخ لا يمكنه اتباعه ، ولا الإنتفاع به ، ولا الدخول في حزبه . وأنه إن فعل ذلك مخاطر بنفسه فقط ، أو بنفسه وغيره إن استتبع أحدا . وهذا يقتضي بفحواه أنّ من لم يلقَكُم ـ حفظ الله وجودكم ـ لا نسبة بينه وبينكم ، بل من لم يلق الشيخ عبد القادر مثلا لا نسبة بينه وبينه كذلك ، ولم نعلم أحدا قال ذلك . وقد علمت سيدي أن اللقاء لم يشترطه أحد حتى من أهل الصحيح ما عدا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه ، شرَط ذلك زيادة في التأكيد ، وقد رأيتَ سيدي ما أقامه عليه تلميذه الإمام مسلم بن الحجاج في أول صحيحه من الأدلة الظاهرة البالغة ، والحجج الواضحة الدامغة ، حتى أبطل ذلك الشرط وهدمه من أول أساسه . هذا في رواية الحديث الكريم . وأما في تلقين الأوراد ، إذا ثبت الإذن فيها على الوجه المعلوم ، فلم نعلم أحدا اشترط اللقاء فيها ، بل ولا المعاصرة ، وذلك لأن صوَر المعتقدات إذا برزت لا تحتاج إلى صوَر الأشخاص ، بخلاف صور الأشخاص فإنها تحتاج إلى صور المعتقدات ، هكذا علّلَ هذه المسألة الشيخ الشعراني ناقلا عن الشيخ أبي الحجاج الأقصري . قال الشعراني :

وفي هذا أعظم دليل ، وأوضح حجة ، لأصحاب الخرقة الأحمدية الرفاعية ، والبرهانية ، والقادرية ، ولا عبرة لمن خالفهم في ذلك وقال إن هؤلاء أموات لا ينطقون ، لأن المقتدى به إنما هو أقوالهم وأفعالهم المنقولة إلينا ، الثابتة عندنا لا أشخاصهم . أنظر ترجمة أبي الحجاج المذكور من الطبقات الشعرانية .

هذا مع أننا والحمد لله مولانا قد لقينا شيخنا لقاء التبرك ، ورأيناه وزرناه ودعا لنا بالخير ، وسمعنا منه ما نفتخر به ونتشرف به في الدنيا والآخرة . وأما الأخذ عنه إذ ذاك فلم نكن بصدده لأن ذلك في حالة الحداثة ، وحين السعي في تحصيل ما قسم من علوم الرسوم ، والأحكام الشرعية . وكنا نظن إذ ذاك أنه ليس الشيخ إلا الذين نأخذ عنهم تلك الرسوم . إلا أنّ الله تبارك وتعالى بفضله ورحمته ألاح لنا في تلك الحالة إشراقة تهدي إلى محبته ومحبة أوليائه ، فكنت أسمع بعض أشياخي الصالحين الذين أقرأ عليهم يقول المرة بعد المرة ، إذا عنت عويصة من أقوال المفسرين أو المحدثين ، قال الشيخ العارف بالله تعالى سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه ، ويبالغ في تعظيم ذكره ، فسألت الناس مَنْ هذا الذي يعظمه الشيخ هذا التعظيم كلما ذكره ؟ فقيل لي : وليّ كبير الشأن ، متبحر في جميع العلوم ، لايُسْأل عن شئ من العلوم إلا أجاب بصريح الحق والصواب ، بلا رَوِيّة ولا مراجعة كتاب ، فيكتب السائل جوابه من إملائه وحفظه كأنه يسرده من أصل صحيح . فكنت أتعجب من ذلك ، وعلمت أن لله تعالى أولياء ، فزرع الله في قلبي محبة الصالحين ، فلم أزل أسأل عنهم وعن أحوالهم ، وخصوصا شيخنا رضي الله عنه ، فأبحث عن أصحابه وأتلقى منهم أخباره وأحواله الشريفة ، فتَرْبُو محبة الله تعالى في قلبي ، ويزداد شوقي وغرامي . فلم يلبث الشيخ رضي الله عنه أن توفي إلى رضوان الله الأكبر وكرامته الباقية ، وكنت مِمّنْ حضر جنازته والصلاة عليه والحمد لله . فلما أخذت طريقته المباركة عن وارثي أنواره .
أتانـي هـواهـا قبل معـرفـة الهـوى
فصـادف  قلـبـا خـاليـا  فتـمـكّـنا

واعلم أيها السيد المبارك الكريم أن حامل الكتاب ، الفقيه البركة السيد عبد الله الفاعم حفظه الله ورعاه ، وأحمدَ في جميع الحالات مسعانا ومسعاه ، لما بلغ هذه الحضرة ، ولقِيَنَا بَشّرَنا بأنه صحِبَ معه كتابا من حضرتكم العالية بالله إلينا ، ولم يدفعه لنا ، وذهب إلى فاس وأقام بها شهورا عديدة ، وذكر أنه وجّهَ لنا كتابكم من فاس مع من أفشاه وأذاع أمره ، وحمله على غير وجهه ، فسمعنا ذلك من الأجانب فصَدّقْنا ولم نقطع ، وكذّبْنَا ولم نَنْفِ . فلما رجع من فاس دفع لنا الكتاب بعدما كُتِبَ بأيدي الناس ، ووصل إلى حضرة السلطان نصره الله تعالى ، وأعلى كلمته ولولا ذلك لكان الجواب على غير هذا الوجه . وقد أبْرَزْتم ذلك الكتاب في صورة النصيحة ، وقد علمتم أن الواجب في النصيحة أن تكون مكتومة ، وإلا كانت فضيحة كما قال الشيخ الإمام زروق ، ونصه :

تعريف العيوب مع الستر نصيحة ، ومع الإشاعة والهتك فضيحة . فمن عرّفك بعيوبك من حيث لا يشعر الغير فهو الناصح ، ومن عرّفك من حيث شعور الغير فهو الفاضح ، وليس لمسلم أن يفضح مسلما إلا في موجب حكم بقدره ، من غير تتبع لما لا تعلّق له بالحكم ، ولا ذِكْر عيب أجنبي عنه ، وإلا انقلب عليه الحكم بقهر القدرة إلإلهية ، وبحسب الحكمة الربانية والوعد الصادق . اهـ المراد منه .

وقد كتب يحي بن يزيد إلى الإمام مالك رضي الله عنه ما نصه :

بلَغَني أنك تلبس الرقيق ، وتأكل الرقاق ، وتجلس على الوطيء ، وتجعل على بابك حاجبا ، وقد جلست مجلس العلم ، واتخذك الناس إماما ، ورضوا بقولك ، فاتّقِ الله يا مالك وعليك بالتواضع . كتبته لك بالنصيحة كتابا ما اطّلع عليه أحد ألا الله تعالى .

فإذا علمتم هذا فاعلموا أيضا أن بعض الناس ، مِمّنْ يزعم أنه من أصحابكم ، والله يعلم حقيقة نسبتهم إليكم ، قد تعلقوا بهذا الكتاب المحدث عنه ابتغاء الفتنة ، ظانّين أن مثل ذلك يضع مَنْ رفَعَه الله ، أو يُهِينُ مَنْ أعزه الله سبحانه .
كنـاطـح  صخـرة يوما ليـوهـنـهـا
فلم يضـرهـا وأوْهـى قرنـه الـوعـل

وربما نسبوا لكم ما لم تقصدوه ، وألزموكم ما لم يلزمكم مِنْ محتمل الألفاظ ، وحاولوا بذلك إيقاد نار الفتنة بين طائفتين عظيمتين من المسلمين ، وأنتم أعزكم الله إنما أوقفكم الله في بابه الكريم لإطفاء نار الفتن لا لإيقادها ، وليس مثل جلالكم ينمى إلى إيقاظها من رقادها . وأما أصحابنا أيدهم الله ، فإن شأنهم الإخلاد إلى الضعف ، والتحمّل للأذى من إخوانهم المؤمنين ، لا سيما من هو منتسب إلى باب من أبواب الله تعالى ، ولكن جنس الإنسان من حيث الجبلة الأصلية على قسمين ، قسم غلبت عليهم الحِدّة وعدم الثبات ، وقسم غلبت عليه الرزانة والتوقّف في الأمور .
فأما القسم الأول إذا ظُلِمَ وبُغِىَ عليه فإنه يحتج بقوله تعالى : الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ويقول :
وكنـت إذا قـوم  رمـونـي  رميتـهـم
فهـل  أنا في ذا يـا آل همـدان ظـالـم

فإذا عوتب ونُهى عن المُجاراة في هذا المضمار ، لجّ وأماط عن وجهه الخمار ، وقال مَن استُغْضِبَ ولم يغضب فهو حمار وأنشد :
لا تطمعـوا إن تهينـونـا ونكـرمـكـم
وأن نـكـفّ الأذى عنـكـم وتـوذونـا

وأما القسم الثاني فإنه لا يزال يتغافل ويتصامم ويغض الطرف ويصرف نفسه عن مقابلة الشر بالشر كلما أمكنه الصرف ، فإذا غُلِبَ ، وانفلت مِنْ يده الصبر وسُلِبَ ، عَصِلَ وحشد ، وقام فأنشد ، قول من كان دأبه اتباع الرشد .
لم أكن من جُنَاتِها علم اللـ
ـه وإني بِحَرِّها اليوم صالي

ومَن نهاه قال له إليك عني ، قربا مربط النعامة مني ، فلو لم تنبه القطا ما سرت ، ولا كانت قبل الإصباح انتشرت ، وهنا قِسْمٌ ثالث لا يفزع إلا إلى التفويض والتسليم ، والشكاية إلى الحكيم العليم ، ولا يزيد على ما كان يقوله صلى الله عليه وسلم :
إن الأُلى قد بغوا علينا
إذا أرادوا فتنة أبينا

وهذا القسم أضر وأنكى على الخائف من سطوة الملك الجبار ، الحكم العدل الغالب القهار سبحانه .
اللهم اشهد فإنك خير الشاهدين ، واحكم بيننا بالحق فإنك خير الحاكمين ، وسلام على الأنبياء والمرسلين والحمد لله رب العالمين . إلى هنا انتهى القصد في جوابكم ، أبقاكم الله ومصدر الرحمة والسعادة من أبوابكم ، وقد تركنا التعرض لكثير من كلامكم لأمور تجب مراعاتها ، ولأن الكلام عليها يستدعي طولا ، ومرادنا التنبيه على ما لا بدّ منه لاغير ، فإن شئتم كان اقتصارا من المدى ، وكل مريد الحق والله أعلم ، وإن شئتم كان استباقا ، وقلتم وقلنا ، فإن القول للقول سلم . وعذرا أيها السيد القدوة الهمام ، والغوث المتبع الإمام ، فمثل علاكم من عذر من اعتذر ، وسارع إلى مغفرة من الله وابتدر ، وقد قدمنا بيان الباعث على الجواب والداعي إليه ، مع الإقرار بسوء الأدب المتوقع لديه ، وقد قيل المُقِرّ بالذنب ما أذنب ، كالمغتسل إثر ما أجنب ، ومن أعظم مواهب الله ونعمه علينا أننا وجدنا في قولكم فيما بلغنا متسعا ، فجعلنا ذلك المبلغ مَعادا لضمير الخطاب ومرجعا ، على أن ما جلبناه من الثقات من الأنقال هي المباشرة للخطاب في تحقيق المقال ، فكنتم على حال مبرّئين ، وكنا بحمد الله غير مجترئين ، وها أنا أقف عجزا وإعياء ، وأنشد استحياء :
يا كتابي بالله قبِّلْ يديه
بدلا من فمي ففيه احتشام

حمدا لمن تفضل على من شاء من عباده ، بما قدره له في أزله مِن وافر إمداده ، وخص كُلاًّ بما أراد ، رغما على من ركب متن العناد ، فالكل بتقديره ، وأنّى لِغَيْرِهِ الخوض في تيار بحار إسعاده وتدميره ، سبحانه مِنْ إله أمَرَ خلقه بارتكاب الإنصاف ، وحذرهم من الإعتساف ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ينبوع الكمالات ، وعلى آله وصحبه بُدُور الهالات ، وعلى أولياء الله تعالى في جميع الجهات وكل الأوقات . أمّا بعد : فقد نجز بِعَون الله طبع الرسالة الموسومة بالجواب المسكت في ردّ ما نسب للطريقة التجانية الشهيرة من الأمور التي ليس لها أصل ، مع بيان أن هاته الطريقة أدلتها أقوى أدلّة ، وأنها جمعت الخير كله ، فرحم الله مؤلفها ما أبرعه ، وبقول الحق ما أصدعه . وكان تمام طبعها بالمطبعة التونسية الرسمية يوم السبت الثامن عشر (18) من شهر جمادى الثانية سنة 1307 هـ .

<< الصفحة السابقة