البحث في نفحات7
 

 نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل العاشر
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > الـرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل العاشر


في إعلامهم أنّ الوليّ المفتوح عليه لا يتقيّد بمذهب مُعيّن من مذاهب المجتهدين ، بل يدور مع الحقّ عند الله تعالى أينما دار .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق : قال الشيخ أحمد بن المبارك في الإبريز :
إعلم ، وفّقكَ الله ، أنّ الوليّ المفتوح عليه يعرف الحقّ والصواب ، ولا يتقيّد بمذهب من المذاهب ، ولو تعطّلتِ المذاهب بأسرها لقدر على إحياء الشريعة ، وكيف لا وهو الذي لا يغيب عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولو طرفة عينٍ ، ولا يخرج عن مشاهدة الحقّ جلّ جلاله لحظةً . وحينئذ فهو العارف بمراد النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وبمراد الحقّ جلّ جلاله في أحكامه التكليفية وغيرها . وإذا كان كذلك فهو حجّة على غيره وليس غيره حجّة عليه لأنّه أقرب للحقّ من غير المفتوح عليه ، وحينئذ فكيف يسوغ الإنكار على مَن هذه صفته ويُقال أنّه خالف مذهب فلان في كذا . فإذا سمعتَ هذا ، فمن أراد أن ينكر على الوليّ المفتوح عليه لا يخلو إمّا أن يكون جاهلا بالشريعة كما هو الواقع غالبا من أهل الإنكار ، وهذا لا يليق به الإنكار ، والأعمى لا ينكر على البصير أبدا . فاشتغال هذا بزوال جهله أوْلى به . وإمّا أن يكون عالما بمذهبٍ من مذاهبها جاهلا بغيره ، وهذا لا يصحّ منه إنكارٌ إلاّ إذا كان يعتقد أنّ الحقّ مقصور على مذهبه ولا يتجاوزه لغيره ، وهذا الإعتقاد لم يَصِرْ إليه أحد من المصوّبة ولا من المخطّئة . أمّا المصوّبة فإنهم يعتقدون الحقّ في كلّ مذهب ، فهي كلّها عندهم على صواب ، وحكم الله عندهم يتعدّد بحسب ظنّ المجتهدين ، فمَن ظنّ حرمة في نازلة فهي حكم الله في حقّه ، ومَن ظنّ الحِلِّيّة فيها بعينها فهي حكم الله تعالى في حقّه . وأمّا المخطّئة فحكم الله عندهم واحد لا يتعدّد ومُصِيبهُ واحدٌ ، ولكنهم لا يحصرونه في مذهب بعينه ، بل يكون الحق في نازلة هو ما ذهب إليه إمام وفي نازلة أخرى ما ذهب إليه غيره . فاشتغال هذا المنكر بزوال هذا الإعتقاد الفاسد أوْلى به . وأمّا أن يكون عالما بالمذاهب الأربعة ، وهذا لا يتأتّي منه الإنكار أيضا إلاّ إذا كان يعتقد نفي الحقّ عن غيرها من مذاهب العلماء ، كمذهب الثوري ، والأوزاعي ، وعطاء ، وابن جريج ، وعكرمة ، ومجاهد ومعمر ، وعبد الرزاق ، والبخاري ، ومسلم ، وابن جرير ، وابن خزيمة ، وابن المنظر وطاوس ، والنخعي ، وقتادة ، وغيرهم من التابعين وأتباعهم إلى مذاهب الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين . وهذا اعتقاد فاسد ، فاشتغاله بدوائه أوْلى من اشتغاله بالإنكار على أولياء الله المفتوح عليهم . وإذا وصلتَ إلى هنا علمتَ أنّه لا يسوغ الإنكار على الحقيقة إلاّ لمن أحاط بالشريعة ، ولا يحيط بها إلاّ النبي صلّى الله عليه وسلّم والكُمّل مِن ورثَتِهِ ، كالأغواث في كلّ زمان ، أمّا غيرهم فسكوتهم خير لهم ولو كانوا يعلمون . وكلامنا في الإنكار على أهل الحقّ من أهل الفتح ، وأمّا أهل الظلام والضلال فلا تخفي أحوالهم على من مارسهم .
وقال بعد كلام :
وقد حضرتُ لبعض الناس ، وكانت له فطنة وحذاقة ، فسمع سائلا يسأل وليّاً مفتوحاً عليه على السورة التي بعد أمّ القرآن إذا نسيَها المصلّي وترتّبَ السجود القبْليّ عليه ثمّ نسبَهُ فلم يفعله حتى سلّم وطال الحال ، هل تبطل الصلاة بترك السجود القبلي بناءً على أنّ في السورة ثلاث سُنَنٍ أم لا بناءً على أنّه ليس فيها ثلاث سُنن ؟ وقد ذهب إلى الأوّل الشيخ الحطّاب وغيره وإلى الثاني شُرّاح الرسالة . وطلب السائل من هذا الولي المفتوح عليه أن يُعَيِّنَ له الحقّ عند الله تعالى . فأجابه الوليّ سريعا : الحقّ عند الله تعالى هو أنّ السورة لا يوجب نسيانُها سجوداً أصلا ، ومَن سجد لها بطلت صلاته . وكان الوليّ المفتوح عليه عاميّا أميّا ، وكان السائل يعرفه ويعرف ارتقاء درجته في الفتح . فلمّا سمع جوابه عَلِمَ أنّه هو الحقّ الذي لا ريب فيه ، وأمّا الذي له حذاقة وفطانة فدخله شكّ وارتياب ، فقال للسائل بعد أن قاما عن الوليّ : إنّ هذا الرجل ـ يعني الوليّ ـ جاهل لا يعرف شيئا . أنظر كيف جهل حكم الله في هذه المسألة فقال إنّ تارك السورة لا سجود عليه ، وقد عدّها ابن رشد في السنن المؤكّدة كما عدّ فيها الجهر والسر . فأجابه السائل بأنّ الوليّ المفتوح عليه لا يتقيّد بمذهب ، بل يدور مع الحق أينما دار . فقال الذي له حذاقة وفطانة ، وكان من طلبة العلم ، نحن لا نتجاوز أقوال إمامنا مالك . فأجابه السائل بأنّ هذا الذي قاله الوليّ المفتوح عليه قد رواه أشهب عن مالك كما نقله في التوضيح ، فروى عن الإمام أنّ السورة مستحبّة ليستْ بسُنَّة ، ثم هو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه ، فعنده أنّ السورة من الهيئات التحسينية وليست من السنن ، ومن سجد لها بطلت صلاته . ثمّ سؤالنا الولي إنّما كان عن تعيين الحقّ من غير تقييد ولم يكن عن خصوص المشهور من مذهب مالك ، وقد عيّن ما سألناه عنه ، ووافق ذلك رواية عن مالك ، وهي مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنهما ، فأيّ تبعة بقيتْ على الوليّ في جوابه ؟ فلمّا قال السائل هذا القول ، وسمِعه الذي له حذاقة ، إنقطع ولم يدْرِ مايقول اهـ
. وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في الرسالة المباركة :
فحُكْمُ المقلّد مع العارف في الجدال حكم اثنين دخل أحدهما بيتا نهاراً ورأى جميع ما فيه ، والآخر لم يدخلْه لكن أخبره جماعة بأنّ داخل هذا البيت كذا وظنّ صدقهم . فالأوّل الذي دخل مثال للعارف ، والذي لم يدخل مثال للمقلّد . فالذي دخل البيت نهاراً ورأى جميع ما فيه لا يتزلزل عن علمه بما يُقيمُه عليه الذي لم يدخل من أدِلّةِ المخبرين الذين لم يدخل أحد منهم البيت ولو بلغوا حَدّ التواتر لأنّ أحدا لا يكذّب حسّه . وحُكم المقلّد مع المقلّد في جدالهما حكم اثنين لم يدخل واحد منهما البيت ، أو دخلاه في ظلمة أو ذهول ، ثمّ اختلفا في صفة داخل البيت ، فليس واحد منهما على يقين فيما يقوله في صفته . وحكم العارف مع العارف حكم اثنين دخل كلّ واحد منهما البيت نهارا مع صحّة عقله ورأى جميع ما فيه ، فهما متّفقان لا خلاف بينهما ، ولذلك لم يختلف اثنان قطّ في علمهما بالله تعالى أبدا ، فافهمْ ، فما تمّ ما بأيدي المجتهدين من المسائل التي فهموها من الكتاب والسُنّة بعض ما عند العارف بدليل ما قدّمناه من علوم العارفين رضي الله تعالى عنهم أجمعين اهـ .
قلت : وِمن جملة تلك العلوم ما أودعه في كتاب تنبيه الأغبياء على قطرة من بحر علوم الأولياء ، وهو واحد وسبعون ألف علم ، كلّ علم منها لا يدرك له قعر ، ثمّ ذَكَرَ منها في كتابه الدرّ النظيم في علوم القرآن العظيم نحو ثلاثة آلاف منها ، قال : وكان الباعث له على تأليفه حفظ حرمة أهل الله حين سمع مَن لا خلطه له بهم ينكر عليهم ، وينسبهم إلى العوامية والجهل . ومن جملتها أيضا مائة ألف وعلم وسبعة وأربعون ألف علم وتسعمائة وتسعة وتسعون علم قال أنّ شيخه عليّا الخواص أخبره أنّ الشيخ إبراهيم المتبولي أخرجها من سورة الفاتحة . وأربعمائة علم وأحد عشرة علما اختصّ بها العارفون ، لم يعلم أحد من العلماء أسماءها فضلا عن الخوض فيها . وقال حمَله على ذكرها قوّة الشفقة على المنكرين اهـ . وقال الشيخ محي الدين بن العربي الحاتمي رضي الله تعالى عنه :
فلله خلفاء في خلقه غير الرسل يأخذون من معدن الرسول والرسُل ما أخذته الرسل ، ويعرفون فضل المتقدّم هناك ، لكن الرسول قابل للزيادة ، أيّ أن يزيد في الأحكام ، وهذا الخليفة ليس بقابل للزيادة التي لو كان الرسول قبِلَهَا ، فلا يعطي من الحكم والعلم فيما شرع إلاّ ما شرع الرسول خاصة بخلاف الرسل . ألا ترى أن عيسى عليه السلام لمّا تخيّلتْ فيه اليهود أنّه لا يزيد على موسى مثل ما قلنا في الخلافة اليوم مع الرسول آمنوا به وأقرّوه ؟ فلمّا زاد حكما أو نسخ حكما كان قد قرّره موسى ، لكوْنِ عيسى رسولا ، لم يحتملوا ذلك لأنّه اعتقادهم فيه ، وجهلتِ اليهود الأمر على ما هو عليه ، فطلبت قتله ، وكان من قصّته ما أخبرنا الها تعالى في كتابه العزيز عنه وعنهم . فلمّا كان رسولا قبِل الزيادةَ بشيء إمّا بنقض حُكم قد تقرّر أو زيادة حكم ، على أنّ النقص زيادة حُكمٍ بلا شكّ . والخلافة اليوم ليس لها هذا المنصب ، وإنّما تنقص وتزيد على الشرع الذي قد تقرّر بالإجتهاد ، أيّ على المجتهَدات التي لا نصّ فيها حقيقة ، سواء نقل فيها نصّ أم لم ينقل ، لا على الشرع الذي شرّفه بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم . فقد يظهر من الخليفة ما يخالف حديثا مّا في الحكم ، فيتخيّل أنّه من الإجتهاد وليس كذلك ، وإنّما هذا الإمام لم يثبت عنده من جهة الكشف ذلك الخبر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ، ولو ثبت لَحَكَمَ به إن كان من طريق العدل عن العدل ، فما هو معصوم من الوهم الذي هو مبدأ السهو والنسيان ، ولا من النقل على غير المعنى الذي هو مبدأ التبديلات والتحريفات . فمثل هذا يقع من الخليفة اليوم ، وكذلك يقع من عيسى ، فإنّه إذا نزل يرفع كثيرا من شرع الإجتهاد المقرّر ، فبَيَّنَ برفعه صورة الحقّ المشروع الذي كان النبي عليه السلام عليه ، ولا سيما إذا تعارضت أحكام الأئمّة في النازلة الواحدة . فنعلم قطعا أنّه لو نزل الوحي لنزل بالوجوه ، فذلك هو الحكم الإلهي وما عداه فلا . وإن قرّره الحقّ في صورة المجتهدين فقد شرع تقريره لِرفْع الحرج عن هذه الأمّة واتّساع الحكم فيها . قال تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (1) ، وقال صلّى الله عليه وسلّم : « بعثت بالحنيفية السهلة السمحة » . وظاهره أنّه لو لم يقع الإختلاف في الأحكام الإجتهادية ما كان يظهر فيها الوجوه المتكثّرة التي هي سعة الرحمة المجبول عليها نبّينا صلّى الله عليه وسلّم ، أهـ .
والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة البقرة ، الآية 185 .