البحث في نفحات7

 بأي حال عدت يا رمضان
الرّئيسيـة > هـذه الأمّـة > بـأيّ حـال عـدت يـا رمـضــان

بقلم : محمود سلطاني

بسم الله الـرحمـن الـرحيـم
وصلى ربنا على ذي الجاه ، نبينا وحزبه الأوّاه


ويعود رمضان المبارك .. كل عام وأنتم بخير
عبارة نرددها كل سنة ، لكنها عبارة فقدت معاني الخير المرتجى من دوران الحول ، وتقلب الأحوال. أصبحت رنينا روتينيا تنفثه الشفاه ، وتخطّـه الأقلام كل سنة وتضعه جثة باردة في الآذان والمآقي ، فتتلقـّاه هذه وتلك بلا تحمس ولا اكتراث ، ويذوب صداه وظلـّه في اللحظة نفسها في انتظار عودة المناسبة لمعاودة إصداره ومضغه
كل عام يأتي بنصيب وافر من النكسات لهذه الأمة ، فيزيد من رصيد كل فرد فيها من فقدان الثقة ، ومن أحاسيس المهانة المفضية إلى اليأس ، وفي أحسن الأحوال إلى التشاؤم
الظلم والحيف والجور ينهمر من كل صوب
من وراء عقول جبارة أنشأت حضارة مادية جارفة متغطرسة على قدر درجات الأثرة والأنانية الساكنة في طبائع أصحابها
ومن جنبات جدران بِـيـَعٍ وكنائس موهتْ الحقد بحب الـرب ، وأخفتْ تحت جلابيب الخير أحلك مكائد الأشرار ، ونصبت في محاريب التعبد والقرب أفـتـك حـراب العدوانية والعنصرية
ومن أطراف الأنامل المتقِـنة ، وحنايا شعارات الحرية ، دفقات سموم الإهانة وطعن المشاعر في كل مقتل ، والإجهاز على كل عزيمة وأمل
لقد تضافرت مواهب الأعداء في حبك الخطة بإحكام ، وتردد صدى نواياهم فلبوا بالإجماع ـ أو يكاد ـ نداء خفيا كامنا زُرِعَ في الصميم
لكن ليس هذا هو العجب ، فنحن لا ننتظر من عدونا الخير
إن العجب في قوم منـّا ومن بني جلدتنا وعقيدتنا يثلمون الصفوف وهي أحوج ما تكون إلى الرص ، ويفرقون الأمة وهي في أمس الحاجة إاى كل رابط
قوم نصبوا أنفسهم قضاة على ما حوته قلوب الخلق ، وحكموا بفساد عقائد الموحِّـدين ، ووصموهم بالكفر والإبتداع فأحدثوا أهم الثغرات لتسلل العدو بين ظهرانينا ، وكانوا أحسن معين له على بلوغ مراده
إن التشكيك في صدق إيمان الناس أدخل الوهن في علاقة الإخوة مع بعضهم البعض ، وصور لكل فريق أن غيره خطر ، ومصدر ريبة ، وباعث توجّـس وحذر، فتشرذمت القوة الموحّـِدة وصُرِفت إلى ما لم تخلق له
إن هؤلاء الجهلة ـ وهم يظنون أن العلم والتوحيد لم يعرف سوى أوطانهم ـ قد استغلوا ظروفهم الجغرافية والتاريخية وما أغدق الله عليهم من نعم ، فاجتمع لهم من وسائل التأثير ما يكفي لاستقطاب كل خبّ انتفاعي ، أو ضعيف ساذج تخدره أطياف الواجهات المنمقة ، فتاجروا بمصير الأمة فأدخلوها سوق البوار ، وسطى الباطل المجهز على رسالة الحق الخالي الوفاض من أدوات تصنيع البهتان والإختلاق ، فكانت له جولة أُهـدِرت بسببها أثمن الفرص وأعظمها مردودية لتجنيب الأمة كثيرا من الويلات ، وتوفير الجو الملائم لها لتتبوّء مقعد الصدارة والقيادة كما كانت بالأمس حينما تشبع علماؤها بالتواضع ، وأحب بعضهم البعض ، فاستبشروا عندما اتفقوا ، ونشدوا الأعذار عندما اختلفوا ، فكان حسن الظن هو الركيزة ومناط التكتل والإلتفاف ، وعماد الهيبة والجانب المرهوب
لقد خرج من ظهور هؤلاء وتخرج من مدارسهم جماعات تقتل المسلمين ، وتتقرب بسفك دمائهم إلى الله ، وتزرع الفتنة . خوارج جدد تأخذهم العزة بالإثم كلما ارتفع صوت يطالب بتقوى الله في هذه الأمة ، مستبدون بالرأي متصلبون لا أمل في بادرة ليونة منهم تبشر بحوار أو تراجع مشرّف ولو كلف ذلك ترويع الأبرياء وهلاكهم
هذا هو نتاج التمادي في التشدد في الدين ، والتساهل أكثر فأكثر في تكفير وتجريم المسلمين ، وأهل الذكر وأنصار الصالحين ، وسوف لن تتوقف ألسنة لهب نيرانه حتى تأتي على من أضرموها فيكونون طعاما لها
لن نملّ من تكرار القول بوجوب إزاحة هذا الكابوس بعيدا عن صدر الأمة ، لا أقول بالعنف أو الإيذاء ، ولكن بقوة العلم والمعرفة والحضور الدائم وعدم تمكينهم من الإستئثار بميادين الإتصال بالجماهير ، مع مراعاة تحري البراهين المقنعة ، والأدلة الدامغة على خطإ فكرهم وآرائهم . تلك هي القوة الحقيقية لإعادة توازن وعافية الأمة ، واسترداد دولة الحق المتسعة لكل أهل القبلة بلا استثناء
تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام بمحض فضله وجوده ، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ـ آمين