البحث في نفحات7

 نفحات7 - محاضرات - دور رجال الطريقة التجانية في مقاومة الإحتلال
الـرّئيسيـة > محاضـرات > دور رجـال الطريقـة التجانيـة في مقاومـة الإحتـلال


تقديم الأستاذ الشيخ : سيّدي أحمد محمد الحافظ عبد اللطيف التجاني : شيخ الطريقة التجانية بجمهورية مصر العربية .

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه على كل حال ، حمدا يوافي نِعَمَه ويكافئ مزيده ، لا إله إلاّ هو مالك الملك وهو على كلّ شيء قدير ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ، ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربّنا هب لنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من أمرنا رشدا ، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحقّ وأنت خير الفاتحين ، وصلاة وسلاما على سيّدنا محمد طبّ القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ، الطاهر المطهّر الشفيع المشفّع، سيّدنا محمد أفضل العرب والعجم ورسول الله إلى أفضل الأمم الفاتح الخاتم صلّى الله عليه وسلم كثيرا ، أما بعد :
كان المؤرّخون المسلمون منصفين ، فقد كتبوا عن خصومهم فأشادوا بما فيهم من فضل ، وعمل المستعمرون من الأوروبيين على إخفاء كلّ فضيلة في الأمم الإسلامية وعلى إلصاق التهم الكاذبة بهم ، والدسّ والوقيعة بينهم .
فإذا أراد الباحث استقصاء مآثر الدول الإسلامية التي قامت في إفريقيا الغربية ، وجاهدت المستعمرين ، ونشرت راية الإسلام ، لا يجد من المراجع ما يكفي لأنّ المستعمرين أبادوا ما كتبه الأوّلون ، وعملوا على تعليم النشء أمجادَ أوروبا ، ونسبوا إلى أنفسهم كلّ فضيلة ، فصار غالب المسلمين الذين ابتلوا بهم يعلمون الكثير عن أوروبا وتاريخها ، ويجهلون تاريخ العرب والمسلمين ، اللهم إلاّ الشيء القليل .
وكان المستعمرون المحتلون لبلاد المسلمين يعملون على طمس اللغة العربية ، لغة القرآن الكريم ، وإقامة المدارس الفرنسية ومنع إقامة المدارس العربية والإسلامية ، فكانوا ينشئون كنيسة ومدرسة ومستشفى وهذا التجمع لا يدخله إلاّ المسيحيون برعاية المحتلّ الغاصب للبلاد ، ولا يستفيد منه المسلمون ، وبعد التخرّج يعيّنون الدارسين للّغة الفرنسية في المصالح التي يتحكّمون فيها ، وبذا يضيّقون على المسلمين ، فماذا فعل شيوخ الطريقة التجانية إزاء هذا الوضع المؤلم الذي يؤدي ببساطة شديدة للجهل والفقر والمرض ؟ لقد أقام شيوخ الطريقة مدارس في بيوتهم لتحفيظ القرآن الكريم واللغة العربية والنحو وغيرها، واستخدموا الطبّ النبويّ في علاج المرضى ، وعلّموا أبناءهم الزراعة ورعاية الماشية والأغنام ، وبذلك تغلّبوا على القهر الاستعماري البغيض ، وهنا في هذا البحث سوف نتعرّض لعدد من المجاهدين من أقطاب الطريقة التجانية بما يتناسب مع الوقت المخصص للبحث ، حيث إنّنا لو تتبّعنا جهود شيوخ الطريقة التجانية وجهادهم ضدّ الاحتلال الأجنبي لَما كفى مجلّدات ضخمة ، ونعتذر لكلّ من لم يذكر من هؤلاء الأبطال الذين ضحّوا بحياتهم فداء لأوطانهم وأهليهم ودينهم ، ومازال هناك جنود مجهولون يناضلون لدحض الأشكال الجديدة للاحتلال المتمثّلة في التحكم في الاقتصاد ، ومنع تقدّم الدول الإسلامية ، واحتكار التكنولوجيا المتقدّمة والسلاح والبنوك والإعلام ، إلى آخر ما يحتاجه الإنسان المسلم .
وهؤلاء المجاهدون هم :
1 - سيّدي أحمد عمّار التجاني وأخوه سيّدي البشير من أحفاد الشيخ الأكبر سيّدي أحمد التجاني مؤسّس الطريقة التجانية والمدفون بالمغرب في مدينة فاس :
عندما احتلّت فرنسا الجزائر وطغت وبغت ، تصدّى سيّدي أحمد عمّار وأخوه سيّدي البشير والسادة التجانية لهذا الطغيان ، واعتقل سيّدي أحمد عمار في 10 فبراير 1869 م وأخوه سيّدي محمد البشير ونفوهما إلى بوردو بفرنسا ، وظلاّ طوال الحرب السبعينية بين فرنسا وألمانيا معتقلين بفرنسا .
2 - سيّدي بن عمر التجاني : ذكر مولانا الشيخ محمد الحافظ التجاني في كتابه (الانتصاف) طبعة الزاوية التجانية بتماسين ص 39 ، ما أذاعته محطّة صوت العرب بمصر يوم الاثنين الموافق 18 مارس 1957 م أنّ الاستعمار الفرنسي اعتقل سيّدي بن عمر التجاني زعيم التجانيين ، والسيّد باش آغا حميده والسيّد مولود بالأغواط ، حيث وجدوا عندهم أسلحة وصِلَة وثيقة بالثوّار الجزائريين .
3 - شيخ الإسلام الحاج عبد الله نياس وخليفته الشيخ إبراهيم نياس الكولخي : يقول الأستاذ إبراهيم تيام تلميذ الشيخ في مؤلّفه ( 25 سنة على رحيل الشيخ ) في ذكر مواقفه الشجاعة في مواجهته العدوان الاستعماري على إفريقيا : " كان الشيخ معروفا بمواقفه الشجاعة لدحض محاولات الجمعيات التبشيرية التي كانت تساندها السلطات الاستعمارية لاستقطاب المسلمين المحتاجين ، فيبيّن لهم أنّ الرزق على الله ، فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « إنّه من يتعفّف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله » . ويؤكّد الشيخ أنّ السنغال لم ولن تكون أبدا لقمة سائغة في أفواه الاحتلال الأجنبي .
ويعود الشيخ إبراهيم بذاكرته إلى سنة 1340 هـ ، تاريخ وفاة والده المجاهد الكبير شيخ الإسلام الحاج عبد الله نياس الذي نشر الإسلام في طول السنغال وعرضها ، وعمل هو وتلاميذه على نشر أنوار الكتاب والسنّة ، والتحذير من فتنة الاستعمار الفرنسي ، حيث خاض معارك طاحنة من الجهاد المسلّح ضدّ المستعمرين والوثنيّين الغزاة في ملاحم مشهورة بالسنغال .
ثم يستطرد قائلا : وهكذا وجدتُ نفسي أمام المسؤولية في استمرار مسيرة والدي ، ولولا فضل الله ما استطاع أحد أن يتغلّب على الأساليب الشيطانية للحكم الاستعماري المظلم في تلك الفترة .
4 - الرائد الأوّل للجهاد في الشام وفلسطين البطل الشيخ عزّ الدين القسّام خليفة الطريقة التجانية بحيفا :
ولد محمد عزّ الدين القسّام في بلدة جبلة عام 1300 هـ الموافق 1883 م ، ودرس بالأزهر الشريف ، وأكمل دراسته في تركيا ، ثم عاد معلّما ومدرّسا وخطيبا ، إذ ألقى موعظة لفتت أنظار الحاضرين إليه، وتساءلوا فيما بينهم : من هذا الذي أسر القلوب ببيانه ؟ فكانت دعوة القسام لإحياء الإسلام بصورته الشاملة التي تهتمّ بقضايا المجتمع . وقد كان للشيخ عزّ الدين القسّام علاقات مع علماء الطريقة التجانية ، منهم الشيخ سيّدي محمد عبد المالك بن العلمي الذي عرّفه بدار سيّدي أحمد التجاني ، فأصبح الشيخ عزّ الدين القسّام عالم من علماء الطريقة التجانية ، المتمسّكين بالكتاب والسنّة ، والحرص على العمل الصالح ، والتخلّق بمكارم الأخلاق .
جهاده :
وقد أجاد الطالب جمال غريسي والأستاذ علي غريسي من الزاوية التجانية بالوادي بالجزائر ، وقدّما بحثا قيّما حول شخصية الرائد الأوّل للجهاد في فلسطين الشيخ عزّ الدين القسّام خليفة التجانية بحيفا ، فلا نكون كالمثل القائل : " يبيع الماء في حارة السقايين " ، ونكتفي بما قيل في هذا البحث في جهاده للمحتلّ الفرنسي والبريطاني ، وقطعان الصهاينة .
5 - فضيلة الشيخ علي الدقر :
ولد في دمشق عام 1294 هـ الموافق 1877 م من أسرة صالحة ، وكان رضي الله عنه عَلَم الأعلام ، أسس الجمعية الغرّاء لتعليم أولاد الفقراء ، وكان له الدور الرئيسي لقيام الثورة السورية ضدّ الاحتلال
6 - فضيلة الشيخ عمر بن سعيد الفوتي :
ولد الشيخ عمر سنة 1212 هـ بالسنغال ، وحفظ القرآن الكريم عن والده سعيد بن عثمان ولم يتجاوز عمره اثنا عشره سنة ، واجتهد في تحصيل العلوم الشرعية وتبحر فيها قبل الثلاثين من عمره المديد ، وكان يدعو المسلمين للعمل بكتاب الله العزيز وشرحه لهم ، وقراءة السنة المشرفة ، فأقبل على صحبته خلق كثير . فخاف أعداء الإسلام من المستعمرين الفرنسيين وملوك الكفار من ظهور عصبية إسلامية تهدّد تخومهم ، وتساءلوا فيما بينهم : هل يتم تمدين السودان الغربي على يد فرنسا وضبّاطها المسيحيين أم على يد التجانية رسل الإسلام والسلام ؟ ولذلك عملوا على إطفاء هذا النور في بدايته ، خاصّة وقد رأوا الكثير من أتباعهم يعتنقون الإسلام ويلتحقون بالشيخ عمر بن سعيد الفوتي ، فاضطّر للدفاع عن الإسلام ومعتنقيه بمحاربة الاستعمار الفرنسي ، وبنى إمبراطورية إسلامية مترامية الأطراف ، حتى إن المؤرّخين الإفرنج تباهوا مشيرين إلى أن إفريقيا كادت تكون كلّها إسلامية لولا قضاء فرنسا على السلطة التجانية بغرب إفريقيا ، بقيادة عمر بن سعيد الفوتي و أنجاله وأتباع الطريقة التجانية بقيادة شيوخها .
ومن أقوال الشيخ عمر بن سعيد الفوتي في مجاهدته للاحتلال الفرنسي : " حاربناهم فهزمناهم مرارا ، ثم جاءونا بأسلحة لا قِبَلَ لنا بها ، يصيبوننا ولا نصيبهم ، فعلمنا أنّ الأمر حتم "، ولجأوا إلى خندق ، فوشى بعض الخونة على مكانهم ، فأطلق المستعمرون عليهم الدخان والغازات السامة ، فخرج بعض أبنائه فقاتلوا حتى قتلوا .
7- فضيلة الشيخ محمد الحافظ التجاني :
ولد الشيخ رضي الله عنه عام خمسة عشر وثلاثمائة وألف من هجرة الرسول بمحافظة المنوفية من أعمال الديارالمصرية . وتعلّق قلبه بالعلم والعلماء منذ طفولته ، ثم درس القرآن والفقه والحديث والتفسير وغيرها على كبار علماء عصره ، وقد وهبه الله ذاكرة عجيبة وحافظة واعية ، فكان لا يقرأ شيئا إلاّ حفظه ووعاه ، حتى أنّ أحد علماء الشام قابله في منى في الحجّ ، ولمّا سأله الشيخ عن علماء الشام بأسمائهم قال للحاضرين مع الشيخ : يا قوم إنّ شيخكم لموسوعة في حفظ الأسماء .
دور الشيخ محمد الحافظ في مقاومة الاحتلال الإنجليزي في مصر :
أخبرني الحاج فريد مرسي التجاني ، مقدّم الطريقة وأحد الذين أدخلهم الشيخ الخلوة ، قال : كان شيخنا الحافظ عضوا في جمعية اليد السوداء لمجاهدة الإنجليز ، وكان للجماعة موقع سرّي ، وعند اجتماعهم يجدون الشيخ يدخل عليهم مسرعا ويطلب منهم مغادرة المكان فورا ، وما أن يغادروا إذ بالضبّاط الإنجليز والجنود يدخلون المكان ويدمّرونه . كما أخبرني أنه رضي الله عنه عمل ساعيا بالسفارة الإنجليزية ، فكان يصوّر الوثائق الخطيرة والمستندات الهامة ويرسلها إلى قادة الثورة والدفاع المدني .
هذا وقد أخبرني الشيخ بنفسه أنّه كان يركب الحصان من الشمس إلى الشمس في الدعوة إلى مقاومة الاحتلال ، وفي أواخر عام 1918 م قاد ثورة شعبية ضدّ الاحتلال البريطاني لمصر من البرّ الغربي للنيل ، وكانت ثورة أخرى بالبرّ الشرقي ، ولولا أنّ الإنجليز فتحوا كبري أسيوط لنجحت الثورة ، ولكنّها أجهضت لانقسام الثوار ، قسم بالشرق وآخر بالغرب ، حيث أطلق عليهم جنود الاحتلال النار فاستشهد عدد كبير من الثوار .
ولقد عثرتُ في أوراق والدي على خطاب من قريبه بأسيوط ، واسمه أحمد أبو بكر ، أرسله لعمّي عبد العزيز عبد اللطيف في أسيوط في 18 سبتمبر 1918 م ، يقول فيه : " حضرة المحترم ولدنا عبد العزيز أفندي عبد اللطيف ، بعد السلام والسؤال عن صحّتكم ، لعلّكم بخير وسلامة ، أعرّفكم الأسبوع الماضي قبض على أخيكم عبد الحافظ في نقطة شارع الخزان الساعة 11 مساء ، وجاءوا به صحبة مكنوتن مفتّش الداخلية وواحد ريس وواحد عسكري ، ودخلوا معه منزلنا وأجروا تفتيش الأودة الساكن فيها وتفتيش هدومه ، ولمّا لم يجدوا عليه اثبات تركوه بعد أخذ وردّ وإهانة وقت دخول المفتش المنزل وإجراء التفتيش أمر لا يمكن التعبير عنه . بالاختصار أرجو التنبيه على أخيكم بأن يأخذ هدومه من مترلنا ويسكن محلّ ما يرغب بعيدا عنّا ، أو أولى أن يقدّم استعفا ويترك أسيوط لأنه الآن أصبح مهدّد وتقريبا مراقب من رجال الحكومة .... إلخ " ، (مرفق صورة أصل الخطاب).
وأخبرني الأستاذ محمود الحبيب سعيد عبد الحافظ ، وهو على قيد الحياة الآن ، ووالده وجدّه من كبار علماء التجانيين ، أنّه سأل سيّدنا الشيخ محمد الحافظ التجاني عن موقف التجانيين من الجهاد ، فأجاب رضي الله عنه : " إنْ شُقّتْ عظام التجانيين تجد الجهاد محفورا فيها وممتزجا بدمائهم " .
كما روى لنا واقعة القبض على مولانا الحافظ الذي قال : إنّ الانجليز أمروا باعتقاله ، فحبس في حجرة بمفرده ، فوجد عنده بالحجرة ، وهي مغلقة عليه ، من يسأله : أنت هنا ليه ؟ فأجابه بأنّه مسجون ، فقال له : قلْ مَعَ ثَنْيِ الأصبع : وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (1) عشر مرات مع الأصابع العشرة ثمّ افتح يديك إلى الأمام واخرج . قال فضيلة مولانا محمد الحافظ : ففعلتُ مثلما قال ، وخرجت من باب الحجرة ثم من باب السجن نهارا ظهرا ، والحرّاس واقفون كما هُمْ ، أمّا القائل لي فَقَدْ اختفى من الحجرة بعد أن قال ما قال .
وختاما أتوجّه بخالص الشكر والتقدير لفخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ، ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، ومعالي الوزير ، وسيادة الدكتور محمد العيد التماسيني ، وسائر القائمين على تنظيم هذا الملتقى ، سائلا المولى عزّ وجلّ أن يجعل ثواب ذلك في ميزان حسناتهم ، والحمد لله أوّلا وآخرا .




سورة يـس ، الآية 66 .