البحث في نفحات7
 

 نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الرابع عشر
الرّئيسيـة > مكتبة على الخطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل الرابع عشر


في إعلامهم أنّه يجب على كلّ من تعلّق به التلاميذ والمريدون لطلب التربية والإرشاد والتعلّم إذا مَنَّ الله تعالى عليه بوجود مَن هو أعلم وأكمل منه أن ينسلخ عنهم ويتبع ، هو وَهُمْ ، ذلك الأعلم والأكمل .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق ، قال في البحر المورود في المواثيق والعهود :
أُخِذَ علينا العهد أن لا نتصدّى لتلقين الذكر ، وأخْذِ العهد ، ونحن مرتكبون أمراً مذموما في الباطن ، كما أنّنا لا نأخذ العهد على أحد ونحن نعلم أنّ في بلدنا مَن هو أقدم منا هجرة وأوْلى ، بل نرغّب المريدين في ذلك لقديم الهجرة إذا رأيناهم لا يعتقدون فيه ، ونرسلهم له ، قياما بحقّ الأدب مع أهل الطريق ، وهذا العهد قد صار غالب الفقراء يُخِلّون به ، يريد كلّ واحد أن يكون جميع فقراء بلده تلامذته وما هكذا كان الأشياخ الذين أدركناهم رضي الله عنهم ، بل كان كلّ واحد يُعظِّم أخاه في غيبته ، ويحفظ حرمته ، وذلك لعدم فطام أهل عصرنا عن الرعونات على أيدي أشياخهم ، فإنّ مَن يُفطم على يد شيخ فمِنْ لاَزِمِهِ غالبا الحسد والحقد في الأقران حُبّاً لإنفراد .
قال : واعلم يا أخي أنّه ليس مقصود أشياخ الطريق بجَمْعِ المريدين على كلمة واحدة إلاّ إقامة شعائر الدين في دولة الأدب الباطني كما أُقِيمَ في دولة الظاهر ليكمل بذلك عبادات المسلمين . قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (1) ، فافهمْ أنّ طريق القوم قد اندرست وقَلَّ طالبها .
وقد أخبرني الشيخ نور الدين الصندلي رحمه الله تعالى : أنّ الشيخ نور الدين الحسني رحمه الله تعالى سمع قبل موته بسَنَةٍ شخصا يقول : يا أفقه شيوخ بعثاني ـ يعني بِهِمْ الآلة التي يشرح بها الكتمان ـ فاعتبر الشيخ وترك التلقين ، وأخذ العهد من ذلك اليوم إلى أن مات .
وقد قالوا : كثرة الأشياخ في بلد تدلّ على رخص الطريق عند الناس ، ولو أنّ الأشياخ فتّشوا المريدين في مقام الصدق لوجدوهم أقلّ مِنَ القليل فكان يكفي في مثل مصر كلّها مسلك واحد .
قال : ولمّا دخل الشيخ يوسف العجمي رحمه الله تعالى في سلسلة الطريق بمصر بعد أن سمع الهاتف ثلاث مرّات يقول له : إذهبْ إلى مصر ، وهو يردّه ، فقال في الثالثة : اللهمّ إن كان هذا وارد حقّ فاقلب هذا النهر لَبَناً حتّى أشربَ منه بقصعتي ، فانقلب النهر لبنا ، فشرب منه وأسقى منه من حضر مِن الناس ، ثمّ سافر إلى مصر على أثره ، فوجد سيّدي حسنا التستري قد سبقه إلى مصر ، فقال : يا حسن ، الطريق في مصر لواحد ، فإمّا أن تبرز أنت وأكون أنا الخادم ، وإمّا أن أبرزَ أنا وتكون أنت الخادم . فردّ كلّ منهما على الآخر ، ثمّ أنّ سيّدي حسنا انتصب قائما ، ووقف بين يديْ يوسف خادما بجِدّ واجتهاد وعزم وصدق ، فلم يزل يخدمه حتّى مات سيّدي يوسف ، فبرز سيّدي حسن ، وهكذا كان الأشياخ رضي الله تعالى عنهم ، فبهداهم اقتده ، وافهمْ يا أخي ذلك والله يتولّى هداك . اهـ .
وفي لواقح الأنوار القدسية في العهود المحمدية :
أُخِذَ علينا العهد العامّ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن نرغّب إخواننا في العزلة عن الناس إذا لم يَأمَنوا على أنفسهم عند الإختلاط على أصل قاعدة المسلمين في دينهم ، وقد أجمع الأشياخ على أنّه ليس للكُمّل الهروب من الناس لعدم الخوف عليهم من الإشتغال بالخلق عن الله تعالى ، وأمّا مَن خاف مع دعوى الكمال فدعواه الكمال زور وبهتان ، فهو إمّا شخص جلس بنفسه من غير فطام على يد شخص ، وإمّا مشيخة مُفْتَرٍ كذّاب لا يصلح أن يكون أستاذا كما هو الغالب في أهل هذا الزمان حين فُقِدَت الأشياخ فصار كلّ مَن سوّلت له نفسه أن يكون شيخا جمع له بعض الناس من العوام وجلسوا يذكرون الله تعالى صباحا ومساءا من غير آداب الذكر المشهور عند القوم ، وظنّ في نفسه أنّه صار شيخا مثل الأشياخ الماضين على أنّه لا يصحّ أن يكون مريدا .
ثمّ قال : ولقد رأيتُ أشخاصا كثيرة ممّن أَذِنَ لهم أشياخهم بالتربية عادوا أشياخَهم وهجوْهم ، وأدّعوا أنّهم أعلم بالطريق منهم ، فمُقِتُوا ، ولم ينجح على أيديهم أحد ، وكلّ ذلك وقوع الإذن لهم من أشياخهم قبل خمود نار بشريّتهم ، فكان اللوم على الأشياخ لا عليهم . وقد كان سيّدي علي المرصفي عزيزَ الإذنٍ في المشيخة إلاّ أنْ ياتيه إِذْنٌ بذلك من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرارا ، فلما مات انحلّ نظام الطريق في مصر وقُراهَا وما ظهر بعده سوى الأخ الصالح سيّدي أبو العباس الحرثي رحمه الله تعالى ، وكان يحكي عن سيّدي يوسف العجمي : أنّه لمّا أراد الله تعالى أن ينقله من بلاد العجم سمع قائلا يقول : يا يوسف ، إذهبْ إلى مصر انفع الناس شيطان ، ثمّ ناداه ثانيا ، فقال : شيطان ، ثمّ ناداه ثالثا ، فقال : شيطان . فلمّا ناداه الرابعة ، قال : اللهمّ إن كان وارد حقّ فاقلب لي هذا النهر لبنا حتّى أغترف منه بقصعتي ، فانقلب النهر لبناً ، فشرب منه ، فعَلِمَ أنّه وارد ، فلمّا دخل مصر وجد أخاه الشيخ التستري قد وصل إلى مصر ، ولكن لم يتصدّر للمشيخة ، فقال له يوسف : يا حسن ، الطريق لواحد لأنّها على الأخلاق الإلهية ، فإمّا أن أبرز وتكون وزيري وخادمي ، وإمّا أن تبرز وأكون وزيرك وخادمك ، فردّ الشيخ الأمر لسيّدي يوسف فبرز ، وصار سيّدي حسن يخدمه إلى أن مات ، فبرز سيّدي حسن بعده بإذنِهِ له في حياته ، فأظهر في الطريق العجائب ، ودانت له الملوك والأمراء . أهـ .
وفي البحر المورود :
أُخِذَ علينا العهد أن نفرح بكلّ شيخ أو واعظ برز في بلادنا ، وأن نقلب إليه جميع أصحابنا حتّى لم يبق حولنا فقير واحد ، ومتى تكدّرنا مِن الذي برز وضاق صدرنا منه ، فهو دليل على حبّنا للرياسة على عباد الله دون إرادة الخير لهم ، والمراتب كلّها بيد الله يفرّقها على من يشاء من عباده ، وليس لعبد أن يقول لسيّده : لِمَ عطّلْتني من الشيء الفلاني وأعطيته عبدك الفلاني ؟ وربما كان ذلك الشيخ أعلم منّا بالشرائع والحقائق ، فتدكدُّرُنا منه حُمق . وبالجملة فيجب علينا أن ندور مع الحقّ حيث دار ، ونتتلمذ لذلك الشيخ موافقة للناس الذين أقبلوا عليه . أهـ .
وفي لواقح الأنوار القدسية في العهود المحمدية :
فجاهدْ يا أخي نفسك على يد شيخ ليخرجك من رعونات النفوس حتّى لا تبقى في نفسك شهوة ولا حرص على شيء من الدنيا ، ومُرْ أصحابك أيضا بالمجاهدة كذلك يعني على يد شيخ . أهـ .
وقال في الخلاصة المُرْضية :
ويجب على الشيخ إذا رأى شيخا فوقه أن ينصح نفسه ويلزِم الخدمة لذلك الشيخ وتلامذته فإنّه صلاح في حقّه وحقِّ أصحابه ، ومتى لم يفعل فليس بمُنْصِفٍ ، ولا ناصحٍ نفسه ، ولا صاحب همّة ، بل هو ساقط الهمّة ، بل إنّما هو مُحِبّ للرياسة والتقديم ، وهذا في طريق الله ناقص . ألا ترى إلى محمّد صلّى الله عليه وسلّم كيف قال : « لو كان موسى حيّا ما وسعه إلاّ أن يتّبعني » ، وإلياس وعيسى عليهما السلام تحت حكم شريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم . هكذا ينبغي أن يكون شيوخ هذه الطائفة . أهـ .
قلت : والتصدّر للمشيخة بغير إِذْنِ شيخٍ كاملٍ خطر جدّا لأنّه يكون سببا لسوء الخاتمة ، وإنْ لم يتب فاعله فلا يموت إلاّ كافرا .
وفي جواهر المعاني :
ذكر أهل الكشف أمورا أن من فعل واحدة منها ولم يتب منها يموت على سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى ، وهي دعوى الولاية بالكذب ، وادّعاء المشيخة ، وهي التصدّر لإعطاء الورد من غير إذن . أهـ .
والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة الحجرات ، الآية 14 .