نفحات7 ـ البترول : روح الحضارة العصرية ـ التكرير
الرّئيسية > عصـرنـا > البتـرول : روح الحضارة العصريـة > التكرير



لماذا التكرير ؟

بعد خروجه من باطن الأرض لا تبقى للبترول صلة بها سوى صلة التاريخ والإنتساب . لقد أصبح المنتوج صاحب الجلالة ، الآسر للقلوب والألباب ، والمبهر لجميع الأنظار . ينتظره الكلّ انتظار الماء والهواء ، ويشعّ عند حضوره الأمل بتحويل ما لا نهاية من الأحلام المنسوجة إلى حقيقة .
والبترول على هيئته الخام لا يصلح لأيّ غرض تقريبا ، لكنه يحتوي ببطنه على " أجنّة " تساوي الذهب والأحجار الكريمة ، ومن رحم هذا السائل اللزج الراكد تتفجّر قماقم سحرية تنبجس منها عيون تنفخ الحركة والقوّة والنظام بأوصال المادة الموات ، فتزهر وتثمر وتنفع كما يفعل النبات والشجر .
البترول ـ كما علمنا ـ مزيج من الهيدروكربونات ، وهو يختلف من حقل لآخر ، وكما يقال عند أهل المهنة أن هناك أنواع من النفط بقدر عدد الآبار المحفورة ، لكن ذلك لا يعني بأيّ حال انتفاء التصنيف والحصر . فمنها الأسود اللزج الذي يحتوي على الكثير من سلاسل الجزئيات الثقيلة ، ومنها الرمادي الأكثر سيولة ، وهو خفيف به غازات مُذابة ، وبينهما أصناف تختلف باختلاف نسب المكوّنات الثقيلة والخفيفة .
كذلك لا يكاد نوع ـ ثقيل كان أم خفيف ـ يخلو من مكوّنات كبريتية ، وأحماض ضارة بالمعادن والأشخاص والبيئة . وتقول الإحصاءات العلمية أن نسبة 60 % من نوعيات البترول في العالم تحتوي على كبريت ، وأنّ هذا الرقم سيقفز إلى 80 % لو استغلّت بقية الإحتياطيات .
من أجل كل هذه الأسباب المذكورة ، لا بد من تكرير البترول لتصفيته وإعداده للإستهلاك ، وتحويله إلى مواد بسيطة ، مستقرّة إلى حدّ ما قدر الإمكان .
وبنظرة شاملة سريعة يمكن القول أن المشتقات الخفيفة مثل وقود وسائل النقل هي الأكثر طلبا ( 50 % ) نظرا لتسارع التقدم في هذا لميدان . ثم تأتي بعدها المشتقات المتوسطة كالقازول ووقود التدفئة ( 30 % ) . أما المشتقات الثقيلة فلا تأخذ سوى 20 % . ويقول بعض الخبراء أن البترول الجزائري هو من بين الأصناف النادرة التي تتوافق مع هذه النسب طبيعيا .
التكرير

يصل البترول إلى محطة التصفية ، ويعالج معالجة أخيرة كما فُعِلَ به في محطّات التجميع بمكان إنتاجه ، فينقّى من الماء والغاز الجاف ، ومن كل ما علق به من ترسبات وأجسام صلبة ، ثم يُضَخّ بعدها إلى أبراج التصفية .
في الماضي كانت المصفاة عبارة عن برج واحد بداخله تتمّ عملية التكرير ، أمّا اليوم فلم تعد تكفي ، وتعددت المصافي ، وتقدمت تقنيات التصفية ، ونقصت تكاليفها . ونظرا لأهميّة مشتقات البترول في موازين الحضارة والتقدّم ، ونظرا لتكاثر الطلب عليها ، فإنّ كل دولة أصبحت تتكفّل بتصفية بترولها بنفسها حتى وإن لم تكن منتجة له ، وتضع سيايتها الخاصة في التكرير .
ويوجد أكبر تجمّع من المصافي ( بمكان واحد ) في العالم بالصين . أما أكبر نسبة في امتلاك المصافي فهي بحوزة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية ( 40 % ) ، وهي أيضا الدول التي تستهلك 40 % من الإنتاج العالمي للبترول .
وتتم عملية تصفية النفط الخام على مراحل كما يلي :
1 ـ الفصل بالتّقطير : للحصول على المشتقات من الأثقل إلى الأخف .
يضخ الخام بأسفل البرج الذي يصل ارتفاعه إلى 60 مترا تحت حرارة تتراوح بين 350 د و400 د . تبدأ على الفور عملية تبخّره وارتفاعه إلى الأعلى . كلّما ارتفعنا بداخل البرج قَلّت الحرارة لأن مصدرها عند أسفل القاعدة . يتكثّف عند كل مستوى معين المشتق المناسب لتلك الحرارة ، ويستقر على صفائح موصولة بأنابيب تقوده إلى خزّانات خارج البرج وضعت خصّيصا لجمعه .( شكل ) .
2 ـ التحويل بالتجزئة
يُبْقي لنا التقطير مادة ثقيلة غنيّة قابلة للتجزئة واستغلالها لتلبية طلب المستهلكين الملح على مواد أكثر خفة . تُحَطَّم تلك المادة الثقيلة تحت تأثير حرارة تصل إلى 500 د مع إضافة منشط للعملية ، تتحوّل عندها أكثر من % 75 منها إلى غازات وبنزين وقازول . وقد تفوق تلك النسبة إذا استعمل الهيدروجين ، وتقنيات إزالة الكربون . إنها عملية مكلفة لأنها تستهلك كثيرا من الطاقة لكنها فعّالة جدا .
3 ـ التحسين
وهي إزالة الشوائب والأجزاء الغير مرغوب فيها ، وتعديل المنتوج وفق القياسات المرجعية العالمية . من ذلك عملية إزالة جزيئات الكبريت وأحماضه Desulfuration .
تحت حرارة 370 د وضغط 60 بار ، وإضافة الهيدروجين ، تُصَفّى القازول من ذرّات الكبريت بسبب التحامها بالهيدروجين لتعطي حامض الكبريت H2S ، والذي يعالج فيما بعد لإنتاج الكبريت .
هناك قوانين صارمة في العالم ، وخاصة المتحضّر منه ، تسيّر نسب الكبريت المسموح بها في الوقود نظرا لبالغ ضرره بالبشر وبالبيئة .
ويتنافس أصحاب المصافي دون وهّن في استخراج مواد جديدة ، بالمزج بين مادة ومادة ، تكون أكثر ملائمة للبيئة مثلا ، أو إنتاج وقود يحافظ على صلاحية المحركات ويطيل في فترة خدمتها .
مشتقات البترول الرئيسية

بعد كل مراحل التصفية نحصل على المواد التالية :
  • بنزين Essence، غاز البترول السائل GPL ، قازول ( ديزل ) Gas oil :
    الوقود لوسائل النقل ( سيارات ، طائرات )
  • وقود التّدفئة ، والوقود الثقيل :
    التدفئة ، وقود للبواخر والقاطرات ، أفران صناعية ، مصانع إسمنت ، أجُر ، ورق ، زجاج ، ومصانع حرارية لتصنيع الكهرباء .
  • الزيوت :
    لتشحيم المحركات ، زيوت للتحكّم الهيدروليكي ، صناعة الحبر والمبيدات والمطّاط ، الزيوت البيضاء الصيدلانية ، شمع لوقاية المعادن ، ومواد للصيانة .
  • البيتوات ( الإسفلت ) :
    لتعبيد الطرقات ، إحكام البناءات و عزلها ، والغراء ضد الصّدأ .
  • الغاز : للإستعمال اليومي في البيوت .
  • مواد للصناعة البتروكيميائية :
    - لدائن Polymeres : بلاستيك ، عوازل .
    - ألياف اصطناعية : النايلون .
    - مطّاط صناعي .
    - مذيبات : حبر طابعات ، طلاء ، غراء ، وصبائغ .
    - منظّفات .
    - مبيدات .
ودون القارئ الكريم مثالا تقريبيا لما يعطيه برميل ( 158.97 لترا ) من البترول من المواد المشتقة عند خروجه من المصفاة . المثال خاص بتقنيات التصفية في الولايات المتحدة الأمريكية ، وقد يختلف من نوعية نفط إلى آخر ، ومن مصفاة إلى أخرى ، كأن تختلف كمية البنزين المستخرجة من برميل واحد في مصفاتين مختلفتين بتغيير طرق وأساليب الفصل أو التجزئة .

المادة المشتقّة المقدار ( لتر )
وقود73.8
قازول ومادة للتدفئة34.8
كيروزان ( للطائرات )15.2
ديزل ثقيل ( محطات حرارية وتصنيع )8.7
غاز بترول7.2
غازات أخرى خفيفة ( إيتان،بروبان،بوتان )7.2
فحم6.8
أسفلت4.9
مادة للبتروكيمياء4.5
مادة تشحيم1.9
كيروزين للإنارة0.7
شمع وشحوم1.1

البتروكيمياء

هي علم قائم بذاته يعتمد على بعض من مشتقّات البترول ، قامت على أسسه صناعة تكاد تكون المرادف لوسائل العيش في عصرنا الراهن . لقد تغلغل البترول ومشتقاته في حياتنا اليومية ، وتدخل في دقائق رفاهيتنا ، لدرجة أن الكثير ممن هم على قيد الحياة لا يتصوّرون إمكانية العيش بدونها ، ويشهد أصحاب الأعمار المتقدمة أنهم لم يعرفوا أيام شبابهم هذه الألبسة ، والأحذية ، والأدوات البلاستيكية . لقد كانت المنتوجات البتروكيميائية طوفانا كاسحا غمر كل ركن من أركان حياتنا في وقت قصير جدا فاق قدرة متابعة التخيّل ، وحال دون التفكير المتروّي عند جُلّ الناس في جذوره وبداياته ، وكأنه كان حاضرا منذ آماد كالمنتوجات الطبيعية المعروفة في البرّ والبحر والجوّ .
ظهرت التقنيات البتروكيميائية متأخرة مقارنة بعهد دخول استهلاك البترول بقوة في بداية القرن العشرين . فقد بلغ مجموع المنتوجات البتروكيميائية سنة 1950 ثلاثة ( 03 ) ملايين طن ، نصفها من البلاستيك . وبلغ الإنتاج سنة 2000 ، 192 مليون طن ، منها 140 مليون طن من البلاستيك .
لماذا هذا التأخّر

سنة 1930 بلغ إنتاج البنزين والقازول ( الديزل ) والكيروزين أقصى غزارته نظرا لاستعمالاته المكثّفة والمضمونة . لكن أصحاب المصافي لم يجدوا مجالا لاستعمال مشتق بترولي اسمه " النفتا " Naphta ينفصل عند درجة حرارة بين الكيروزين والبنزين بأعلى البرج ، وتسمّى كذلك " البنزين الثقيل " . إنها مادة قابلة للإشتعال وملوّثة ، فماذا يفعلون بهذا العبء ؟
بعد جهود اكتشف العلماء أن باستطاعتهم ، وبواسطة التفاعل " البوليماري " Réaction de Polymérisation أن يحوّلوا هذا السائل إلى مواد أخرى مفيدة كـ " البوليمار " Les Polymères وتسمى بالعربية " اللدائن " ، والألياف الإصطناعية ، والمنظّفات الخ... .
اكتشفوا أن نوعية من الجزيئات الهيدروكركونية Monomères لها القدرة على الإلتحام مع بعضها تحت ظروف حرارة وضغط معيّن ، وبواسطة منشطات للتفاعل Catalyseurs ، لتعطي في النهاية جزيئا واحدا طويلا يسمى " بوليمار " polymère .
يتمتّع هذا الجزيء بخصائص فيزيائية مختلفة عن تلك التي كانت بحوزة الجزيء الأصلي . فمثلا هناك أنواع تكون شديدة الصلابة قاسية وتقاوم الصدمات ، وأخرى على العكس تماما ، فهي رخوة مرنة ناعمة عند اللمس ، ومن ناحية ثانية يوجد من اللدائن ما يقاوم الحرارة الشديدة ، وأخرى سريعة التحلل . ومع مرور الوقت واكتساب التجربة في مجال البتروكيميائيات صُنِّفَتْ البوليمارات حسب التخصص والحاجة والطلب . وهي موجودة على شكل حبيبات أو مساحيق ، ولا بد من تحويلها بالتسخين ، والإلتحام ، والطحن ، والمزج بمواد أخرى ، ثم إعطائها أشكالا وألوانا ، وإعدادها بالمواصفات التي تتناسب مع استعمالاتها ، وهذا من اختصاص الصناعات البلاستيكية والمنسوجات ومستحضرات الزينة .

<< النقل    الأسعار >>