البحث في نفحات7
 

 نفحات7 - هذه الأمة - أزمة أخلاق الحكّام
الـرّئيسـيــة > هـذه الأمّـة > أزمــة أخــلاق الحـكّــام

بقلم : محمود سلطاني 28/11/2019

تمرّ السنوات الطوال على بعض الشعوب لا يرون من حقوقهم المشروعة سوى نسبة ضئيلة، ويفقد الكثير منهم الأمل تحت ثقل الوعود المتكررة من حكّام بلدانهم التي لا يتحقق منها شيء.
لكن، حين يبلغ منسوب الإحباط درجة اليأس المدمّر، ويتحوّل المزيج إلى غضب كاسح يقتلع الناس اقتلاعا من تربة صبرهم وخوفهم ويدفع بهم بقوّة سيله إلى خارج بيوتهم، محتجّين على تردّي أوضاع عيشهم، متخطّين جميع أصناف الحواجز دون حذر من بطش المستبدّين ووعيدهم وإجراءات ثنيهم عن مواصلة ثورتهم، وحين يتحقق الفاسدون من أن الأمر قد بلغ نقطة اللارجوع، وعزم المواطنين قد عُقِد على مواجهة الواقع مهما كانت الأثمان، ويدركون يقينا أنّ الخطر يحدق، ليس فحسب بمناصبهم، ولكن أيضا بوجودهم، فإنّهم يلتجئون، فجأة، إلى تغيير لهجتهم ومصطلحاتهم المنذرة إلى لهجة ودّية، فيها الكثير من اللين وخفض الجناح، ويبادرون، سراعا، إلى قطع حبل الماضي القريب بإيقاف المألوف من الممارسات، وإعفاء بعض المسؤولين من مهامهم، ومحاسبة البعض الآخر، وترى، بين عشية أو ضحاها، ما كان مستحيلا قد بات ممكنا، وما كان مبررَ الانعدام منذ زمن بعدم توفّر الفرص والإمكانيات قد وصل أصحابه بأسرع مما تصوروه أنفسهم.
فمن أين وُلِدت هذه الحقوق وهي التي كانت في رحمٍ لا يُعرف له عنوان، أو لكأن صرفها لأهلها كان هو الخطوة الموالية التي تلقي بالدولة إلى هاوية التلاشي، وعليهم، هُمْ وحدهم، انتظار بزوغ قاعدة ارتكاز جديدة ونقطة توازن مغايرة تضمن سلامة الوطن، حينها يصبح لكل حادث حديث. كيف تبخّر الخطر على البلاد دفعة واحدة، وهو الذي لم يتزحزح قيد أنملة في بحر عشريات، اختلفت أنواع كثيرة من الظروف عليها، وتحركت عجلة الزمن بأوجه عديدة عليها وعلى بلدان أخرى؟ ألم يتصادف أن ظرفا جاء بما ينصف الناس ويعزز جانب حقوقهم، ويمنح، ولو مرة، الطبقات الوسطى والفقيرة المسحوقة مفتاحا ملائما لأبواب فرجهم؟
ما بيد حاكم فعله لو كان واقع بلاده الذي يصفه لمواطنيه صادقا ولو ثار الشعب بأكمله، وأهلك الحرث والنسل، ولم يترك في بنى الوطن حجرا على حجر؟ بل ما الذي كان في جراب الحاكم من حيل أمام طوفان الثورة ولو تعرّض إلى تقطيع أوصاله وأعضائه؟
فقد كان الكذب إذن؟
ولا يمكن أن يكون إلا الكذب مهما تستّر أولئك، أو من يهرع لإنقاذهم، وراء تفسير التلكّئ والتجاهل والتخلّي والنسيان، بجهل البسطاء والعامّة بحقيقة الأوضاع في سدّة الحكم، وبطبيعة الواقع، المتشعّب والمعقّد، الذي كان على المسؤولين إدارته، في الداخل والخارج، على جميع مديات المستقبل. وكأنّ المسؤول، أو من ينبري للمرافعة عنه، يرمي بالكرة في معسكر القاعدة، ويصوّر لهم نفسه أنّه أشدّ همّا ونكدا منهم، ويحمّلهم الجزء الأكبر من ذلك بعدم فهمه وإيثار مصلحتهم الشخصية عن المصلحة العامّة التي لا يعلمها سواه.
وبالرغم من أنّ في هذا الطرح كثيرا من الحق، إلا أنّه في الحالة التي نطرحها، كذب محضٌ، لأنّه، مهما كان حجم المشاريع والمخططات والتطلّعات السياسية والاستراتيجية، لا وجود لمسوّغ موضوعي واحد للقفز النشاز على مراحل قاعدية من صلب الحياة البشرية ولو تعلّق الأمر بقبيلة بدائية تعيش في قلب غابة من غابات العالم. كيف يتسنّى لنظامٍ مّا التفكير في المدى المتوسط دون المرور بالمدى القريب، وبالمدى البعيد دون وضع المدى الوسيط نصب عينيه؟ بل كيف يمكن لحاكم، يدّعي أنه يسوس شعبا، أن يتطرّق إلى مرحلةٍ مستقبلية ولا يجعل ضرورات المجتمع الأساسية من منطلقات تفكيره؟ بمن يروم بلوغ أهدافه؟ بقوم جياع، مضطهدين، فارغي العقول، وفاقدي الثقة؟ عن أيّ مستقبل يتحدّث الفاسدون والمستقبل لا يمكن أن يُرفع إلا بأحرار يمارسون حريّتهم ويتمتّحون بجلّ حقوقهم؟ إنه لمن السهل على المستبد حمل الشعب على اقتسام فكرته ظاهرا، واتّباع خطّته في تنفيذها، لكن ما فائدة أيادي تُجبر على الحضور ولا يزيد أصحابهاعلى وضع راحة اليد على الحمل المراد رفعه، في حركة تمثيلية للنجاة من عقوبة التغيّب؟
أمواج من الكذب تحاول اللاحقة منها ترقيع أسمال السابقة، لكنها تزيد تورّطها بشاعة وافتضاحا، ويصحو الوطن على مآسي وكوارث، وتجاوزات يولّد الظلم فيها ظلما وظلمات تصيّر الناس إلى وحوش ولصوص ومجرّد كائناتٍ تستعمر أرضا.