البحث في نفحات7

 نفحات7 - هذه الأمة - عمرة رمضان
الرّئيسيـة > هـذه الأمّـة > عمرة رمضان

بقلم : محمود سلطاني    02/06/2017


قرأت كلاما لأحد الكتّاب، نقله أخ لنا على صفحات الفايس بوك، يحمل فيه على المسلمين الذين يولون العمرة في رمضان أهميّة أكبر من العمرة في غيره، وينكر عليهم ما يسميه مبالغة في تعظيمها من غير تمحيص، انسياقا وراء " فقه الروايات وهجر الآيات "، وما ينجرّ عن تلك العقيدة من اختلالات في المفاهيم الصحيحة للدين وما يتّصل بها من سلوك فردي واجتماعي، أبرزه إنفاق ما يعادل 35 مليار جنيه مصري ( هو يتكلّم عن بلده مصر ).
والرجل يعترف بأن التفضيل المذكور موجود بشهادة نصّ حديث رواه سيدنا الإمام البخاري رضي الله عنه في صحيحه، لكنه يلجأ إلى تأويله اعتمادا على رأيه وعلى رأيٍ لسيدنا الإمام سعيد بن جبير رضي الله عنه.
أمّا الحديث في صحيح البخاري فهو:
« عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يُخْبِرُنَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَنَسِيتُ اسْمَهَا -: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّينَ مَعَنَا؟»، قَالَتْ: كَانَ لَنَا نَاضِحٌ، فَرَكِبَهُ أَبُو فُلاَنٍ وَابْنُهُ، لِزَوْجِهَا وَابْنِهَا، وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ، قَالَ: «فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ» أَوْ نَحْوًا مِمَّا قَالَ. »
ثم أورد كلام سيدنا سعيد بن جبير رضي الله عنه من مسند أبي داود:
« قَالَ شُعْبَةُ: فَحَدَّثَنِي أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ خَاصَّةً. »
وبعد أن استشهد بعدم اعتمار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان ولو برواية ضعيفة، وبكراهية السفر في رمضان، أرجع الأمر كلّه إلى دور سماسرة الشركات السياحية في إيهام الناس بأن عمرة في رمضان تساوي حجة معه صلّى الله عليه وسلم.
واختتم كلامه باتّهام المعتمرين في رمضان بالتديّن المغلوط، وجهلهم بفقه الأولويات، ومدافعا عن الله سبحانه وتعالى بقوله: " وهل انت متخيل أنّ إلها يطلب منك ان تزوره وفى بلدك من يبحث عن طعامه في الزبالة؟ "
عبارة الختام تنضح بأسلوب تهكمّي في حق الله سبحانه وتعالى، وكأنّ هذا الشخص قد اطّلع على كلّ ما في علم الله ولم يجد ما يدفع إلى زيارته حين يكون في الدنيا مخلوقا يأكل من المزبلة. وحسب هذا الحكم فإنّ زيارة بيت الله أصبحت ممنوعة إلى الأبد لأنّ من يبحث عن طعامه في المزابل، أو من يضاهيه في حاله المزري، لن ينقرض. حسب هذا المفهوم، فإنه لا حجّ ولا عمرة، في رمضان أو في غيره.
وصدق سيّدنا سعيد بن جبير رضي الله عنه حين قال بأن تلك البشارة خصوصية للمرأة. لكن لا يوجد دليل على أن في الحديث أو أنّ في تصريح سيدنا سعيد ما يدلّ على وقف الخبر على تلك الصحابية الجليلة رضي الله عنها. تلك المرأة المخلصة كانت مناط الحديث وسبب صدوره، لكن بحكم أن كلامه صلّى الله عليه وسلم تشريع، وبحكم أنّه لم يقيّد حديثه بخصوصية معيّنة تعني المرأة دون غيرها، فإنّ الحكم ينتقل إلى العموم لمن شاء أن يحتجّ به أو أن يجعل مضمونه سنّة من هدي سيّد الوجود عليه أفضل الصلاة والسلام.
بل إنّ في الحديث ما يدلّ صراحة على التعميم منفصلا عن مسألة خصوصية الصحابية الجليلة رضي الله عنها، وذلك في قوله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم: « فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ » . ورود كلمة "عمرة" بصيغة النكرة دليل على التعميم. وإن كان هناك من فرق بين عمرتها رضي الله عنها وعمرة باقي الأمّة في رمضان، فهو في احتساب الله لها عمرتها حجّة الفرض من أجل جاه ومقام الرسول الأعظم صلّى الله عليه وسلم، ولغيرها ما يعادل أجر حجة. لقد كانت تلك المرأة سببا لفتح باب من الخير للأمّة الإسلامية، لأنّ حزنها على ما فاتها من مرافقة سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجّه حرّك همّته واستجاب الله له بكرمه وعظيم عنايته، فكان ما كان لصاحبة الشأن وفاض ليعمّ أهل الإسلام قاطبة. قد يكون الحكم نزل في تلك اللحظة على غرار مسائل كثيرة يقول فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني بها جبريل الآن، وإنْ لم يذكره في تلك الواقعة، إلا أنّ سياقه العام ينضح بهذا المعنى. والله ورسوله أعلم وأحكم.
لكن دعونا نلقي نظرة من زاوية مغايرة على الموضوع، ونتفحّص تطبيق " فقه الأولويات" في الأمة، وكمّ المجهود المبذول للتقليل من الفقر والفقراء. إنّ من شأن من يلقي بمثل هذا الانتقاد على شعيرة مدعومة بالنص الصحيح، بحجة الغيرة عن الأولويات، أن يكون على استعداد بإفادتنا عن صور مثالية عن صدق ودقّة السياسات المعتمدة في ترتيب الأوْلى فالأوْلى من ضرورات حياة المواطن بحيث لا ينفق دينار ولا جنيْه ولا درهم إلا في خانة مصلحة مّا من مصالحه الحيوية.
فهل هذا موجود؟
بل، هل هذا موجود ولو بنسبة 5%؟
ما هو موجود حقّا هو ازدواجية خطاباتٍ تسفر عن نماذج من النفاق والكذب وتحقير المَعْنِي بأمر المرافعات المزعومة. إنّ الفاقة من قدر الإنسان في الدنيا لأنّها نتيجة حتمية لحركية معقّدة من ظواهر المصالح والمواهب والسلبيات الفطرية، ولمّا كان المقدور عليه هو تهوين نتائجها وتأثيراتها على من يعاني منها حين تعذّر اجتثاثها كليّا، فهل تتحمّل الأموال المنفقة على الشق الديني مسؤولية تعثّر تطبيق برامج التهوين المذكورة وتأخّر الحلول التي يتطلّع إليها المعوزون لتخلّصهم من بعض إملاقهم؟ ألا يكون التبذير تبذيرا إلا حين يسدد فاتورات العمرة وزخرفة المساجد وتنميق المصاحف؟ وماذا عن مليارات الدولارات التي تصرف لتسديد مستحقّات الدول للجمعيات الدولية السياسية والرياضية والثقافية، وما يفعلونه داخل الأوطان ممّا يفوق معنى التبذير؟ هل ينقرض آكلي المزابل حين يتعلق الأمر بتسديد حصص الأمم المتحدة، واليونيسكو، والفيفا، واللجنة الأولمبية، ومحكمة الجنايات الدولية وووو؟ ألا يعرض البؤس وجهه الدميم سوى حين تنفق الأموال من أجل العمرة، ولا يُذكر الإجحاف والغفلة عن فقر الفقراء إلا حين تُصرف في بناء المساجد وتزخرف ولو قليلا؟ ألا يتذكّر بعضنا رزوح الاقتصاد ومعاناته إلاّ حين يحتجز مسلمٌ تذكرة سفر إلى بيت الله الحرام؟ إنهم يتناسون الأبهة والزخارف والأكسسوارات والتشريفات والبروتوكولات في جميع المراكز الرسمية في الدولة على جميع المستويات أفقيا وعموديا، ويتذرّعون بتعذّر مخالفة الطقوس والتعاليم الدولية الموحّدة، وبالخوف على الهيبة الوطنية والقومية.
شخصيّا، أؤمن بدور الثقافة والرياضة والتسلية الفعّال في تربية وتهذيب المجتمعات والأفراد، لكن ليس حين يمرّ من الوقت أضعاف ما يتطلّبه نضج ثمار الظاهرة دون أن نرى منها ولو حشفا. في ذلك الوقت، لا يسعني إلا أن آسف على حظ الوطن المتعثّر من سلوك الانتهازيين، وأن أندب طالع المقهورين الذين ضحّوا من أجل غلّة ذهبت أدراج رياح لا نعلم من يرسلها ولا من أي جهة تهبّ. ألم يكن الأوْلى إنفاق تلك الأموال من أجل منح حياة كريمة، أو بها بعض الكرامة، لمن هو حاجة ماسّة إليها من حوائج الدنيا التي لا تحتمل التأجيل؟
منطق العقلاء يقرّر أنّه يُرجى من وراء كلّ إنفاق ربحٌ، فما الربح الذي حصلنا عليه من وراء إنفاق أموال الأمّة على مشاركاتنا التي لا حدّ لها في التظاهرات الرياضية والثقافية؟ إنفاقٌ فاق الإهدار ونحن لا نتقدّم قيد أنملة عل رقعة نرى بأمّ أعيننا كيف تمضي الأمم أمامنا عليها نحو الأحسن، تجني نصيبا ممّا خطّطت لنيله ودفعت من أجل تنفيذه وتحقيقه. ما نجنيه نحن هو مجهود موهوبٍ أو اثنيْن، أو ثمرة فلتة مدّة قصيرة من بضع أعوام، هو أقرب إلى انفجار خصوصية فرديةٍ منه إلى السياسة المدروسة، والعمل الممنهج، والرؤية السديدة لمسار النجاح ولو من وراء أستار الغيب.
وكما يقول المثل: " من لا يتقدّم يتأخّر "، فإننا بجمودنا وتجمّدنا نمنح الفرصة لتأخّرنا عن الذين لا يكفّون عن البحث والتجديد، ونساهم في توسيع الهوّة بيننا، لدرجة الاخلال بآليات التواصل الموضوعي، والانعزال شيئا فشيئا حتى نفقد كثيرا من مرجعيات التوجّه وعلامات التموقع.
ومن بين أوجه هذا الضياع، الاحتفال والجلبة والتهويل المبالغ فيه غير المتناسب مع بصيص أيّ نتيجة شبه إيجابية يتيمة محققة وكأنّها فتْحٌ مبين، لدرجة مخجلة تعكس تصنّعا لا تفسير له سوى التخلّف وفراغ الأرواح والوفاض من الجدّ والرصانة والغيرة، في الوقت الذي لا يحفل بمثلها من يقدّر العمل والاخلاص حق قدره، بل يعتبرها فشلا ذريعا يحتّم مراجعة سياسات وتغيير وجوه كثيرة.
في تلك الأثناء، لا يتوقّف - طبعا - عدّاد المحتاجين للسكن والعمل والتطبيب والتربية السليمة والتكوين، وما يحصل تحت ستار التجاهل للسلبيات وغض البصر عن النقد، هو مزيد من اتّساع دائرتيْن: دائرة الانتهازيين ودائرة المحرومين. والضائع بين الدائرتيْن هي القضايا التي رصدت لها أموال لخدمتها وترقيتها، لأنّها وقعت تحت أيادي من لا يخشى الله، وانقشع غبار المندبة على نفس وجه الحال والزمان البئيس.
إنّ مسؤولية ظاهرة الأكل من المزابل ليست ملقاة على ظهر المعتمرين في شهر رمضان، ولا على شمّاعة المؤدّين لفريضة الحج عدّة مرّات، لأنّ أولئك يكونون في أغلب الأحيان من الميسورين من التجّار والزرّاع والمقاولين وأصحاب المشاريع المختلفة، ولهم من الأموال ما يزيد على نفقات عمرة أو حجّة، ولا ينسون أبدا – إلا في ما ندر - واجب إعانة المحتاجين في سائر أيام السنة من الأقارب وأهل الحي، ولا يتأخّرون عن المساهمة بنصيب في صناديق الجمعيات الخيرية. وهذا قصارى ما يُرجى منهم، لأنّ أموالهم مجتمعة لن تكفي كي تقضي على الفقر ولو لم يبقوا لأنفسهم شيئا. فأي غضاضة على هؤلاء إن تمتّعوا وأمتعوا فئة من إخوانهم بما يملكون؟
فإنْ كان هذا الكاتب قد قرر باسم الله أنّه سبحانه وتعالى لا يمكنه دعوة مخلوق له لزيارة بيته وفي وطنه من يقتات من المزابل، فما عساه أن يقول في حق من يهدر شطر أموال أمّة بأكملها لزيارة عواصم العالم من أجل لعبٍ ولهوٍ وعبثٍ لم نحسنْه حتى كتابة هذه السطور برغم عشريات من الزمان تكفي لمن لم يُجبل على الاعتبار أن يعتبر. فهل يوجد حمق أشد من حمق من يلقي بنقوده من النافذة – كما يقول المثل – من أجل المشاركة في أمر كمالي ترفي بالقياس إلى ثقل الضروري المُتجاهَل الذي لا تقوم الحياة ولا تسمّى باسمها إلا به؟
ما من شك في أن الخلل صادر عن معضلات كبرى في المفاهيم الأساسية للحياة نفسها، وفي ترتيب أولوياتها في القسط المفهوم، وفي ملابسات تصريف الضرورات غير المتناسبة مع عقيدتنا وتوجيهات ربّنا جلّ وعلا، وأكثرها – حتى لا نقول كلّها – تقليدا وضعفا وهوانا، حتّى لا يقال متخلّفين، وقد قيل، ولا يزال يقال، ولن يعرف قولهم حدّا.
الأمر الذي لا ريب فيه هو أن إرادة الله في تشريعاته هي الوقود الذاتي للمؤمنين لتطبيقها، ولذلك فهي سارية في كل حين، برغم العراقيل، تدفعهم موجة تلو موجة دون توقّف حتى توقف نبض الحياة، فيهم أو في الكون.
وإن كان من خوف على الاقتصاد، فالمحقق أنه لن يأتي من فجّ مؤمنٍ يمّم وجهه نحو البقاع المقدّسة، وإنّما الخوف كلّ الخوف من فجاج يسرح اللصوص من خلالها ويمرحون دون حسيب أو رقيب.