نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل السادس عشر
الرّئيسيـة > مكتبة على الخطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصل السادس عشر


في إعلامهم أنّ أوّل قَدَمٍ يضعه المريد على هذا الطريق : الصدق .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق ، قال الإمام القشيري في رسالته ، في باب وصايا المريدين :
فأوّل قَدَمٍ للمريدين في هذا الطريق ينبغي أن يكون على الصدق . وقال في باب الصدق : قال الأستاذ : الصدق تاجنا عماد الأمر وبه تمامه وبه ونظامه ، وهو التالي درجة النبوّة قال الله تعالى : فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ (1) .
والصادق : الإسم اللاّزم من الصدق والتصديق المبالغة ، وأقلّ الصدق استواء السرّ والعلانية ، والصادق مَن صَدَقَ في أقواله ، والصدّيق مَن صَدَقَ في جميع أقواله وأفعاله وأحواله .
وقال الشيخ أحمد بن حضرويه : من أراد أن يكون الله معه فليلزم الصدق فإنّ الله تعالى قال : " إن الله مع الصادقين " .
وقيل الصدق القول بالحقّ في مواطن الهلكة .
وقال سهل بن عبد الله : لا يشمّ رائحة الجنّة عبد داهن نفسه أو غيره .
وقال أبو سعيد القرشي : الصادق الذي يتهيّأ له الموت ولا يستحي من قدره لو كشف . قال الله تعالى : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (2) .
وحُكِيَ عن أبي عمر والزجاجي أنه قال : ماتت أمّي فورثت دارا فبعتها بخمسين دينار وخرجتُ إلى الحجّ . فلمّا بلغتُ بابل استقبلني واحد من القيافية ، فقال : أيش معك ؟ فقلت في نفسي : الصدق خير ، ثمّ قلت : خمسين دينارا ، فقال : ناولينها ، فناولته الصُرّة ، فعدّها فإذا هي هي خمسون ، فقال لي : خذها فلقد أخذني صدقك ، ثمّ نزل عن الدابة وقال : أركبْها ، فقلت : لا أريد ، وألحّ عليّ فركبتها ، فقال : وأنا على أثرك . فلمّا كان العام المستقبل لحقَ بي ولازمني حتّى مات .
وقال الشيخ إبراهيم الخواص : الصادق لا تراه إلاّ في الفرض يؤدّيه أو فضل يعمل فيه .
وقال الجنيد : الصدق أن تَصدُقَ في موضعٍ لا ينْجيك منه إلاّ الكذب .
وسُئِل الحارث المحامي عن علامة الصادق فقال : الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كلّ قَدْرٍ له في قلوب الخلق من أجل إصلاح قلبه ، ولا يحبّ إطلاع الناس على مثاقيل الذرة من حُسن عمله ، ولا يكره أن يطلع الناس على الشيء من عمله ، فإنّ كراهته لذلك دليل على أنّه يحبّ الريادة عندهم ، وليس هذا من أخلاق الصدّيقين .
وقال بعضهم : مَن لم يُؤدِّ الفرضَ الدائم لم يُقبل منه الفرض المؤقّت . قيل : فما الفرض الدائم ، قال : الصدق .
وقيل : عليك بالصدق حيث تخاف أنّه يضرّك فإنّه ينفعك .
وقيل : كلّ شيءٍ شيءٌ ومصادقة كذّاب لا شيء .
وقيل : علامة الكذّاب جوده بالحلف من غير مستحلف .
وقال ذو النون : بالصدق سيف الله ما وقعَ على شيء إلاّ وقطعه . أهـ ملخّصا .
قلت : وممّا يدلّ على فضيلة الصدق قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (3) .
وقال في السراج المنير :
في الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته ، ويدلّ عليه أيضا أشياء ، منها ما رُوِيَ عن ابن مسعود أنّه قال : « عليكم بالصدق فإنّه يقرّب إلى البرّ والبرّ يقرّب إلى الجنّة وإنّ العبد ليصدُق فيُكتب عند الله صدّيقا وإيّاكم والكذب فإنّ لكذب يقرّب إلى الفجور والفجور يقرّب إلى النار وإنّ الرجل ليكذب حتّى يُكتب عند الله كذّابا » ، ألا ترى أنّه يُقال : صدقتَ وبرزتَ ، وكذبتَ وفجرتَ .
ومنها ما رُوِيَ « أنّ رجلا جاء إلى النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم وقال إنّي أحبّ الخمر والزنا والسرقة والناس يقولون إنّك تحرّم هذه الأشياء ولا طاقة لي بتركها فإن قنعت مني بترك واحدة منها فعلتُ فقال صلّى الله تعالى عليه وسلّم أترك الكذب فقَبِلَ ذلك ثمّ أسلم فلمّا خرج من عند النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم عرضوا عليه الخمر فقال إن شربتُ وسألني النبي صلّى الله عليه وسلّم وكذبتُ فقد نقضتُ العهد وإن صدقتُ أقام عليّ الحدّ وتركها ثمّ عرضوا عليه الزنا فجاء ذلك الخاطر فتركه وكذا في السرقة فعاد إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال ما أحسن ما فعلتَ لمّا منعتَني عن الكذب أن انسُدّتْ أبواب المعاصي على الوفاء بالكل » .
ومنها ما قيل في قوله تعالى حكاية عن إبليس : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (4) : أنّ إبليس إنّما ذكر هذا الإستثناء لأنّه لو لم يذكره لصار كذّابا في ادّعاء إغواء الكلّ ، فكأنّه استنكف عن الكذب فذَكَرَ هذا الإستثناء . فإذا كان الكذب شيئا يستنكف منه إبليس لعنه الله فالمسلم أوْلى أن يستنكف منه .
ومنها قول ابن مسعود : « الكذب لا يصلح في جدّ ولا هزل ولا أن يعد أحدكم أخا ثم لا ينجز له إقرؤوا إن شئتم : وكونوا مع الصادقين (5) » . أهـ .
قلت : وممّا يدلّ على فضيلة الصدق أنّه أوّل أجزاء النبوّة .
قال القطب الكامل الشيخ عبد العزيز بن مسعود المعروف بالدبّاغ ، كما في الإبريز ، للشيخ أحمد بن المبارك رضي الله تعالى عنهما :
وأمّا النبوّة فالأوّل من أجزائها قول الحقّ ، وهو ممّا ينشأ عن نور في الذات يوجب لها هذا القول ، ويكون ذلك من سجيّتها وطبيعتها ، ولا يرجع عنه ولو كان فيه مخالفة الأحباب ومفارقة الأوطان ، بل ولو كان فيه ضرب الأعناق . وقد طلب المشركون منه عليه الصلاة والسلام أن يرجع عن قوله ، وراودوه على ذلك بكلّ حيلة ، فأبى وامتنع ، ثمّ نصبوا له العداوة ، ورموه عن قوس واحد ، فما زاده ذلك إلاّ ثباتا ورسوخا ، لأنّ الذات الشريفة مطبوعة على قول الحقّ لا يتصوّر عندها غيره .
قال : ثمّ حكى رضي الله تعالى عنه حكايتين :
الأولى : أنّ في بعض بلاد العجم طيورا معلّقة تكون على باب الدار ، فإذا دخل سارق نطقت الطيور وقالت : سرقوا بقافٍ معقودةٍ ولا يرجع ذلك الطير عن قوله ولو هُدِّدَ وأشير عليه بالتخويف ، وكذلك لا يرجع إذا أُعْطِيَ شيئا يؤكل ، وبالجملة لا يرجع ولو قُتِلَ ، يشير رضي الله تعالى عنه بهذه الحكاية إلى تفسير معنى قول الحقّ ، وإلى أنّ الخير بالتعلم لأنّ الطير مع بُعْدِهِ عُلِّمَ حتى صار هذا القول سجيّة له فكيف ببني آدم ؟ فكيف بالمؤمنين ؟
الثانية : أنّ بعض المريدين قال لشيخه : يا سيّدي دلّني عن شيء يربحني مع الله عزّ وجلّ ، فقال له الشيخ : إنْ أردتَ ذلك فكن شبيها له في شيء من أوصافه عزّ وجلّ ، فإنّك إذا اتّصفتَ بشيء منها فإنّه يسكنك يوم القيامة مع أوليائه في دار نعيمه ولا يسكنك مع أعدائه في دار جحيمه ، فقال المريد : وكيف لي بذلك يا سيّدي وأوصافه تعالى لا تنحصر ؟ فقال الشيخ : كن شبيهه في بعضها ، وقال : وما هو يا سيّدي ؟ قال : فكن من الذين يقولون الحقّ فإنّ من أوصافه تعالى قول الحقّ ، فإن كنتَ من الذين يقولون الحقّ فإنّ اله سيرحمك . فعاهد الشيخَ على أنّه يقول الحقّ ، وافترقا . وكان بجوار المريد بنتٌ ، فدخل الشيطان بينهما حتّى فَجَرَ بها وافتضّها ، فلم تقدر البنت على الصبر مع أنّها هي التي طلبتْ منه الفعل لأنّها تعلم أنّ الإفتضاض لا يخفي بعد ذلك ، فأعلمتْ أباها فرفعه إلى الحاكم وقال : أنّ هذا فعل ببنتي كذا وكذا ، فقال الحاكم للمريد : أتسمع ما يقول ؟ فقال : صَدَقَ ، فقدْ فعلتُ ذلك ، وكان مستحضرا للعهد الذي فارق الشيخ عليه فَلَمْ يقدر على الجحود والنكران . فلمّا سمع منه الحاكم ما سمع قال : هذا أحمق ، إذهبوا به إلى المارستان ، فإنّ العاقل لا يقدر على نفسه بما يعود عليه بالضرر . فدخل المارستان ، ثمّ جاء مَن رغّب الحاكم ، وشفع فيه فسرّحوه . يشير رضي الله تعالى عنه بهذه الحكاية إلى أنّ عاقبة قول الحقّ لا تكون إلاّ محمودة ، والله أعلم . أهـ .
قلت : وصفة المريد ، كما قال الشيخ أحمد بن المبارك في الإبريز :
أنْ يكون صحيحَ الجزم ، نافذ العزم ، ماضي الإعتقاد ، لا يصغى لأحد من العباد .
ثم قال :
ولنثبت في هذا الباب حكايات ليعتبر بها مَن أراد صلاح نفسه ، بعد تقديم كلام ، سمعته من الشيخ رضي الله تعالى عنه وهو كالمقدمة للحكايات . سمعته ـ يعني الشيخ عبد العزيز الدبّاغ رضي الله عنه ـ يقول :
كنتُ قبل أن يفتح الله عليّ أشاهد صورة هائلة سوداء طويلة جدّا على صورة جملٍ ، وقع لي هذا مرّة واحدة . فلمّا فُتِحَ عليّ وشاهدتُ من عوالم ربي ما قُدِّرَ لي ، فتّشتُ عن عالم الصورة الهائلة وطلبت جنسها في أيّ موضع هو فما رأيت له خبرا ، فسألت سيّدي محمد عبد الكريم رضي الله تعالى عنه عن ذلك ، فأخبرني أنّه لا وجود لجنس تلك الصورة أصلاً ، فقلت له : وأيّ شيء شاهدتُ ؟ قال : ذلك مِن فِعْلِ الروح ، أعني روح ذاتك ، فقلتُ له : وكيف ذلك ؟ فقال : إنّ الذات إذا جعلتِ الشيء بين عينيْها وجزمتْ به ساعفتها الروح في إيجاد الصورة التي جزمتْ بها ، وجعلتْ تخاف منها فتساعفها الروح في إيجادها ولو كان فيها ضرر الذات . قال : وجزْمُ الذات لا يقوم له شيء ، لا في جانب الخير ولا في جانب الشر . قال سيدي محمد بن عبد الكريم : وكنتُ قبل الفتح ، ومررتُ بموضعٍ ، فعرض لي بحر في الطريق لا يُقطَع إلاّ بالسفن ، وهو من البحور التي على وجه الأرض . وحصل لي في الذات جزم عظيم بأنّي أمشي عليه ولا أغرق ولا يصيبني شيء ، قال : فوضعتُ رجلي على ظهر الماء والجزم يتزايد ، فلم أزل أمشي فوقه حتّى قطعتُ الساحل الآخر . فلمّا رجعتُ مرّة أخرى ، وزال الجزم من ذاتي ، وجعلتُ أشكّ في المشي عليه ، فأدليْتُ رِجلِي أختبرُ فغرقتْ في الماء فأخرجتُها وعلمتُ أنّي لا أطيق مشيا عليه . قال الشيخ رضي الله تعالى عنه : ومتى دامت الذات جازمة بالشيء فإنّ الشيطان لا يقربها ، وإنّما يقربها إذا ذهب الجزم منها ، وهو يعلم بذهابه لأنّه يجري من ابن آدم مجرى الدم ، فإذا رآه ذهب أقبل عليها بالوسواس حتّى يفُوتَها الخيرُ . قال رضي الله تعالى عنه : فالجزم مثل صورة المدينة الحصينة ، فمتى كان للمدينة سور فلا يطمع فيها العدوّ ، ومتى حصل في السور خلل ، وظهرت فيه أبوابٌ وفُرَجٌ بادر العدوّ للدخول . فعيب الشيطان ووسوسته تابع لعيب سور الذات الذي هو الجزم . فلْيُبادر كلّ عاقل بإصلاح سور ذاته حتّى لا يقربه شيطان ، ولا يستفزّه إنسان . ومِن هذا المعنى سمعته رضي الله عنه يقول : إذا وُعِدَ الصادقُ أبدا بشيء مِن أمور الآخرة أو الدنيا ، فإنْ كان في وقتِ سماعه للوعد ساكنا مطمئنّا جازما بصدق الوعد وعلامة على أنّه يدرك ذلك الشيء لا محالة ، وإنْ كان في وقت سماعه للوعد مضطربا مرتابا في صدق الوعد فهو علامة على أنّه لا يدرك ذلك الشيء . فالجزم علامة أهل الصدق والتحقّق ، نسأل الله تعالى بِمَنِّهِ وفضله أن يرزقنا حلاوته وأسراره .

وأمّا الحكايات ، فمنها ما سمعتُ أنّ الشيخ رضي الله تعالى عنه يقول :

كان بعض من أراد الله رحمته في الماضين بحُبِّ الصالحين فألقى الله في قلبه أنْ خرج من ماله فباعه ، وجمع ثمنه فذهب لبعض مَن اشتهر عند الناس بالصلاح ، وكانت تقصده الوفود من النواحي فذهب إليه هذا المرحوم بجملة ماله حتّى بلغ بلده ، فسأل عن داره فدُلّ عليها ، فدقّ الباب ، فخرجت الخادمة فقالت : ما اسمك ؟ فقال : عبد العليّ ، وكان الشيخ المشهور بالولاية مِن العصاة المسرفين على نفوسهم ، وكان له نديم يتعاطى معه الشراب وغيره اسمه عبد العلي ، فوافق اسمه اسم هذا المرحوم . فذهبت الجارية فقالت للشيخ اسم هذا الذي دقّ الباب عبد العليّ ، فقال ، وظنّ أنّه نديمه : إئذني له ، فدخل على الشيخ فوجد الشراب بين يديه ، وامرأة فاجرة معه ، ورزقه الله تعالى الغفلة عن ذلك كلّه ، فتقدّم إليه فقال : يا سيّدي سمعتُ بك من بلادي وجئتك قاصدا لتدلّني على الله عزّ وجلّ ، وهذا مالي أتيتك به لله تعالى ، فقال له الشيخ : يتقبّل الله منكم ، ثمّ أمر الجارية أن تدفع له رغيفا فأخذه ، وأعطاه الفأس وأمره بالخدمة في بستان للشيخ عيَّنَهُ له ، فذهب ذلك المرحوم من ساعته ونفسه مطمئنة وقلبه مسرور بقبول الشيخ له ، فذهب فرحا للخدمة ، وقد لقِيَ نصبا من سفره للشيخ وما استراح حتّى بلغ البستان وجعل يخدم بفرح وسرور ونشاط نفس ، فكان مِن قَدَرِ الله عزّ وجلّ وحسن جميله بذلك المرحوم أن صادف مجيئه للشيخ الكذّاب المسرف وفاة رجل من أكابر العارفين ، وكان من أهل الديوان ، فحضر وفاته الغوث والأقطاب السبعة ، فقالوا له : يا سيّدي فلان ، كمْ مرّة ونحن نقول لك إهبط إلى مدينة من مدن الإسلام فعسى أن تلقى من يرثك في سرّك ولم تساعدنا ، فالآن كانت وفاتك فيضيع سرّك وتبقى بلا وارث ، فقال لهم : يا سادتي قد ساق الله إليّ من يرثني وأنا في موضعي ، فقالوا له : ومن هو ؟ فقال : عبد العليّ الذي وفد على فلان المبطل ، فانظروا إلى حسن سريرته مع الله عزّ وجلّ ، وإلى تمام صدقه ، ورسوخ خاطره ، ونفوذ عزمه ، وصلابة جزمه . فإنّه رآى ما رأى ولم يتزلزل له خاطر ، ولم يتحرّك له وسواس ، فهل سمعتم بمثل هذا الصفاء الذي في ذاته ؟ أفَتُوَافِقُونَ على إرثه ؟ فقالوا : نعم . فخرجتْ روح الولي واتّصل عبد العليّ بالسرّ ، وأثابه الله عزّ وجلّ على حسن نيّته فوقع له الفتح وعَلِمَ من أين جاءته الرحمة ، وأنّ الشيخ الذي وفد عليه مسرف كذّاب ، وأنّ الله تعالى رحمه بسبب نيّته لا غير ، والله تعالى الموفّق .

ومنها ما سمعه من الشيخ رضي الله تعالى عنه قال : كان لبعض المشايخ مريد صادق فأراد أن يمتحن صدقه يوما فقال له مرة : يا فلان أتحبّني ؟ قال : نعم يا سيّدي ، قال له : مَن تحبّ أكثر أنا أو أباك ؟ فقال : أنت يا سيّدي ، فقال : أفرأيت إن أمَرْتُك أن تأتيني برأس أبيك أتطيعني ؟ قال : يا سيّدي فكيف لا أطيعك ؟ ولكنّ الساعة ترى . فذهب من حينه ، وكان ذلك بعد أن رقد الناس ، فتسوّر جدار دارهم وعلا فوق السطح ، ثمّ دخل على أبيه وأمّه في منزلهما فوجد أباه يقضي حاجته من أمّه فلم يمهله حتّى يفرغ من حاجته ولكن برك عليه وهو فوق أمّه فقطع رأسه وأتى به للشيخ وطرحه بين يديه ، فقال له : ويحك أتيتني برأس أبيك ؟ فقال : يا سيّدي نعم هو هذا ، فقال له : ويحك إنّما كنتُ مازحا ، فقال له المريد : أمّا أنا فكلّ كلام عندك لا هزل فيه ، فقال له الشيخ رضي الله تعالى عنه : أنظرْ هل هو رأس أبيك ؟ فنظر المريد فإذا هو ليس برأس أبيه ، فقال له الشيخ : رأس مَن هو ؟ فقال له : رأس فلان العلج ، قال : وكان أهل مدينتهم يتخذّون العلوج كثيرا بمنزلة العبيد السودانيين ، قال : وكان أبوه غائبا تلك الليلة فخانته زوجته في الفراش ووعدت علجا كافرا ومكّنته من نفسها ، وكوشف الشيخ رضي الله تعالى عنه بذلك فأرسل المريد ليقتله على الصفة السابقة ليمتحن صدقه ، فعلم أنه جبل من الجبال ، فكان وارث سرّه ، والمستولى بعده على فتحه ، والله تعالى الموفّق .

قال ، ومنها أنّي سمعتُ الشيخ رضي الله تعالى عنه يقول : جاء بعض المريدين لشيخ عارف فقال له : يا سيّدي القبول لله عزّ وجلّ ، فقال : نعم ، فأمرَه بالمقام عنده والعكوف على خدمته ، وأعطاه مسحاة في رأسها كورة حديد زائدة لا نفع فيها إلاّ تثقيل المسحاة ، وكان المريد هو وارث الشيخ بشرط أن لا ينتبه لكورة الحديد المذكورة ، فإن انتبهَ وقال ما فائدتها ؟ ولأيّ شيء تصلح ؟ ولا معنى لها إلاّ التثقيل ؟ فإنّه لا يرث منه شيئا . قال رضي الله عنه : فبقي في خدمته سبع سنين وهو يخدم بالفأس ولا تحرَّكَ له عِرْق وسواس ، ولا هزّته عواصف رياح الشيطان ، وصارت الكورة المذكورة بمنزلة العدم الذي لا يُرى ولا يُسمع به . فهذه حالة الصادقين الموفّقين ، والله تعالى الموفّق .

قال وسمعته رضي الله تعالى عنه يقول : كان لبعض العارفين بالله عزّ وجلّ مريد صادق ، وكان هو وارث سرّه ، فأشهده الله تعالى من شيخه أمورا كثيرة منكرة ومع ذلك فلم يتحرّك له وسواس ، فلمّا مات شيخه وفتح الله تعالى عليه ، شاهد تلك الأمور وعلِمَ أنّ الصواب مع الشيخ فيها وليس فيها ما يُنكَر شرعا إلاّ أنّها اشتبهت عليه . فمِنْ ذلك أنّ إمرأة كانت من جيران الشيخ ، وكانت تُذكَر بالسوء ، وكان المريد يعرف شخصها ، وكان للشيخ امرأة على صورتها ولكنّ المريد لا يعرفها ، وكان للشيخ موضع يخلو به بين باب الدار وبين البيوت ، وكان المريد لا يبلغ إليه وإنما يقف بالباب ، فاتّفق أن دخلت المرأة المشهورة بالسوء على المريد وهو بالباب فجازت الدار ، واتّفق أنْ خرجت امرأة الشيخ الشبيهة بها فدخلت على الشيخ الخلوة ، وكان أرسل الشيخ إليها ليقضي حاجته منها ، فدخلت وقام إليها الشيخ ، ومرّت الشبيهة بها نحو البيوت فرمى المريد ببصره إلى الخلوة فرأى المرأة مع الشيخ وهو يقضي حاجته منها فما شكّ أنّها المشهورة بالسوء ، وربط الله على قلبه فلم يستفزّه الشيطان ، ثمّ خرجت المرأة ، وحانت الصلاة فخرج الشيخ للصلاة وتيمّم ، وكان به مرض منعه من الإغتسال ، فما شكّ المريد أنّ الشيخ يتيمّم من غير ضرورة ، وربط الله على قلب المريد ، وكان بالشيخ مرض منعه من هضم الطعام فصنعوا له ماء الفلنيص ، عصروه وأتوا له بمائه ليشربه فدخل المريد فوجده يشربه فما شكّ أنّه ماء خمر وربط الهم على قلبه فلم يتحرّك عليه وسواس . فلمّا فتح الهّ عليه علم أنّ المرأة التي وطئها امرأته لا المرأة المشهورة بالسوء ، وعلم أنّ التيمّم الذي فعله الشيخ لضرر كان بجسده ، وعلم أنّ الماء الذي شربه الشيخ ماء فلنيص لا ماء خمر ، والله تعالى الموفّق .

قال ، وسمعته رضي الله تعالى عنه يقول : كان لبعض المريدين أخ في الله عزّ وجلّ فمات ذلك الأخ وبقي المريد ، فجعل إذا فتح الله تعالى عليه بشيء يقسمه بين أولاده وبين أولاد الأخ في الله ، وكان لهذا المريد أرض مع أخوته فبيعت عليهم من جانب المخزن ظلما ، فلمّا أخذوا ثمنها كان نصيب المريد منها أربعين مثقالا سكة زماننا ، فقال له إخوته : ما تفعل بدراهمك ؟ قال : أقسمُها بيني وبين أولاد أخي في الله تعالى ، فاستحمقوه وقالوا له : ما رأينا مثلك في نقصان العقل ، تَسَبَّبْ بدراهمك واشْتَرِ بها كذا ، واصنع بها كذا ، ودَعْ عنك هذه الحماقة التي أنت مشتغل بها . فأرادت نفسه أن تميل إلى قولهم فقال لها : يا نفسي ما تقولي لله عزّ وجلّ إذا وقفتِ بين يديه غداً حيث يقول لي : رزقتك أربعين مثقالا فاستأثرتَ بها وضيّعْتَ حقّ الأُخُوّة ، فاليوم أُضَيِّعُك كما ضيّعتهم . فوفّقه الله تعالى فقسم الدراهم بينه وبين أولاد أخيه في الله عزّ وجلّ ، فلمّا خرج من عندهم فتح الله عليه وأعطاه مالا عيْنٌ رَأَتْ ولا أُذُنٌ سمِعتْ ولا خطر على قلب بشر ، وجعله الله من العارفين لصدق نيّته ، ولصدق عزمه ، ونفوذ عزيمته ، والله تعالى الموفّق . أهـ .

وقال ، وسمعت من غير الشيخ رضي الله تعالى عنه : أنّ بعض الأكابر كان له عدّة أصحاب ، وكان لا يتخيّل النجابة إلاّ من واحد منهم ، فأراد أن يختبرهم يوما ، واختبرهم فَفَرّوا بجملتهم سوى ذلك الواحد ، وذلك أنّه تركهم حتى اجتمعوا على باب خلوته فأظهر لهم صورة امرأة جاءته فدخلت الخلوة ، فقام الشيخ ودخل معها ، فأيقنوا أنّ الشيخ اشتغل معها الفاحشة فتفرّقوا كلّهم ، وخسِرتْ نيّاتهم إلاّ ذلك الواحد فإنّه ذهب وأتى بالماء وجعل يسخّنه بقصد أن يغتسل به الشيخ ، فخرج عليه الشيخ فقال له : ما هذا الذي تفعل ؟ فقال : رأيتُ المرأة قد دخلت فقلتُ لعلّك تحتاج إلى غُسْلٍ فسخّنتُ لك الماء ، فقال له الشيخ : وتَتْبَعُنِي بعد أن رأيتَني على المعصية ، فقال : ولِمَ لا أتبعك والمعصية لا تستحيل عليك وإنّما تستحيل في حقّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟ ولَمْ أخالطك على أنّك نبيّ لا تعصي وإنّما خالطتك على أنّك بشر وأنّك أعرف منّي بالطريق ، ومعرفتك باقية فيك ، فالوصف الذي عرفتك عليه لم يزل فلا تتبدّل لي نيّة ، ولا يتحرّك لي خاطر ، فقال له الشيخ : يا ولدي تلك الدنيا تصوّرتْ بصورة امرأة ، وأنا فعلتُ ذلك عمدا لينقطع عنّي أولئك القوم ، فادخلْ يا ولدي وفّقك الهن معي إلى الخلوة هل ترى امرأة فيها ، فدخل فلم يجد امرأة ، فازداد محبّة على محبّته ، والله تعالى الموفّق .

قال : ورأيت في كتاب الشيخ محي الدين تلميذ الشيخ تاج الدين الذاكر المسري رحمهما الله تعالى : أنّ رجلا جاء إلى بعض الأكابر فقال له : يا سيّدي أريد منكم أن تُعطوني السرّ الذي خصّكم الله عزّ وجلّ به ، فقال الشيخ : إنّك لا تطيق ذلك ، فقال المريد : أطيقه وأقدر عليه ، فامتحنه الشيخ بأمر سقط منه على أُمِّ رأسه ، نسأل الله السلامة ، وذلك أنّه كان عند الشيخ مريد شابّ حَدَثٌ ، أبوه مِن الاكابر ، فلمّا قال ذلك المريد أنا أطيق السرّ ، قال له الشيخ : إنّي سأعطيك إن شاء الهّ السرّ ، فأمره بالمقام عنده . ثمّ إنّ الشيخ أمر الشابّ الحدث بالإختفاء في مكانٍ بحيث لا يظهر لأحد ، ثمّ أدخل الشيخ خلوتَه كبشا فذبحه وجعل على ثيابه شيئا من الدم ، فخرج على المريد السابق والسكين في يده ، والدم يسيل على يديه ، وهو في صورة الغضبان ، فقال المريد : ما عندكم يا سيّدي ؟ فقال : إنّ الشابّ الفلاني أغضبني فما ملكتُ نفسي أن ذبحته ، فها هو في ذلك المكان مذبوحا ، يشير إلى الخلوة التي ذبح فيها الكبش ، فإنْ أردتَ السرّ يا ولدي فاكتم يا ولدي ولا تذكره لأحد ، وإنْ سألني عنه أبوه أقول له مَرِضَ ولدك ومات فإنّه يصدّقني ويحصُل في المسألة لُطْفٌ ، فعساك يا ولدي تساعدني على هذا الأمر وتسترني فيه ، فإنْ فعلتَ فأنا أعطيك السرّ إن شاء الله تعالى . فقال المريد ، وقد تمعّر وجهُه ، وظهر غيظه حيث ظنّ أنّ الشيخ في قبضته : سأفعل ، بكلام يظهر منه الكذب . ففارق الشيخ وذهب سريعا إلى والد الشابّ وأعلمه بالقصّة ، وقال له : إنّ الشيخ الكذّاب الذي كنتم تعتقدون فيه الخير قتل ولدكم في هذه الساعة ، وجعل يرغّبني أنْ أستره ، ويطلب مِنِّي أنْ أكتمه عنكم ، وإنْ شككتم في الأمر فاذهبوا معي الساعة فإنّكم تجدون ولدكم يتشحط في دمه . فقال له الناس : ويحك ، فإنّ سيّدنا فلان لا يفعل هذا ، ولعلّ الأمر شُبِّهَ عليك ؟ فقال لهم : إذهبوا معي حتّى يظهر صدقي أو كذبي . ففشا قوله في الناس ، وسمع به أرباب الدولة ، فأقبلوا إلى الشيخ سراعا والمريد أمامهم حتّى وقفوا على خلوة الشيخ ، فقرعوا الباب ، فخرج الشيخ وقال لهم : ما لكم ؟ وأيّ شيء أقدمكم ؟ فقالوا له : ألا تسمع ما يقول هذا ؟ يشيرون إلى المريد ، فقال له الشيخ : وأيّ شيء كان ؟ فقال له : المريد الذي كنت ترغّبني فيه وتطلب مِنِّي كتمانه هو الذي كان ، فقال الشيخ : ما وقع بيني وبينك شيء ، وما كلّمتك قطّ ، فقال المريد : الكذب لا ينْجيك ، قد قتلتَ ولدَ الناس . فصاح الناس على الشيخ مِن كلّ ناحية : قتلتَ ولدَ الناس فالآن نقتلك ، يا عدوّ الله تغش الناس بعبادتك ، وتخدعهم بخلوتك . فقال الشيخ : سَلُوهُ مِن أين عَلِمَ بأنّي قتلته ، فقال المريد : ألمْ تخرج عليّ وأثَر الدم على يدك وثوبك ؟ فقال الشيخ : نعم وقد ذبحتُ شاةً ، فقال المريد : فلندخلْ إلى الخلوة إنْ كنتَ صادقا ، فدخلوا فوجدوا شاة مذبوحة ، فقال المريد : إنّك أخفيتَ القتيل وأظهرتَ هذه الشاة في موضعه لئلاّ تُقْتَلَ به ، فقال الشيخ : أرأيت إن خرج الشابّ ولا بأس عليه أتعْلَم إنّك مِن الكاذبين الذين لا يفلحون ؟ فقال المريد : فأخرجْهُ إنْ كنتَ صادقا . فأرسل الشيخ إلى الفتى فخرج ، ولا عِلْمَ عنده بما وقع ، فلمّا رآه الناس تضرّعوا إلى الشيخ ، وجعلوا يسبّون المريد الكاذب . وعند ذلك قال له الشيخ : ألستَ تزعم يا كذّاب أنّك تُطيق السرّ وتقدر عليه ؟ فما بالك لم تقدر على كتم هذا الأمر الذي لم يكن منه شيء ، وإنّما صنعنا معك هذا لدعواك أنّك تطيق السرّ ؟ فاذهبْ فقد أعطيناك السرّ الذي يليق بأمثالك . فكان ذلك المريد مِن يومه ذلك موعظة للمعتبرين ، ونكالا للمُدَّعين الكاذبين ، نسأل الله تعالى بِمَنِّهِ التوفيق .

قال : ووقع لرجل آخر حكاية عجيبة ، وذلك أنّه كان شيخٌ مِنْ رَكْبِ الحجيج ، وكان من بلاد المغرب ، وكان يعتني كثيرا بلقاء الصالحين ويحبّهم ، ويُفَتِّش على الذي يربح على يديه . فكان هذا دأبه إذا طلع إلى المشرق وإذا رجع . فالْتقى بمصر مع بعض الصالحين ، فأعطاه أمانة وقال له الرجل : الذي يطلبها منك هو صاحبك . فما زال يطوف على الصالحين الذين يعرفهم واحدا واحدا حتّى قدِم لبلده ودخل داره ، وبقى ما شاء الله ، فلقيه ذات يوم جاره فقال له : أين الأمانة التي أعطاكها فلان بمصر ؟ فعَلِمَ أنّ جاره هو صاحب الوقت ، فسقط على رجليه يقبّلها ويقول : يا سيّدي كيف تُخْفُون أنفسكم عليّ وما تركتُ صالحا يشار إليه بالمشرق والمغرب إلاّ أتيتُه وأنتم جيراني وأقرب الناس إليّ ؟ ثمّ طلب منه السرّ الذي خصه الله به ، فقال له الشيخ : هذا أمرٌ لا تُطيقُه ، فقال : بل أطيقه يا سيّدي ، فقال الشيخ : فإن كنتَ تطيقه فاعملْ بشَرطي ، فقال : وما شرطك يا سيّدي ؟ فقال الشيخ : شرط لا كبيرُ ضررٍ عليك فيه ، هو أنْ تحلِق لحيتك الطويلة هذه ، فقال له : يا سيّدي كيف يسوغ لي ذلك وبها أُهاب وأُعظّم في طريق المشرق ؟ فقال الشيخ : فإنْ أردتَ السرّ فافعل ما أقوله لك ، فقال : يا سيّدي هذ أمر لا أطيقه ، فقال له الشيخ : وما بقى لك عليّ ذنب حيث لم تقبل شرطي ، ففارقه . فلمّا مات الشيخ وفَاتَهُ ما فَاتَهُ ندم وقال : لو كان عقلي اليوم عندي وزمن الشيخ لفعلتُ ما قال وزدت عليه .

قال : وسمعتُ من بعض الثقاة ممّن كان يرى النبي صلّى الله عليه وسلّم في اليقظة ، وكان يشمّ رائحة مدينة النبي صلّى الله عليه وسلّم في مدينة فاس ، قال : كنتُ مع بعض الأولياء يوم الجمعة في جامع الأندلس ، فلمّا صلّيتُ الجمعة وخرجت من الجامع فإذا برجل يُقَبِّلُ يد ذلك الوليّ ويقول : يا سيّدي إنّي أحبك لله عزّ وجلّ ، فقال له الولي ، وقد نظر فيه نظرة منكرة : ألم تعلم أنّ الله يعلم السرّ وأخفى ؟ يعني : فَهَلاّ اكتفيتَ بعِلْمِ الله وحُسْنِ جزائه ؟ وذهب الوليّ وجعل الذي ادّعى المحبّة يبكي ممّا سمعه من الولي ، فتقدّمت إليه وقلت : يا هذا ، إنّك قد ادّعيتَ أمرا عظيما ، ولا بدّ للشيخ أنْ يختبرك ، فكُنْ رجلا وإلاّ فهو الفراق بينك وبين الشيخ ، قال ، وكان جارٌ للشيخ في بعض بساتينه ، وكانت شجرة تين للشيخ في الحدود ، فكان ذلك المدّعي يجنيها كلّ عام والشيخ يصبر ويعفو ويصفح ويحسن جواره ، فلمّا ادّعى المحبّة أسقط عنه كلفة التحمّل ، وقال له : إنّ الشجرة شجرتي لا شيء لك فيها ، فأنكره المدّعي وقال : هي لي . فقام الشيخ معه على ساق الجدّ في النزاع والخصام حتّى سمعتُ ذلك المدّعي يسُبّ الشيخ رضي الله عنه .

قال : وسمعت الشيخ رضي الله تعالى عنه يقول : كان بعض الشيوخ المجاذيب يُظهِرُ مخالفة لِيَفِرَّ عنه الناس حتّى أنّه أراق على ثوبه ذات يوم خمرا فجعل الناس يشمّون منه رائحة الخمر ويفرّون منه ولم يبق معه إلاّ وارث سرّه ، فقال : فعلتُ هذا عمْداً ليفرّ عنّي هؤلاء النمل ، يشير إلى كثرة الناس الذين كانوا يتبعونه ، فإنّه لا حاجة لي فيهم والحاجة إنّما هي بك وحدك ، والله تعالى الموفّق .

قال : وسمعت الشيخ رضي الله تعالى عنه يقول : جاء رجلٌ إلى بعض الأولياء وجعل يتأمّله ويصعد فيه النظر حتّى تأمّله مِن رأسه إلى رجليْه ، فقال له الوليّ : ما مرادك ؟ قال : يا سيّدي هذه غنيمتي ، أردتُ أن تنظر ذاتي ذاتَك لتشفع فيها غدا بين يدي الله تعالى ، قال الشيخ رضي الله تعالى عنه : ربح ذلك الرجل ربحا كثيرا، وكان رضي الله تعالى عنه إذا ذكر هذه الحكاية يقول : الناس باقون في هذه الأمّة والحمد لله ، والله تعالى الموفّق .

وقال : وسمعته رضي الله تعالى عنه يقول : جاء بعض الصادقين إلى بعض من يعتقد فيه الخير فقال : إنّي أحبّك في الله عزّ وجلّ ، فقال له الشيخ ، وكان ذلك عند صلاة الصبح : فإنْ أردتَ أنْ تربح فلا ترجعْ إلى دارك أبدا ، واذهبْ إلى بلاد المشرق ، فقال : فامتثل ولم يخالف فربح دنيا وأخرى ، والله الموفّق .
قلت : وبما قدّمنا يظهر لكلّ مَن له أدنى عِلْمٍ معرفة أن لا سعادة أصلا إلا بالصدق ، ولا شقاوة إلاّ بالكذب ، لأنّ رأس كلّ خير هو الصدق في الإيمان بالله تعالى وبكل ما جاء عنه ، وبه يصِحّ إيمان المؤمن ، ورأس كلّ شرّ هو الكذب في ادّعاء الإيمان لأنّ من لم يكن في إيمانه صادقا فهو المنافق الذي يكون في الدرك الأسفل من النار . وإذا كان هذا في مرتبة الإيمان الذي يشترك فيها الطالح والصالح فما ظنُّك بمرتبة الإحسان الذي يريد أن يصل إليها ؟ فكيف يدخل الكاذب حضرة الحقّ الذي لا يقبل إلاّ الحقّ ؟ وذلك لا يكون أبدا . إن قلت ظهرت لنا حقيقة الصدق والكذب وفضل الصدق والصادقين ، وقبح الكذب والكاذبين ، ولا نريد أن تزيد في تبيين حقيقة المريد الصادق .
قلت : إنّ المريد ، كما في جواهر المعاني :
هو الذي عرف جلال الربوبية وما لها من حقوق في مرتبة الألوهية على كلّ مخلوق مِن دوام الرضا والخضوع والتذلل إليه ، والعكوف على محبّته وتعظيمه ، ودوام الإنحياش إليه وعكوف القلب عليه ، معرضا عن كلّ ما سواه حبّا وإرادة ، فلا غرض له ولا إرادة في شيء سواه لِعِلْمِهِ أنّ كلّ ما سواه كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا (6) . لمّا عرف هذا ، وعرف ما عليه من دوام العكوف على الإنقطاع عن الحضرة الإلهية ، وعرف خسّة نفسه في كثرة شؤمها وشرهها أنّها في جميع توجّهاتها مضادّة للحضرة الإلهية ، وأنّ جميع حضوضها ومراداتها مناقضة للحقوق الربّانيّة ، وعرف ما فيها من التثبط والتثبيط عن النهوض بالقيام بحقوق الحقّ ومعرفة ما يجب له تعالى من الخدمة والأدب بِمَا أَلِفَتْهُ من الميل إلى الراحات ، والعكوف على الشهوات ، والإنقطاع عن خالق الأرض والسماوات ، وأنّ جميع حظوظها لا تدور إلاّ في هذا الميدان ، وعرف عجزه عن تقويم هذه النفس الأمّارة بالسوء وعن ردّها إلى الحضرة الإلهية منقطعة عن هواها وشهواتها ، وعرف أنّه إِنْ قام معها على هذا الحال استوجب من الله تعالى في العاجل والآجل من الغضب والمقت ، وشدّة العذاب والنكال المؤبد للخلود ما لا حدّ له ولا غاية ، وارتعد قلبه في هذا البلاء الذي وقع فيه ، والعلّة المعضلة التي لا خروج منها ، ولا يمكنه المقام مع نفسه على ما هي فيه ممّا ذُكِرَ قبل من استجابة الغضب والمقت من الله تعالى ، ولا قدرة له عى نقل نفسه من مقرّها الخبيث إلى استيطان الحضرة الإلهية ، فحين عرف هذا رجع بصدقٍ وعزمٍ وجِدٍّ واجتهادٍ في طلب الطبيب الذي يخلّصه من هذه العلّة المعضلة ، ويدلّه على الدواء الذي يوجب به كمال الشفاء والصحة ، فهذا هو المريد الصادق ، وأمّا غيره ممّن لم يتّصف بهذه الصفات المتقدّمة فهو طالب لمرتبة لا غير ، قد يَجِدُ وقد لا يَجِدُ ، تعلّقتْ نفسُه بأمر طلبه ، وأمّا الأوّل فلِمَكَانِ صِدْقِهِ كان الشيخ أقرب إليه من طلبه ، فإنّ عناية الحقّ به التي وهبته ذلك العلم المذكور هي التي تقوده إلى الشيخ الكامل ، وتُلْقِيهِ في حضرة الشيخ الواصل ، وتقلب له قلب الشيخ بالمحبّة والتعظيم فيقع الإئتلاف بينهما والأدب فينفتح باب الوصول لأنّ عناية الحقّ متى وقعت على أمر جذبته جذبا قويّا لا يمكن تخلّفه ولو كان ما كان . فالذي يجب على المريد الصادق في الطلب كمال العلم المتقدّم وشدّة الإهتمام بالأمر المطلوب ، وعماية القلب عمّا سوى مطلوبه ، فلا يشتغل بشيء سوى ما يريد . هذا هو الصدق المفيد ، وهو الذي يخرجه من المقت اللاّحق . اهـ .
وإذا علمتَ أنّ الصادقين من السعادة ما لا يحيط به الأكابر الفحول ، وللكاذبين من الشقاوة ما لا تُكَيِّفُهُ الأفكار والعقول ، فاخترْ لنفسك ما تريد .
ومـن تـكـن نفسـه  أبـيّـة        يجنح  للمـراتـب  العـلـيّـة
أمّـا الـذي هـمّـتـه دنـيّـه        فـلا مـبـالاة لـه  سـنـيّـه
ففوق جهـل الجاهليـن يجهـل        وتحت سبـل المارقيـن يدخـل
فخـذ صلاحـا بعـد أو فسـادا        وشقوة تـرديـك  أو إسـعـادا
وقربا أو بعدا أو سخطا أو رضا        وجنّـة الفردوس أو نـار لظـى
والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة النساء ، الآية 69 .
  2. سورة البقرة ، الآية 94 .
  3. سورة التوبة ، الآية 119 .
  4. سورة ص ، الآيتان 82 - 83 .
  5. سورة التوبة ، الآية 119 .
  6. سورة النور ، الآية 39 .