نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الثاني عشر
الرّئيسيـة > مكتبة على الخطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل الثاني عشر


في إعلامهم أنّه يجب على كلّ عاقل يريد تخليص نفسه من الرذائل النفسانية والشيطانية المُرْدِيَة ، عاجلا وآجلا ، طلبُ شيخٍ مرشدٍ ، متبحّرٍ في العلوم ، عارفٍ بالعيوب والعِلل ، ناصحٍ ، فيُلقِي إليه القيادة ، ويتبع أوامره ، ولا يخالفه في شيء .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق ، إعلم أنّ شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به سُئِلَ : هل طلبُ الشيخ فرض على كلّ فرد فرد أو على البعض دون البعض ، وما السبب في الكلّ ؟ فأجاب :
أنّ طلب الشيخ في الشرع ليس بواجب وجوبا شرعيّا يلزم مِنْ طَلَبِهِ الثوابُ ومِنْ عدمِ طَلَبِهِ العقاب ، فليس في الشرع شيء مِن هذا ، ولكنّه واجب مِن طريق النظر ، في مثل الظمآن إذا احتاج إلى الماء ، وإنْ لم بطلبْه هلك ، فطلبُه عليه لازمٌ مِن طريق النظر ، وطريق النظر في هذا ما قدّمناه مِن كَوْن الناس خُلقوا لعبادة الله ، والتوجّه إلى الحضرة الإلهيّة بالإعراض عن كلّ ما سواها ، وعلم المزيد ما في نفسه من التثبّط والتثبيط عن النهوض إلى الحضرة الإلهية بِتَوْفِيَة الحقوق والآداب ، وعلم أنّه لا ملجأ له من الله ولا منجا إن قام مع نفسه متّبعا هواها ، مُعرِضا عن الله تعالى ، فإنّه بهذا النظر يجب عليه طلب الشيخ الكامل . وهذا الوجوب النظري أمر وضعي طبيعي ليس من نصوص الشرع ، إذْ ليس في نصوص الشرع إلاّ وجوب توْفِيَة القيام بحقوق الله تعالى ظاهرا و باطنا على كلّ فرد فرد من جميع العباد ، ولا عذر لأحدٍ في ترك ذلك من طريق الشرع ، ولا عذر له ، في غلَبَة الهوى عليه وعجزه عن مقاومة نفسه ، في الشرع إلاّ وُجُوبِ ذلك وتحريم تركه لوجوب العقاب عليه . فهذا ما كان في الشيخ ، ولا شيخ يجب طلبه إلاّ شيخ التعليم الذي يعلم كيفية الأمور الشرعية ، أو يطلب فعلها من العبد أمرا ونهيا ، وفعلا وتركا ، فهذا الشيخ يجب طلبه على كلّ جاهل ، لا يسع أحدٌ تركه ، وما وراء ذلك من الشيوخ لا يلزم طلبه من طريق الشرع ، لكن يجب طلبه من طريق النظر بمنزلة المريض الذي أعضلته العِلّة ، وعجَز عن الدواء من كلّ وجه ، وانعدمت الصحّة في حقّه ، فنقول إن شاء البقاء على هذا المرض بقيَ كذلك ، وإن طلب الخروج إلى كمال الصحّة قلنا له يجب عليك طلب الطبيب الماهر الذي له معرفة بالعلّة وأصلها ، وبالدواء المزيل لها ، وكيفية تناوله كمّاً وكيْفاً ووقتاً وحالاً ، والسلام . اهـ .
وفي تأسيس القواعد للشيخ أحمد زرّوق رضي الله تعالى عنه :
أخْذُ العلم والعمل عن المشايخ أتمّ من أخذه دونهم ، بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ (1) ، واتّبع سبيل من أناب إلي (2) ، فلزمتْ المشيخة ، سيّما والصحابة أخذوا عنه عليه الصلاة والسلام ، وقد أخذ عن جبريل واتّبع إشارته في أن يكون نبيّا عبْداً ، وأخذَ التابعون عن الصحابة ، فكان لكلٍّ أتباع يختصّون به ، كابن سيرين وابن المسيّب والأعرج لأبي هريرة ، وطاوس ووهيب ومجاهد لابن عبّاس ، إلى غير ذلك . فأمّا العلم والعمل فأخذه جلي فيما ذكر كما ذكر ، وأمّا الإفادة بالهمّة والحلال فقدْ أشار إليها أنس بقوله : « ما نفضنا التراب عن أيدينا من دفنه عليه الصلاة والسلام حتى أنكرنا قلوبنا . » فأبان أنّ رؤية شخصه الكريم كان نافعا لهم في قلوبهم ، والعلماء ورثة الأنبياء حالا ومالا وإن لم يدانوا المرتبة . وهذا الأصل في طلب القرب من أهل الله في الجملة ، إذ من تحقّق بحالة لم يخل حاضروه منها ، فلذلك أُمِرَ بصحبة الصالحين ، ونُهِيَ عن صحبة الفاسقين ، فافهم . اهـ .
ثمّ قال : ضبط النفس بأصل يرجع إليه في العلم والعمل لازم لمنع التشعّب والتشعيب ، فالزَمْ الإقتداء بشيخ قد تحقّق اتّباعه للسُنّة ، وتمكّنه من المعرفة ، ليرجع فيما يَرِدُ أو يُراد مع الْتِقَاط لفوائد الراجعة لأصله من خارج ، إذ الحكمة ضالّة المؤمن ، وهو كالنحلة ترعى كلّ طيّبٍ ثمّ لا تبيت في غير حجبها وإلاّ لم يُنتفَع بعملها . وقد تشاجر فقراء الأندلس من المتأخّيرين في الإكتفاء بالكتب عن المشائخ ، ثمّ كتبوا ، فكلّ أجاب على حسب فتحه . وجملة الأجوبة دائرة على ثلاثة طرق . أوّلها : النظر في المشايخ ، فشيخ التعليم تكفي عنه الكتب لبيب حاذق يعرف موارد العلم ، وشيخ التربية تكفي عنه الصحبة لذي دين عاقل ناصح ، وشيخ الترقية يكفي عنه اللقاء والتبرّك ، وأخذ ذلك من وجه واحد أتمّ . الثانية : النظر لحال الطالب ، فالبليد لا بدّ له من شيخ يُربّيه ، واللبيب تكفيه الكتب في ترقّيه لكنه لا يسلم من رعونة نفسه ، وإن وصل لابتلاء العبد برؤية نفسه . الثالث : النظر للمجاهدات ، فالتقوى لا تحتاج إلى شيخ لبيانها وعمومها ، والإستقامة تحتاج للشيخ في تمييز الأصلح منها ، وقد يكتفي دون اللبيب بالكتب ، ومجاهدة الكشف والترقية لا بدّ فيها من شيخ يرجع إليه في فتوحها ، كرجوعه عليه الصلاة والسلام لورقة بن نوفل لعلمه بأخبار النبوة ، ومبادئ ظهورها حين فاجأه الحقّ ، وهذه الطريقة قريبة مِن الأولى ، والسُنّة معها . اهـ .
قال الإمام أبو القاسم القشيري في رسالته :
ثمّ يجب على المريد أن يتأدّب بشيخ ، فإنْ لم يكن له أستاذ لا يفلح أبدا . هذا أبو يزيد يقول : من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان . اهـ .
وفي الخلاصة المُرْضية :
فلا بدّ من مؤدِّبٍ وهو الأستاذ ، فإنّ الطريق لَمّا كان في غاية الشرف والعزّة حَفّتْ به الآفات والأمور المُهلِكة مِن كلّ جانب ، فلا يسلُكه إلاّ شجاع مقدام ، ويكون معه دليل وعلامة ، وحينئذ تقع الفائدة . قال الشيخ جبريل الخرماباذى قدّس الله سرّه العزيز : أيّها السالك لا تدخل هذه البداية المهلكة إلاّ أنْ تكون في خفارة اتباع الحضرة النبويّة ، ويكون قدّامك دليل قَطَعَ هذه البرّيّة غير مرّة ، واضعا قدم صدقه على أثر قدم النبي صلّى الله عليه وسلّم ، وغير منحرف عن جادّة طريق المتابعة ، ولا تخفي على من له أدنى دراية وفطانة أنّ السير في عالم الشهادة الذي هو عالم الجسميات برّا وبحرا إذا كان بغير دليل يكون الغالب فيه الهلاك فضلا عن أن يوصل إلى المقصود ، فكيف في عالم الغيب الذي ليس من قبيل المحسوسات ! فيجب على من في قلبه داعية السفر أن يبذل جهده في دليلٍ عارفٍ بعلامات الطريق ، خبير بالمهالك وأدب الدروب ، قطَع هذه البوادي المبيدة بقدم الصدق مرارا ، وكثرة مجيئة وذهابه فيها بعد أن وصل إلى الكعبة الحقيقية . فإذا وجَدَ مثل هذا الدليل سَلّمَ نفسه إليه وتبرّأ منها ، ويُطَلِّقُ اختياره ثلاثا ويفنيه في اختيار الدليل وإردته . فإذا فَعَلَ ذلك استعدّ لتصرّف الشيخ . اهـ .
وفي الخلاصة المرضية أيضا :
إعلم أيّها المريد نجاة نفسك أنّ أوّل ما يجب عليك قبل كلّ شيء طلب شيخ يبصّرك بعيوب نفسك ، ويخرجك عن طاعة نفسك ، ولو رحلتَ إلى طلبه في أقصى الأماكن والبلاد . اهـ .
وقال الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء ، في رابع المهلكات :
أنّ المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه إلى سواء السبيل ، فإنّ سبيل الدين غامض ، وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة ، ومَن لم يكن له شيخ يهديه قادَهُ الشيطان لا محالة إلى طريقه . فمَن سلك البوادي المُهلكة بنفسه من غير خفير فقدْ خاطر بنفسه وأهلكها ، ويكون المستقلّ بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها ، فإنّها تجفّ عن القرب ، وإنْ بقيَتْ مدّة وأورقتْ لم تثمر . فمُعتَصَمُ المريدِ شيخُه ، فليتمسّك به تمسّكَ الأعمى على شاطئ البحر بالقائد بحيث يفوّض أمره إليه بالكليّة ، ولا يخالفه في وِردٍ ولا صدر ، ولا يُبْقِي في متابعته شيئا ولا يَذَر ، وليعلم أنّ نفعه في خطأ شيخه لو أخطأ اكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب . أهـ .
وقال أبو النجيب السهروردي في كتابه آداب المريدين :
أوّل ما يلزم المريد بعد الإنتباه من الغفلة أن يقصد إلى شيخ من أهل زمان مؤتمن على دينه ، معروف بالصلاح والأمانة ، عارف بالطريق ، فيسلّم نفسه لخدمته ، ويعتقد ترك مخالفته ، ويكون الصدق حاله ، ثم يلزم الشيخ أن يُعرّفَهُ كيفية الرجوع إلى سيّده ، ويدلّه على الطريق ، ويسهّل عليه سلوكها ، ويُكْرَهُ للمريد مفارقة أستاذه قبل انفتاح عين قلبه ، بل عليه أن يصبر تحت أمره ونهيه في خدمته . أهـ .
ونقل القشيري رحمه الله تعالى عن شيخه أبي علي الدقّاق رحمه الله تعالى أنّه قال : الشجرة إذا أنبتت بنفسها من غير غارس فإنّها تُورِقُ ولا تُثْمر ، كذلك المريد إذا لم يكن له أستاذ يأخذ منه طريقه نفَساً نفَسا فهو عابد هواه ، ولا يجِدُ نفاذا .
قال السهروردي : وهو كما قال ، إلاّ أنّها لا تثمر ، ويجوز أنّها تثمر كالأشجار التي في الجبال والأودية ولكن لا يكون لفاكهتها طعم فاكهة البساتين والغرس إذا نُقِلَ من موضع أكثر وأحسن ثمر لدخول التصريف فيه ، وقد إعتبر الشرع وجود التعليم في الكلب المعلم وحل ما يقتله بخلاف غير المعلم .
وقال السهروردي أيضا : سمعت كثيرا من المشايخ يقولون : مَن لم ير مفلحا لا يفلح .
قال بعض المشايخ : من لم يتأدّب بأوامر الشيوخ وتأديبهم فلا يتأدّب بكتاب ولا سُنّة .
وقال الشيخ أبو العباس المرسي رحمه الله تعالى : وكلّ مَن لم يكن له أستاذ يوصله بسلسلة الإتّباع ، ويكشف له عن قلبه القناع ، فهو في هذا الشأن لقيط لا أب له ، دَعِيّ لا نَسَبَ له ، فإن لم يكن له نور فالغالب عليه غلبة الحال عليه ، والغالب عليه وقوفه مع ما يرد عليه لم تُريّضْه سياسة التأديب ، ولم يقلّده زمام التربية التدريب . اهـ .
والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة العنكبوت ، الآية 49 .
  2. سورة لقمان ، الآية 15 .