البحث في نفحات7

 نفحات7 - تحقيقات - نفحات رمضانية من زاوية تماسين
الرّئيسيـة > تـحـقـيـقـــات > نفحـات رمضـانيــة مـن زاويــة تمــاسـيــن

بقلم الأستاذة: نزهة القلوب التجاني 28/05/2018

يكتسي شهر رمضان في الزاوية التجانية بتماسين خصوصية حضارية وسلوكية جديرة بالاهتمام، تجسدها منظومة متكاملة من العادات والتقاليد والقيم ، التي تعكس تقديس أهل الزاوية لهذا الشهر، وتَجنُّدهم لتأثيثه بممارسات ذات طابع تعبّدي وسلوكي واجتماعي واقتصادي. شهر رمضان في تماسين هو شهر التعبّد و" الرّجوع إلى الله " والعودة إلى النمط التقليدي، سلوكا وأكلا وملبسا، فترى الصائم سخيا، كريما، حريصا على التصدّق وعلى " اللمّة العائلية "، كما تتحوّل الزاوية ليلا إلى حاضرة مضيئة في كل شارع وزقاق فيها، حيث يتعاون أبناء الامام التماسيني فيما بينهم على تزيين كلّ ركن فيها، ابتداءا من مسجد الضريح، جامع الجمعة، المدرسة القرآنية، المجمع الثقافي...
تستقبل المساجد عبر الزاوية روّادها في الأوقات الخمسة وتسطع أنوار المساجد في صلاة العشاء والتراويح بحيث تكتظ بالمصلّين، وهذا ما جعل المصلّين يتوزّعون عبر فضاءات الزاوية الأربعة ما يشعرك بالارتباط الوثيق بين أهل الزاوية وبين دينهم وتمسّكهم بقيمهم ومبادئهم. هذا ويعكف المجمّع الثقافي للزاوية التجانية على تنظيم الدروس الرمضانية كلّ ليلة بعد صلاة التراويح بمباركة الشيخ الدكتور سيدي محمد العيد رضي الله عنه، وهي عبارة عن سلسلة من الدروس اليومية تقام خلال أيّام الشهر الكريم بحضور كوكبة من الأساتذة و العلماء من تماسين ومختلف المناطق المجاورة، حيث تنوّعت محاور دروس هذا العام، " رمضان 2018 "، في حضرة الشيخ سيدي العيد رضي الله عنه حول ( فقه العبادات - فقه المعاملات - الإعجاز العلمي في القرآن الكريم - الخطاب التجاني - محبّة الله - زخّات من الفكر الصوفي )، شارك فيها: الأستاذ النذير التجاني – الأستاذ محمد البشير خير الدين التجاني – لوصيف خالد - المنصف بن الصديق – محمد العيد يمبعي – الامام عبد الباسط التجاني - السعيد بسيْ – بلهادف بن سالم\، وغيرهم. كما تنظم الزاوية كل عام دروسا للنساء تلامس الواقع الاجتماعي التعبدي والترقوي للمرأة المسلمة وتحظى بإقبال كبير. بالاضافة الى سلسلة من الدروس الرمضانية خاصّة بالأطفال كلّ إثنين وجمعة من تأطير أطفال المجمّع الثقافي للزاوية تتخلّلها أسئلة حول الدرس.
و في أجواء يميّزها التزايد الكبير من ختام القرآن الكريم، تُحيي الزاوية التجانية بتماسين ليلة القدر، حيث تتوافد الجموع الغفيرة من المواطنين من مختلف الربوع لأداء صلاة التهجد وإحياء ليلة القدر سعياً وراء المغفرة والأجر والثواب وسط أجواء إيمانية اتّسمت بالروحانية. وتتجلّى مظاهر الاحتفال بتماسين في إقامة ليلة ٍ دينية لتدارس القرآن وتلاوة الأذكار والصلوات، ومهرجانات للمديح والسماع، وتكريم حافظي كتاب الله الذين يتم الاحتفاء بهم بطريقة خاصة، حيث يُتَوِّجُهم الشيخ سيدي العيد رضي الله عنه بالبرنوس، ويُزفّون لبيوتهم بالتقاصيد على صهوة الجياد، فضلا عن تكريم الفائزين في مختلف المسابقات الدينية و الفكرية. وتستقطب الزاوية التجانية بتماسين المئات من مُريديها من مختلف أنحاء الوطن، خاصة الولايات المجاورة، لإحياء ليلة القدر، حيث التقرب من شيخ الزاوية والالتفاف حوله، والأخذ بتوجيهاته بما يخدم المجتمع والمشرب والأمّة جمعاء. إحياء الليلة المباركة يمتدّ إلى ساعات متقدّمة من اليوم الموالي، يصدح الرجال فيها بين الفينة والأخرى بأروع الأناشيد التي تغنّت بفضائل ليلة القدر وخير الأنام صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم. ٳنّ أهمّ ما يميّز ليلة السابع والعشرين في الزاوية هو اعتكاف المساجد وامتلاؤها عن آخرها بالرجال والنساء على حدّ سواء الى غاية الفجر.
كما تنظّم المدرسة القرآنية بالزاوية، بمباركة الشيخ سيدي العيد رضي الله عنه، مسابقة " رتاج القرآن الكريم "، والتي أضحت تقليدا تعكف على تنظيمه كلّ عام، يؤطرها نخبة من الأساتذة المُجازين في أحكام التلاوة والقراءة، ومختصّ في الأصوات ( المقامات )، حيث يشارك في الطبعة السادسة لهذه السنة تسع مدارس قرآنية من المقارين، والزاوية العابدية، تبسبست ، بلدة اعمر، قوق، تماسين. ويهدف القائمون من خلالها إلى تحسين مستوى الطالب ورفعه إلى مصاف القرّاء العالميين، وخلق جوّ التنافس بين الطلبة.
إنّ مائدة الإفطار في الزاوية تتوّج بـ" الجاري ( الدشيشة ) ". فإلى جانب '' الدشيشة '' يوجد جاري '' الهريسة '' والذي يحضّر بالقمح المهرّس، وهي أكلة ذات جذور افريقية أتى بها الأفارقة الذين كانوا في الزاوية، وشربة الثريد والذي يصنع على شكل مربعات من العجين تحضرها المرأة قبيل رمضان. أمّا الأطباق الأخرى فلا تعتبر رئيسية. ويعتمد في تحضير هذه الأطباق على عدة أنواع من التوابل ( اللفاح ) حيث تتحضر النسوة لرمضان طيلة شهر شعبان باقتناء " لفّاح "، وهو خليط من كل التوابل لاستعماله في تحضير أنواع من الأطباق خلال الشهر الفضيل، وهي عادة متوارثة من الجدات، يشترين التوابل بشكلها الطبيعي، ثم يعملن على تنقيتها وتجفيفها، بعدها طحنها وخلطها بمقادير معينة للحصول أخيرا على " لفاح ". أما السحور فيكون بطبق " البَنْداراق " أو " السلق "، بحيث يُقَطَّع ويضاف إليه اللحم والحمص والبطاطا والزيت والفول اليابس، ويُطهَى على نار هادئة، ثم يسقى به الكسكسي، أو طبق المسفوف بالزبيب.
أمّا الأطفال الصغار فيتمّ " تصويمهم " في نصفية رمضان وليلة القدر، ويحظى الطفل الصائم باهتمام كبير، ويتمّ إعلام الأقارب والجيران بصومه ليكون محلّ اهتمامٍ تشجيعا له على أداء هذه الشعيرة الدينية العظيمة، حيث يُحضّر للطفل الصائم 07 سُفر. إلا أنّنا نشير إلى أنّ العديد من الأطباق والحلويات العصرية دخلت على خط المنافسة مع ما ذكرناه من أطباق. كما يحرص الأباء في الزاوية على ختان أبنائهم في ليلة القدر، بحيث يجهّز الطفل ليلة الـ27 من رمضان ويؤخذ لزيارة ضريح سيدي الحاج علي التماسيني رضي الله عنه بالتقاصيد لتوضع له الحناء، وهذا حسب عادات وتقاليد الزاوية، ثم يرجع للبيت للاحتفال به وسط الأقارب والجيران، وفي اليوم الموالي تجرى له عملية الختان.
ومع قرب انقضاء أيّام هذا الشهر تختلط مشاعر الحزن بالفرح، الحزن على فراق هذه الأيام المباركة بما فيها من البركات ودلائل الخيرات، والفرح بقدوم أيّام العيد السعيد. وبين هذه المشاعر المختلطة يظلّ لهذا الشهر أثره في النفوس والقلوب وقتاً طويلا.