نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الثامن عشر
الرّئيسيـة > مكتبة على الخطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل الثامن عشر


في إعلامهم أن الشيخ وهو الوليّ الكامل في قومه ، كالنبيّ في أمّته ، وأنّ مبايعته كمبايعة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لكونه نائبا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق ، قال شيخنا رضي الله عنه وأرضاه وعنّا به ، كما في جواهر المعاني :
ومِن أكبر الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده ، أنْ لا يشرك في محبّته غيره ، ولا في تعظيمه ولا في الإستمداد منه ولا في الإنقطاع إليه ، ويتأمل ذلك في شريعة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ، فإنّ مَن سوّى رتبة نبيّه محمّدا صلّى الله عليه وسلّم برتبة غيره من النبيين والمرسلين في المحبّة والتعظيم والإستمداد والإنقطاع إليه بالقلب والتشريع فهو عنوان على أن يموت كافرا إلاّ أن تدركه عناية ربانية بسبق محبّة إلهية ، فإذا عرفت هذا فليكن المريد مع شيخه كما هو مع نبيّه صلّى الله عليه وسلّم في التعظيم والمحبّة والإستمداد والإنقطاع إليه بالقلب ، فلا يعادل به غيره هذه الأمور ، ولا يشرك غيره به . اهـ .
وقال في الخلاصة المرضية :
روى السهروردي بسنده أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال : « والذي نفس محمّد بيده لئن شئت لأقسمنّ لكم أنّ أحب عباد الله إلى الله الذين يحبّبون الله إلى عباد الله ويحبّبون عباد الله إلى الله ويمشون في الأرض بالنصيحة » ، قال : وهذا الذي ذكره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هو رتبة المشيخة والدعوة إلى الله لأنّ الشيخ يحبّب الله تعالى إلى عباده حقيقة ويحبّب عباد الله إلى الله ، ورتبة المشيخة من أعلى الرتب في طريق الصوفية ، ونيابة النبوّة في الدعاء إلى الله تعالى . فأمّا كوْن الشيخ يحبّب عباد الله تعالى إلى الله فلأنّ الشيخ يسلك بالمريد إلى طريق الإقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ومَنْ صحّ اقتداؤه برسول الله صلّى الله عليه وسلّم واتّباعه أحبّه الله تعالى ، قال الله تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (1) . ، ووجهه كونه يحبّب الله إلى عباده أنّه يسلك بالمريد طريق التزكية والتحلية ، فإذا تزكّت النفس انجلت مرآة العبد ، وانعكس فيها أنوار العظمة ، ولاح فيها جمال التوحيد ، فأحبّ العبد ربّه لا محالة . والشيخ من جنود الله تعالى يرشد به المريدين ويهدي به الطالبين ، فعلى المشايخ وقار الله ، وبهم يتأدّب المريد ظاهرا وباطنا . قال الله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ (2) . . فالمشايخ لمّا اهتدوا أُهِّلوا للإقتدار بهم ، وجُعِلوا أئمّة للمتقين ، فيَسُوسُ الشيخ نفوس المريدين كما كان يسوس نفسه من قبل بالتأليف والنصح ، فبذلك يصير المريد كالجزء من الشيخ كما أنّ الولد جزء من الوالد في الولادة الطبيعية ، وتصير هذه الولادة الثانية ولادةً معنوية كما ورد عن عيسى عليه السلام : « لن يلج ملكوت السماء من لم يولد مرتين » ، ومن صرف اليقين على الكمال يصل لهذه الولادة ، وبهذه الولادة يستحقّ ميراث الأنبياء ، ومن لم يصِلْه ميراث الأنبياء ما ولد .
وقال بعد كلام : ومِن شرط المريد أن لا يصحب مِنَ الشيوخ إلاّ مَن تقع له حرمة في قلبه ، وأن يبايعه على المنشط والمكره . أهـ .
وقال في باب آداب الذكر الخامس : أن يرى استمداده من شيخه هو استمداده من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأنّه نائبه . أهـ .
وفي البحر المورود للشعراني :
أخذ علينا العهد أن لا نأخذ العهد على فقير بالسمع والطاعة لِمَا نأمره به من الخير إلاّ إن كنّا نعلم منه يقينا أنّه لا يقَدِّم علينا في المحبّة أحدا من الخلق مطلقا حتى أهله وولده وراثة نبوية لا استقلالا .
قال : واعلم أنّه لولا علم الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنّ لصحبة الناصح مدخلا في حصول الهداية والإنقياد بسرعة دون بطئ ما قال : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من أهله وولده والناس أجمعين » . ومن المعلوم أنّ جميع الدعاة إلى الله تعالى من هذه الأمّة إنّما هُمْ نوّاب له صلّى الله عليه وسلّم ، فلَهُمْ من الأدب معهم والمحبّة لهم بحكم الإرث نحو ما كان له صلّى الله تعالى عليه وسلّم وذلك ليحصل للمريد كمال الإنقياد ، ويعتقد في شيخه أنّه أشفق عليه من نفسه كما أنّ النبي صلّى الله تعالى عليه وسلّم كذلك قال الله تعالى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (3) . وأمّا إذا علم الشيخ من المريد تقديم أحد عليه في المحبّة نفض يده منه .
ومن كلام العارف بالله تعالى سيّدي عدّى بن مسافر ، أحد أركان الطريق ، قدّس الله سرّه : إعلم أنّك لا تنتفع قَطّ بالشيخ إلاّ إن كان اعتقادك فيه فوق اعتقادك في أمثاله ، وهناك يجمعك في حضوره ، ويحفظك في مغيبه ، ويهذّبك بأخلاقه ، ويؤيّدك في إطراقه ، وينوّر باطنك بإشراقه ، وإذا كان اعتقادك فيه ضعيفا لم تشهد منه شيئا من ذلك ، بل تنعكس ظلمة باطنك فتشهد صفاته هي صفاتك ، فلا تنتفع منه بشيء ولو كان من أعلى الأولياء . وقد ذكر سيّدي علي بن وفا رحمه الله تعالى في كتابه المسمى بالوصايا : إعلم أنّ قلوب الرجال أمثال الجبال ، فكما أنّ الجبال لا يزيلها عن أماكنها إلاّ الشرك بالله كما قال عزّ وجلّ : وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (4) ، فكذلك قلوب الرجال ، لا سيما الوليّ ، لا يزيل قلبه إلاّ الشرك الواقع من تلامذته معه في إشراك أحد معه في المحبّة ، لا يزيله إلا ذلك ، لا تقصير في الخدمة ولا غير ذلك فافهم .
قال الشعراني : ثمّ لا يخفى عليك أنّ جميع الأشياخ إنّما طلبوا من المريد كثرة الإجلال والتعظيم لهم ، والرضا بكلّ ما يرونه ، تمرينا له وطلبا لترقّيه ، إذ الشيخ كالسلّم للترقّي ، يترقّى المريد بالأدب معه إلى الأدب مع الله تعالى ، فمن لم يحكم باب الأدب مع شيخه لا يشمّ رائحة الأدب مع الله تعالى ، فيستفيد المريد بالرضا عن شيخه إذا حرمه دنيا كان يترصّد حصولها مثل الرضا عن الحقّ تعالى إذا حرمه رزقا أو وظيفة ، أو نزل عليه بلاء ، أو أزال عنه نعمة . ومتى لم يرض بحرمان شيخه لا يصلح له الرضا عن الحقّ تعالى إذا حرمه شيئا كان يحبّه ، ويستفيد بصبره على غضب شيخه وهجره له ، وثباته تحت هجره وقطيعته ، الإدمان على تحمّل ذلك لو وقع من جانب الحقّ والعياذ بالله ، ويستفيد بمراقبة شيخه له في الخدمة ، وعدم غفلته عنه ، وكثرة ملاحظته له ، عدم الغفلة عن عبادة الحقّ جلّ وعلا وكثرة ملاحظته بالقلب وهكذا .
قال : وينبغي لك يا أخي أن تمتحن نفسك إذا أدّعَتْ أنّها تسمع لشيخها ما يأمرها به كما هو واقع من أكثر المريدين ، فيقولون نحن أوّل من يطيعه ، ثمّ إذا قال لهم شيخهم : طلّق زوجتك التي قلتَ أنّها تشغلك عن الله تعالى ، وتحوجك إلى تناول الحرام والشبهات هو خير لك ، أو ائتنا بشطر مالك لنفرّقه على إخوانك هؤلاء الفقراء ، أو أسقط حقّك من سائر وظائفك من إمامة أو خطابة وتدريس ووقادة ، وفراشة وآذان ، وخلوة وثياب ونحو ذلك ، لا يرضى ، بل يظهر على وجهه العبوسة حتى يشهد ذلك منه جميع الحاضرين ويفتضح ، ولو أنه أجاب شيخه لكان أولى ، فإنّ الأشياخ لا تغشّ أبدا ، وماذا يفوت المريد إذا سمع لشيخه وصار الحقّ تعالى عوضا له عن كلّ شيء ؟ وماذا حصل من باع جلوسه في حضرة ربّه عزّ وجلّ بقطعة دبغت بالدم والبول لا تساوي في السوق درهما ولا بعضه إذا قطّعت ؟ فعلم أنّ كلّ من لم يعتقد في شيخه أنّه أشفق عليه من نفسه ، وأنّه لا يأمر قَطّ بترك شيء إلاّ ليعطيه أنفس منه ، فمحبّته نفاق ، ولا يمكن للشيخ أن يطلعه على سرّ من الأسرار التي يترقّى هو بها ، فإنّ من لم يصلح لأن يكون محلاّ للأسرار المكتومة عند الفقهاء يصير كأنّه ما صاحبهم ، وكذلك إذا كان الشخص يصحب الشيخ أكثر من ثلاثين سنة لا ينتفع بشيء من أخلاقه .
ثمّ قال بعد كلام : وقد سئل الشيخ أبو السعود الجارحي رحمه الله تعالى يوما عن شيء من أسرار الفقراء فقال : والله لا آمنكم على إخراج ريح ، فكيف آمنكم على أسرار أهل الطريق ، ولهذا تجد الشيخ يأتمن عشرة آلاف نفس وأكثر ، لا يفلح منهم أحد بعده لعدم الصدق ، والله تعالى أعلم .
وفي جواهر المعاني :
وسألته رضي الله تعالى عنه عن قولهم رضي الله تعالى عنهم أن دائرة الوليّ أوسع من دائرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فأجاب رضي الله تعالى عنه بقوله : المراد بالوليّ أولياء هذه الأمّة فقط ، والمراد منه مَن أُمِر بالدعوة إلى الله تعالى من رجالهم ، فَهُمْ الذين دوائرهم أوسع من دوائر الأنبياء ، واتّساع الدوائر وضيقها باعتبار الطوائف الذين يدعونهم إلى الله تعالى ، فكلّ رسول من الرسل غير نبيّنا صلّى الله تعالى عليه وسلّم رسالته خاصّة بموطن أو جنس أو بلد لا يتعدّى إلى غيره ، ورسالة نبيّنا صلّى الله تعالى عليه وسلّم عامّة في سائر البلدان والأقطار وفي جميع الأجناس والأمم وفي جميع الأعصار ، فالأولياء الداعون إلى الله تعالى مِن أمّته دعوتهم تعُمّ كعموم رسالة نبيّهم صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، فلا تختصّ ببلد ولا جنس ولا أمّة ، بل هي عامّة كعموم رسالة نبيّهم صلّى الله عليه وسلّم ، فهذا اتّساع دائرة الوليّ عن دائرة النبيّ . ثمّ هذه الدعوة إلى الله تعالى في حقّ الأولياء هي ملزومة لهم بطريق الشرع الظاهر لقوله صلّى الله عليه وسلّم : « مُرُوا بالمعروف وانهوا عن المنكر » ، لكن هذه الدعوة المذكورة هنا إنّما هي بالإذن الخاص كإذن الرسالة ، فمَن نهض إلى الخلق يدعوهم إلى الله تعالى بالإذن الخاص له من الله سَرَتْ كلمته في جميع القلوب ، ووقع الإقبال من الخلق عليه والاستجابة عنه ، ووقع امتثال أمره ونهيه في الخلق ، وحلى كلامه في القلوب ، ومَن نهض إلى دعوة الخلق إلى الله تعالى بالإذن العام وليس له شيء من الإذن الخاص لم ينتفع بكلامه ، ولم يقع عليه إقبال ، فإنّ لسان الحقّ يقول له بلسان الحال في بساط الحقائق : ما أمرناك بهذا أو ما أنت له بأهل ، بل إنما أنت فضولي . فمَنْ وقف هذا الموقف ابتُلِيَ بحظوظ نفسه من الرياسة والرياء والتصنّع وليس من الله في شيء . قال ابن الفارض رضي الله تعالى عنه :
فعالِمنا منهم نبيّ ومَن دعا      إلى الحقّ مِنّا قام بالرسلية
قال ابن عطاء الله : مَن أُذِن له في التعبير فُهِمتْ في مسامع الخلق عبارتُه وحلَتْ لديهم أشارته . وحكاية الشيخ الجيلاني رضي الله تعالى عنه معلومة ، قال : كنت بأمس صائما ، فوضعت لي أمّ يحيى بويضات إلى فطوري على طرف السرير ، فأتَتْ هِرّة فخطفتها ، فأخذ النساء في البكاء على عادتهن إلى آخر الحكاية . ومَن ادّعى الإذن الخاصّ من الله تعالى وهو كاذب ، وانبسط للخلق بالدعوة فإنّه يموت كافرا إلاّ أن يتوب ، نسأل الله تعالى السلامة والعافية بجاه النبيّ وآله أهـ .
وقال شيخ الطريقة ، الجامع بين الشريعة والحقيقة ، المختار بن أحمد الكنتي :
وما قيل أنّه ، يعني المريد ، لا اختيار له إنّما ذلك في الأمور الدنيوية ، فلا يدخل ما دخله بنفسه بل يدخل ما دخله بربّه وشيخه ، فيكون مع سؤاله مفوّضا متأدّبا غير متكاسل ولا متساهل ، ممتثلا لأمر الشيخ كائنا ما كان ، وإن رأى فيه العطب فإنّ فيه النجاة ، قال الله تعالى : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (5) . وقد ثبت وصحّ في الأثر أنّ الوليّ في قومه كالنبيّ في أمّته لأنّهم ورثتهم وللوارث ما للمورث . قال الجنيد : لولا أنّ الله تبارك وتعالى ستر عن العامّة حقائق الأولياء لهلكوا بعدم الإتّباع والاقتداء بهم ، ولكانوا عليهم حجّة يوم القيامة ، لكن الله تعالى بفضله ورحمته سترهم بهذه الصورة البشرية فلا يعرفهم إلاّ مَن هو مثلهم أو مَن أراد الله أن ينفعه ببركاتهم فيطوي عنه الصورة البشرية ويشهد الحقيقة الربانية ، فيدرك إدراكا قطعيّا لا ظنيّا ولا حسبانيّا ، فينتعش بمشاهدته ، وتبقى مسافة الميسر إلى الدرجات العليّة فتكون سرعتهم على قدر رقّة طباعهم وكثافتها ، وعلى قدر التجلّيات وهمّة الشيخ وإقباله عليهم ، ولا يكون إقباله عليهم إلاّ بقدر إقبالهم عليه ، قال ابن عطاء الله : لا تطلب من الشيخ أن تكون بباله ، ولكن اطلب من نفسك أن يكون الشيخ ببالك ، فبقدر ما يكون ببالك تكون بباله ، فذلك أوّل قَدَمٍ تضعه في السلوك . فمنهم من يرتقي في ساعة ، ومنهم من يرتقي في يوم ، ومنهم من يرتقي في شهر ، ومنهم من لا يرتقي إلاّ في سنة ، ومن لا يبلغ إلاّ بعد أمد مديد ، يختصّ برحمته من يشاء ، فمنهم المجذوب والسالك ، ومنهم المطرود والهالك . اهـ .
وقال في بغية السالك :
وأما الحقوق المرتّبة للقدوة فأربعة ، الأوّل : المحافظة على توقيره وتعظيمه ، فالتزام الأدب معه في جميع الحركات والسكنات ، فلا يوقع عليه الكلام بحضرته ، ولا يتكلّم بحضرته إلاّ عن إذنه ، ولا يتصرّف في شيء إلاّ بأمره ومشورته ، ولا يرفع صوته في محلّه ولا يسترسل في الكلام ، وأَنْ يتلمّح إشارته فليعمل بحسبها . الثاني : حسن الظنّ بالقدوة في القليل والكثير ، والخطير والحقير ، والحركات والسكنات فيما عُلِم أو أُشكِل ، ومِن حُسْنِ الظنّ بالقدوة أن لا يوقّر غيره فينظره بعين النقص عن مرتبةِ سواه . الثالث : الْتزام طاعته في كلّ مكروه ومحبوب ، بقوّةِ عزمٍ وطيب نفس ومسارعة ، وليعلم التلميذ أن الذي يشقّ على نفسه من طاعة قدوته عاقبة أمره للخير والبركة . الرابع : أن لا يؤثر نفسه على قدوته بشيء من الحظوظ الدنيوية والأخروية ، بل يؤثره على نفسه بجميع ذلك ، أمّا الأخروية فمِن عنده جاء أصلها ، وأمّا الدنيوية فهي في جنب ما ناله على يديه من أمر الآخرة كشيء تافه لا قيمة له ، ومن آثر نفسه على قدوته بشيء من الأشياء ، ولو بحياة ساعة بعده ، فَقَد بخسه حقّه ، ولم يوفّه واجبه ، ومِن توابع ذلك أن لا يكتم عليه شيئا مِن أحواله الظاهرة والباطنة ، الأخروية والدنيوية ، وإنْ كتمه شيئا فقد خانه . وعماد هذه الشروط كلّها وذروة سنامها أن يكون القصد في ذلك رضا الله عزّ وجلّ ، قصدا مجرّدا من جميع الشوائب والأوهام ، وليعلم أنّ رضا الله تعالى في رضا قدوته ، فليلْتمسه ما استطاع . وأما التلميذ فيشترط فيه شروط ، وتترتّب له حقوق ، أما شروطه فأربعة ، الأوّل : الْتزام عهد القدوة في ربط النفس للوفاء بوظائف السلوك جهده ووسع طاقته ، ومَن لا عهد له لا تلميذ له . الثاني : أن يجعل دنياه تبعا لآخرته ، ومَن عرف ما يطلب هان عليه ما يترك ، بصدق عزم ، وقوّة جدّ ، وصحّة قصد ، وإخلاص يقين ، ابتغاء مرضاة الله تعالى في طلب خلاصه من نفسه ، وطمعا في الوصول إلى معرفة ربّه ، وقبيح بمَن أراد الله وقصد المعرفة به أن يثني عنانه لغيره . الثالث : أن يحصل عنده العلم اليقيني يفرّق به ما بين قدره وقدوته ، فلْيضِف كلّ كمالٍ للقدوة ، وكلّ نقصٍ لنفسه . الرابع : الاقتصار على قدوة واحدة ، وهل الانقياد للقدوة إلاّ كالانقياد إلى الطبيب ، ولا شكّ أنّ العلاج إذا اختلف ، والمعاناة إذا تباينت ، أنّ الخلاص من العلل متعذّر ، ومَن استند إلى قدوة فهو القيِّم بالسياسة في تأديبه وتهذيبه ، وهو أدرى بذلك من غيره ، مع أنّ القدوة الكامل ربّما تعذّر وجوده اليوم فضلا عن أن يكون منهم عدد . فإذا ظفر التلميذ بواحد منهم فلْيعلم أنّه قد ظفر بمراده فلا يبغي به بدلا ، ومهمَا مالَ عن قدوته بظاهره وباطنه ، ولو لمحة فإنّ ذلك و بالا عليه ونقصانا له ، وأنّ محبّته لا تصفو ، ولا يستعدّ باطنه لسراية حال القدوة . فإنّ التلميذ كلّما أيقن بتفرّد الشيخ بالمشيخة عرف فضله وقويت محبّته ، والمحبّة هي الواسطة بين القدوة والتلميذ ، فعَلَى قدر حُسن ظنّه به تكون محبّته ، وعلى قدر محبّته تكون سراية حال الشيخ عنده . فالمحبّة علامة التعارف الحسّى الداعي إلى التآلف المعنوي ، وبالله تعالى التوفيق . وأمّا الحقوق المرتّبة له فأربعة ، الأول : أن يتعرّض له القدوة أوّلا باستجلاب واستئلاف وحسن كلام ، حتى إذا رأى أن الله عزّ وجلّ بعث إليه التلميذ مسترشداً بحُسن ظنّ وصدق إرادة ، ضمّ عليه جناح التعليم والإشفاق والنصيحة بكلّ شيء ينفعه في رضا ربّه . وكلّ تلميذ مسترشدٍ ساقه الله تعالى إلى القدوة فلْيراجع القدوة النظر في معناه وليكثر اللجأ إلى الله تعالى أن يتولاّه فيه ، وفي القول معه بحسن هداية ، وجميل سياسة ، ثمّ لا يتكلّم مع التلميذ إلاّ وقلبه ناظر إلى الله تعالى ، مستعينا به على الهداية لصواب القول والعمل . والثاني : حُسْن الخُلق ، والصبر على وظائف التعليم ، وجفاء التلميذ ، وحمل أخلاقه ، فالكامل يُسمَع عنده الناقص . قال الله تعالى لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (6) ، والقدوة وارث النبوّة في وظائف الهداية . أهـ .
وقال السيد محمد بن الشيخ المختار الكنتي رحمهما الله تعالى ، مجيبا عن سؤال السائل عن معنى قول ابن العربي ( مِن شرط المريد إذا دخل منزل شيخه أن يجعل منزله مثل قبره لا يحدّث نفسه بالخروج منه إلى أن يموت ) :
مراده ، والله تعالى أعلم ، أنّ الحقّ تعالى لا يعامل بالثنيا إذ العبد بهجرته بائع لنفسه من ربّه . وَيَدُ الشيخ نائبة عن يَدِ الرسول صلّى الله تعالى عليه وسلّم ، ويدُه صلّى الله عليه وسلّم نائبة عن يدِه تعالى . قال ، أخبارا عن البيعة ، : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (7) ، وقال تبيينا للبيعة وتنصيصا عليها : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (8) ، فبيّن الله تعالى معنى انعقاد البيع ولزومه ، وسمّى الثمن والمثمون ، والمشتري والبائع ، فالثمن الجنة والمثمون المؤمن وماله ، والمشتري الحقّ تعالى ، والبائع المؤمنون ، فأكرم ببيعة دلاّلها جبريل ، والمشتري فيها الجليل ، والبائع عبده الجميل ، وشاهداها ميكائيل وعزرائيل ، وكاتبها إسرافيل ، ووثيقة عهدها التنزيل ، والكفيل عليها النبيّ الرسول . ولا خفاء أنّ عقد البيع على ما يوجب انحلاله بما يناقض المقصود مفسد لعقد البيع ، وأنّ تسليم المبيع واجب ، وما لا يصحّ تسليمه لا ينعقد عليه بيع ، والمريد بائع لنفسه من ربّه ، مسلّم له على يد شيخه ، والمبيع إذا سلّم إلى المشتري وجب التخلّي عنه وإسلامه إلى المشتري يفعل به ما بدا له ، فتحديث المريد نفسه بالخروج من تحت يد الشيخ وكنف حضانته استقالة لبيعته نفسه إذ قد أخبر تعالى عمّا يخاطب به النفس المشتراة بقوله : يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (9) ، يعني التي سكنت عن النزوع والمنازعة ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (10) الذين لم يستقيلوا بيعتهم ، ولم ينقضوا عقدتهم ، وَادْخُلِي جَنَّتِي (11) . وقد انعقد إجماع مشايخ الصوفية على وجوب الاستسلام للشيخ ، والإطراح بين يديه كالغسيل بين يدي الغاسل ، إذِ الشيخ طبيب والمريد عليل ، ومهما تحكّم العليل على الطبيب نفى عليه الطبّ ، والخروج من عند الشيخ رجوع من المريد أدراجه ، بل الشيخ هو المكلّف بتسريح المريد متى لاح له لائح الصلاحية للفطام ، فإنّ الرضيع ومتى فطم قبل أوان الفطام تضرّر غاية الضرر ، كما أنه إذا بلغ أمد الفطام كان الأصلح به الفطام ، وليس ذلك بالموكل إلى الصبيّ ، وإنّما هو إلى أوليائه ونظرهم ، فكذلك المريد متى خرج بنفسه وفطمها عن الشيخ قبل أوان فطامها فقدْ عرّضها للعطب ، وجعلها نصب بالعنا والنصب ، وقلّما أفلح المريد إذا فُطم قبل أوان فطامه ، بل ومتى مات شيخه أو فصله عنه عارض ، وكان له نائب أو خليفة ، تعيّن عليه ملازمته برغم ما كان عليه مع الشيخ ، ومتى لم يخلّف نائبا ولا خليفة لزمه الانتقال إلى مرشد أو شيخ يتخذه في بقيّة سيره ، والله تعالى الموفّق المسدّد ، وهو حسبنا ونعم المعين المسعد اهـ .
والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ للصواب ، وإليه سبحانه ا لمرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة آل عمران ، الآية 31 .
  2. سورة الأنعام ، الآية 90 .
  3. سورة الأحزاب ، الآية 6 .
  4. سورة مريم ، الآيات 90 - 91 - 92 .
  5. سورة الأحزاب ، الآية 36 .
  6. سورة الكهف ، الآية 28 .
  7. سورة الفتح ، الآية 10 .
  8. سورة التوبة ، الآية 111 .
  9. سورة الفجر ، الآية 27 .
  10. سورة الفجر ، الآيتان 28 - 29 .
  11. سورة الفجر ، الآية 30 .