البحث في نفحات7
 

 نفحات7 ـ الرّماح ـ االفصل الثامن
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > الرّمـاح - فهرس الجـزء الأوّل > الفصـل الثامن


في إعلامهم أنّ الله تعالى لم يوجب على أحد التزام مذهب معين من مذاهب المجتهدين لا يتجاوره ، وأنّ كل واحد من أئمة هذه الأمّة رضي الله تعالى عنهم أجمعين تبرّأ من ادّعاء وجوب اتّباعه هو وحده في كلّ مسألة من مسائل الدين دون غيره من الأئمة لعلمهم بأنّ الإتّباع العام لا يجب إلاّ لمعصوم .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق : قال الشيخ أحمد زرّوق في تأسيس القواعد والأصول وتحصيل الفوائد لذوي الأصول :
لا اتّباعَ إلا لمعصوم لانتفاء الخطأ عنه ، أو مَن شُهد له بالفضل لأنّ مُزَكَّى العدلِ عدلُ ، وقد شهد عليه الصلاة والسلام بأنّ خير القرون قرنه ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم ، فصحّ فضلهم على الترتيب ، والإقتداء بهم كذلك . لكن الصحابة تفرّقوا في البلاد مع كلّ واحد منهم ـ كما قال مالك رحمه الله تعالى ـ علمٌ ، فلعلّ مع أحدهم ما هو ناسخ ومع الآخر فهو منسوخ ، ومع الآخر مطلق ومع الآخر مقيّد ، ومع بعضهم عامّ ومع الآخر مخصّص كما وُجد كثيرا ، فلزِمَ الإنتقال لمن بعدهم إذا جمع المتفرق من ذلك ، وضبط الرواية فيها هنالك لكنهم لم يستوعبوه فقها ، وإن وقع لهم بعض ذلك فلزم الإنتقال لِمَن بعدهم إلى الثالث إذا جمع ذلك وضبط وتفقه فيه حفظا وضبطا وتفقها ، فلم يَبْقَ لأحد غير العمل بما استنبطوه ، وقبول ما أصّلوه واعتمدوه . ولكلّ فنّ في هذا القرن أئمّة مشهور فضلهم علما وورعا ، كمالك والشافعي وأحمد والنعمان للفقه ، وكالجنيد ومعروف وبشر للتصوف ، وكالمحاسبي لذلك والإعتقادات إذ هو أوّل من تكلم في إثبات الصفات كما ذكره ابن الأثير . اهـ .
قلتُ : وأنت ترى كيف جعلهم أئمّة لكلّ من أراد معرفة الشريعة التي أتى بها محمّد صلّى الله عليه وسلّم من غير تفريق بينهم ، وكيف يفرّق أئمّة المؤمنين مؤمنٌ يعلم أنه لا حكم إلاّ لله ، وأنّه لا سبيل إلى معرفة حكمه إلاّ كتابه الذي أنزله وسُنّة رسوله عليه السلام الذي أنزل إليه ذلك الكتاب ، وهُمَا أصل جميع الأحكام لهذه الملّة المحمّدية ، فما كان منهما فواجب ثابت مقبول أبدا ، وما كان من الإجتهاد فمتهيّئ قابل للقبول والردّ ، فما وافق الكتاب والسنة فمقبول بالتبعية ، وما خالفهما فمردود بالأصالة لا أصل له ، فأحرى الفرع . ولهذا أشار إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه بقوله :
كلّ كلام ففيه مقبول ومردود إلاّ كلام صاحب هذا القبر صلّى الله عليه وسلّم .
فما كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع الصحابة رضوان الله عليه كانوا في غنًى عن الإجتهاد ، ولا يقع منهم الإجتهاد إلا في بعض الأحيان ، وكان السؤال أيضا قليلا لأنّه صلّى الله عليه وسلّم نهاهم عنه مخافة أن يوجب الله تعالى عليهم بالسؤال ما كان غير واجب ، ويكثر السكوت عنهم ليفتح لهم باب الإجتهاد ليجتهدوا فيكون سُنّة باقية في أمّته فينتفي عنها الحرج لكثرة المسالك التي يسلكون بها إلى لله تعالى فتكون تلك المسالك كلّها طرقا إلى الجنة فتظهر مرتبة نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم حيث كانت بعثته رحمة لها ويظهر بذلك عتناء الله بها لأجل نبيّنا صلّى لله عليه وسلّم حيث كان اختلاف علماء أمّته رحمة لها دون من عداه من الأنبياء عليه وعليهم من الله تعالى أفضل الصلاة وأزكى السلام . فإنّ الاجتهاد ثابت بالكتاب والسُنّة ، معمول به في زمنه صلّى الله عليه وسلّم . قال تعالى : إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا (1) ، وقال تعالى : يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ (2) . فقدْ أذن لنا في الإجتهاد ووعدنا بالتوفيق إلى الرشاد ، فله الحمد على سابغ الإمداد ، وقد جعل كتابه أصل العلوم ، ومعدن الأنوار ، فلا يوجد الشيء إلاّ عن أصله ، ولا يُطلب إلاّ في معدنه ، وكانت أقواله وأفعاله صلّى الله عليه وسلّم كالبيان والتفسير لكتاب الله ، قال الله تعالى : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (3) ، وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها : « كان خُلُقُه القرآن » ، وقد نبّه عن ذلك صلّى الله عليه وسلّم بقوله : « إنّي تارك فيكم الثقلين لن تضلّوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي » ، فأرشد صلّى لله عليه وسلّم أمته إلى العمل بهما ، والتمسّك بهما ، والإستنباط منهما بعده لِعلْمه صلّى الله عليه وسلّم أنّ العلم كلّه فيهما من طلبه منهما وَجَدَه واهتدى ، ومن طلبه في غيرهما ضلّ ولم يجده ، إذ فيهما النور الواضح ، والهدى الراجح . وفي الحديث : من أوتى القرآن فقد أُدرِجَتْ النبوّة بين كتفيه إلا أنه لا يوحى إليه . أهـ . فإن للقرآن نزولا وتنزيلا ، فالنزول قد مضى ، والتنزل باقٍ إلى يوم القيامة . فمنه فَهْمٌ ، ومنه إلهامٌ ، ومنه كشفٌ ، ومنه إلْقاءٌ ، ومن مقام الفهم أخذ جميع أهل المذاهب مذاهبهم ، ومن مقام ما فوقه قال بعض الأكابر :
لا يكون الرجل عندنا رجلا حتى يستخرج من حرف واحد من القرآن جميع المذاهب .
وكيف لا وقد قال في حقّ هذا الكتاب المحيط : مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ (4) ، وقال تعالى : يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (5) ، وقال تعالى : قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (6) ، وقال تعالى : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (7) ، وقال تعالى : وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . (8) وقد بلغنا أنّ عليّا بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : « ظاهره أنيق ، وباطنه عميق ، لا تفني عجائبه ، ولا تنقضي غرائبه » . ورُويَ عن بعضهم :
أنّ لكلّ آية من القرآن ستين ألف فَهْمٍ ، وما بقى من فهمها فهو أكثر .
والآيات والأحاديث وأقوال العلماء الواردة في هذا المعنى كثيرة ، ومَن تأمّل ما أسلفناه عَلِمَ أنّه لا أجهل ممّن زعم أنّ الصواب محصور في فهْم إمام واحدٍ من أئمّة المؤمنين . ولمّا علّمَنا صلّى الله عليه وسلّم أنه لا خليفة بعده على أمّته صلّى الله عليه وسلّم إلاّ كتاب الله تعالى وسنّته صلّى الله عليه وسلّم ، ورغّبنا في التمسّك بهما ، وضمن لنا عدم الضلال إذا تمسّكنا بهما ، أقبل عليهما أصحابه رضوان الله تعالى عليهم بعده صلّى الله تعالى عليه وسلّم كلّ الإقبال ، وقبِلوا منه صلّى الله عليه وسلّم الخليفة الذي استخلفه عليهم ، وبايعوا له بالسمع والطاعة ، ووفّوا له ما التزموه من عدم الخذلان والضياعة ، وأمّروه على نفسهم ظاهرا وباطنا ، وصرفوا الهمم إلى الإجتهاد والإستنباط من الكتاب والسُنّة اللذيْن هما الخليفة على النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم . فكان خليفة رسول لله صلّى الله عليه وسلّم يجمع الصحابة إذا حدثت نازلة للنظر في حكمها ، فإن عثروا على حكمها في الكتاب وإلاّ طلبوه من سُنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فإن لم يجِدوه فيها اجتهدوا واستنبطوا منها ، فيهدي الله تعالى من يشاء إلى الصواب بفضله ، إذ لا يجب عليه تعالى أن يهدي إلى الصواب ، ولا يستحقّ عليه أحد هداية . ثمّ إنِ اطّلعوا على نصٍّ كان عند غائب رجعوا إليه وردّوا اجتهادهم لعدم جواز الإجتهاد مع وجود النصّ ، وقد وقع ذلك كثيرا في زمن عمر رضي الله تعالى عنه . منه ما وقع في خروجه إلى الشام ، فذلك أنه لما بلغ سرغ لَقِيَهُ أبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه مع أصحابه من أمراء الأجناد وذكروا أنّ بالشام وباء ، وأمر ابنَ عباس رضي الله تعالى عنه أن يدعو له المهاجرين الأوّلين ، فلمّا حضروا استشارهم فاختلفوا ، فقال بعض : خرجتَ لأمر لا ترجع ، وقال بعض : بقي معك بقيّة الناس وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا تذهب بهم إلى هذا الوباء . فقال : تفرّقوا عنّي ، ثمّ كان أمره مع الأنصار كذلك ، ثمّ دعا مشيخة قريش من مهاجري الفتح فاتّفقوا على الرجوع رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، ثم نادى عمر رضي الله تعالى عنه الناس أنّي مصبحٌ على ظهرٍ فأصبحوا عليه ، فقال أبو عبيدة : أفرارا من قدر الله ؟ فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ، نعم نَفِرُّ من قَدَر الله إلى قدر الله ، وكان يكره خلافه ، أرأيتَ لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان أحدهما مخصبة والأخرى جدبة ، ألَيْسَ إن رعيتَ الخصبة رعيتَها بقدر الله ، وإن رعيتَ الجدبة رعيتَها بقدر الله . فجاء عبد الرحمن بن عوف ، وكان غائبا لبعض حاجته ، فقال : إنّ عندي من هذا علما ، سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول : « إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه » . وقال ابن عباس : فحمِدَ الله عمر ثم انصرف أهـ .
قلتُ : ومِن هنا تعلم أنّ بعض مَن يدّعي العلم ، وهو مع دعواه يدّعي أنّ كلّ مَن خالف بعض أقوال مجتهد من الأئمة المجتهدين أنّ مخالفته لبعض أقوال ذلك المجتهد معصية ، وأنّ مخالفته تخرجه عن مذهب ذلك المجتهد ، جاهل أعمى البصيرة ، وبيان ذلك أن عمر رضي الله تعالى عنه مع جلالة قدره ، وكونه باب مدينة التقى ، وكونه محدَّثا بفتح الدال المهملة كما شهد له الرسول صلّى الله عليه وسلّم بِمَا ذكرناه ، وكونه مجردا ، لم يطمئن قلبه برأيه واجتهاده . فكيف يزعم زاعم ـ لجهله بما عليه الإجتهاد والمجتهدون ـ أن لا يجوز لأحد إذا قلّد أحدا أنْ يخرج على بعض أقواله أبدا . ووجه الدليل أنه لم يطمئن قلبه فيما يراه ، أنّه لمّا وجَدَ النصَّ وعلِم أنّ اجتهاده كان موافقا للحكم حَمِدَ الله تعالى لذلك . وقد كان أبو عبيدة ، أمين هذه الأمّة ، ومَن وافقه ، أنكر ذلك على عمر ، وعاتبه عليه لما يرى أنّ الصواب ما رآى ، فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ، كلّ واحد منهما أنكر على الآخر لِمَا قام عند كلٍّ منهما مِنَ الدليل على صحّة دعواه ، وحسن منحاه ، ظنّاً لا قطعاً ، حتى جاء الخبر اليقين ، فرجع إليه الكلّ ، وظهر من كان مصيبا في اجتهاده ومن كان مخطئا ، ولو لم يجدوا عند عبد الرحمن علما من ذلك لبقيَ الصواب مستورا ، والمصيب مجهولا ، إلى يوم القيامة . وإذا بُعِث الخلائق ، واستقرّ المؤمنون في الجنّة ، أُعطيَ المصيب أجرين : أجر الإجتهاد في الإبتداء ، وأجر الإصابة في الإنتهاء ، وأُعطيَ المخطىء أجرا واحدا لاجتهاده في طلب الحقّ ، وبذله الوسع في اجتهاده ، ويُعفى من خطئه ، لقوله صلّى الله عليه وسلّم : « من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد » . أنظرْ يا أخي ـ رحمنا الله وإيّاك ـ كيف كلّمنا النبيّ المعصوم أنّ المجتهدين يصيبون ويخطئون ، ولم يخصّ الخطأ بواحد منهم ، ولم يذكر لنا أنّ الإمام الفلاني هو المصيب في كلّ نازلة . فبهذا النظر نعلم يقينا أنه لا أجهل ممّن تعصّب بهواه لبعض الأئمة ، وادّعى وجوب اتباع مَن لم يوجب الله على أحد اتّباعه بخصوصه ، فالْتحَقَ ـ لجهله ـ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُنْيَا وَهُمْ يَحْسبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (9) . أنظرْ كيف لم يصبْ أمين هذه الأمّة أبو عبيدة بن الجراح أحد العشرة المبشّرين بالجنّة رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به في هذه النازلة ، ولولا وجود النصّ بعد الإختلاف فيها لبقي المصيب فيها مجهولا إلى يوم القيامة .
إذا علمت أن هذا جائز في حقّ كلّ إمام من الأئمة المجتهدين سهُلَ عليك إن شاء الله أمر التسوية بينهم . وبعد ذلك تطلب من الكتاب والسُنّة ما يستدلّ به على الإعتماد على القول الذي تريد التعبّد به لتخرج عن التقليد إنْ أهَّلَكَ الله تعالى لذلك فتهدي إلى صواب الصواب إن شاء الله تعالى ، وإنْ لم تَنَلْ ذلك لعدم الأهلية ، تَسْلَم مِن وزر استنقاص أئمّة المسلمين ، والإزدراء بهم . وإذا علمتَ أنّ المجتهد قد يصيب وقد لا يصيب ، فاعلم أنّ الخطأ قد يتعدّد ولا إصابة ، كما وقع لعمر بن الخطاب وعمّار بن ياسر حين أصابتهما جنابة ، فحضرت الصلاة وليس عندهما ماء ، فتيمّم أحدهما بالتراب وصلّى ، والآخر ما فعل شيئا . فلمّا حضر النبي صلّى الله عليه وسلّم علّمهما أنّ حكم التيمم للحدث الأكبر كحكمه في الأصغر . وقد تكون الإصابة ولا تتعدد كحكم إمامة عمرو بن العاص حين أَمَّ أصابَه في الصلاة ، وقد احتلم في ليلة باردة وخاف على نفسه من الهلاك إذا اغتسل ، وكانوا في السفر . فلمّا رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلّم ، وسأله النبي صلّى الله عليه وسلّم فذكر علّته ، ولم ينكر عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم . وقد يكون الخطأ ولا يتعدّى ، كالذي أمر رجلا ببيع الخمر بعد قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « أمَا علِمتَ أنّ الله عزّ وجلّ حرّمها » ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « إنّ الذي حرّم شربها حرّم بيعها » . ومن هنا امتنع بعض الأكابر من العلماء عن الجواب ، واستتروا بجُنَّة العلماء " لا أدري " ، وأكثروا منه . وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول : اللهم إنّي لا أحرّم عليهم شيئا أحللتَه لهم ولا أحلّل لهم شيئا حرمتَه عليهم . فكان الكتاب والسُنّة عمدة الصحابة في كلّ أمورهم ممّا دقّ أو جلّ ، لا يخرجون عنهما قدر ذرّة . ثمّ خلفهم التابعون ، وتابع التابعين في ذلك ، فبذلوا فيه المُهَجَ ، وركِبوا فيه اللُجَجَ ، وقطعوا في تحصيله البيداء ، وهاجروا فيه الأهل والولدان ، وأكثروا في طلبه تكرار الأسفار ، وعملوا له الافكار والأنظار ، وزادوا على الصحابة بتدوينه في الصحائف بالأسطار ، بعد جمعهم إياه في لطائف الأفكار . فأوّل ما جمعوا علم الكتاب والسنّة ، وأثبتوا الأصحّ فالأصحّ ، والأقوى فالأقوى ، ثم رأوْا أن يُدنوا لأهل عصرهم ، ومَن يأتي بعدهم ممّن لا يساويهم ، أقوال العلماء وآراءهم فروعا مجردة ومسندة مستنبطة من تلك الأصول تسهيلا للطلاب والحفاظ ، وممّن قام بذلك الأئمّة الأربعة رضي الله تعالى عنهم متحرّين كلّ التحرّي للصواب ، معتمدين على السنّة والكتاب ، معترفين بالعجز في هذا الباب ، غير واثقين بأنفسهم ، ولا مشرّعين لغيرهم ، لأنّ باب التشريع مسدود ، وظنّ مدّعي الثقة به أو بغيره مردود . فذهب كلّ واحد منهم إلى مذهب رأى أنه الحقّ والتحقيق ، ونحا كلّ واحد منهم منحى ظَنَّ أنه هو الوجه والطريق ، لأنّ المجتهد لا يقلّد غيره ، فكان الكل والوجه واحد ، فكان اختلافهم تحرّيا واجتهادا ، لا امتراءً ولا عناداً ، فالكلّ ربّاني سنيّ عدل مرضيّ ، لا يستنكف أحد منهم أن يرجع إلى أخيه في الصواب ، ولا يحابيه أيضا أنْ يتابعه على الظن والإرتياب ، فلم يكن اختلافهم إلاّ لاختلاف فهمهم في تأويل الكتاب وتفسيره ، واختلاف اطّلاعهم في تصحيح الحديث وتحريره ، واختلاف نظرهم في تفريع الحكم وتقريره ، ولا مطلب للكلّ إلاّ استيضاح الصواب ، وإصابة الحقّ ، لأنّ كلّ واحد عمل بما ترجح عنده ليعامل به ربّه على بصيرة في الدنيا ، ويحاجّ به عند ربه في العقبى ، لأنّ السؤال والحساب من وراء هذا كلّه عن العلم والعمل ، وعلى الوفاق والخلاف . وأمّا عِلْمُ تَسَاوِيهم في إصابة الصواب ، أو أفضلية بعضهم على بعض ، ففي علم الله ، ليس عندنا منه علمٌ ولا تحقيقٌ ، وليس إلى تحقيق ذلك من طريق ، بل الكلٌّ عدلٌ رضيٌّ مأمورٌ ، والكلّ عبدٌ مطيعٌ مجتهدٌ في مرضاة سيّده ، ساعٍ في تخليص نفسه ، غير مُدّعٍ لتشريعٍ جديدٍ ، ولا داعٍ إلى مذهبٍ واجبٍ أكيدٍ ، معاذ الله أن يدعوا إلى ذلك لتبرّئهم كلّهم من ذلك كما سيأتي بيانه في هذا الفصل إن شاء الله تعالى . وسيأتي فيه تبرّؤ الإمام مالك من ذلك لأنّ المهديّ أمره أن يجمع مذهبه في كتاب ليحمل الناس عليه ، فقال له مالك :
أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تفرّقوا في البلاد ، وأخذ كلّ ناحية عَمّنْ وصل إليهم ، فَدَعِ الناس وما هم عليه . أهـ .
وإذا فهمتَ هذا فاعلم أنّ العلماء دوّنوا الأقوال المختلفة والمؤتلفة ، والآراء الراجحة والمرجوحة ، والروايات الشاذة ، مع أنهم قد أُمِرُوا بالخروج من الخلاف إلى الوفاق ، ومُنِعُوا العدول عن الراجح إلى المرجوح ، ونُهُوا عن الأخذ بالشاذ لِمَا قدّمنا من اختلاف فهمهم في التأويل ، واختلاف اطّلاعهم في التصحيح ، واختلاف آرائهم في التفريع ، فأثبتوا ذلك كلّه ودوّنوه لكلّ مَن يأتي ومَن ينظر إليه ، وفيه كلّ ما أدّاه إليه اطّلاعهم من التصحيح والتضعيف والترجيح والتجريح والتشهير والتشديد ، وفيه أقوال أهل السُنّة ، وأقوال المبتدعة ، من غير أن يُسقِطوا مِن ذلك ساقطا ، ويمنعوا ممّا هنالك لا قطا ، مع كمال علمهم في ذلك ، وعدم جهالتهم بما هنالك ، لاحتمال أن يكون هناك أصحّ خبرا ، أو يكون هنالك علمٌ وارد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يبلغ صاحب ذلك القول ، أو يكون له ناسخ لم يعلم به ، أو يكون المبلَّغ أو الأخير أفقه من المبلِّغ فينظر بنظره ، ويفهم فهمه ، فليس الأوّل أوْلى من الأخير لقوله صلّى الله عليه وسلّم : « ليبلّغ الشاهد الغائب رُبّ مبلغ أوعى من سامع رُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » ، وسيأتي طرف من هذا المعنى في آخر الفصل إن شاء الله تعالى . ولعدم ثقتهم أيضا بإصابة حقيقة الحق لانتفاء القطع واليقين في ذلك إلاّ بإخبار النبي المعصوم ، فيدوّنون كل قول مختلف فيه أو متّفق عليه ، فإذا جاء المتأخذر جعل قولَه بإزاء قول المتقدِّم غير جازم ببطلان قول المتقدّم ، أو جازم به جزمَ ظنٍّ غير مسقط له من التدوين ، ولا مَاحٍ لرسمِه مِن الديوان ، لاحتمال أن يكون له وجه مّا ، أو ثبوت مّا ، وليتضّح أيضا للقارئ والمقرئ وجهه الصواب ووجهه الخطأ في ذلك ، وقد يكون الأوّل جزءٌ مِن الصواب وفي الأخير جزءٌ أو جميع الأجزاء صواب ، وقد يكون قول هذا أيضا ينحو إلى معنى غير ما نحا إليه هذا ، ويكون مفارقا له من وجهٍ وخَفِيَ ذلك ، أو يكون بينهما فرق من وجه ولا يظهر ذلك ، وغير ما ذكر ، لينظر كل ناظر لنفسه ، ويجتهد كلّ مجتهد في شأنه ، فإنّ الفهم في العلم مبذول بين أهله ، والبحث فيه باقٍ إلى يوم القيامة ، ما المتقدّم فيه بأحقّ من المتأخّر ، بل غير عجيب أن يُدّخَر لبعض المتأخّرين ما عسر على كثير من المتقدّمين ، فإذا جاء المسترشد المستفتي إلى ديوان الأحكام يريد حكمَ واقعتِه ونازلته ، فإمّا أن يجدَها من المتفّق عليه فيحصل له المتبلّج واليقين فينصرف به ، وإمّا أن يجدَها من المختلَف فيه فيكون أحدُ رَجُليْن : رجلٌ غير عالم ولا فقيه أورجلٌ عالم فقيه . فأمّا الأوّل فلا بدّ أن يتحيّر لأنه يعلم ، ويتحقّق أنّ حكم الله واحد ، لا خِلاف عنده تعالى . فإن اختلف عند السامع فناسخ ومنسوخ ، أو عامّ و مخصّص ، أو مطلق ومقيّد ، وغير ما ذكر . ويعلم أيضا أنّ المطلوب من العلم العمل ، وأنّ العمل لا يعتبر إلاّ إذا صحّ لأنّه إنّما يراد للحساب وما يتبعه من الثواب والعقاب ، لذلك كان المكلّف إنّما يطلب معرفة الحقّ والصواب الذي تكون به السعادة والنجاة لأنه مُخْلِصٌ ، والمُخْلِصُ لا يَطلب مِن العلوم والأعمال إلا ما يُخَلِّصُه مِن لوم مولاه ويوجب له رضاه ، وقد وقف على اختلافٍ كثيرٍ فازداد حيرةً وهو إنّما يريد زوال الحيرةِ ، فكيف يصنع ؟ وأمّا الثاني فعنده ما عند الأوّل وزاد عليه أنّه صاحب رواية ودراية بالكتاب والسنة ، وعنده مِن الفقه والفطنة ما يعرف به مآخذ الأقوال ومواضع الإستدلال ، وقد وجد العلماء وقد دوّنوا له من روايتهم وآرائهم ، مِن اتّفاقهم واختلافهم ما أدّى إليه جُمَلا من الخبر ، وأعانه على كثير من النظر ، فاستخرج من بين فرث الخلاف ودمه لَبَناً خالصا من فهمه ، فانصرف مشروح الصدر بما يشفيه ، مهديّا إلى الحق من الخلاف فيه ، معترفا بحسن صنيع الأعلام ، مغترفا من فيض العلاّم ، وإلى هذا أشار خير البريّة بقوله صلّى الله عليه وسلّم : « من يُرِد الله به خيرا يفقّهه في الدين » ، وهذا معنى ما قيل : ليس العلم بكثرة الرواية وإنما العلم نور يضعه الله في قلب من يشاء . فما أمَرَ الله تعالى ولا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا بالعمل بكتابه وسُنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ، وما أمر العلماء إلاّ بذلك ، ولا قصدوا إلاّ ذلك وإن خالف بعضهم في ذلك لاختلاف فهمهم واستنباطهم ، وغير ما ذكر كما تقدّم . ولن يقبل الله تعالى من أحد سوى ذلك ، فمن كانا حجّة له نجا ، ومن كانا حجة عليه هلك ، وهُمْ رضي الله تعالى عنهم طلبوا العلم والحقّ في كلّ مكان ، وجمعوه من كلّ موضع ، ووضعوه لِمَن بعدهم مجموعا مسموعا محصورا منظورا ليجتهد كلّ لنفسه ، لتكون العهدة في اتّباعه لا عليهم .
وإذا فهمتَ هذا فاعلم أنّ الناس ثلاث فِرَقٍ : الأولى فرقة أقبلتْ على دراسة أقوال العلماء الفقهاء ، ومعرفة الخلافات من غير فقه ولا تفقّه ، وأعرضت عن علم الكتاب والسُنّة بالكليّة كأنّها ما سمعتْ قولَ مالك رضي الله تعالى عنه للّذيْنِ يخاطبهما : إنْ أحببتما أن ينفعكما الله تعالى بهذا الشأن فأقللا منه وتفقّها فيه ، حتّى أنهم لا يطلبون من القرآن إلاّ رسمه ، ولا من الحديث إلاّ اسمه ، بل ينكرون كلّ الإنكار على من يروم منهما سوى ذلك وينسبونه إلى الإبتداع ، ويرون غاية العلم والعمل ما هم فيه وعليه . والثانية فرقة أعرضت عن كلّ ما دَوَّنَ العلماءُ في كتبهم وأنكروه بالكليّة ، وعدّوه بدعة سيّئة ، وقالوا يرجع الأمر إلى ما كان في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ، لا يفتى إلاّ بالكتاب مع أنّه لا علم لهم بالكتاب ، ولا مدخل لهم على علمه إلاّ بما أرادوا إبطاله ويسدّوا بابه جملة . فهذه والتي قبلها عوراء عمياء ، وكلتا الفرقتين إنما تريد التخفيف عن نفسها ، واتّباع باطل ظنّها وحدسها ، والذي حملها على ذلك كراهة الحقّ . قال تعالى : بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ . (10) والثالثة التي معها الحقّ فرقةٌ تمسّكتْ بالكتاب والسُنّة ، وأقبلتْ على ديوان الملّة ، فحقّقوا ما في الديوان بنور السُنّة والقرآن ، وفسّروا ما في الكتاب والسُنّة بذلك الديوان ، وحصل لهم علم اليقين ولم يحصل غيرهم إلاّ على التخمين ، إذ علم االفقه بدون السُنّة والكتاب ظلمة لا يُهْتَدَى فيها لقصد الصواب ، كما أنّ ما دونه كنز لا ينفتح عنه غلق الباب ، فكلّ راغِبٍ عنه عَاٍر من التوفيق ، وكلّ مُعرِضٍ عنهما ضلّ عن التحقيق ، وصاحب النور والتحقيق لا ينحجب عنه مع كتاب الله تعالى صواب ، ولا يغلق عنه مع العلماء بالله تعالى باب ، ينظر بنور الكتاب إلى الأقوال ، فيفرّق جسم الصحّة من جسم الإعلال ، بعدما صار إلى باب الكتاب بمفتاح أقوال أولي الألباب ، فيدخل إلى ما وراء الباب ، وينظر إلى ما خلف الباب من عجائب أمر العجائب ، وغرائب لُبَابِ الألباب ، فيأخذ ما يكفيه ، وينشد بملء فيه :
ليلِـي بوجهـكَ مشرقٌ     وظلامـه في الناس  سارِ
فالناس في صدف الظلا     م ونحن في ضـوء النهارِ
والحاصل أنّ من فاته أحد العالميْن فاته الثاني أو معظمه ، ومن لم يحقّق علوم الفقه بالكتاب والسُنّة لا يحصل له تحقيقها أبدا ، فعاش سكران حيران ، ومات حيران سكران ، وإلي هذا المعنى أشرنا بقولنا :
إنّ الهُدى في الذكر والسُنّة قـطْ     وما اهتدى المُعْرِض عن هذيْن قط
مـا دوّنَ الأئـمـةُ الأعـــلامُ     تفـسـيـر هـذيْـن بـه يُـرامُ
ومنهـمـا تحقـيـق ذا  يـرام     ومـن خـلا عـن واحـد  يُـلامُ
وجَـامِـعُ الكـلّ هـو الإمــام     فـي أيّ عصـرٍ كـان والسـلام
وإذا فهمتَ ما قدّمنا وحقّقتَه علمتَ أنه لا يبلغ العبدُ حقيقة العلم النافع ، والعمل الصحيح المعتبر الكامل الذي لا خلل فيه ، ما دام متجمّدا على التقليد المحض ، والتعصّب لأقوالٍ لا يعلم لها دليل لا في الكتاب ولا في السُنّة لأنّه لا يستحقّ بذلك في الغالب إلاّ الذمّ واللوْم والهلاك عاجلا أو آجلا ، ولا يغترّ بأنّ عنده من الحفظ لأقوال العلماء ما يصيب به فصوص الصواب ، فإنّها دعوى يجدها متى احتاج إليها باطلة ، فإنّ الحفظ بلا فقه في كلّ شيء في هذا الباب كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « رُبّ حامل فقه غير فقيه » ، وكما قال تعالى : كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا (11) ، لأنك إذا أرسلت رسولا بعقلك وكلامك ولم يك ذا عقل ولا كلام فإنّه إذا بَلَغَ موضع الحاجة ، وعرَضَ له أدنى مخالف ، ذهب عنه عقلك ولم يك معه عقله ، بخلاف الرسول العاقل ، فإنّه يزيد عقلُه بعقلك ، ويتمّ عقلك من عقله ، وأنّ مَن سار في فلاةٍ على النعت والوصف مِن غير معرفةٍ سابقةٍ ولا دليلٍ عارفٍ ، فإنّ نجاته من النادر ، وهلاكه من المحكوم به ، وهو على الحاليْن مذموم ملوم مغرور مفرّط . وقال عبد الوهاب الشعراني في الرسالة المباركة :
ولم يوجب الله تعالى على أحد إلْتزامَ مذهبٍ من مذاهب المجتهدين بخصوصه لِعدمِ عصمته ، ومِن أين جاءنا الوجوب والأئمّة كلّهم تبرّؤوا من الأمر باتّباعهم ، وقالوا إذا بلغكم حديث فاعملوا به واضربوا بكلامنا الحائط رضي الله تعالى عنهم أجمعين ؟
وقال قبله بقليل : ولم يَبلغْنا أنّ أحدا من علماء السلف أمَرَ أحدا أن يتقيّد بمذهب معيّن ، ولو وقع ذلك لوقعوا في الإثم لتفويتهم العمل بكلّ حديث لم يأخذ به ذلك المجتهد الذي أمر الخلق باتّباعه وحْده ، والشريعة حقيقة إنّما هي مجموع ما بَيْنَ المجتهدين لا ما بِيَدِ مجتهدٍ واحدٍ . فجميع علماء الشريعة في تلك الشريعة يَسْبَحُون رضي الله تعالى عليهم أجمعين لأنّ جميع أقوالهم لا تخرج عن مرتبتيْن لأنها إمّا مائلة إلى الآخذ بعزائم الأمور وإمّا مائلة إلى الآخذ بالرخص ، ولكلّ من المرتبتيْن رجال ، فمَنْ أمَرَ أصحاب مرتبة بفعل مرتبة أخرى مِن صعود أو نزول فقد أخطأ ، وما ندب بعض العلماء لعدم تتبع الرخص إلاّ في حقّ أهل الرخصة من الأقوياء المتساهلين في دينهم أهـ .
وقال القرافي :
إنعقدَ الإجماع على أنّ مَن أسلم فله أنْ يقلّد مَن شاء من العلماء بلا حجْر ، وأجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر وقلّدهما فله أنْ يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما من غير نكير ، فمن ادّعى رفع هذين الإجماعين فعليه الدليل أهـ .
وقال ابن عرفة :
قولُ ابن حزم " أجمعوا على أنّ متبّع الرخص فاسق " مردودٌ بما أفتى به الشيخ المتّفق على علمه وصلاحه عزّ الدين بن عبد السلام أنّه لا يتعيّن على العامل إذا قلّد إماما في مسألة أنْ يقلّده في سائر مسائل الخلاف لأنّ الناس مِن لَدُنِ الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون فيما سنح لهم العلماء المختلفين من غير نكير من أحد سواء اتّبع الرخص في ذلك أو العزائم لأنّ المصيب واحد لا بعينه ، ومَن قال كلّ مجتهد مصيب فلا إنكار على مَن قلّد في الصواب أهـ .
قلتُ : وهذا معنى قول الشيخ أبي محمد رضي الله تعالى عنه في الرسالة :
وإذا اختلفوا في الفروع والحوادث لم يخرج عن جماعتهم . إنتهى
يعني أن الخروج عن جميع مذاهب المجتهدين هو المنهيّ عنه ، وأمّا الخروج عن مذهب بعضهم فلا بأس به سواء في ذلك مذهب إمامه أو غيره لقوله تعالى : وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ إلى قوله تعالى : وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا . (12) . وجميع مذاهب مجتهدي هذه الأمّة هو سبيل المؤمنين لا مذهب واحد منهم ، ومعاذ الله أن يقول واحد من المؤمنين أو يعتقد أن مذهب إمامه وحده هو سبيل المؤمنين وما سواه فليس من سبيلهم ، وصاحب هذا الإعتقاد جاهل أو كافر لأنّ جميع مذاهب الأئمّة المجتهدين رضي الله تعالى عنهم طرق موصلة إلى الله تعالى ، فجنونه من أعلى طبقات الجنون . قال ابن جزي في خطبة كتابه :
أما بعد فهذا كتاب في قوانين الأحكام الشرعية ، ومسائل الفروع الفقهية ، على مذهب إمام المدينة مالك بن أنس ، إلى أن قال : ثمّ زدنا إلى ذلك التنبيه كثيرا من الإتفاق والإختلاف الذي بين الإمام المُسمّى وبين الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ، والإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت ، والإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، لتكمل بذلك الفائدة ويعظم الإنتفاع .
قلتُ : ولا يصحّ لابن جزي قوله إنّه إنّما ذكر في كتابه مذاهب هؤلاء الأئمّة لتكمل بذلك الفائدة ويعظم النفع إلاّ إذا كان للواقف على كلامهم أن يعمل به ويقتدي بهم ، ويؤيّد ما قلنا أنه قال عَقِبَ كلامه :
فإنّ هؤلاء الأئمّة الأربعة هم قدوة المسلمين في أقطار الأرض ، وأولوا الأتْباع والأشياع . وقال : ربّما نبّهتُ عل مذهب غيرهم من أئمّة المسلمين كسفيان الثوري ، والحسن البصري ، وعبد الله بن المبارك ، وإسحاق بن راهويه ، وأبي ثور ، والنخعي ، وداود بن علي إمام الظاهرية ، وقد أكثرنا من نقل مذهبه ، والليث بن سعد ، وسعيد بن المسيّب ، والأوزاعي ، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين ، فإنّ كلّ واحد من هؤلاء مجتهد في دين الله ، ومذاهبهم طرق موصلة إلى الله تعالى أهـ كلام ابن جزي رحمه الله تعالى
فشدّ يدك عليه فإنه نفيس .
وقال أبو عمر في تمهيده :
ألا ترى أنّ الصحابة اختلفوا وَهُمُ الإسوة فلم يَعِبْ أحدٌ منهم على صاحبه ، ولا وجد عليه في نفسه ، ونقل بسنده إلى الثوري : إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهَهُ . وقد أمر المهدي مالكا بجمع مذهبه في كتاب يحمل الناس عليه ، فقال له مالك : أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تفرّقوا ، وأخذ أهلُ كلّ ناحية عمّن وصل إليهم فدَعِ الناس وما هم عليه أهـ .
وفي التنبيه ، شرح ابن عبّاد على الحكم العطائية ، عند قول ابن عطاء الله رضي الله تعالى عنه : " العلم إن قارنَتْه الخشية فَلَكَ وإلاّ فعليك " :
ولقد ذكر الشيخ الحافظ أبوعمر بن عبد البرّ رحمه الله تعالى بإسناد له إلى عبد الله بن مسلمة القعني رحمه الله تعالى قال : دخلت على مالك فوجدته باكيا ، فسلّمت فردّ عليّ ثمّ سكت عنّي يبكي ، فقلت له : يا أبا عبد الله ما الذي أبكاك ؟ فقال : يا ابن القعني أنا لله على كلّ ما فرط منّي ، ليتني جُلِدتُ على كلّ كلمة تكلّمت بها في هذا الأمر بسوط ولم يكن فرطَ منّي ما فرط من هذا الرأي وهذه المسائل وقد كان لي سعة فيما سبقت إليه أهـ .
فقلتُ : تأمّلْ يا أخي هذا الكلام راشداً ، هل هذا الإمام الجليل رضي الله عنه يتعصّب لمذهب ، أو يذمّ الناس إنْ لم يتّبعوا مذهبه أو بعضا منه ، ويضلّلهم كما عليه بعض الجهّال المتهوّرين مِن أهل العصر ؟ وكيف يصدر منه رضي الله تعالى عنه وهو رضي الله تعالى عنه قد تبرّأ منه كما أشار إليه الشيخ عليّ الصعيدي العدويّ في حاشيته على شرح العلاّمة الخرشي عند قول المؤلّف رضي الله تعالى عنه " فحَكَمَ بقول مقلّده " :
أنّ معن بن عيسى قال : سمعتُ مالكاً يقول : إنّما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي ، فإن وافق الكتاب والسُنّة فخذوه وما لم يوافقهما فاتركوه أهـ .
قلتُ : ولذلك قال العلاّمة الدسوقي في حاشيته على شرح الشيخ أحمد الدردير عند هذا المحلّ ، أعني عند قول المصنّف : " فحكم بقول مقلّده " :
والقول بأنه يلزمه الحكم بقول إمامه ليس متفقا عليه حتى قيل ليس مقلّده رسول أرسل إليه ، بل حكوا خلافا إذا اشترط السلطان عليه أنه لا يحكم إلاّ بمذهب إمامه ، فقيل لا يلزمه الشرط ، وقيل بل ذلك يفسد التولية ، وقيل بِمُضِيّ الشرط لِمصلحة . أنظر الحطاب أهـ .
وهذا صريح في عدم وجوب اتّباع المجتهد بخصوصه دون غيره من المجتهدين .
ومثله في ضوء الشموع على المجموع ، وفي شرح كمال الدين محمد بن عيسى الدميري على لامية العجم للشيخ صلاح الدين الصفدي عند قوله أصالة الرأي :
روى نوح الجامع أنه سمع أبا حنيفة يقول : ما جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فَعَلَى الرأس والعين ، وما جاء عن الصحابة اخترنا ، وما كان غير ذلك فَهُمْ رجالٌ ونحن رجالٌ . إلى أن قال : وقال الشافعيّ : ما رأيتُ كأهل مصر اتّخذوا الجهل علما لأنّهم سألوا مالكا عن مسائل وقال لا أعلمها . فَهُمْ لا يقبلونها ممّن يعلمها لأن مالكا قال لا أعلمها .
يقول : ليس لي من البصيرة ، ولا عندي من الفقه ما أخرج به من التقليد وأدخل به في الإجتهاد ، إنّما عندي أن أقْبَلَ مِن كلّ قائل ، وأسمع من كلّ مصيب وفاعل ، فيقال لهذا إن كان صادقا : ألَيْسَ عندك من البصيرة والفطنة ما تخرج به من الخلاف بالإحتياط والورع ترْكاً لِمَا لا بأس به ، خوفاً من الوقوع فيما به بأس ، وطريق ذلك سهل واضح ، فإن لله تعالى سرا في كل إنسان لذلك لا سيما مع الإيمان لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل . قال تعالى : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ (13) ، تقوى تلك الهداية في ذلك القلب وتضعف فيه بحسب قوّة الإيمان وضعفه فيه . هذا لمّا سلّمنا لك دعواك في نفي صلاحيتك للنظر والإجتهاد رأسا فضلا عنهما من الكتاب والسُنّة ، مع أنّ دعواك لنفسك ذلك لا تُقْبَلُ لأنّك تجرّ بذلك إلى نفسك راحة إسقاط التكليف ، ورفع المشقّة عنك فيه تعالى ، وإنّها لكبيرة إلاّ على الخاشعين الآية . وإنّي أخاف عليك أن يكون دَبّ إليك داء الأمم ، ونَحَوْتَ إلى ما نحَا إليه أهل الزمان من دعواهم أنّ الإجتهاد قد رفع ، وأنّ وجود أهله قد انقرض ، من غير برهان من الله تعالى على ذلك ، ولا دليل من كتاب ولا سُنّة ، وهو فيهم منه ما يكون عليهم حُجّة يوم تُبلى السرائر وتستخرج الضمائر ، وإنّما نَفَوْهُ عن أنفسهم ليتمكّنوا من أغراضهم الفاسدة بأن يقول أحدهم وجدتُ قولا لهذا ، ويقول لخليله وجدتُ لك قولا تصل به إلى غرضك ، وتجده يتأوّل بذلك القول الضعيف أو الشاذ تأويلات ، ويوجّهه مع ضعفه إلى توجيهات ربما ليست منه وليس منها ليقضي حاجته في نفسه من غير استحياء من الله ، لا حذرا من عقابه ولا ذكرى لحسابه . وإنّما نَفَوْهُ عن غيرهم وإن كانوا كاذبين بعد نفيه عنهم ، وإن كانوا غير صادقين ، لِيَخْلُوَ لهم الجوّ ، ولئلاّ يتعرّض لهم من ذلك مُتَعرِّض ليسدّوا ذلك الباب من أبواب الله تعالى لئلاّ تُقْبَل لِمُحِقٍّ حجّة على حقّ ، ولِيَخْلُو الجوّ لأشباههم ليطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتِمٌّ نوره ، ورافع سوره . ومِن عناية الله تعالى بعلمه ودينه أنّه لا تخلو الأرض من قائم لله بالحجّة أبدا من لدن زمن آدم عليه السلام إلى أن يقبض العلم مع رفع القرآن بين يدي الساعة ، وليس ذلك بمقصور على ذلك الواحد وإن كان أقوى من غيره في ذلك مع وجوده في غيره وفي ذلك أقول :
أحسبتـم أن الإله يضيـع ديـ     ـن الحـقّ يا علماء السـوء والهوى
بل لا يـزال يقيم ناصـر  ديـ     ـنه في كلّ عصر مخزياً أهل الهـوى
فيـردّ كـلّ غوايـة  وجهالـة     وضلالـة منكـم وممّـن قـد  غـوى
بالله والذكـر الحكيم وسُنّة الـ    ـمختـار يُخْزِ جمعـكـم مهما  نـوى
وبما  أمـدّ من البصيـرة والـ    ـحكم يُبدي العجائب والغرائب إن روى
وبفكـرة قـدسيـة  وبصيـرة    يبـدي علـوم العـارفـيـن إذا نـوى
فيذبّ  عن أهـل الإلـه ودينـه    تحـريـف قـوم مبطليـن بما حـوى
وفي الحديث : « يحمل هذا العلم من كلّ خلَف عدوله ينفون عنه تحريف الضالّين وانتحال المبطلين » . فلِوُجُود أمثال هذا ذكر المصنفون جميع الأقوال الصادرة عن العلماء ، وجمعوها في دواوينهم ، ليجتهد كلّ مجتهدٍ ، وينظر كلّ ناظر لنفسه ليعامل ربّه على بصيرة ويقين ، لا على تقليد وتخمين ، فإنّ الله لا يُعْبَدُ بالشكّ .
وفي الرسالة المباركة للشعراني :
وكان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يقول : لا ينبغي لمن لا يعلم دليلي أن يفتي بكلامي . وكان إذا أفتى أحدا بفتوى يقول هذا رأي أبي حنيفة وهو أحسن ما قدرنا عليه ، فمَن جاء بأحسن منه فهو أوْلى بالصواب .
وكان مالك وربيعة رضي الله تعالى عنهما يقولان : لَسْنَا من أهل العصمة في كلّ ما نقول .
وكان الشافعي رضي الله عنه يقول : إذا سمعتم مِنِّي قولا يخالف قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاعملوا بكلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واضربوا بكلامي هذا الحائط .
وأمّا الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه فأمْرُهُ في اتّباع السُنّة مشهور حتّى أنّه لمْ ينسب لنفسه كلاما قطّ إلاّ بعض مسائل في الصلاة ، وكان يقول : أوَلأحد كلامٌ مع كتاب الله تعالى وسُنّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم ؟
قلتُ : وكان يقول رضي الله عنه : إن نظنّ إلاّ ظنّا وما نحن بمستيقنين ، فمن أتانا بيقين تركنا له ظنّنا . وكان يقول : إذا رأيتم في بلد صاحب حديث لا يدري صحيحه من سقيمه وهناك صاحب رأيٍ ، فاسألوا عن صاحب الحديث ولا تسألوا عن صاحب الرأي . وكان يقول : لا يكاد أحد ينظر في كتاب الرأي إلاّ وفي قلبه دغل . وكان يقول : لا تقلّدوا في دينكم فإنّه قبيح على من أُعْطِى شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلام ، ولعلّه يشير إلى العقل الذي جعله الله آلة يميّز به بين الأمور ، ويستبصر به في دينه . وكان يقول : لا تقلّدوني ولا تقلّدوا مالكا ولا الأوزاعي ولا النخعي ولا غيرهم ، وخذوا الأحكام من حيث أخذوا .
وقال الشعراني : قلتُ وهذا محمول على من كان فيه قوّة النظر وإلاّ فقد صرّح العلماء بأنّ التقليد أوْلى لضعيف النظر . أنظر العهود المحمدية .
وكان الإمام مالك رضي الله تعالى عنه يقول : كلّ كلام فيه مقبول ومردود إلاّ كلام صاحب هذا القبر .
وكان الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول : إذا صحّ الحديث فهو مذهبي ، وكان يقول : إذا ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ بأبي وأمّي ـ شيء لم يحلّ لنا تركه ، ولا حجّة لأحد معه ، وفي رواية : لا حجّة لأحد مع قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإن كثروا ، ولا في قياس ولا في شيء آخر ، فإنّ الله تعالى لم يجعل لأحد معه كلاما ، وجعل كلامه يقطع كلّ قول و. قال للمزني ، حين قلّده في مسألة : لا تقلّدني يا أبا إبراهيم في كلّ ما أقول ، وانظر لنفسك فإنّه دين .
ثمّ قال الشعراني رضي الله تعالى عنه : فقد تبرّأ هؤلاء الأئمّة كما ترى من كلّ ما أضافه إليهم مقلّدوهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين ممّا لم يكن بناؤهم على العمل به محقّقا .
وقال قبل هذا الكلام : ومنها ـ يعني ومن آداب طالب العلم ـ أن يتورّع في عَزْوِهِ الأقوال فلا يعزو إلى مجتهد قولا ولا مذهبا إلاّ إن قاله ولم يرجع عنه إلى أن مات ، فجميع ما جاء عن الشارع صلّى الله عليه وسلّم لا يسمّى مذهبا لأحد بل هو شريعة يجب العمل بها على كلّ من تَدَيّنَ بدين الإسلام ، وكذلك ما فهمه أصحاب المجتهد من كلامه لا يسمّى مذهبا له . وقد كَثُرَ تساهل الناس في ذلك حتّى عزوا مفاهيم كلام المؤلفين والشارحين إلى مذهب ذلك المجتهد الذي قلّدوه ، وانحلّ الأمر إلى تقليد بعضهم بعضا حتى صار كلّ كتاب نحو عشرين مجلّدا لا يجيء كلام المجتهد ـ إذا جُمِعَ ـ مجلّدا واحد منه .
ثمّ قال : ومنها ـ يعني ومن الآداب ـ أمرٌ أغفله الفقهاء حتّى طال عليهم زمن تفقّههم ، واستغرق أعمارهم ، وهو اشتغالهم بفهْمِ تراكيب كلام بعضهم ، ومنطوقه ، ومفهومه ، حتّى تجاوزوا عن الشريعة المعصومة ، ومِن فَهْمِ أسرارِها المطهّرة ، ولو تركوا جميع كلام غير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ولم يعملوا بشيء منه فلا حرج عليهم في الدنيا والآخرة . وجميع أقوال العلماء لا تخلو عن ثلاثة أحوال ، إمّا أن توافق صريح السُنّة الواردة ، فالسُنّة المسنّة والمجتهد كالحاكي لها ، وإمّا أن تخالف صريح السُنّة فتترك ويعمل بالسُنّة ، وإمّا أن لا تظهر موافقتها ولا مخالفتها ، فأحسن أحوالها الوقف ، فعلها وتركها سواء ، إلاّ أن تكون مائلة إلى الإحتياط في الدين فالعمل بها أرجح ولو لم تصرّح الشريعة بذلك . وقد كان صلّى الله عليه وسلّم يقول : « ما تركت شيئا يقرّبكم إلى الله تعالى إلاّ وقد أمرتكم به ولا شيئا يبعدكم عن الله تعالى إلاّ وقد نهيتكم عنه » . فمن زعم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ترك التصريح بشيء أمر الله به أو نهى عنه فقد مرق من الدين . وفي الصحيح أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لحذيفة رضي الله تعالى عنه : « إنّ النبوّة والرسالة قد انقطعتا فلا نبيّ بعدي ولا رسول » . فانقطعت زيادة التكاليف الإلهية بموت الرسول صلّى الله عليه وسلّم ، وتبيّن الفرض والواجب وغيرهما ، وقد كان صلّى الله عليه وسلّم يتبرّأ من مرتبة التحليل والتحريم إلاّ بأمرٍ من الله عزّ وجلّ ، ويقول : « الحلال ما أحلّ الله والحرام ما حرّم الله » وبعد نزول قوله تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله (14) ، كلّ ذلك أدب منه صلّى الله عليه وسلّم مع ربّه عزّ وجلّ ، وكذلك أدَبُنَا معه صلّى الله عليه وسلّم لا نزيد على ما حدّه لنا شيئا واحدا ، فافْهَمْ ووسِّعْ على الأمّة كما وسّع عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، واعتقد أنّ الإنسان لو تقيّد مع الوارد صريحا في الشريعة ، وترك العمل بجميع ما ولده العلماء فلا حرج عليه ولا لوم ، إلاّ إذا أجمعت الأمّة عليه فإنّه حينئذ يَحْرُمُ خرقه . ويقال في الآخرة لمن ولد في أحكام الشريعة ما ليس منها : لِمَ زدْتَ في أحكام شريعة نبيّك ما لم ينزّل به من سلطان ؟ هل أنت أعلم بمصالح الأمّة منه صلّى الله عليه وسلّم ؟ أم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يبلّغ كلّ ما أُمِر بتبليغه ؟ أم لم يِؤمر به ؟ فإنْ قال بالأوّليْن كفر ، فما بقيَ إلاّ الثالث ، وهو أنّه لم يؤمر به صلّى الله عليه وسلّم ، فيقال : شيء لم يؤمر به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وترَكَ الأمرَ به رحمةً لأمّته ، فَلِأَيّ شيء زدتَه وأمرتَ به ؟ فلا يزال في التوبيخ حتّى يودّ أنّه لم يكن ولد في الشريعة حكما أهـ . ومِن هنا بكى مالك إمام دار الهجرة المتقدم ذكره رضي الله تعالى عنه .
ثمّ قال الشعراني رضي الله تعالى عنه : فلا تفرقة عندنا بين أئمّة المسلمين ، كما لا تفرقة عندنا بين الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام مع الإيمان ، فمن فرّق بين الأئمّة فقد خان الله ورسوله ، وفتح بابا من الظلم لهذه الأمّة ، وقد ذكر العلماء في كتب العقائد أنّه يجب على كلّ إنسان أن يعتقد أنّ سائر أئمّة المسلمين على هدى من ربّهم ، فان لم يكن ذلك كشفا فإيمانا ، ومن نزل عن الإيمان قد خسر مع الخاسرين .
قلتُ : والأمر ، كما قال
في جمع الجوامع عاطفا على ما يجب اعتقاده : وأنّ الشافعيّ ، ومالكا ، وأبا حنيفة ، والسفيانيْن ، وأحمد ، والأوزاعي ، وإسحاق ، وداود ، وسائر أئمّة المسلمين على هدى من ربّهم .

وفي الكوكب الساطع للسيوطي :
والشافعي ومالك والحنظل     إسحاق والنعمان وابن حنبل
وابن عيينة مع  الثـوري     وابن جرير مع  الأوزاعـي
والظاهري وسائر الأئمّـة     على هدى من ربهم  ورحمة
وقال السيوطي في شرحه : أيّ نعتقدُ أنّ هؤلاء الأئمّة وسائر أئمّة المسلمين على هدى من ربّهم في العقائد وغيرها أهـ .

قال محمد بن عمر الغدامسي في كتاب العقائد له : قال السيف الآمدي رحمه الله تعالى : وكان المسلمون عند موت النبي صلّى الله عليه وسلّم على عقيدة واحدة ، لم يقع بينهم اختلاف إلاّ في مسائل اجتهادية لا توجب تكفيرا ، ولم يقع بينهم اختلاف في المسائل الإعتقادية إلى أنْ ظهَر نُفَاةُ القدر ، وهو أوّل الخلاف الناشئ في الإعتقاديات ، ولم يزل الخلاف في الإعتقاديات يتشعّب إلى أنْ بلغ اختلاف أهل الإسلام إلى ثلاث وسبعين فرقة كما أخبر بذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ومراد النبي صلّى الله عليه وسلّم بافتراقهم إلى ثلاث وسبعين فرقة إنّما هو الإختلاف في العقائد الدينية ، والأصول القطعية ممّا يكون المصيب فيها واحدا إجماعا ، لا الإختلاف في الإجتهاد في الفروع الظنّية ممّا يكون كلّ مجتهد فيها مصيبا ، كمالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، ونَحْوِهِمْ منَ الأئمّة المجتهدين ، فكلّهم على عقيدة واحدة في أصول الدين ، وكلّهم على ما عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم ، ومذاهبهم كلّهم ترجع إلى فرقة واحدة وهي الناجية التي على ما عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه ، جعلني الله وإيّاكم من أهلها دنيا وأخرى أهـ .

وفي إضاءة الدجنة :
ومالك وأهل الإجتهـاد     كلّ إلى نهج الصواب هاد
كالشافعيّ وأبي حنيفة     وأحمد ذي الرتب  المنيفة
وكلهم على هدى من ربهم إلخ البيت .
وفي جوهرة التوحيد :
ومالـك وسائر الأئمّـة     كذا أبو القاسم هداة الأمّـة
فواجب تقليد حَبْرٍ  منهم     كذا حكى القـوم بلفظٍ يُفْهَم
وفي شرحه إتحاف المريد : ومالك بن أنس وسائر ، أيّ باقي الأئمّة المعهودين ، يعني أئمّة المسلمين ، كأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت ، وأبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم أجمعين . والأوْلى جعل ال للكمال ليدخل الثوري ، وابن عيينة ، والأوزاعي ، خصوصا إمامَا أهل السُنّة ، أبا حسن الأشعري ، وأبا منصور الماتريدي ، أيّ مثل مَن ذكر في الهداية واستقامة الطريق ، أبو القاسم بن محمد الجُنَيْد . فيجب أن يعتقد أنّ مالكا ومن ذكر معه هُدَاة الأمّة التي هي خير الأمم وهُمْ خيارها . وبعدما ذكر من الصحابة ومن معهم ، فواجب عند الجمهور على كلّ من لم يكن فيه أهلية الإجتهاد المطلق تقليد ، أيّ الأخذ بمذهب حَبْرٍ منهم في الأحكام الفرعية يخرج من عهدة التكليف بتقليد أيّهم شاء . وقد انعقد الإجماع على أنّ من قلّد في الفروع ومسائل الإجتهاد واحدا من هؤلاء الأئمّة بعد تحقّق ظبط مذهبه بتوفّر الشروط ، وانتفاء الموانع ، برِئ مِن عهدة التكليف في ما قلّد فيه أهـ مُلَخّصاً .
فلنَعُدْ إلى كلام الشيخ الشعراني فنقول قال :
وهذا الأمر ـ يعني اعتقاد أنّ سائر أئمّة المسلمين على هدى من ربّهم ، وأنّ فِرَقَ جميع مذاهبهم ترجع إلى فرقة واحدة ، وهي الناجية التي ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ـ من أعسر الأمور على من تقيّد بمذهب معيّن كما هو مُشاهَد ، وربما لو حبس أحد المقلّدين بمذهب وضرب لا يخرج عن ذلك المذهب إلى غيره كأنّهما في ملّتيْن مختلفتيْن ، وكلّ هذا من كثرة الجهل ، بل سمعتُ بعضهم يقول ، من الحنيفة : فإنْ قال الخصم كذا قلنا كذا ، نعوذ بالله من الضلال ، فإنّ غالب المقلّدين قد عمّهم ذلك ، وتَراهم يقولون سائر أئمّة المسلمين على هدى من ربّهم بألسنتهم فقط وتنفر نفوسهم من العمل بأقوالهم ، وإذا اضطرّ إلى العمل بقول غير إمامه يقول : يقلّد فلانا للضرورة من باب : الضرورات تبيح المحضورات ، كأنّه وقع في معصية ، بل فعله هذا هو المعصية الكبرى ، فيجب عليه التوبة والإستغفار من ذلك . فإنّهم لو كانوا يعتقدون أن الأئمّة على هدى ما نفرت نفوسهم من العمل بأقوالهم لأنّ الهدى لا تنفر منه نفس مشاهدة أنّه هدى ، فتأمّلْ أهـ .
وقال في ميزان الشريعة : وسمعتُ سيّدي عَلِيًّا الخواص رضي الله تعالى يقول : إنّما أبدى أئمّة المذاهب مذاهبهم بالمشي على قواعد الحقيقة مع الشريعة كان إعلاما لأتْبَاعِهم بأنّهم كانوا علماء بالطريقتين . وكان يقول : لا يصحّ خروج قول من أقوال الأئمّة المجتهدين عن الشريعة أبدا عند أهل الكشف قاطبة ، وكيف يصحّ خروجهم عن الشريعة مع اطّلاعهم على مواد أقوالهم من الكتاب والسُنّة ، ومع الكشف الصحيح ، ومع اجتماع روح أحدهم بروح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وسؤالهم إيّاه على كلّ شيء يتوقف فيه من الأدلّة : هل هذا من قولك يا رسول الله أم لا ؟ يقظة ومشافهة بالشروط المعروفة بين أهل الكشف . وكذلك كانوا يسألونه صلّى الله عليه وسلّم عن كلّ شيء فَهِمُوهُ من الكتاب والسُنّة قبل أن يدوّنوه في كتبهم ويدينوا لله تعالى به ويقولون : يا رسول الله قد فهمنا كذا من آية كذا ، وفهمنا كذا من حديث كذا من قولك في الحديث الفلاني كذا ، فهل ترتضيه أم لا ؟ ويعملون بمقتضى قوله وإشارته . ومَن توقّف فيما ذكرناه مِن كشف الأئمّة ومِن اجتماعهم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم قلتُ له : هذا من جملة كرامات الأولياء بيقين ، وإن لم يكن الأئمّة المجتهدون أولياء فما على وجه الأرض وليّ أبداً . وقد اشتهر عن كثير من الأولياء الذين هُمْ دون الأئمّة المجتهدين في المقام بيقين أنّهم كانوا يجتمعون برسول الله صلّى الله عليه وسلّم كثيرا ، ويُصَدِّقهم أهل عصرهم على ذلك أهـ .
قلتُ : ومن عَلِمَ هذا عِلْمَ يقين ، فكيف يفرّق بين الأئمّة االمجتهدين ، ويضلّل مَن قلّد بعضهم ؟ ما ذلك والله إلاّ الجهل الصراح ، وعلامة الطرد والإبعاد ، نسأل الله تعالى السلامة والعافية في الدين والدنيا والبرزخ والآخرة ، والله تعالى وليّ التوفيق بِمَنِّه .
وقال في العهود المحمدية :
فقفْ يا أخي عن العمل بكلّ شيء لم تصرّح الشريعة بحكمه ، ولم تُجمع الأئمّة عليه ، ولا تتعدّ فإنّ الله لا يؤاخذك إلاّ بما صرّحت به الشريعة ، كما أنه لا يؤاخذ الصحابة إلاّ بما صرّح به القرآن والسُنّة ، وقدّر يا أخي نفسك أنّك في زمن الصحابة وقبل وجود جميع المذاهب ، هل كان الحقّ تعالى يؤاخذك إلاّ بمخالفة ما صرّحتْ به الشريعة ؟ وكذلك القول الآن أهـ .
قلتُ : وإيّاك أن تفهم ممّا تقدّم أنّي أمنع من التمذهب بالمذاهب ، ومَن فَهِمَ ذلك من كلامنا هذا فقد نادى بالجهل وقِلّة الفهم على رؤوس الأشهاد ، بل إنّما منعْنا ادعاء وجوب اتّباع بعضها دون بعض من التعصّب بها المجمع على حرمته ، ومِن الإنكار على مَن سوّى بين مذاهب الأئمة مع أنّ التسوية بينها باعتقاد أنّها كلّها على هدى وصواب واجب على كلّ مؤمن ومؤمنة ، ومِن الإنكار على من يعمل بجميع الشريعة المحمدية التي دوّن فيها مذاهب الأئمة الأربعة لعلمه أن مِن الأحاديث الصحيحة ما لم يبلغ كلّ واحد من الأئمّة ، ولو بلغه لقال به وإن الله أمر به ، ثم جمعت بعده ، وإنّ الأئمّة عند المخطئة يصيبون ويخطئون ، وأنّ المصيب في كل نازة واحد ، وأنّه غير معيّن ، بل يصيب في واقعة واحدة وفي أخرى غيره . وأمّا عند المصوّبة فكلّهم مصيبون . وأيّ فائدة بقيتْ للتعصّب والإنكار ؟ فقد ذكر الشيخ الشعراني في العهود المحمدية :
أنّ سيّدي عليّا الخواص رضي الله تعالى عنه قال : وكلّ من لم يبلغ مرتبة التبحّر في علوم الشريعة ، ومعرفة أدلّة المذاهب فمِنْ لاَزِمِهِ الوقوعُ في التديّن بالآراء التي لا يكاد يشهد بها كتاب ولا سُنّة . فتبحّرْ يا أخي في علوم الشريعة وكتب شرّاحها ، واحفظ مقالاتهم حتّى تكون عارفا في جميع المذاهب لأنّها بعينها هي مجموع الشريعة المطهّرة . وربّما تديّنَ مقلّدٌ في مذهبٍ بقول إمامه من طريق الرأي فصحّتِ الأحاديثُ في آخر بضِدِّ ذلك الرأي ، ووقف مع مذهبه ففاتَهُ العمل بالأحاديث الصحيحة فأخطأ طريق السُنّة .
وقال : وقولُ بعضِ المقلّدين " لولا أنْ رأى إمامي دليلا ما قال به " جحود وقصور ، مع أنّ نفس إمامه قد تبرّأ من الرأي ونهى غيره من اتّاعه عليه اهـ .
ثمّ قال : وكان أخي أفضل الدين يقول : محلّ العمل برأي الإمام الذي لا يعرف لقوله سند مّا ، إذا ما لم يطّلع على دليل يخالف ، فهناك ينبغي لنا إحسان الظنّ بقوله ، ونقول : لولا أنّه رأى لقوله دليلا ماقاله . أمّا إذا اطّلعت على دليل فلنا تقديم العمل به على قول المجتهدين إذا كان مثلنا من أهل النظر الصحيح ، ويحمل ذلك الإيمان على أنّه لم يظفر بذلك الدليل اهـ .
ثم قال : وسمعت سيّدي عليّا النتيني يقول لفقيرٍ : إيّاك ياولدي أن تعمل برأيٍ رأيته مخالفا لما صحّ في الأحاديث وتقول هذا مذهب إمامي ، فإن الأئمّة كلّهم قد تبرّؤوا مِن أقوالهم إذا خالفت صريح السُنّة ، وأنت مقلّد لأحدهم بلا شكّ ، فما لك لا تقلّدهم في هذا القول وتعمل بالدليل كما تقول بقول إمامك لاحتمال أن يكون له دليل لم تطّلع عليه أنت وذلك حتى لا تعطّل العمل بواحد منهما . اهـ .
وفي القواعد الزرّوقية :
العلماء مصدَّقون فيما ينقلون لأنه موكول لأماناتهم ، وفهمهم فيما يقولون لأنّه نتيجة عقولهم ، والعصمة غير ثابتة لهم فيلزم التبصّر والنظر طلبا للحق والتحقيق ، لا اعتراضا على القائل والناقل إن عُلِمَتْ ديانته ووفور علمه ، وسلّم له ما لم يُفهَم وجهه أو لم يُعرَف أصله إن غاب وجوده إذ لعلّه بناء على أصلٍ لا علم لنا به . فإن حضر طُلِبَ به ، ثمّ إن أتى المتأخّر بما لم يُسبَق إليه فهو على رتبته ، ولا يلزمه القدح في المقدح ، ولا إساءة الأدب معه ، لأنّ ما ثبت من عدالة المتقدِّم قاضٍ برجوعه للحق عند بيانه لو سمعه ، فهو ملزوم به إن أدّى لنقص قوله مع حقيقته لا أرجحيته ، إذ الإحتمال مثبت له ، ومِن ثَمَّ خالف أئمّةُ متأخّري الأمة أوّلَها ولم يكن قد حافى واحد منهم ، فافهمْ اهـ .
وفي الذهب الإبريز عند قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا (15)
: وأمّا الإعتماد على إمام واحد مطلقا في جميع المسائل كما جَرَتْ به العادة اليوم في الإمتناع من الخروج على مذهب مالك عند مقلّديه فليس بِمُخَلّص للورع ، فلا بدّ من السؤال في كلّ قضية تعرض إن كان في الوقت أهل للسؤال ، فإنْ عُدِمَ فربما يقبل عذره في البقاء على معتقده في مقلّده إن شاء الله تعالى .
قلتُ : إنّ هذا الكلام من هذا الإمام هو فصل المقال ، فإنّه عجيب ، فشُدَّ يدك عليه فإنه نفيس في بابه ، لأنّ الذي تجمّد على قول إمام واحد ، ولا يعمل بقول غيره منَ الأئمّة ، لا ورع له بالضرورة ، ولا يكون من فحول العلماء أبدا لأنّه لا يسأل أحدا من العلماء المتبحّرين شيئا من أمور دينه ، ولا يحمله على ذلك إلاّ آفاتٍ ، مَنِ اتّصف بواحد منها لا يكون مِنْ أكابر العلماء أبدا ، منها اتّخاذ الجهل علما لأنّه لا يجد مذهبا من مذاهب الأئمّة إلاّ وتعتريه نوازل لا يجد لها نصّا من كتب أهل ذلك المذهب ، فإن لم يطلب علمها من غير أهل ذلك المذهب ، وبقي جاهلا بها ، فقد اتخذ الجهل علما ، وقد تقدّم أنّ الشافعي رضي الله عنه قال :
ما رأيت كأهل مصر ! اتخذوا الجهل علما ، لأنّهم سألوا مالكا عن مسائل وقال : لا أعلمها . فَهُمْ لا يقبلونها ممّن يعلمها لأنّ مالكا قال : لا أعلمها .
ومنها التكبّر عن سؤال غيره لئلاّ يقال أنّه ما سأل فلانا إلاذ لكونه اعلم ، فيترك السؤال لظنّه لأنّ السؤال يسقط رئاسته ، ولم يدر أنّ علوّ المرتبة لا يمنع التعلّم لأنّ الخطأ من أصحاب المراتب العلوية أقبح . وفي سراج الملوك :
ليس أحد فوق أن يؤمر بتقوى الله ، ولا أحد أجلّ قدرا من أن يقبل أمر الله ، ولا أرفع خطرا من أن يتعلّم حكم الله ، ولا أعلى شأنا من أن يتّصف بصفات الله ، ومن صفاته سبحانه العلم الذي وصف به نفسه ، وتمدّح بسعته : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ (16). والكرسي العلم ، والكراسي هم العلماء ، وإذا كان العلم فضيلة فرغبة الملوك والأشراف وذوي الاقدار والشيوخ فيه أوْلى لأنّ الخطأ منهم أقبح ، والإبتداء بالفضيلة فضيلة .
قال : وحُكِيَ انّ إبراهيم بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلّمون في الفقه ، فقال له : يا عمّ ماعندك فيما يقول هؤلاء ؟ قال : يا أمير المؤمنين شغلونا في الصغر واشتغلنا في الكبر ، قال المأمون : لِمَ لا تتعلّم ؟ فقال : أويحسن لمثلي طلب العلم ؟ فقال : نعم ، والله لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تعيش قانعا بالجهل ، قال : وإلى متى يحسن في طلب العلم ؟ قال : ما حسنت بك الحياة ، إلى أن قال : وكيف يستنكف ملك أو ذو منزلة عليّة عن طلب العلم وهذا موسى عليه السلام ارتحل من الشام إلى مجمع البحرين أقصى المغرب على بحر الظلمات إلى لقاء الخضر عليه السلام ليتعلّم منه ؟ فلمّا ظفر به قال : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (17) ، هذا وهو نبيّ الله . وهذا محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وصفوته من جميع خلقه ، قد أوصاه ربّه وعلّمَهُ كيف يستنزل ما في خزائنه فقال : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (18) . فلو كان في خزائنه ما هو أشرف من العلم لنبّأه عليه . وهذا آدم عليه السلام لما فَخرَتِ الملائكة بتسبيحها وتقديسها لربّها فَخرَ آدم بالعلم ، فقال الله : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (19) ، فلمّا عجزت الملائكة أمرهم بالسجود له بخصلة تستدعي السجود لحاملها ، وأن يتنافس فيها كلّ ذي لبّ ، وهذا فصل الخطاب لِمَن تدبّر . إلى أن قال : وكان أصحاب النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم يسألون شيوخا وكهولا وأحداثا ، وكانوا يتعلّمون العلم والقرآن والسُنّن وهُمْ بحور العلم ، وأطواد الحكمة ، ومعادن الفقه أهـ .
ومنها الحياء من السؤال لظنّه أنّ العوام تستهزئ به فتسقط به مروءته ورئاسته . وفي سراج الملوك :
رُوِيَ أنّ بعض الحكماء رأى شيخا يحب النظر في العلم ويستحي ، فقال : يا هذا أتستحي أن تكون في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله ؟ إهـ .
وقلت : وكفى مَن منعه الحياء مِنَ التعلّم خسرانا أن يكون أوّل عمره خيرا من آخره أو مساويا له ، وموتُ مَنْ هذا حاله خير من عمره إذْ لا فائدة من عمر لا يزداد صاحبه فيه خيرا .
ومنها قِلّةُ الأدب مع العلماء المتضلّعين مع جميع العلوم الأصلية والفرعية ، معقولها ومنقولها ، شريعة وحقيقة ، كما يقع ذلك لبعض من يدّعي العلم من أهل العصر فيُسيئون الأدب مع أكابر العلماء ، ويحصل لهم مقت الله ورسوله والعياذ بالله ، فيمقتهم العالم لذلك ، ويمسك عنهم العلوم التي مَنَّ الله بها عليه مكافأة لهم بسوء أدبهم . وفي البحر المورود في المواثيق والعهود :
أُخِذّتْ علينا العهود أن نأمر إخواننا أن لا يدخلوا على فقيه ولا عالم إلاّ وميزان عقلهم مكسور ، فكيف بمن يدخل على عالم أو فقير ممتحنا له وذلك لأجل أن يمنحهم ذلك العالم من علمه ، ويتصدّق عليهم بتعليمهم بالدقائق التي اطّلع عليها في الشريعة ، وانقدحت له بعد طول المطالعة والسهر والتعب . فمن دخل على عالم أو صالح ممتحنا له لم يخرج إلاّ ممقوتا والعياذ بالله تعالى . وقد كان الإمام عبد الله الأدوني رحمه الله تعالى مخصوصا في عصره بدقائق العلوم الغامضة ، وكانت المجالس تعقد فلا يعرف أحد من العلماء الحاضرين لما حصل في تلك المجالس من المسائل أجوبة إلاّ هو ، فكانوا يقيمون عليه الحجج وهو قادر على الخروج والتخلّص من اعتراضاتهم فلم يفعل ، ويقوم من المجالس مغلوبا ، كلّ ذلك لئلاّ يفيدهم ، وكان يقول : أنا لا أفيد العلم إلاّ من إذا أفدته فائدة يمكث طول عمره يخدمني ولا يرى أنّه كافأني عليها أهـ .
ومنها حُبّ الدنيا الذي يصدّ بعض الجهلة وعلماء السوء عن النهوض إلى مصاحبة علماء الآخرة المتضلّعين بالعلوم وأسرارها ودقائقها ، ويزهّدهم في العلم ، ويصدّهم عن التعلّم ، ويرغّبهم في الدنيا ، ويصرفهم عمّا سواها ، وتنصرف همّتهم بذلك إلى جمع متاعها ، مِن تزوّج نساء ، ومقارنة أحباب ، واكتساب أموال . ويورّثه ما ذُكِرَ حبّ الراحة ، وتكثير المنام .
ومنها فَقْدُ المشايخ الذين تبحّروا في علم الشريعة ، وعلِموا معقولها ومنقولها ، ومنطوقها ومفهومها ، وخاصّها وعامّها ، ومطلقها ومقيّدها ، ونصّها وظاهرها ، ومبينها ومجملها ومشتركها ، وناسخها ومنسوخا ، وتبحّروا في لغة العرب نحوا وتصريفا واشتقاقا ، وتبحّروا في علوم البلاغة حتّى عرفوا مجازاتها واستعاراتها وكناياتها ومحسناتها وغير ذلك ، وتبحّروا في علم التصوّف تخلّقا وتحقّقا ، وتبحّروا في علوم الحديث ، وفي علوم التفسير ، إلى غير ما ذكر من العلوم التي لا نطيل بذكرها . وإذا فُقِدَ المشائخ المتبحّرون الكُمَّل في مرتبة العلم في بلد أو أرض ظنّ بعض مَنْ لا قَدَمَ له في العلم أنّه مِن العلماء فيُحْرَمُ مِنَ التعلّم ، كما هو شأن بعض من ادّعى العلم من أهل العصر ، فيبقى في ظلمات الجهل . ومنها تشوّق طالب العلم إلى أن يقال أنّ فلانا حصل له كثير من العلوم فيكثر درسه ، ويطلب من معلّمه وأستاذه أن يدرسه في مجلس واحد مثل ما يدرس غيره في مجالس كثيرة ، فيتعب نفسه وشيخه من غير طائل يحصل له .
ومنها ترْكُ سؤال المشائخ . والفرْق بين هذه الآفة والآفة الأولى أنّ تلك في الذي لا يسأل إلاّ علماء مذهب إمامه ، وهذه في الذي لا يسأل مطلقا . وإذا عرفتَ الفرق بينهما فاعلم أنّه لا مانع لمن يدّعي العلم من سؤال العلماء إلاّ الجهل الصراح لأنّه لو كان من العلماء المطّلعين لَعَلِمَ أنّ كثيرا من النوازل والحودث لا يوجد لها نصّ على أحكامها في مذهبه ، أو يوجد لها نصّ في مذهبه ولكنّه لا يعتمد عليه لكونه باطلا أو ضعيفا ، إمّا لشذوذ أو لضعف مدركه ، أو لمخالفته الأصول أو القواعد أو الإجماع ، أو يوجد لها نصّ يعتمد عليه ولكنه لا قدرة له على تناوله من أماكنه ، إمّا لعدم وجود الملكة وسوء فهمه ، أو لقصور اطّلاعه لِقِلَّة ما عنده من الرواية والدراية من دواوين العلماء كأمهات المذاهب التي هي المدوّنة ، والعتبية ، والمجموعة ، والواضحة ، وغيرها من كتب علماء المذهب متونا وشروحا ، كتبصرة اللّخمي ، والبيان والتحصيل لابن رشد ، وجواهر ابن شاس ، ونحوها من دواوين الفقه . فكيف يزعم من لم يكن عنده إلاّ بعض مختصرات ، كرسالة ابن أبي زيد ، ومختصر الشيخ خليل ، وتحفة الحكّام ، وقوانين ابن جزيّ ، مع أنّها إنّما صنّفاها مصنّوفها ليبتدئ بها الطلبة ليكون تحصيلها وفهم معاني ما فيها عونا لهم على فتح الباب الذي يدخلون منه إلى تعلّم المطوّلات كالأمّهات وغيرها ، أو يكون من بعض علماء المذهب وإنّ كلّ ما لم يذكر في تلك المختصرات عنده ليس من المذهب ، وما مثل هذا إلاّ كمن قال ليس في مذهب مالك إلاّ الصلاة لأنّ الأخضري عالم من علماء المذهب ، ولو كان غير الصلاة في مذهب مالك لَذَكَرَهُ كما ذَكَرَ الصلاة ، أو كمن يقول ليس في مذهبه إلاّ الصلاة والزكاة والصوم والحجّ لأنّ ابن عاشر ما ذكر في منظومته المرشد المعين إلاّ هذه المذكورات ، أو كمن يقول كلّ ما لم يذكر في الأجرومية وفي خلاصة ابن مالك ليس من علم النحو ، أو كمن يقول كلّ ما لم يذكر في الأربعين النووية ليس من الحديث ، أو كمن يقول كلّ ما لم يذكر في الحِكَمِ العطائية ليس من علم التصوّف ، وهكذا يقال في سائر العلوم ولم يدْرِ هذا الجهول أنّ هذه المختصرات ما أُلِّفَتْ ، وما ابتَدَأَ بها المبتدئون لجمعها كلّ المطلوب ولكنّها تُعِين المبتدئين على التعلّم لِمَا سواها . قال في ألفية السند :
وأفضـل العلوم علم يقتـرب     به  الفتى من ربه فما  يجـب
فليبـذل الجهـد بمـا يزيـد     نـور الهدى في كل ما يريـد
فإنّ أنـواع العلوم  تختلـط     وبعضها بشرط بعض مرتبـط
فما حوى الغاية في ألف سنة     شخص فَخُذْ مِن كلّ فَنٍّ أحسنهْ
بِحِفْـظِ متنٍ جامعٍ  للراجـح     تـأخـذُهُ على مفيـد  ناصـح
ثمّ مع الفرصة فابحث  عنـه     حقّـق  ودقّق ما استمـدّ منه
ومنها محبّة التصدّر للتعليم والتدريس ، وبثّ العلم ونشره قبل بلوغه مرتبة العلماء الكمّل ، فيجُرُّه ذلك إلى ترك التعلّم ، وإلى جواب كلّ ما سُئِلَ عنه من غير علم فيفتضح دنيا وأخرى . وفي ألْفِيَةِ السند :
فالتمسِ العلمَ وأَجمِلْ في الطلب     والعلـم لا يحصــل إلاّ بالأدب
الأدب النافـع حُسْـنُ الصمـتِ     ففي كثيرِ القـولِ بعض  المقتِ
فكن  بحسن الصمت ما حييـتَ     مقارنـا  تحمـدُ مـا  بقيــتَ
وإن بـدَتْ بين أناس  مسألـهْ     معروفـة في العلم أو  مفتعلـهْ
فلا تكـن إلى الجـواب سابقـا     حتى تـرى غيرَك فيه  ناطقـا
فكم رأيـتُ مِن عَجُولٍ  سابـق     مِن غيـر فَهْمٍ بالخطأ  ناطـق
أزْرَى  بـه ذلك في المجالـس     بين ذوي الألبـاب  والتنافـس
الصمـت فاعلم لك حقا  أزيـن     إن لم يكـن عندك علم  متقـن
وقـل إذا أعيـاك ذاك الأمــر     ما لي فيما تسـأل عنه  خبـر
فذاك شطـر العلم عند  العلمـا     كذاك ما زالت تقـول  الحكمـا
إيّـاك والعُجْـب بفضل رأيـكَ     واحذر جـواب القول من خطئكَ
كم  من جـوابٍ أعقب الندامـهْ     فاغتنمِ الصمـتَ مع  السلامـهْ
ومنها الداء العضال الذي عمّ أهل العصر ، إلاّ من عصمه الله تعالى ، وهو أن يدّعي الإقتناع بعلمه ويزهد في علم غيره من العلماء ، ويزعم أنّ ما عنده من العلم يكفيه فلا يحتاج مع علمه سؤال غيره ولا التعلّم منه ، بل ولا يحتاج إلى الإستزادة من العلم أصلا ، كأنّه ما سمع قول نبيّ الله موسى للخضر عليهما السلام : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (20) . وإذا كان هذا صَدَرَ مِن نبيّ الله وكليمه فكيف بغيره ؟! ولا شكّ أنّ هذا أجهل من كلّ جاهل غيره تقدّم أو تأخّر حيث استغنى عن زيادة ما أمر الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم بسؤال الزيادة منه بقوله : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (21) . ولولا حماقته وسفهه وجنونه وشدّة جهله لعلم أنّ ما عنده من العلم قليل إنْ كان مُصَدِّقا بقوْل ربّ العالمين : وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا (22) ، وبقوله تعالى : وفوق كلّ ذي علم عليم (23) ، وتقدّم أنّ أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم كانوا يسألون شيوخا وكهولا وأحداثا ، وكانوا يتعلّمون العلم والقرآن والسُنن وَهُمْ بُحور العلم وأطواد الحكمة ومعادن الفقه ، وما مثل هذا مع فحول العلماء إلاّ كمثل مَن تعلّم كتاب الأخضري في الصلاة ، فلمّا أكمله أقبل ينكر على من يتعبّد الله بأشياء لم يذكرها الأخضري في ذلك التأليف واحتجّ بما فيه ، ولا يحلّ له ـ أي المكلّف ـ أن يفعل فعلا حتى يعلم حكم الله فيه ، ولو بقي علمٌ محتاج إليه المكلّف في تصحيح العبادة لَذَكَرَهُ . ولا شكّ أنّ من كان عالما بالمرشد المعين يقول له : كذبتَ ، فإنّ ابن عاشر ذكر فيه ما لم يكن في كتاب الأخضري ، وإن قال هو أيضا لا مزيد على ما في المرشد المعين لِقَوْلِ ناظمه :
في عقد الأشعري وفقه مالك     وفي طريقة الجنيد السالك
فلا شكّ أنّ من كان عالما بما في رسالة ابن أبي زيد يقول له : كذبتَ ، لأنّ في رسالة ابن أبي زيد كثيرا ممّا لم يكن في المرشد . وإن هو أيضا قال لا يشتغل إلاّ بما في الرسالة لأنّه قال :
فإنّك سألتني أن أكسب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانات ممّا تنطق الألسنة ، وتعتقده الأفئدة ، وتعمله الجوارح إلى أن قال فأجبتكَ إلى ذلك
، فهذا يدلّ على أنّ ما فيها يُغني السائل والمسؤول لهم عن غيره ، فلا شكّ أنّ من كان عارفا بما في مختصر الشيخ خليل يقول له : كذبتَ ، لأنّ كثيرا من مسائل الرسالة قد عقد الشيخ خليل في مختصره لكلّ مسألة منها بابا أو أبوابا ، أو فصلا أو فصولا ، ثمّ إنّه أيضا إن زعم أنّ لا مزيد على ما ذكره الشيخ خليل في مختصره لقوله في خطبته :
وبعد ، فقد سألتني جماعة أبان الله لي ولهم معالم التحقيق ، وسلك بنا وبِهِمْ أنفع طريق ، مختصرا على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى مبيّنا لما به الفتوى ، فأجبتُ سؤالهم
، وهذا ينبئ على أنّه لم يَدَع شيئا من المسائل الفرعية المحتاجة المعوّل عليها إلاّ ذكَرها فيه ، فلا شك أنّ من كان مطّلعا على كثرة الكتب المؤلّفة في المذهب من المختصرات والمطوّلات أمّهات المذهب وغيرها ، متونا وشروحا وحواشي ، يقول له : كذبتَ ، فإنّ هذا المختصر مع عموم نفعه وجلالة قدره بالنسبة إلى غيره من كتب المذهب كنسبة نقطة إلى البحر ، إذْ ليس في المختصر باب أو فصل إلاّ هو كتاب أو كتب في بعض المصنّفات . ثمّ إنّه أيضا إن زعم أن لا مذهب يُسلَك به إلى الله وإلى رسوله صلّى الله تعالى عليه وسلّم إلاّ مذهب واحد ، وهو مذهب إمامه الذي قلّده في الفروع وزعم أن مَن سَلَكَ إلى الله بغيره فإنّه ليس على صواب ، بل آثم وفاعل ما لا ينبغي ، ويتعصّب لذلك المذهب الذي هو فيه ، فلا شكّ أنّ مَن كان مطّلعا على فضل الأئمّة الأربعة ، وعلى سعة اطّلاعهم في الفروع الشرعية كلّها أو على دقّة نظرهم ، وغزارة معرفتهم بالكتاب والسُنّة ، وحُسْنِ استنباطهم ، وعلى فضل مذاهبهم ، وعلى أنّها كلّها موصلة إلى اللهّ تعالى ورسوله ، يقول له : كذبتَ يا عدوّ الله . ثمّ هذا إنْ زعم أنّ كلّ مذهب غير المذاهب الأربعة ليس بشيء ، وغير معتدّ به ، فلا شكّ أنّ كلّ مَن كان له أدنى علم ومعرفة بأحوال جميع مجتهدي هذه الأمّة ، وكان مطّلعا على بلوغهم المرتبة القصوى في العلم بالله ، وبصفاته ، وأسمائه ، وبرسله ، وبأحوال رسله وسيرهم ، وبأحوال اليوم الآخر وما بعده ، وأطّلع على شدّة خوفهم من الله ، وعلى شدّة اتّباعهم لما جاء به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وشدّة اجتنابهم عن جميع ما أُحدِث من البدع الشيطانية ، والعوائد الذميمة ، واطّلع على سعة اطّلاعهم بأسرار الكتاب والسُنّة ، واطّلع على كثرة علومهم التي لا يطّلع عليها إلاّ هُمْ ، لا سيما مجتهدي التابعين ، فضلا عن مجتهدي الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، يقول له : كذبتَ ، وكيف لا وهذه الشريعة جاءت على ثلاثمائة وثلاث عشرة طريقة ، ليس منها طريقة يلقى العبد بها ربّه إلاّ دخل الجنّة ، كما سيأتي في الفصل الذي بعد هذا الفصل إن شاء الله تعالى . وبهذا تعلم أنّه لا ينبغي لكمّل العلماء ، وأكابر الفضلاء إدّعاء العلم إلاّ لغرض شرعي فضلا عن ادّعاء الإستغناء بما علم ، وعدم الإحتياج إلى سؤال أحد من العلماء .
وفي شبهة السماع :
ومنه ـ أيّ من الأدب الذي يجتمع للمتّصف به خصال الخير ـ الفرار من دعوى العلم . وفي شرحه كشف القناع : أيّ بغير غرض شرعي ، وذلك لأنّ دعواه لغير غرض شرعي يحصل به المقت .
ومِن كلام سيّدي عليّ الخواص : إيّاك أن تُقِرّ النفس على دعوى العلم ، فمَن أقرّها على ذلك فقد أقرّها على الرياء والفخر ، ولا يخفي ما فيهما من المقت والطرد . إنتهى .
وقد وقع للحسن البصري أنّه قال يوما لأهل مجلسه ، وكان فيه خمسمائة محبرة تكتب عنه :
لا تسألوا عن علم نزل من السماء إلاّ أخبرتكم به . وقال شاب نحيف الجسم يتوكّأ على عصا : هل للناموسة في بطنها مصران وفرث ؟ فما درى الحسن ما يقول ، وخرّ مغشيّا عليه ثمّ مات بعد ثلاثة أيّام .
ووقع للشيخ محي الدين بن العربي أنّه ركب مرّة البحر ، فهاجت ريح شديدة فهاج البحر ، فقال له :
أسكنْ فإنّ عليك بحرا من العلم ، فسكن البحر بمجرّد قوله ، ثمّ طلعتْ هائشة عظيمة وقالت : يا محي الدين ، أسألك عن مسألة واحدة فإن أجبتَ عنها فأنت بحر كما قلتَ وإلاّ فأنت جاهل لا ينبغي لك دعوى علم ، فقال لها : وما هي ؟ قالت : إذا مَسخ الله زوج امرأة هل تعتدّ عدّة الأحياء أم عدّة الأموات ؟ فسكت الشيخ ، فقالت له الهائشة : أقول لك عليها وأكون من جملة أشياخك ؟ قال : نعم ، فقالت : إنْ مُسِخَ حيونا إعتدّتْ عدّة الأحياء ، وإنْ مُسِخَ جمادا إعتدّتْ عدّة الأموات . فمِنْ ذلك اليوم ما سُمِعَ من الشيخ محي الدين دعوى علم ولا معرفة .
ووقع لبعضهم أنّه خطر له أنّه صار من أهل العلم ، فسأله إنسان في الحال :
من أطول الملائكة عمرا ؟ وهل خُلِقوا جملة واحدة أو على التدريج ؟ فسكت واستغفر .
وكان سيّدي أفضل الدين يقول :
من نظر في علوم السلف الصالح حَكَمَ على نفسه بالجهل ولم تحدّثْه قطّ أنّه من العلماء أهـ .
قلت : وسيأتي في الفصل العاشر من هذا الكتاب أنّ عبد الوهاب الشعراني رضي الله تعالى عنه أودع في كتابه " تنبيه الأغبياء على نقطة من نقطة من بحر علوم الأولياء "
: أحدا وسبعين ألف علم ، كلّ علم منها لا يدرك له قعر ، وأنّ الشيخ إبراهيم المتبولي أخرج من سورة الفاتحة مائتي ألف علم وسبعة وأربعين ألف علم وتسعمائة وتسعة وتسعين علما ، وأنّ من العلوم التي اختُصّ بها العارفون أربعمائة علم وأحد عشرة علما أهـ .
فَلْنَعُدْ إلى كلام صاحب كشف القناع فنقول ، قال :
ونقل أصحاب الطبقات أنّ أبا حفص بن شاهين صَنَّفَ ثلاثمائة وستين مؤلف ، منها تفسير القرآن الكريم في ألف مجلّد ، ومنها المسند في ألف وستمائة مجلّد ، وذكروا أنّه حَاسَبَ الحبّار في استئجاره منه الحبر للكتابة أواخر عمره فبلغ نحو ألفيْ رطل ، ونقلوا أيضا أن خزانة كتب المدرسة النظامية احترقتْ في نظام الملك ، فشقّ ذلك عليه ، فقالوا له لا تحزن فإنّ ابن الحدّاد يُملِي على الكتبة جميع ما احترق مِن حِفْظِهِ ، فأرسلوا خلفه ، فأملى ما حترق في مدّة ثلاث سنين ما بين تفسير وحديث وفقه ونحو ذلك .
ونقلوا أيضا أنّ أبا حسن الأشعري ألّف تفسيرا في ستمائة مجلّد .
وحكى الشيخ تقيّ الدين السبكي أنّ محمد بن الأنباري كان يحفظ في كل جمعة عشرة آلاف ورقة .
وحكى أيضا أنّ الواحدي كان يحفظ من كتب العلم وقر مائة وعشرين بعيرا .
قال : ومِن الغرائب أنّ محمدا بن سينا لاَمَهُ إنسان على عدم حفظه للقرآن الكريم فحفظه في ليلة ولم يكن سبق له قبل ذلك حفظ سورة منه غير الفاتحة وسورة الإخلاص والمعوذتين ، وكان لا يسمع شيئا إلاّ حفظه أوّل مرّة .
قال : وكان الليث بن سعد يقول : لو كتبتُ ما في صدري ما وَسِعَهُ مركب .
ثمّ قال : فانظر يا أخي إلى علمِك مع هذه العلوم التي أوتيها غيرك من العلماء الذين ذكرناهم تجده لا يجيء قطرة من البحر المحيط ، وهناك تحكم على نفسك بالجهل .
قال في ألفية السند :
العلـم بحـر منتهاه يبعـد     ليس  له حـدّ إليه يُقصـد
وليس كلّ القصد قد  حويته     أجل ولا العشْر ولا أحصيته
وما بقـى منه عليك  أكثـر     ممّا علمت والجواد  يعثـر
وتكلّم شابّ عند الشعبي يوما بكلام ، فقال الشعبي :
ما سمعت هذا ، فقال الشابّ : أَكُلُّ العلم سمعتَ ؟ قال : لا ، قال : فشطْره ؟ قال : لا ، قال : فاجعل هذا في الشطر الذي لم تسمعه ، فأُفْحِمَ الشعبي . أنظرْ حياة الحيوان عند ترجمة البغل .
قلتُ وكيف يمكن لمن لم يتعلّم إلاّ بعض مختصرات من فنّ واحد أو فنّيْن إلى عَشْرٍ مِن فنون العلم أن يدّعي أنّه مِن العلماء ؟ فأحرى أن يكتفي بعلمه وينكر على من أتى من غير ما علم ، ويتكبّر ويستنكف من التعلّم ، وسؤال العلماء ، مع أنه جاهل بالمختصرات التي تعلّمها إذْ لا يمكن لأحد إتقان شيء من فنون العلم إلاّ إذا كان متقنا لجميعها ، ولذا قال في ألفية السند :
فإنّ أنـواع العلوم  تختلـط     وبعضها بشرط بعض مرتبـط
فما حوى الغاية في ألف سنة     شخص فَخُذْ مِن كلّ فَنٍّ أحسنهْ
بِحِفْـظِ متنٍ جامعٍ  للراجـح     تـأخـذُهُ على مفيـد  ناصـح
ثمّ مع الفرصة فابحث  عنـه     حقّـق  ودقّق ما استمـدّ  منه
لكـنَّ ذاك باختـلاف الفهـم     مختلـف وباختـلاف العلــم
فالمبتـدي والفـذّ لا  يطيـق     بحثـا بعلـم وجهـه  دقيـق
ولمّا جهل بعض من يدّعي العلم هذا الذي أردناه لظنّه أنّ مرتبة العلم سهلة المحتد ، وقريبة المأخذ ، وأنّها تُدرك بالتخييلات والتسويلات والمغالطات مع الخلود إلى الدرجات ، كما قال قائلهم :
لا تحسب المجد تَمْراً أنت آكله     لن تبلغ المجدَ حتّى تلعق الصبر
قرأ شيئا من المختصرات ، وحفظ بعض النصوص والعبارات والإصطلاحات فصار بِوَهْمِ العوام أنّه من العلماء الأعلام ، ولم يدْرِ أنّ الناس في هذا الشأن على ثلاث أقسام : قسم يحفظ النصوص والألفاظ فيوردها كما سمع ، ويحكيها في المجالس ، فإذا طُلِب منه استخراج معانيها أو استنباط أحكامها وإبداء أسرارها مع البحث والتدقيق والتحقيق لا يوجد عنده شيء من ذلك ، كما قال قائلهم :
يقولون أقوالا ولا يعرفونها     إذا قيل هاتوا حقّقوا لا يحقّقوا
وفي هذا وَرَدَ : « رُبّ حامل فقه غير فقيه » ، وهو الذي قيل فيه أيضا : « رُبّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه » . والذي يليق بهذا السكوت لا مجادلة العلماء . وفي القواعد الزرّوقية :
المتكلّم في فنّ من فنون العلم إنْ لم يلحق فرعه بأصله ، ويحقّق أصله من فرعه ، ويَصِلُ معقوله بمنقوله ، وينسب منقوله لمعادنه ، ويعرض ما فَهِمَ منه على ما علم من استنباط أهله ، فسكوته عنه أوْلى من كلامه فيه إذْ خطأه أكثر من إصابته ، وضلاله أسرع من هدايته ، إلاّ أن يقتصر على مجرّد النقل المحرّر من الإيهام والإبهام ، « فرَبّ حامل فقه غير فقيه » فيسلم له نقله لا قوله ، وبالله سبحانه التوفيق أهـ .
وقِسْمٌ له قوّة رغبة في العلم والتعلّم لكنّه بليد لا يفهم ولا يحفظ . وقِسْمٌ يفتح لله عليه بالفهم ، ودقّة النظر ، وحُسْنِ الإستنباط ، فيحفظ المعاني بقلبه من غير احتياج إلى حفظ الألفاظ ، وقد يحفظها ، وهذا هو الذي إذا اجتهد ينال المرتبة العليا في العلم .
وحكى البويطي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه قال :
أنّه كان في مجلس مالك بن أنس رضي الله تعاالى عنه ، وهو غلام ، فجاء رجل إلى مالك فاستفتاه فقال : إنّي حلفت بالطلاق الثلاث أنّ هذا البلبل لا يهدأ من الصياح ، قال مالك : قد حنثتَ ، فمضى الرجل ، فالْتَفَتَ الشافعي إلى بعض أصحاب مالك فقال : إنّ هذه الفتيا خطأ ، وأخبر بذلك مالك ، وكان مالك رضي الله عنه مهيب المجلس لا يجسر أحد أن يرادده ، وكان ربما جاء صاحب الشرطة فوقف على رأسه إذا جلس في مجلسه ، فقالوا لمالك : إنّ هذا الغلام الشافعي يزعم أنّ هذه فتيا إغفال أم خطأ ، فقال له مالك : من أين قلت ذا ، فقال له الشافعي رضي الله تعالى عنه : أليس أنت الذي رويت لنا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في قصّة فاطمة بن قيس أنّها قالت للنبي صلّى الله عليه وسلّم أنّ أبا جهم ومعاوية خطباني ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم أمّا أبا جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأمّا معاوية فصعلوك لا مال له . فهل كانت عصا أبي جهم دائمة عن عاتقه ؟ وإنّما أراد الأغلب من ذلك . فعرف مالك مقدار الشافعي ومكانته رضي الله تعالى عنهما .
أنظر ترجمة البلبل في حياة الحيوان للدميري .
وإلى هذه الأقسام أشار في ألفية السند بقوله :
فرُبّ إنسـان ينال الحفظـا     ويورد النصّ ويحكي اللفظـا
ومـا لـه فـي غـيــره     نصيب ممّا حواه العالم الأديب
ورُبّ ذي حرص شديد الحب     للعلـم  والذكـر بليـد القلب
معجزة في الحفظ  والرواية     ليست له عمن روى الحكايـة
وآخـر  يعطي  بالإجتهـاد     حفظا لما قد جاء في الإسنـاد
يفيـده بالقلـب لا بناظـره     ليس بمضطـر إلى قماطـره
والسكوت هو الذي يليق بالأول كما قدّمنا لأنّ سلامته وزينته السكوت ، وهلاكه وعيبه في الكلام ، قال في ألفية السند :
الصمـت فاعلم لك حقا  أزيـن     إن لم يكـن عندك علم  متقـن
وقـل إذا أعيـاك ذاك الأمــر     ما لي فيما تسـأل عنه  خبـر
فذاك شطـر العلم عند  العلمـا     كذاك ما زالت تقـول  الحكمـا
إيّـاك والعُجْـب بفضل رأيـكَ     واحذر جـواب القول من خطئكَ
كم  من جـوابٍ أعقب الندامـهْ     فاغتنمِ الصمـتَ مع  السلامـهْ
والذي يليق بالقسم الثاني الإشتغال بالعبادة وغيرها من الأعمال التي يُثاب عليها ، وبتعمير عمره بأنواع الطاعات ، فكلّ نفَس من العمر لو كان يباع بالدنيا وما فيها لا يساويه ، كما قيل :
ومن يكـن في فهمه بـلادة     فليصرف الوقت إلى  العبـادة
أو غيرها من كلّ ذي  ثواب     ولو بحسن القصد في الأسباب
فليعمـر العمـر فكـلّ ذرة     منـه  رخيـصـة بألـف دُرّة
والذي يليق بالقسم الثالث ما أشار إليه بقوله :
فحـقّ أهل العلم صدق النيّـة     والإجتهاد في صفا  الطويّـة
والجِدّ في التقوى بخير السيرة     ليستقرّ العلمُ في  البصيـرة
فعِلْـمُ  ذي الأنوار في جنانـه     وعلم ذي الأوزار في  لسانه
وأنّ عنـوان علـوم الديــن     في الصدق والخشية واليقين
قلت: ومن وقف على جميع ما أوردنا وتأمّله حقّ التأمّل ، ودقّق فيه النظر ، عَلِمَ يقيننا أنّ الذي ادّعى أنّ الحق محصور في مذهب معيّن مِن مذاهب الأئمّة المجتهدين لا يتجاوزه إلى غيره ، واعتقد هذا الإعتقاد الفاسد ودعا الناس إلى ذلك ، مع ادّعائه أنّه أعلم الناس بذلك المذهب مع أنّ شواهد الإمتحان تكذّبه ، والمعاينة الحِسّيَة تفضحه ، لا يزيده الله بما علم إلاّ طردا وبُعدا وهلاكا ، ولا سيما إذا تصدّر للتدريس والإفتاء والقضاء فيحمله حُبّ الرياسة على جواب كلّ ما سُئِل عنه ، ولا يُسمَع منه قول لا أدري لادّعائه أنّه أعلم من جميع أهل عصره ، وأنّه مُكْتَفٍ بعلمه ، فيبتليه الله لسوء أدبه بالكِبر والعُجب والحسد والمكر وقساوة القلب . قال في ألفية السند :
والعلم ذكر الله في أحكامه     على الورى كالشكر في إنعامه
فذكره في الذات  والصفات     كالذكـر في الأحكام والآيـات
لكن كثيرا غفلوا في  العلم     وحكمـه عن ربّه ذي الحكـم
وأدخلوا فيه الجدال والمِرا     فكثـرت  آفاتـه كمـا تـرى
فصار فيهم حاجبا لنـوره     عنه فما ذاقـوا جَنَى مأثـوره
فهلكـوا بقسـوة  وكِبـر     وحـسـد  وعجـب ومـكـر
نعـوذ باللـه من الخَبـال     والعَوْد بعد الحقّ في الضـلال
فالذمّ  منهم لا من العلـوم     فإنهـا مـن طاعـة القيّـوم
وإلى جميع الآفات المتقدّمة أشار بعض الفضلاء بقوله :
وللعلـم  آفـات فدونك  سردها     فـأوّل  تعـداد نَعُـدُّ  التكبّـرا
كذلك الإستحيا وتزويجك  النسا     وقلّـة آداب وتكثيـرك  الكَـرا
مقارنـة  الأحباب فَقْد مشائـخ     وحبّـك للدنيـا وهمّـك  للثـرا
وحبّك للتكبير في الدرس ثم إنْ     تركتَ سؤال الشيخ ثمّ التكـرّرا
وحبّـك للتقديم في الدرس أوّلا     وترك  سـؤال الطالبين تحـرّرا
كـذاك إذا ما كنـت فيه مقنعـا     بأن قلت ذا يكفي بأن كنت  فاترا
فإنّ  هذه قد نلتَ منها خُصيْلـة     فلا تَتْعبَنَّ فاذهب لترعى الأباعرا
وفي حاشية العالم العلاّمة أبي الحسن علي الصعيدي العدوي على شرح الشيخ الخرشي على مختصر خليل ، عند قوله مبيّنا لما به الفتوى :
فائدة : يجوز تقليد المذهب المخالف في بعض النوازل ويُقدَّم على العمل بالضعيف إهـ .
وفيه ، عند قول الخرشي في شرحه عند قول خليل وحيث ذكرت قولين أو أقوالا : ويجوز تقليد مذهب الغير في بعض النوازل ولو بعد الوقوع وهو مقدّم على القول الضعيف ، وإذا لم يجد نصّا في نازلته فيرجع لمذهب أبي حنيفة لأنّ مسائل الخلاف التي بين مالك وأبي حنيفة إثنان وثلاثون مسألة فقط ، كذا أفتى بعض المتأخرين وفيه نظر ، بل ظاهر كلام القرافي أنه ينتقل في تلك النازلة لمذهب الشافعي لأنّه تلميذ الإمام اهـ .
قلتُ : وكلّ مَن وقف على ما أودعناه في هذا الفصل ، وأعطاه من التأمل حقّه ، وكان من أهل الإنصاف والإذعان للحقّ ، رجع عن اعتقاداته الفاسدة ، وتجرآته الكاسدة ، واعترف بأنّ الله لم يوجب ، ولا رسوله ، على أحد التزام مذهب معيّن من مذاهب الأئمّة المجتهدين لا يتجاوزه ويعمل بغيره لاعتقاده فساد ذلك الغير ، وضلال من عمل به ، وأنّ أحدا من الأئمة ما أوجب على أحدٍ اتّباع مذهبه بخصوصه ، بل تبرّأ من ادّعاء ذلك . فكيف يتوهّم مَن له أدنى علم ومعرفة بذلك مع ما علم وشاع وذاع من انتقال أكابر الفضلاء ، وفحول العلماء ، من مذهب أمام إلى مذهب غيره من غير نكير عليه من علماء عصره ، وتصريحهم بجواز تقليد المذهب المخالف في بعض النوازل كما مرّ .
وفي حاشية الإمام العالم العلّامة محمد بن علي الصباني على شرح نور الدين أبي الحسن علي بن محمد الأشموني الذي سمّاه منهج السالك إلى ألفية ابن مالك ، عند قول الناظم فائقة ألفية بن معطى ، حيث قال في شرح فائقة ألفية الإمام العالم العلاّمة أبي الحسن يحي بن معطي بن عبد النور الزواوي الحنفي قوله :
الحنفي في حاشية الشيخ يحي أنّه كان مالكيا وتفقّه بالجزائر على أبي موسى الجزولي ، ثم تشفّع كابن مالك وأبي حيان حين الخروج من المغرب اهـ . قال : ويمكن أنّه تحنّف بعد أن تشفّع أه .
وفي ميزان الشريعة للشيخ عبد الوهاب الشعراني :
قال الجلال السيوطي رحمه الله : وممّن بلغنا أنّه انتقل من مذهب إلى مذهب من غير نكير عليه من علماء عصره الشيخ عبد العزيز بن عمران ، كان من أكابر المالكية ، فلمّا قَدِمَ الشافعي بغداد تبِعه ، وقرأ كتبه ، ونشر علمه ، ومنهم محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، كان على مذهب الإمام مالك فلمّا قدم الشافعي انتقل إلى مذهبه وصار يحث الناس على اتّباعه ، ومنهم إبراهيم بن خالد البغدادي ، كان حنفيّا فلمّا قدم الشافعي بغداد ترك مذهبه واتّبعه ، ومنهم أبو ثور ، كان له مذهب فتركه واتّبع الشافعي ، ومنهم أبو جعفر بن نصر الترمذي رَأْسُ الشافعية بالعراق ، كان أوّلا حنفيّا ، فلمّا حجّ رأى ما يقتضي انتقاله إلى مذهب الشافعي ، فتفقّه على الربيع وغيره مِن أصحاب الشافعي ، ومنهم أبو جعفر الطحاوي ، كان شافعيّا تفقّه على خاله المزني ، ثم تحوّل حنفيّا ، ومنهم الخطيب البغدادي الحافظ ، كان حنبليّا ثمّ تحوّل شافعيّا ، ومنهم ابن فارس صاحب كتاب المجمل في اللغة ، كان شافعيّا تبعا لوالده ، ثمّ انتقل إلى مذهب مالك ، ومنهم السيف الآمدي الأصولي المشهور ، كان حنبليّا ، ثمّ انتقل إلى مذهب الشافعي ، ومنهم نجم الدين بن خلف المقدسي ، كان حنبليّا ، ثمّ تفقّه على الشيخ موفّق الدين ، ودرس في مدرسة أبي عمرو ، ثمّ تحوّل شافعيّا ، وارتفع شأنه ، ومنهم الشيخ محمد بن الدهان النحوي ، كان حنبليّا ، ثمّ تحوّل حنفيّا ، ومنهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ، كان أوّلا مالكيا تبعا لوالده ، ثم تحوّل إلى مذهب الشافعي ، ومنهم الأمام أبو حيان ، كان أوّلا على مذهب أهل الظاهر ، ثمّ تحوّل شافعيّا اهـ .
قلتُ : وظاهر ما تقدّم نقله عن حاشية الشيخ محمد علي الصبان أنّ أبا حيان كان أوّلا مالكيا ثم تحول شافعيّا ، فلينظر . وكلّ مَن تأمّل ما تقدّم لنا ذكره في هذا الفصل ، وأعطاه من التأمّل حقّه ، وكان من أهل الإنصاف كما تقدّم ، إعترف بأنّ مَن ادّعى أنّه يستغني بعلمه ، ولا يحتاج إلى زيادة ، ولا إلى سؤال أحد من علماء عصره ، كذَبَ والله وافترى .
والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ إلى الصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .


<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة الأنفال ، الآية 29 .
  2. سورة المائدة ، الآية 95 .
  3. سورة النحل ، الآية 44 .
  4. سورة الأنعام ، الآية 38 .
  5. سورة النساء ، الآيتان 174 ـ 175 .
  6. سورة المائدة ، الآيتان 15 ـ 16 .
  7. سورة النحل ، الآية 89 .
  8. سورة يوسف ، الآية 111 .
  9. سورة الكهف ، الآيتان 103 ـ 104 .
  10. سورة المؤمنون ، الآيتان 70 ـ 71 .
  11. سورة الجمعة ، الآية 5 .
  12. سورة النساء ، الآية 115 .
  13. سورة التغابن ، الآية 11 .
  14. سورة النساء ، الآية 80 .
  15. سورة البقرة ، الآية 168 .
  16. سورة البقرة ، الآية 255 .
  17. سورة الكهف ، الآية 66 .
  18. سورة طه ، الآية 114 .
  19. سورة البقرة ، الآية 31 .
  20. سورة الكهف ، الآية 66 .
  21. سورة طه ، الآية 114 .
  22. سورة الإسراء ، الآية 85 .
  23. سورة يوسف ، الآية 76 .