نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الخامس عشر
الرّئيسيـة > مكتبة على الخطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصل الخامس عشر


في إعلامهم أنّ المريد إذا تصدّر للمشيخة ، وأراد أن يكون له مريدين قبل خمود بشريته وفطامه على يد شيخ ، فإنّه محجوب مُحِبّ للرياسة لا يجيء منه شيء .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق ، قال في بغية السالك :
أمّا الإنتفاع الكثير فلا يكون إلاّ مِن الوراث الكامل الذي رسخ علمه ، وقوى عقله ، وتطهّرت نفسه ، وصدقت فراسته ، وترجّح رأيه ، وسلمت فطانته ، وانمحى هواه ، وانشرح صدره بأنوار المعارف ونفحات الأسرار ، وأخذَ عن شيخ وارث بهذه الصفات ، وأَذِنَ له في الإنتصاب لهداية الخلق بتخليص أنفسهم من عللها ، وهذه هي الوراثة الحقيقية .
ثم قال : وأمّا مَن لم يبلغ هذه المنزلة من الوراثة ، ولم يتخلّص تبعات نفسه ، فاشتغاله بصلاح نفسه أوْلى وأسلم من فساد الرياسة لأنّه لِمَا بقيَ فيه مِن العلل لا يخلو عن شرّه وبالشره تتراكم الظلم ، فتغيب الحكم والإنفعال بها . فالمتعرّض لهداية غيره الهدايةَ المشارِ إليها بغير علمٍ قبل أن تحصل له حقيقة الوراثة فهو لِمَا عنده مِنَ الشرّ والجهل هالكٌ ضالٌّ مضلٌّ ، ولقد أحسن القائل حيث قال :
يا مـن يبثّ لغيـره تعليمَـه      هلاّ لنفسك كان ذا  التعليم
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثلـه      عار عليك إذا فعلتَ  عظيم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيّها      فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يُسمع ما تقول  ويُقتدى      بالقول منك وينفع  التعليم
وقال غيره
وكيف تريد أن تُدعى حكيما      وأنت لكلّ ما تهوى رَكُـوبُ
وتعبث دائمـا ظهراً لبطـن      وترتكب الذنوب ولا تتـوبُ
ومَن تعرّضَ لِهداية غيره بغير معرفة فهو خائن ، ومَن طَبَّ غيرَه بغير علمٍ فهو ظالم إذْ بِمَا عنده من الجهل ربما أخرج الأدوية عن موضوعاتها ، وعَدَلَ عن مقاديرها ، وساق المريضَ إلى الهلكة وعاجله بالمنيّة . أهـ .
وقال بعض العارفين في قوله تعالى : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (1) :
ومن الغرور قوله للمريد إنّك قد بلغتَ منتهى المقامات ، وآخر الدرجات ، فاسكنْ عن مجاهدتك ورياضتك ، وأجلس في مجلس الشيوخ ، وتكلّم بكلامهم أنت أعظم منهم حتّى يدور حولك المريدون . أراد بذلك الغرور أن يُوقعَه في حُبِّ الجاه والرياسة فيهلك فيها كهلاك هؤلاء المطرودين في زماننا هذا طهّر الله تعالى وجه الأرض منهم ومِن أمثالهم . أهـ .
قلت : لهذا السبب حذّر الأشياخ من الإغترار بكلّ مُدّعٍ ناهقٍ ، واتّباع كلّ متحايل بما ليس له ناعق ، وقالوا الإغترار أصل كلّ غواية والحذر أصل كلّ هداية . والمراد بالإغترار التسليم لكلّ مُدّعٍ ، وإنّما يُسَلَّمُ لمن ظهرتْ عليه آثار الخصوصية لا لكلّ مُدّعٍ ، بل أجمعوا على كلّ مَن ادّعَى رتبة من الرتب كُلِّف بإقامة الدليل على صدق دعواه ، وبنصب ميزان الشرع هل يصدق فيما ادّعاه . ولا يُسَلَّمُ للمُدّعين ، إذْ لو سُلِّمَ لهم لفسَدَ الدين مِن أصله ، ولتولّى الأمرَ غير أهله ، ولهذه الطريقة حفّاظ يحفظونها ، وحَرَسٌ يحرسونها هُمْ أهل الله تعالى وأنصار دينه ، أيّدهُم الله بالعلم الباطن والظاهر ، وأمدّهم باسمه الحفيظ والناصر ، وما أوتي على كثير من الناس إلاّ من الغلط في التسليم فسلّموا لكلّ مُدّع دعواه مُحِقّاً كان أو مُبْطلاً ، ورأوا التسليم المأمور به والحقّ أنّه إنّما يسلّم إنْ لاحتْ له آثار الخصوصية ، وتأدّبَ بآداب الطريقة . أهـ .
قلت : ومَن لم يكن له حذرٌ وبصيرةٌ تامّة ربما اغترّ بالمدعين الكاذبين ووقع على يدِ واحد مِن أهل الظلام الذين يجتمع عندهم أهل الظلام الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (2) .
حكى الشيخ أحمد بن المبارك في الإبريز عن شيخه عبد العزيز بن مسعود الدباغ رضي الله تعالى عنهما قال :
وقد يكون الرجل مشهورا بالولاية عند الناس ، وتُقضَى بالتوسّل به إلى الله تعالى حوائجُ ولا نصيب له في الولاية ، وإنّما قُضِيَتْ حاجة المتوسّل به إلى الله على يَد أهل التصرّف ، وهُمْ رضي الله تعالى عنهم أقاموا ذلك الرجل في صورة الوليّ ليجتمع عليه أهل الظلام مثله وهُمُ الذين يتصرّفون تبَعاً للقدَر . فهو عندهم بمنزلة الصورة التي يجعلها صاحب الزرع في فدّانه ليطرد بها العصافير ، تظنّ الصورةَ رجلاً فتهرب منه ، وذلك في الحقيقة مِن فِعْلِ صاحبِ الفدّان لا مِن فِعْلِ الصورة . فكذلك أهل التصرّف رضي الله تعالى عنهم يُقيمون ذلك الرجل ويجتمعون عليه الظلام مثله والمتصرّف فيهم خفِيٌّ عندهم وهو لا يظهر لهم لأنّه حقّ وَهُمْ لا يطيقون الحقّ . أهـ .
وإذا فهمتَ ذلك أنّ المغترّ بكلّ مُدّع خائبٌ خاسرٌ ، وأنّ ظهور مَن لم يكن صالحا للظهور ضرر عظيم ، وعطبٌ جسيم ، وعذابٌ أليم عاجلا وآجلا لمتّبعيه إلاّ إذا منّ الله تعالى عليهم بمرشد صادق ينقذهم ويخلصهم بصحبته ، ويردّهم إلى طريق الفلاح .
ونُقِل عن القشيري رضي الله تعالى عنه قال :
أنّ الشيخ إذا لم يكن عارفا بالسلوك وما يطرأ على المريد ، وأخذَ الطريق من الكتب ، وقد يُرَبِّي المريدين طلبا للمرتبة والرياسة ، فإنّه مهلك لمن تبعه . فلا بدّ أن يكون عند الشيخ دينُ الأنبياء ، وتدبير الأطبّاء ، وسياسة الملوك . أهـ .
وفي رسالة الإمام أبي القاسم والخلاصة المرضية :
ومِن آداب المريدين أن لا يتعرّضوا للتصدّر وأن يكون لهم تلميذا ومريدا ، فإنّ المريد إذا صار مرادا قبل خمود بشريته وآفته محجوب لا تنفع أحد بشارته وتعليمه . أهـ .
وقال في لواقح الأنوار القدسية :
يتعيّن على كلّ عالم أو شيخ حصلتْ عنده حزازة في صدره بكثرة المريدين لأحد مِن أقرانه ، أو بترْكِهِم درسه واجماعهم على غيره بحيث لم يكن عنده أحد من الطلبة أو المريدين ، أنْ يتّخذ شيخا يسلك على يديه حتّى يُرقّيه إلى درجة الإخلاص بحيث ينشرح لكلّ مَن تحوّل مِن طلبته إلى غيره . فمتى تكدّر مِن طلبته إذا تحوّلوا إلى غيره فليس له في الإخلاص نصيب كما صرّحت به الأخبار . والله يتولّى هداك .
هو الله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة النساء ، الآية 120 .
  2. سورة الكهف ، الآية 104 .