نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل التاسع
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > الـرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل التاسع


في إعلامهم أنّ الإنكار لا يجوز على الحقيقة إلاّ لِمَن أحاط بجميع الشريعة . وفائدة إعلامهم به أنْ يتحرّزوا عن الإنكار العام ويقتصروا على ما صرّح الكتاب والسُنّة وإجماع الأمّة به إيجابا وتحريما .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّه إلى سواء الطريق : قال في لواقح الأنوار القدسية في العهود المحمدية :
أُخِذَ علينا العهد العام من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن لا نجادل في عِلمٍ من العلوم الشرعية إلاّ بقصد نصرة الدين ، بشرط الإخلاص والحضور مع الله تعالى في ذلك ، على الكشف لا على الظنّ والرياء والغلّة والتخمين ، ومقابلة االنصوص من أكابر مذهبنا وغيرهم . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ متضلّع من علوم الشرع ، قد اطّلع على جميع أدلّة المذاهب المستعملة والمندرسة ، وسلك طريق القوم في درجات الإخلاص . وأمّا مَن يعمل بهذا العهد بنفسه من غير شيخ فهو مُرَاءٍ غالبا .
وقال بعد كلام : وقد حكى الشيخ محي الدين في الفتوحات المكية أنّ من وراء النهر جماعات من الحنفية لم يزل الجدال بينهم قائما طول السَّنَة حتى أنّ بعضهم يفطر في رمضان ليتقوّى على الجدال مع خصمه . وقد روى الطبراني مرفوعا : « أنّ الشريعة جاءت على ثلاثمائة وستين طريقة »اهـ . قال فلا ينبغي لأحد أن يردّ على من يجادله إلاّ إنْ نظر في هذه الطرق ولم يجدْ كلام خصمه يوافق طريقة منها . وما ذكر الشارع ذلك إلاّ لِسدِّ باب الجدال بغير علمٍ ، تقويةً للدين لأنّ النزاع يوهّنه ويضعّفه . وسمعتُ سيدي عليّا الخواص رحمه الله تعالى يقول : لا يقوم الدين إلاّ باتّفاقٍ عليه لا باختلافٍ فيه .
روى البيهقي والترمذي وغيرها مرفوعا ، وحسّنه الترمذي : « ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدال ثم قرأ صلّى الله عليه وسلّم : وما ضربوه لك إلاّ جدلا بل هم قوم خصمون . (1) . » وروى الشيخان وغيرهما مرفوعا : « أنّ أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصم » اهـ .
وقال في البحر المورود في المواثيق والعهود :
أُخِذَ علينا العهود أن لا نُمَكِّن أحدا مِن إخواننا يبادر إلى الإنكار على مَن خالف نقل بعض العلماء إلاّ إنْ أحاط بجميع طرق الشريعة ولم يجد ذلك الحكم فيها ، وهذا عزيز وجودُه ، كلّ ذلك سدّاً لِبَابِ الإنكار بغير عِلْمٍ . وقد روى الطبراني رحمه الله تعالى عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال : « إنّ شريعتي جاءت على ثلاثمائة وثلاث عشرة طريقة ليست منها طريقة يلقى العبد بها ربّه إلاّ دخل الجنّة » اهـ . فإنْ كنتَ يا أخي عارفا بجميع هذه الطرق ولم تجد حُكم ما أنكرته في طريقة منها فلك إنكاره ، وإلاّ فالتسليم أوْلى وأفضل ، وألْزِمِ الأدبَ مع علماء الإسلام ، والله تعالى أعلم . إنتهى كلام الشعراني .
قلتُ : وبِفَهْمِ هذا الكلام تفهم ما تقدّم في الفصل السابع ، وهو أنّ المنكر لا يزال ينكر الباطل حتى ينكر الحق .
وقال الشيخ أحمد بن المبارك في الإبريز :
وقد استأذن بعض الناس شيخه على الإنكار على الأولياء أهل الحق من أهل الفتح ، وقال له : يا سيّدي لا أنكر عليهم إلاّ بميزان الشريعة ، فمَن وجدتُه مستقيما سلّمتُ له ، ومَن وجدتُه مائلا أنكرتُ عليه ، فقال له شيخه : أخاف أن لا تكون عندك الصنوج كلّها التي يوزن بها ، وإذا كان عندك بعض الصنوج دون بعض فلا يصحّ ميزانك ، يشير إلى ما سبق من كونه ينكر وهو جاهل .
وقال في الإنسان الكامل :
ثم أَلْتَمِسُ من الناظر في هذا الكتاب بعد أن أُعْلِمَهُ بأنّي ما وضعتُ شيئا في هذا الكتاب إلاّ وهو مؤيَّد بكتاب الله وسُنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم ، وأنّه إذا لاح له شيء بخلاف الكتاب والسُنّة فليعلمْ أنّ ذلك من حيث مفهومه لا من حيث مراده الذي وضعتُ الكتابَ لأجله ، فليتوقّفْ عن العمل به مع التسليم حتّى يفتح الله تعالى بمعرفته ، ويحصل له شاهد ذلك من كتاب الله وسُنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم . وفائدة التسليم هنا وترك الإنكار أنْ لا يُحْرَمَ الوصول إلى معرفة ذلك ، فإنّ مَن أنكر شيئا مِن عِلْمِنا هذا حُرِمَ الوصول إليه ما دام منكرا و لا سبيل إلى ذلك ، بل ويُخْشَى عليه الحرمان للوصول إلى غير ذلك مطلقا بالإنكار أوّل مهلة ، ولا طريق إلاّ الإيمان والتسليم .
قال : واعلم أنّ كلّ عِلْمٍ لا يؤيّده الكتاب والسُنّة فهو ضلال لا ما لا تجد له أنت ما يؤيده ، فقد يكون العلم في نفسه مؤيّدا بالكتاب والسُنّة ولكن قِلّة استعدادك منعك فهمه فلم تستطع أن تناوله بيدك عن محلّه فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسُنّة ، والطريق إلى هذا التسليم وعدم العمل به من غير إنكار إلى أن يأخذ الله بيدك إليه ، لأنّ كلّ علم يَرِدُ عليك لا يخلو من ثلاثة أوجه : الأوّل المكالمة ، وهو ما يَرِدُ على قلبك من طريق الخاطر الربّاني ، والملكي ، فهذا لا سبيل إلى ردّه ولا إنكاره . وقال بعد كلام : الوجه الثاني أن يكون العلم واردا على لسان من ينتسب إلى السُنّة والجماعة ، فهذا إن وجدتَ له شاهدا أو مجملا فهو المراد ، وإلاّ فمتى لا يمكنك الإيمان به مطلقا لغلبة نور عقلك على نور إيمانك فطريقتك فيه التوقّف والتسليم وعدم الإنكار . الوجه الثالث أن يكون العلم واردا على لسان من اعتزل من المذهب والْتحَقَ بأهل البدعة ، فهذا العلم هو المرفوض ، ولكن الكيّس لا ينكره مطلقا ، بل يقبل منه ما يقبله الكتاب والسُنّة من كلّ وجه ويردّ منه ما يردّه الكتاب والسُنّة من كلّ وجه ، وقَلّ أنْ يبقى هذا في مسائل أهل القبلة وقَبِلَهُ الكتاب والسُنّة مِن وجهه وردّهُ مِن وَجهٍ ، فهو فيه على ذلك المنهج اهـ .
والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .


<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة الزخرف ، الآية 58 .