البحث في نفحات7

 نفحات7 - دراسات - ضحايا من وراء المدنية
الرّئيسيـة > دراسـات > ضحايا من وراء المدنية

بقلم : محمود سلطاني 04/02/2013

من أخطاء الفرد المسلم أنّه يساوي بين الفرد الغربي البسيط وساسته ويزنهم بنفس الموازين ثمّ يحكم عليهم بحكم واحد . صحيح أنّه عرف من الحكّام الغربيين ما يكفيه ليصدر فيهم رأيا راسخا ، إلا أنّ إلحاق الرعية كلّها بدون استثناء ، قياسا على تلك المعرفة ، بالحكّام فيه إجحاف كبير جدّا ، وشطط بيّن ، إذ ليس من العدل أخذ الناس بجريرة الآخرين .
إنّ الفوارق بين مقام الحاكم ومقام المحكوم تصنعها ، أساسا ، طبيعة منظومة الحكم التي اختارتها الشعوب ، إلا أنّ تلك الشعوب نفسها ما تفتأ أن تجد نفسها شديدة النأي عن حقيقة ما اختارته بحكم درجات السريّة والتعقيدات في تنفيذ المصالح القومية في الداخل والخارج . وكلّما كبرت طموحات الدول كلّما اشتدّت التعقيدات السياسية وكلّما انفصلت عن علم القاعدة التي من أجلها أقيمتْ . هذه هي السياسة ومنطقيّ أن تكون كذلك .
ومع انفجار العلوم الحديثة وما أحدثته من ثورة في المعرفة وتطبيقاتها ، اندفع طموح الدول إلى تكوين الأمبراطوريات أو الحصول على عظمتها في حدود البلاد . وكان لا بدّ من توفّر شرطيْن أساسيْن : الفرد المختصّ والمادّة الخام سواء للطاقة أو للتحويل .
ما يهمّنا في هذا المقال هو الشرط الأوّل .
لم تكن العلوم الجديدة المكتشفة تشبه علوم الدنيا قبل الإكتشافات . إنّها علوم دقيقة تجريبية تتطلّب المجهود والنبوغ العقلي والفكري لتحصيلها وترويضها ، ولذلك كان ضروريّا تأهيل مجتمعات بأكملها بإرسال أفرادها إلى المدارس بأصنافها ، وإلى المخابر ، والمعامل بعد إنشائها . ومع المنافسة أصبح لرصيد العبقرية مكانه وثمنه وللمهارات التطبيقية بكلّ مستوياتها أسواق رائجة ، ثمّ ما فتئ أن تجلّى ذلك على هيئة حقوق مشروعة تكفلها الدساتير وتنصّ عليها القوانين . لقد تحوّل الإنسان الغربيّ ، بموجب تلك الحقوق ، إلى إنسان ذي ثقة بنفسه ، وأحسّ بملكية حرّيته واستقلاليته ، وشرعية مكانته بين أفراد مجتمعه . وعند تلك الحدود تتوقّف الأغلبية إذ أنّ ذلك هو كلّ ما تبغيه . وتجتاز قلّة ممّا تبقّى تلك الحدود إلى أغوار السياسة وأسرارها ، ومهمّتها السهر ليس فحسب المحافظة على نفس المستوى الحضاري السائد ولكن على رفعه وتحسينه .
هنا الإنفصال . وهو انفصال موجود في كل دولة ، لكن الفرق بين دولة وأخرى هو طبيعة الصلات النفعية بين المستوييْن : القمّة والقاعدة .
من هذا المنظور كاد يكون للفرد الغربي عالم خاصّ به لوحده ، يعيش فيه كريما ، حرّا ، ضامنا لحقوقه ، متعلّما ومؤطَّرا ، كامل الشخصية . وكان أكبر هاجس لديه هو مقوّمات حياته من سلامةٍ وأمْنٍ وضرورياتٍ ، وأنّ اكتراثه بالأحداث اليومية حوله أو بعيدا عنه من عدمه يتمّ بما لتلك الأحداث من تأثيرات بتلك المقوّمات . ولا نعني بعدم الإكتراث عدم الإطّلاع العميق ، وإنّما نعني به عدم الإرتباط الحيوي المسؤول عن تغيير نمط سلوكه المعتاد إلى آخرَ تظهر فيه بصمات التمرّد والعدوانية إزاء خطرٍ مّا يحوم حول حمى ما هو مقدّس لديه .
لكن الفرد الغربيّ ماديّ حتى النخاع إلى درجة الكفر بالله سبحانه وتعالى . لقد وظّف مكارم الأخلاق لتنظيم حياته باتّجاه الإستقرار والرفاه ، وآمن بالجمال والعدالة والحريّة والمعرفة لذاتها ، واستمتع بلذّاتها ، لكنّه أهمل الروح ، بل شكّ في وجودها ثمّ أنكرها ، وحطّم كلّ الأعراف والمقاييس الإيمانية الغيبية بمعول فلسفات لم تمنحه سوى فرصة الوقوف أمام أسوار الحواس والجرأة على نقد وانتقاد ما عداها ، فعاش بحرمان من بوسعه إحراز الأفضل لكنّه كان يجهل أن هناك الأفضل . إنّ وراء الرأي الملحد والدفعة إلى الإنحلال وشحنة الإجتراء على الحدود المقدّسة وجفاف العلاقات العائلية والإجتماعية والتمسّك بالحسابات الشبيهة بالشح وغيرها ، وراء ذلك كلّه صفاتٌ صحيّةٌ هي من صميم النفس السويّة إلا أنّها في أدنى رتبها حين انهمكت في خدمة النفس والتي هي نفسها ضحية بيئة محدّدة . فذلك الكافر المنحلّ الجافّ ليس إلاّ حالة تطبيقية لقانونٍ طاهرٍ أخلاقيّ كونيّ عامّ يمجّد الحريّة البشرية والصدق في السعي ودقّة التنظيم . وما من شكّ في أنّه بامتلاكه الأصل سيستجيب فطريّا لو غمّسته الأقدار في بيئة أرفع وأرقى . إنّه بمثابة بروفيسور مختصّ في الجراحة وعلاج العلل المختلفة يملك مشفى كبيرا مزوّدا بأحدث المخترعات الدقيقة ، لكنّه لا يعالج فيه سوى الفئران والقطط وما شابهها . أو إنّه كرجل يبذل مجهودات جبّارة للتنقيب على المياه في الصحراء ، لكنّه حين يجدها يضخّها نحو كثبان الرمال . في الحالتين ، إن وقع وشُفِيَ حيوان أو نبتت بعض الأعشاب فنالت منها الإبل وجبة فهي نتائج لا ترقى إلى حجم ما يُنتَظَر من مثل هذه المعدّات .
ما الذي منع الفرد الغربيّ من وسيلة الوصول إلى بيئة تتناسب ومكتسباته ومؤهّلاته فيستغلّها لصالحه ولصالح غيره بأرقى مردود ، ويتخلّص نهائيّا من هذا الهدر لقوّاه ومقدّراته ؟
والجواب : هُمْ حكّامه .
فبقدر ما بلغ حرص الحكّام الغربيين قمّته على تكوين الفرد االغربيّ تكوينا متينا لأغراضٍ استراتيجية قومية ، بلغ حرصهم على عزله عن كلّ اتّصال مباشر بالحقّ المبين وأهله إلا ما ندر ممّا تقتضيه المصلحة . كانت هناك هوّة واسعة بين المواطن الغربيّ والعالم الإسلامي ، وكانت الهوّة تزداد اتّساعا من الضفتيْن . ففي بدايات الفتوحات العلمية وتطبيقاتها مضى الخط البياني في كيفيات الإختراعات وما تشيعه من نعيم وراحة وانبهار في تصاعد مذهل ، وانصرف الغربيون إلى رسم حياتهم ومعائشهم بما يتناسب والمستجدّات المتلاحقة ، وانشغلوا مشدوهين بكلّ جديد وبكلّ قديم محسّنٍ ، ولم يتفطّنوا إلى طوفان الماديات الذي يجرفهم .
وفي المقابل ، على الضفّة الأخرى من الهوّة ، تكفّل نفس الحكّام كذلك بدفع حافتها إلى الوراء ، لكن بوسائل أخرى . وكانت وسائل من ألمٍ وعذابٍ ودماءٍ قتلٍ ودمارٍ ، ودام الأمر وقتا طويلا حتى عُدّ بالقرون . كان احتلال الأوطان ، ونهب الثروات ، والإتّجار بالبشر ، وإبادة شعوب بمنهجية ، وطمس أجناسٍ وثقافاتها وهويّاتها ، وتمزيق وشرذمة للبلدان ثمّ إعادة رسمها على مقاسهم . واستمرّت المعاناة حتى بعد مغادرتهم لبلداننا لأنهم هيّؤوا وسائل جديدة أشدّ غدرا لاستمرار الهيمنة علينا . ولا نزال إلى غاية كتابة هذه السطور لا دور لنا في تحديد ملامح وجه الدنيا التي نسكنها .
لكن مهما كان حرص الإنسان - منفردا أو مجتمعا مع غيره - على التخطيط المحكم وضبط خططه وفق تطلّعاته والسهر على تتبّع دور كل التفاصيل ذات الصلة والسيطرة عليها ، فإنّه يبقى عاجزا على الإحاطة بطبيعة التفاعلات الدنيوية كلّها ، لأنّها تتجاوزه حين تتناهى في الصغر فتتفلّت بين ثقوب شباكه ، وحين تتناهى في الكبر فتخرج عن مجال مدارك رؤيته ورأيه . وقد تكون النتائج مفاجئة وقاسية . بل وقد كانت ، وأتاهم ما يعتبرونه خرابا لبيوتهم من رحم ما تحمّسوا في اعتباره من قبل إعمارا لها . وهي كثيرة ، لكننا سنكتفي بذكر ظاهرتين فقط .
الأولى هي سرعة التنقّل وشيوع وسائلها وزهادة تكلفتها ، وكان هذا بمثابة تمكين سريان الحق على أوجهه الصحيحة في كلّ مستوى وفي كلّ اتّجاه ، في حين لم ير فيه أحد منهم خطرا ، ولو رأى شيئا ، فلا يعدو أن يكون نظرة سطحية للتواصل بين البشر . وبالفعل ، فقد سافر الناس للسياحة ، وهاجروا للعمل والدراسة ، وتشجّعوا على الإستقرار في أيّ البقع شاؤوا ما دامت طريق العودة متيّسرة ومضمونة في حال انقلبت الأحوال .
والثانية ، وهي الأعنف والأعمق ، هي إصابة المجتمعات الغربية بالشيخوخة ، وهي كذلك ظاهرة من إفراز الحضارة العصرية في ما يتعلّق بصورة المؤسّسة الزوجية ودور المرأة في النهضة . لقد كان إصرار المرأة على التخفّف من عبء العائلة الكبيرة لأجل التفرّغ للمشاركة الكاملة الفعلية خارج البيت ، ولأغراض ذاتية ذات صلة بالحفاظ على الجمال وكمال الأنوثة وإطالة أمد النضارة والشباب ، كان مكلفا إلى حدود الإنتحار والإندثار . وحين اصطدمت الجباه بالحقيقة المرّة كان الأوان قد فات لتدارك الخلل والتخلّص من المطبّات الفاصلة بين الأجيال ، وجثت الأزمة بمقاييس الواقع على الصدور ، وكان لا بد من الإلتجاء إلى الترقيع . لكنّه كان ترقيعا بطعم الحنظل لم يصبر الكثير على تجرّعه ، وعلتْ أصواتهم - ولا تزال - تستنكره وتعتبره نوعا من الخيانة للوطن ، لكنها لم توقفه لأنّه هو البديل الوحيد عن الفناء . ولم يفتحوا أبوابهم لكلّ من هبّ ودبّ ، ولكنّهم كانوا يتخيّرون بقدر الإمكان كلّ من له نبوغ ومهارات وقابلية على العطاء ، فكانوا بذلك يريدون أن يسدّوا ثغراتهم الديموغرافية بإفراغ مجتمعات غيرهم من نخبة أبنائها وأحسن ما يملكون فتخفّ مصيبة إحساسهم بزيف جزء من نسيج مجتمعهم وما يمثّله من وهنٍ ونقاط ضعف في كل موضع يتمركز فيه .
والْتقت الشعوب الغربية بعيّنات كثيرة وكبيرة من الشعوب الأخرى ومعها ثقافاتها وعقائدها ، لكن هذه المرّة على قدم المساواة القانونية بصفتها أصبحت من أهل البلد كاملة حقوق المواطنة . إلتقى الفرد الغربي البسيط بالفرد المسلم في المدارس ، والجامعات ، والمؤسّسات بأنواعها ، وفي أماكن الترفيه والمناسبات الإجتماعية الغير الرسمية ، واجتمعوا حول مشاريع حيوية لنفس الوطن ، وأنفقوا من أوقاتهم ما كفى لتكتمل معرفة وثقة كلّ واحد بالآخر فاسحة الطريق لعملية التأثّر والتأثير ، والفضول ومحاولات الفهم ومطاردة الحقائق بوسائل جديدة . لقد باشر المواطن الأصليّ بنفسه اكتشاف المسلمين والعرب وعرفهم على حقيقتهم بإيجابياتهم وسلبياتهم البشرية ، وعرف من خلالهم الإسلام ، فاستغنى بهم عمّن ظلّوا لقرون ينوبون عنه في جمْع وتوجيه المعلومات المتعلّقة بديننا الحنيف ولا يرسموه له إلا على أبشع الصور ، وهو انقلاب على أوضاع مقلوبة أصلا ، وثورة على حملات غسل الأدمغة التي راح ضحيّتها الملايين .
يمكنني القول أني لن أكون مبالغا لو قلت أنّه لا يوجد على وجه الأرض اليوم قوما كفروا أشدّ قابلية لفهم الحق وقبوله من المجتمع الغربي لأنه مجتمع قام في أغلب جوانبه على المنهج العلمي وانتهاج الأسس الصحيحة لأسباب الوجود واستمراريته . ولذلك فإنّه من الجرم في حقّ ديننا الحنيف وفي حقّ هذه الشريحة الضالّة من خلق الله أن لا نغتنم هذه الفرصة النادرة ونهرع لإنقاذهم من ظلام الكفر . وما قدّمناه من حقائق أعلاه لا يُعتبر سوى عيّنة صغيرة بالقياس إلى الملايين في أوروبا وأمريكا لكن فيها ما يكفي من الأمل كي نطوّرها ونوسّع نطاق مفعولها ونجتهد لجعلها من مشاريعنا الطويلة الأمد بصفتها وجه الجهاد الأشد ملائمة للعصر ولهؤلاء بالتحديد .
والعمل شاقّ بدون ريب ، إذْ أنّ مخاطبة الفرد الغربيّ تتطلّب منّا إقناعه بسماعنا ، ولن يسمعنا إلا إذا أقنعناه بأنّنا أهل لذلك ، والأهلية في مفهومه هي كلّ إضافة حيوية للحضارة في مستوى المنافسة السائدة والقدرة على سدّ ما لا يسدّه غيرها من الحاجات أو على قدم المساواة مع غيرها في أدنى الأحوال . قناعته بسماعنا تمرّ حتما على جسر من المشاريع الكبرى الناجحة التي تضعنا في مجال اهتمامه على الدوام ، وتفتكّ لنا الإعتراف والأحقيّة بالإحترام .
أمّا هذه فمسألة أخرى .