البحث في نفحات7

 نفحات7 ـ لشبابنا - العقل الواعي واللاواعي
الـرّئيسيـة > لشبـابنـا > العـقـل الـواعـي واللاواعــي


بقلم الأستاذ: عزّ الدين يمبعي 07/05/2018


هل تساءلت يوماً لماذا تبدو لك الأمور صعبة حينما تفكر في التغيير الإيجابي، فتشعر و كأنّ شيئا يمنعك ويعيقك عن ذلك، بل ويعتريك الفزع حين تتّخذ القرار وتقترب من نقطة التحول، فتجد نفسك تفضّل البقاء على وضعك القديم، وكأنّ نمط حياتك قد فُرض عليك، هذا كلّه رغم وجود الرغبة الملحّة لديك ،ما يتسبّب لك في كثير من المشاكل كالروتين، والملل، وعدم الرضى، والتراجع في العطاء، بالإضافة إلى التردّي في الكثير من الجوانب ؟ و لماذا تأتي الفرصة أمامك فتنحّيها جانبا أو تؤجّلها؟
و تارة قد تملك الخطة وكلّ العوامل المساعدة على النجاح، مع وجود القناعة والإرادة القويّة بضرورة التغيير، إلاّ أنّك بعد الدراسة والتمحيص، تقف عاجزا عن الإنجاز فتذهب أحلامك وأهدافك سُدًى. فما هو السبب وراء ذلك؟
لكي نوضح الأمر علينا أن نعرض بعض الأمثلة، والتي هي من واقعنا اليومي :
يُفترض أنه من ضمن أهدافك المكتوبة أنك تنوي تحسين وضعك المادي من خلال إنشاء مشروع إضافي عن دخلك الشهري لتؤمّن به مستقبلك، وتشتري مسكنا فسيحا أفضل من القديم، وتقتني سيارة جديدة تتخلّص بها من معاناتك اليومية، إلاّ أنّك في اللحظة الحاسمة ترفض الدخول في التجربة، وفي النهاية ترضى بالقليل الموجود وترفض الكثيرالمجهول.
و كطالب مدرسي، فأنت تعلم يقينا أنّ السبيل إلى تحقيق النجاح والطموح والحصول على المكانة والدور في المجتمع، ونيل أعلى درجات العلى، لا يتمّ إلا بالجِّد والإجتهاد والمثابرة، فتحاول المواظبة على ذلك كلّ يوم فلا تستطيع، فتعيد اتّخاذ القرار من جديد، وذلك في كلّ مرّة، و لكن بدون جدوى.
ولماذا تفشل في الإقلاع عن سلوك معيّن كالتدخين مثلا، لِمَا يسبّبه لك من أضرار صحّية كسرطان الرئة وإنسداد في الشرايين، ولأنّه يقتل أكثر من 2,5 مليون شخص في العالم سنويّا؟ هذا كلّه رغم وعيك وإدراكك التّامّ بضرورة التوقّف عن التدخين.
قصدتُ هنا أن أذكر أكثر من مثال ليتسنّى لنا الحالات الأخرى المشابهة، فيتضح لنا أنّ حياة الإنسان في صراع دائم مع مقاومة التغيير، والخوف من فقدان مزايا الوضع الحالي.
لنرى الآن ما يحدث في عقلك، وما هو الشيء الذي يعيقك عن التغيير حينما تأتي الفرصة لديك فترفضها، أو هدف معيّن تريد الحصول عليه، أو سلوك قديم ترغب في التخلّي عنه.
ينقسم العقل إلى جزئين: عقلٌ واعي وعقل لاواعي (الباطن).
فالجزء الأوّل هو المسؤول عن تخطيط و تجهيز الأهداف ودراستها، لأنّه يتميّز بالمنطق والتحليل والترتيب والإستنتاج، ويعمل بالتركيز، ويمكنه أنْ يتعامل مع ما يعادل 40 بايت من المعلومات لكلّ ثانية (البايت أصغر وحدة قياس للمعلومات الرقمية في الحاسوب والإتصالات)،و يسيطر فقط على أقل من 5 بالمئة من قراراتنا وسلوكاتنا.
أمّا الجزء الثاني، وهو العقل اللاواعي، فهو الذي يساعدنا لبلوغ تلك الأهداف وتحقيقها، ويتميز بأنّه مخزن العادات والمعتقدات والمشاعر والمحفزات الداخلية للسلوك. فهو نتاج تجاربنا السابقة، كما هو مسؤول على كلّ وظائف الجسم كالتنفّس ودقّات القلب وغيرها، بالإضافة إلى الحركات اللاشعورية. إلاّ أنّه يعمل بالإسترخاء، عكس العقل الواعي، ولا يفرّق بين الحقيقة والخيال. كما يمكنه أن يتعامل مع 40 مليون من المعلومات لكلّ ثانية، إذًا فهو أقوى وأسرع من العقل الواعي بكثير.
المشكلة هنا تكمن في العقل اللاواعي، وهو أنه فعلا يساعدنا لبلوغ وتحقيق تلك الأهداف كما أسلفنا، لكن فقط عندما تكون الأفكار الصادرة من العقل الواعي تتوافق مع العقل اللاواعي. وأمّا إذا كانت غريبة فهو يرفضها، وفي هذه الحالة يصبح معيقا لا مساعدا. ولو أنّنا لم نحصل على التناغم و الإنسجام بين هذين الجزئين فربما من المستحيل تحقيق تلك الأهداف .
تحضرني هنا قصّة الفيل الصغير " نِيلْسون " الذي ابتاعه أحد الأثرياء من صيادين أفارقة، ثمّ رُبط وقتها من ساقه بحبل متّصل بوتدٍ خشبيٍّ، فكان يحاول في كلّ مرّة التخلّص من أسْرِهِ. وظلّ يدور في إطار محدود بلا جدوى حتى كُبر ذلك الفيل وأصبح بديهيا بوسعه إقتلاع ذلك الوتد، إلاّ أنّه لم يحاول بَذْلَ جهدٍ أقوى من المعتاد، وبقي على حاله ظنًّا منه أنّه لا يستطيع ذلك. لنفترض أن الرجل الثريّ اعتلى هذا الفيل وأراد أن يقوده في اتّجاهٍ معيّنٍ لكي يخلّصه من أسْرِهِ، مستعملا بذلك كلّ قوّته، بينما ظلّ الفيل واقفا في مكانه ولا يستجيب لطلب صاحبه. تخيّل معي الآن النتيجة النهائية في موقفٍ مثل هذا حينما تتنافس فيه إرادتان وقوّتان بهذا الفارق، إنّ النهاية حاسمة بلا شك.
هذا أبسط تشبيه على ما يدور في عقولنا. فالرجل هنا يلعب دور(العقل الواعي) الذي كان يريد إطلاق سراح الفيل، ولأنّه منطقي ومفكِّر فهو يعي أن الفيل يستطيع بقوّته أن يتخلّص من ذلك القيد، إلا أنّ الفيل هنا، الذي لعب دور (العقل اللاواعي)، بقي حبيس ذلك الإطار المحدود في التفكير، وهو عدم القدرة على اقتلاع القيد الذي يمثل (المعتقد العيق).
أريد أيضا أن أعرّج على حالات تكاد تمرّ بنا يومياّ، ومنها مثلا عندما ينوي الشخص أن يبدأ في ممارسة الرياضة في الصباح الباكر، فيضبط المنبّه على السادسة، وعندما يحين الوقت يقوم بإيقاف المنبه تلقائيا وبدون شعور ثمّ يستمرّ في نومه.
وقد ينوي أحدنا إجراء بحث في موضوع معيّن، أو كتابة مقالة مثلاً، فيقرّر أن يبدأ في ذلك مستعيناً بالأنترنت، إلاّ أنّه في الأخير يجد نفسه مبحراً ومستغرقاً في الفايسبوك أو اليوتوب، وذلك في كلّ مرّة.
مَن الذي فكّر وقرّر ممارسة الرياضة، وإجراء البحث أو كتابة المقالة؟ إنه العقل الواعي.
ومن الذي جعلك تُوقف المنبه وتستمّر في نومك، وتؤجّل عمل البحث وتستغرق مع الفايسبوك واليوتوب؟ إنّه العقل اللاواعي.
يسيطر العقل اللاواعي بقوة على قراراتنا وسلوكاتنا. لقد تمّتْ برمجته بيئيا خلال السنوات الأولى من حياتنا. فهو أشبه بتلك الأرض الخصبة التي تمّ غرْسُها بأفكارٍ ومعتقداتٍ وعاداتٍ حتى تكوّن لدينا إطار معهود في التفكير (paradigm)، والذي ترسّخ في عقلنا الباطن بحُكْم التكرار المصحوب بالأحاسيس، وصار برمجة ثابتة تتحكّم في تفكيرنا وسلوكنا وتصرّفاتنا، وترفض كلّ فكرة جديدة تعارض البرمجة القديمة والمألوفة، كما يتمتّع بنظام حمايةٍ قويٍّ يسهر على حراسة البرمجة القديمة، والحفاظ على الراحة و الأمان .
نأمل أنّنا تمكنّا من تحليل وتشخيص المشكلة، وفي المنشور القادم -بإذن الله- سنتعرّف على نظام الحماية والأساليب التي تُمكّننا من التغلب على العقل اللاواعي، وكيفية إعادة برمجته، وبالتالي الوصول إلى الإنسجام بين الجزئين من العقل.