نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الثالث عشر
الرّئيسيـة > مكتبة على الخطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل الثالث عشر


في إعلامهم أنّه لا يصل السالك الناسك إلى حضرة الله ، وحضرات صفاته وأسمائه ، ولو جَمَعَ علوم الأوّلين ، وصَحِبَ طوائف الناس ، وعَبَدَ عبادة الثقليْن ، إلاّ على يدَيْ أصحاب الإذن الخاص .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق : قال الله تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ (1) ، قال في العرائس :
إنّ الله سبحانه سَنَّ سُنّة أزلية أنْ لا يجد أحدٌ سبيلَه إلاّ ما يقيّض الله له أستاذا عارفا بالله ، وبسرِّ دينه وربوبيته ، فيدلّه إلى منهاج عبوديته ، ومعارج روحه وقلبه إلى مشاهدة ربوبيته ، ويكون هو واسطة بينه وبين الله تعالى وإن كان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء بغير علّة ولا سبب . جعله واسطة للتأدّب لا للتقريب ، وصيّره شفيعا للجنايات لا شريكا في الهدايات ، هداه نور القرآن ودينه حقيقة البيان مع إظهار البرهان . اهـ .
وقال شيخنا رضي الله عنه وأرضاه وعنّا به :
إعلم أنّ الله سبحانه وتعالى جعل في سابق علمه ، ونفوذ مشيئته ، أنّ المدد الواصل إلى خلقه من فيض رحمته يجري في كلّ عصر مع الخاصة العليا مِنْ خلقه مِنَ النبيّين والصدّيقين ، فمَنْ فزع إلى أهل عصره الأحياء من ذوي الخاصة العليا ، وصحِبَهم ، واقتدى بهم ، واستمدّ منهم ، فاز بِنَيْل المدد الفائض من الله تعالى ، ومن أعرض عن أهل عصره مستغنيا بكلام مَن تقدّمَه من الأموات طُبِعَ عليه بطابع الحرمان ، وكان مثله كَمَنْ أعرض عن نبيّ زمانه وتشريعه مستغنيا بشرائع النبيّين الذين خَلَوْا قبله فيُسجَّل عليه بطابع الكفر ، والسلام . اهـ .
وقال في العرائس ، عند قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ (2) :
قيل في هذه الآية لا تصحّ الإرادة إلاّ بالأخذ من الأئمّة . ألا ترى كيف نظر المصطفى صلّى الله عليه وسلّم في زمرة أصحابه فقال عليه الصلاة والسلام : « إقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر » رضي الله تعالى عنهما . فلا يصحّ الإقتداء إلاّ بمن صحّتْ بدايته ، وسلك سلوك السادات ، وأثّر فيه بركات شهودهم . ألا ترى المصطفى صلّى الله عليه وسلّم يقول : « طوبى لمن رآني » ، أيّ فاز مَن أثّرت فيه رؤيتي . اهـ .
قال الساحلي في بغية السالك :
أنّ المقصود الأعظم من الشريعة هو تطهير النفس من كدرات متعلقات الجسم بالتزكية عن الأوصاف الذميمة ، والتحليّة بالأوصاف الحميدة ، حتى تَصِلَ إلى معرفة الله تعالى ، وهذا لا يكون إلاّ بمعرفة النفس ، ومعرفة عِلَلِهَا على اختلافها ، المفرد مِن ذلك والمركّب ، ومعرفة الأدوية والأغذية ، ولا يحكم ذلك إلاّ الرباني الذي نوّر الله باطنه بأنوار معرفته ، وخصّه بآثار حكمته ، وأطلعه على أسرار شريعته ، وأوقفه على معاني الكتاب والسُنّة . ولا يكون ذلك إلاّ بمن سلك طريق الدين ، وقطع منازل السالكين ، وتخلّص من نفسه على أيْدي وارثٍ آخر حتّى صار على بيّنة من ربّه ، وأهَّلَهُ الله تعالى لهداية غيره ، وخصّهُ بالقوّة المقتضيّة لذلك ، وحصل له الإِذن الصحيح الصريح في ذلك مِن قدوته . ومهمَا قصُر عن هذه الأوصاف فإنّه معلول يحتاج إلى طبيب يطبّه ، وربما بقي فيه من البقيّة ما لا يخلو من غلط . فقد عرفتَ الطييب : وهو الوارث الكامل . وقد يُسمَّى وارثاً مَن حصل على بعض الأوصاف المذكورة بنوع المجاز لكن منفعته مقصورة على نفسه ، وقد ينتفع به القليل الخاص . وأمّا الإنتفاع الكثير فلا يكون إلاّ مِن الوارث الكامل ، الذي رسخ علمُه ، وقوى عقله ، وتطهّرت نفسه ، وصدقت فراسته ، وترجح رأيه ، وسلِمتْ فطنته ، وامتحى هواه ، وانشرح صدره بأنوار المعارف ونفحات الأسرار ، وأخذَ عن شيخ وارث بهذه الصفات ، وأُذِنَ له في الإنتصاب لهداية الخلق بتخليص أنفسهم من عللها ، وهذه هي الوراثة الحقيقية . فعليك باتّخاذ مَنْ هو بهذه الأوصاف قدوة ووسيلة إلى الله تعالى في خلاص نفسك وطهارتك ، ولتملكه زمام الحكم عليها من غير ارتياب ولا الْتِواء ولا إعراض ، بأن تكون بين يديه كالميّت بين يدَيْ غاسله . وقد قالوا : مَنْ قال لشيخه " لِمَ ؟ " فإنّه لا ينتفع به . وقد علّمنا الله تعالى هذه الفائدة بالإشارة إليها في قصّة موسى مع الخضر عليهما السلام .
وفي الأنوار القدسية في العهود المحمدية :
حُكْمُ الشيخ في سلوكه بالمريد وترقيه بالأعمال كحُكْمِ مَن يَمُرّ بالمريد على جبال الفلوس الجدد ، فإذا زهد فيها سلك به حتّى يمرّ به على جبال الفضّة ، فإذا زهد فيها سلك به حتّى يمرّ به على جبال الذهب ثمّ الجواهر ، فإذا زهد فيها المريد أوْصلَهُ إلى حضرة الله تعالى فأوقفه بين يديه من غير حجاب ، فإذا ذاق ما فيه أهل تلك الحضرة زهد في نعيم الدارين ، وهناك يقدّم على الوقوف بين يَدَيْ الله تعالى شيئا أبدا . وأمّا بغير شيخٍ فلا يعرف أحد يخرج من ورطات الدنيا ولو كان مِن أعلم الناس بالنقول في سائر العلوم . أهـ .
وقال في موضع آخر :
فاسلُكْ يا أخي على يد شيخ يقطع علائقك أو يقلبها إلى خير ، وإلاّ فمن لازمك كثرة الفواطع تّى تموت ، وقد عجز الأكابر ، فضلاً عن مثلك ، أن يعرفوا طريق قطْعِ علائقهم بأنفسهم من غير شيخ فلم يقدروا . فلا يزال الشيخ يأمرك بإزالة العوائق واحدا بعد واحد حتّى لا يبقى إلاّ واحد فيقول لك : أزِلْهُ وها أنت وحضرة ربّك . وتحتاج يا أخي إلى طول زمان وصبر على مأمورات شيخك ، وغالب الناس يسلك الطريق ويَمَلّ فلا يحصل من قطع العلائق على طائل . وإيضاح ذلك أنّ طريق السير في الطريق طريق غيب ، والمريد كالأعمى يريد أن يسلك طريقا طول عمره ما سلكها ، والشيخ كالمسافر يسلكها بنور الشمس زمانا طويلا ، فعرف مهالكها ، فهو بتقدير أنّه يعمى أو يسير في ظلمة الليل يعرف المهالك أو الطريق المسدودة ، كدليلِ الحاجّ سواء . فمَنْ سلّم لشيخ وانقاد له قطعَ الطريق ونجا من العطب ، ومَن لم يسلّم لشيخ لا يعرف يمشي ، ربما يقع في مهلكة لا يعرف الخروج منها حتى يموت . ولولا أنّها طريق غيبٍ لا يقدر أحد على سلوكها ما كان للدعاة إلى الله فائدة من أنبياء وأولياء وعلماء . فلا بدّ من مزيد خصوصية ، تأمل . اهـ . ما في الخلاصة المرضية .
فلا يظنّ أحد أنّ هذه الطريقة يمكن قطعها من غير دليل فتنقطع عليه الطريق ، والذي يقضي منه العجب أنّ من طلب سعدى وسلمى لا يصل إليها مع وجود الجنسية والقرب إلاّ بواسطة يهديه ويوصله ، وهذا الغافل يطمع أنْ يَصِلَ إلى الحضرة الإلهية مع ذلك البعد البعيد من غير واسطة ودليل . ما أهوَن عليك أمر ربّك يا غافل ! اهـ .
ونقل القشيري بسنده إلى أبي علي الثقفي أنّه قال :
لو أنّ رجلا جمع العلوم كلّها ، وصحب طوائف الناس ، لا يبلغ مبلغ الرجال إلاّ بالرياضة مِن شيخٍ أو إمامٍ أو مؤدِّبٍ ناصح . اهـ .
قلت : قد ضرب الساحلي في بغية السالك مثلا يوضّح أنّ مَن رام الوصول إلى حضرة الله بنفسه من غير استصحاب شيخ مرشد ، واصل مأذون له في الإرشاد ، وارث كامل ، قد رام المحال ولو جمع جميع العلوم ، وصحب طوائف الناس ، قال رضي الله تعالى عنه :
وهو أنّ ملِكاً ضخم المملكة ، عظيم الشأن ، باهر الصفات ، جميل الأفعال ، له حظيرة بديعة العجائب ، كثيرة الأعلاق والذخائر ، يعمرها مَنِ اصطفاه مِنْ عبيده لنفسه واختاره لأسراره ، فأراد هذا الملك أنْ يتعرّف لِمَنْ في بلاه وتحت إيالته من عبيده ، وأصناف رعيته ، ليقوم بوظائف خدمته فينالوا من جماله ، فوجد لهم مِن خواصّ عبيده مَن غرّفهم به ، وقرّر لديهم مِن أوصافه وأفعاله ما يرغّب في خدمته والتعرّض لمعرفته ، وأقام هذا الملك مبنًى عظيمَ الهيئة ، حسن الموضع ، بهِيّ المنظر ، جميل الأوصاف ، يعلم جميع من يراه بتأمل وتدبر بما احتوى عليه ذلك المبنى من العجائب ما عليه مالكه من عظيم الشأن وجميل الصفات ، ونصب من هذا المبنى طريقا سالكة تفضي إلى الحظيرة ، وكان من خواصّ عبيده من يعرف هذا الطريق ، وما احتوى عليه من مناهل ومراحل ، وعقبات وقطاع وآفات ، ليدلّوا مَنْ أراد الوصول إلى حضرة الملك على هذه الطريق ، وجعل في كلّ مرحلة بابا يشرع أيّ رياض من روضات الملك ، وكلّ رياض محتوي على صنوف من العجائب مُعَدّ لنزول المسافرين على الطريق فيه يستريحون ويتنزّهون ، ومنه يتزوّدون إلى المرحلة التي يُقْدِمُ عليها المسافر بعد ذلك ، فهو يجد الزاد من رياض المنزل الذي يتلوه ، والملك مشرف في حضرته لا يخفي عليه شيء من أحوال رعيّته وعبيده . فمنهم من سمِع تعريف أولئك الخواص للملك فلم يعرّج عليهم ، ولا قَبِلَ منهم استغراقا فيما هم فيه من العمل لأنفسهم ، ومنهم من سمع خطابهم ، وعقَلَ تعريفهم فصدّقهم ثقة بأمانتهم ومعرفتهم ، ولم ينظروا فيما وراء ذلك ، ومنهم من صدّقهم لكن نظروا إلى ذلك المبنى الذي علم أنه ملك للملك وصُنْعِه ، وتفكّروا فيما احتوى عليه من العجائب فحصل لهم بذلك زيادة يقين ومعرفة بالملك وما هو عليه من الصفات التي يشهد لها ذلك المبنى ولم ينظروا فيما وراء ذلك ، ومنهم ما حصل له ما عند الرجلين بالوجهين المذكورين لكن حمله شرف الهمة وقوّة العزم على أن يسعى كي يدرك الغاية من معرفة هذا الملك فسأل : هل له إلى حضرته من سبيل ؟ فدُلَّ على ذلك الطريق فتعلّق بدليلٍ من أولئك الخواص ليدلّه بذلك الطريق على حضرة الملك ليتصل بغاية معرفته فينتظم في سلك خواصه وأحبابه في حضرته ، فشدّ حزامه ، وجمع راحلته ، ورافق ناسا في السفر إلى الحضرة ، كلّهم متعلّق بهذا الدليل الذي يهديهم ثم فرّوا . فمنهم من أعرض عن دليله واستبدّ بنظره وخاض في السفر برأيه ، فما هو إلاّ يسير حتّى عرض له أسد أو لصّ أو غير ذلك من الآفات ، أو عمى عليه الطريق حتّى انقطع به دون الرفقة ، ونهض الباقون مع دليلهم فنزلوا في المرحلة الأولى في رياض الملك ليتنزّهوا ويستريحوا ويتزوّدوا . ومنهم من اشتغل في تلك الرياض بالنظر في ظلال مبانيه وأشجاره على أن ينظر في عجائب تلك الرياض ليزداد بما يشاهده من عجاب تلك الرياض قوّة يقين في معرفة الملك فتخلّف فيه . ومنهم من لم يشتغل بالنظر في ظلال مبانيه وأشجاره ، ولكنه ازداد بما يشاهده في تلك الرياض يقينا في معرفة الملك ، وحرْصا على لقائه ، ورغبة في الورود في حضرته ، وعَلِمَ أنّ الزاد ضروري في بلوغه الحضيرة فتزوّد ولازم الدليل فلم يزل المسافرون يتخلّفون في كلّ منزل حتّى لم يبق مع الدليل إلاّ الأنجاد الأكياس مِن الذين حصل عندهم ، لِمَا شاهدوه في رياض كلّ منزلٍ ، قوّة اليقين في معرفة الملك ، وشدة الحرص على الإنتظام في خلصائه في حضرته ، حتّى إذا أشرف في باب الحضيرة أطرق من وصف صفات الملك ما ملك قلبه فلم يستطع اصطبارا ، ولا آثر عنه قرارا ، فجَدَّ في السير ملازما للدليل حتّى إذ دخل الحضرة واطّلع على عجائبها وذخائرها ، وأبصر باهر صفات الملك ، إستغرق في حبّه لِمَا حصل له من معرفته . فكلّما حصل في الحضرة انتظم مع خلصاء الملك ، فهو معه لا يفارقه مدى الأحيان ، ومِن شأن هذا الملك أن يتولّى مَن تولاّه ، ويعطف على مَن أتاه ، ويستخلص مَن حصل في حضرته لا تكون منه حركة ولا سكنة إلاّ بإشارته وإمداده ، فعنه ينطقون ، وبه يتحرّكون ويسكنون ، وعنه يُصدِرون ، وإليه يرجعون ، وعليه يعتمدون . فالملك هو الله تعالى ، وله المثل الأعلى ، والخواص هم الرسل وورثتهم ، والمبنى هو هذا الوجود ، والطريق هو ما اشتملت عليه مقامات الدين ، والأدلاّء هم المشايخ الربانيّون ، والمراحل هي منازل المقامات ، والرياضات هي مراتب التوحيد الذوقي ، والزاد هو ما يختصّ به كلّ منزل مِن وظائف الأعمال ، والطائفة الأولى هُمْ أهل الكفر والضلال ، والطائفة الثانية هُمْ أهل التقليد ، والطائفة الثالثة هُمْ أهل النظر والإستدلال ، والطائفة الرابعة هُمْ السالكون إلى طريق الأذواق . ثمّ هُمْ أصناف : فصنفٌ عَدَلَ على رأي قدوته وشيخه اعتدادا بنظر نفسه فأحاطت به علله فانقطع به ، وصنفٌ اجتهد حتّى إذا بلغ منزلا من منازل المقامات لعب به هواه فشغله ببعض الأوهام عن النفوذ إلى قدّام ، وصنفٌ وهم الأقلّون ـ جعلَنا الله منهم ـ كلّما بلغوا منزلا من منازل المقامات ، واطّلعوا على ما اختصّ به من مراتب الوجود ، قوى يقينهم ، واشتدّ حرصهم ، وعَظُمَ عزمهم ، فَهُمْ منتهضون إلى قدام ، رفضوا ما يعرض لهم ويقع بهم من الأوهام ، والحضيرة هي ما اشتمل عليه مقام الإحسان ، وبابها المراقبة ، والموضع الذي أشرف منه على بعض الصفات هو الطمأنينة ، والحاصلون في الحضيرة هم أهل المعرفة الظافرون بأعلى درجات التوحيد . أهـ .
والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة التوبة ، الآية 33 .
  2. سورة الأنعام ، الآية 90 .