نفحات7 ـ الرّماح ـ االفصل الحادي عشر
الرّئيسيـة > مكتبة على الخطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصل الحادي عشر


في إعلامهم أنّ العلماء متّفقون على الحثّ على الخروج من الخلاف باتّقاء مواضعه .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق : إعلمْ أنّه يجب عند كلّ مكلّف أن يحصل من العلم ما يصحّ به اعتقاده على مذهب أهل السُنّة والجماعة ، وما تصحّ به أعمالهم على وفق الشريعة المطهّرة ، ويجب على أهل السلوك إلى طريق أهل الله الصادقين أن يحصلوا من العلم ما تصحّ به أعمالهم على الوفاق بين المذاهب الأربعة .
قال الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته :
سمعتُ الأستاذ الشيخ أبا عليّ رحمه الله تعالى يقول : فتجب البداية بتصحيح اعتقادٍ بينه وبين الله صافٍ من الظنون والشبه ، خالٍ من الضلال والبدع ، صادرٍ من البراهين والحُجَج . وقال بعد كلام : وإذا أحكم المريد بينه وبين الله تعالى عقدَه فيجب عليه أن يحصل من عِلْمِ الشريعة ، إمّا بالتحقيق وإمّا بالسؤال ، ما يؤدي به فرضه ، فإن اختلفت عليه فتاوى الفقهاء يأخذ بالأحوط ، ويقصد أبدا الخروج من الخلاف ، فإنّ الرخص في الشريعة للمستضعفين وأصحاب الحوائج والأشغال ، وهؤلاء طائفة ليس لهم شغل سوى القيام بالحقّ سبحانه ، ولذا قيل إذا انحطّ الفقير عن درجة الحقيقة إلى رخصة الشريعة فقدْ فسخ عقدَه مع الله تعالى ، ونقض عهده فيما بينه وبين الله تعالى .
وفي الوصايا القدسية :
ومنها ، يعني ومن آداب المريدين ، أنّهم يجب عليهم أن يحصلوا من العلم ما يصحّ به اعتقادهم على مذهب أهل السنة والجماعة ، وما يتحرّزون به عن شُبَهِ المبتدعة . وقال بعد كلام : يحصل أيضا ما تصحّ به أعمالهم على وفق الشريعة المطهّرة على الوفاق بين المذاهب الأربعة . مثلا إذا كان حنفيّ المذهب يحتاط في أمر وضوئه وصلاته وسائر عباداته حتّى يكون على مذهب الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى أيضا صحيحا ، فإنّ مذاهب المشائخ الصوفية على الجمع بين أقوال الفقهاء . وإنْ لم يتيسّر الجمعُ فيأخذوا بالأحوط والأوْلى . فالشافعي لا يعترض عليك إنْ توضّأتَ مِنَ القلّتيْن ، وأبو حنيفة لا يعترض عليكَ إذا توضّأتَ عند لمس المرأة أو الذكر . اهـ .
قلتُ : ولاهتمام العلماء بهذه القاعدة جعلوا الإهتمام بها ليخرج المكلّف من فعل عبادة اختُلِف في صحّتها وبطلانها ورعاً .
قال الشيخ العلاّمة الأمين في مجموعه عند آخر فرائض الصلاة :
ومِنَ الورع مراعاة الخلاف ليتّفق على البراءة . اهـ .
وقال عند قوله : ( وجاز تَعَوُّذٌ بسملةٌ بِنَفْلٍ وَكُرِهَا بِفَرْضٍ إلاّ لمراعاة خلافٍ ) ، كما يأتي في أخر الباب ، ، قال : وهذا أصل كبير في نظائره . اهـ .
وفي حاشيته : قوله ( نظائره ) ، هي مسائل خروج من الخلاف ، كالسجود على الاعضاء السبعة ، والتسليمة الثانية كما أسلفنا ، والقراءة خلْف الإمام . اهـ .
قلتُ : وقوله ( كما أسلفنا ) : يعني قوله في حاشيته عند قوله في السلام ( وإنّما يُجزِىء السلام عليكم ، والأوْلى الإقتصار عليه ، فزيادة ورحمة الله وبركاته هنا خلاف الأوْلى ) ، قوله :
خلاف الأوْلى إلاّ لقصد الخروج من خلاف الحنابلة ، لا بدّ في صحّة الفرض من تسليمتيْن عندهم على اليمين وعلى اليسار يقول في كلٍّ منهما السلام عليكم ورحمة الله ، ولا يشترط ذلك في النفل . اهـ .
وإذا جعلتَ كلّ شيء جعله الإمام شرطا في صحّة العبادة في مرتبة الأولويّة عند غيره تعلمُ يقينا أنّ مراعاة الخلاف مِن أعظم الورع ، وذلك كالقول باشتراط الطهارة بالماء المطلق ، وكالقول باشتراط النيّة والترتيب والتسمية والموالاة في الوضوء ، وكالقول بوجوب قراءة الفاتحة وقراءة البسملة أوّلها ، والإعتدال ، ونحو ذلك في سائر أبواب الفقه . أنظر الرسالة المباركة للشعراني .
وقال الإشبيلي في شرح الأربعين النووية :
والعلماء إنّما يُنكرون ما أُجمِع عليه ، وأمّا المختلف فلا إنكار فيه .
ثمّ قال بعد كلام : لكن إن ندبنا على جهة النصيحة الى الخروج من الخلاف فهو حَسَن محبوبٌ إلى فِعْلِه برفقٍ فإنّ العلماء متّفقون على الحثّ على الخروج من الخلاف . اهـ .
وقال الشيخ محمد بن يوسف المواق في سنن المهتدين :
قال ابن رشد : حضّ زيادٌ مَالِكاً على أنْ يأخذ لنفسه في خاصّته بأشدّ ما قيل بالإجتهاد في أحكام الدين .
وقال أبو حامد : اتّقاء مواضع الخلاف مُهِمّ في الورع في حقّ المفتي والمقلّد ، والفرار من الخلاف إلى الإجماع مِن الورع المؤكّد .
وقال الشيخ محي الدين النووي : أهل العلم متّفقون على الحثّ على الخروج من الخلاف .
وقال أبو مصعب : كان مالكٌ يُطيل الركوع والسجود ، وإذا وقع في الصلاة كأنّه خشبة يابسة لا يتحرّك منه شيء ، فلمّا أصابه ما أصابه قيل له : لو خفّفتَ مِن هذا ، قال : وما ينبغي لأحدٍ أنْ يعمل عملا لله إلاّ حسّنهُ ، قال تعالى : لِيَبْلُوّكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (1) .
ثم قال المواق : أنظر هذا الكلام الذي كان عليه مالك مِنَ الأخذِ بالجدّ في الدين ، وما أجمع عليه العلماء مِن اتّقاءِ مواضع الخلاف ، ومراعاة الأنفاس مع الله ، وإيثار الأثقل على النفس ، والأفضل الذي لو فاجأه الموت وهو عليه ما وجد أفضل منه ، ولا يودّ أنْ يلقى الله إلاّ عليه كما قاله سحنون وغيره هو الحقّ الذي لا شكّ فيه . فمَن ذمّ هذا المقام وقال إنّه من لهوِ الحديث ، أو بدعة بالنسبة إلى هذا المقام ، فأقول بموجبه : وأمّا الذمّ مطلقا من غير نسبة إضافية ، ولاسيما وربّما لا يكون هو في هذا المقام ، فذلك حُجّة عليه ومذهب لبقاء أقاويل العلماء ، ومن شان العلماء بالله وبأحكام الله أن يذهبوا مع الناس في الرخصة والسعة . وكان رويم من أجلّ المشايخ ، مقرئا فقيها ، قال : مِن حُكمِ الحكيم أنْ يُوَسِّعَ على إخوانه في الأحكام ويضيِّق على نفسه فيها ، فإنّ التوسعة اتّباع الحقّ ، والتضييق على نفسك مِن الورع .
في الذهب الإبريز ، عند قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً (2) :
وأمّا الإعتماد على إمام واحد مطلقا في جميع المسائل ، كما جَرَتْ به العادة اليوم في الإمتناع من الخروج من مذهب مالك عند مقلّديه ، بمخلص للورع ، فلا بدّ من السؤال في كلّ قضيّة تعرض إنْ كان في الوقت أهل السؤال ، فإن عُدِم فربّما يقبل عذره في البقاء على معتقده في مقلّده إن شاء الله .
قلتُ : وهذا كلام عجيب شدّ يدك عليه فإنّه نفيس قَلَّ مَن تَنَبّهَ له . وفي شرح أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك :
قال بعضهم يجب على المكلّف طلب الحلال المتّفق عليه عند أهل العلم ، فإن لم يجد فالمتّفق عليه عند أهل المذهب ، فإن لم يجد فالمختلف فيه في المذهب ، فإن لم يجده فالمختلف فيه في غيره ، فإن لم يجد فليجتهد في معرفة أصل ما يشتريه ، فإن تعذّر فشراء الخبز أوْلى من شراء الدقيق ، وشراء الدقيق أوْلى من شراء القمح ، وشراء القمح المجلوب عن قربٍ أوْلى من شرائه عن بعدٍ ، ومَن كان عنده حلال ومتشابه أكلَ الحلال ، واستعمل لسائر استعمالاته الباقي . أهـ .
والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة هود ، الآية 7 .
  2. سورة البقرة ، الآية 168 .