البحث في نفحات7
 

 نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل التاسع عشر
الرّئيسيـة > مكتبة على الخطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصـل التاسع عشر


في تحذيرهم من مخالفة الشيخ بعد امتثال أوامره ، حاضرا كان أو غائبا ، والإعتراض عليه سرّا وجهرا .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق ، إعلم أنّه لا شيء أضرّ على المريد من مخالفة الأشياخ وعدم امتثال أوامرهم والإعتراض عليهم وعلى الأولياء رضي الله تعالى عنهم وترك تعظيمهم واحترامهم وعدم قبول إشارتهم فيما يشيرون به عليه . قال في تحفة الإخوان :
فالآداب التي تطلب من المريد في حقّ الشيخ أوجبها تعظيمه وتوقيره ظاهرا و باطنا ، وعدم الإعتراض عليه في شيء فَعَلَهُ ولو كان ظاهره أنّه حرام ، ويؤوّل ما أنبأهم عليه ، وتقديمه على غيره ، وعدم الإلتجاء لغيره من الصالحين .
ومنها أن لا يقعد وشيخه واقف ، ولا ينام بحضرته إلاّ بإذنه في محلّ الضرورات ككونه معه في مكان واحد ، وأنْ يُكثِر الكلام بحضرته ولو باسطه ، ولا يجلس على سجادته ، ولا يسبّح بسبحته ، ولا يجلس في المكان المعدّ له ، ولا يلج عليه في أمر ، ولا يسافر ولا يفعل فعلا من الأمور المهمّة إلاّ بإذنه ، ولا يمسك يده للسلام ويده مشغولة بشيء كقلم أو أكل أو شرب بل يسلّم بلسانه وينظر بعد ذلك ما يأمره به ، وأنْ لا يمشي أمامه ولا يساويه إلاّ بِلَيْلٍ مظلمٍ ليكون مَشْيُهُ أمامه صوْنا له عن مصادمة ضرر ، وأنْ لا يذكره بخير عند أعدائه خوفا من أن يكون وسيلة لقدحهم فيه .
ومنها أن يحفظه في غيبته كحفظه في حضوره ، وأن يلاحظ بقلبه في جميع أحواله سفرا و حضرا لِتَعُمّهُ بركتُه . ومنها أنْ لا يعاشر من كان الشيخ كريهه ومن طارده الشيخ
عنه ، وبالجملة يجب أن يحبّ من أحبّه الشيخ ويكره من يكرهه الشيخ . ومنها أنْ يرى كلّ بركة حصلت له من بركات الدنيا والآخرة فببركته .
ومنها أن يصبر على جفوته وإعراضه عنه ، ولا يقول لِمَ فَعَل بفلان كذا ولم يفعل بي وإلاّ لم يكن مسَلِّماً له قياده إذْ مِنْ أعظم الشروط تسليم قياده له ظاهرا وباطنا ، أخاطب بذلك أهل الله الصادقين .
ومنها أنْ يحمل كلامه على ظاهره فيمتثله إلاّ لِقرينة صارفة عن إرادة الظاهر ، فإذا قال له إقرأ كذا او صَلِّ كذا أو صُمْ كذا وجب عليه المبادرة ، وكذا إذا قال له ، وهو صائم ، إفطر وجب الفطر ، أو قال له لا تُصَلِّ كذا إلى غير ذلك . واعلم أن الشيخ العارف ربّما باسط تلامذته وخفف عليهم العبادة ، فإذا شمّ منهم رائحة الصدق والإجتهاد ربّما شدّد عليهم وأعرض عنهم وأظهر لهم الجفوة لتموت أنفسهم عن الشهوات ، وتفنى في حبّ الله تعالى ، وربما اختبرهم هل يصدقون معه أو لا .
ومنها ملازمة الورد الذي رتّبه فإنّ مدد الشيخ في ورده الذي رتّبه ، فمَن تخلّف عنه فقد حُرِم المدد ، وهيهات أن يصحّ في الطريق .
ومنها أن لا يتجسّس على أحوال الشيخ من عبادة او عادة فإنّ في ذلك هلاكه ، والله تعالى أعلم ، وأنْ لا يدخل عليه خلوة إلاّ بإذن ، ولا يرفع الستارة التي فيها الشيخ إلاّ بإذن وإلاّ هلك كما وقع لكثير ، وأن لا يزوره إلاّ وهو على طهارة لأنّ حضرة الشيخ حضرة الله تعالى ، وانْ يُحسِن به الظنّ في كلّ حال ، وأن يقدّم محبّته على محبّة غيره ما عدا الله ورسوله فإنّها المقصود بالذات ومحبّة الشيخ تابعة ، وأنْ لا يكلّفه شيئا حتّى لو قَدِمَ من سفر لكان هو الذي يسعى ليسلّم على الشيخ ولا ينتظر أنّ الشيخ يأتيه للسلام عليه . اهـ .
وفي الخلاصة المرضيّة :
ومِن شرط المريد أن لا يصحب من الشيوخ إلاّ مَن تقع له حرمة في قلبه ، وأنْ يبايعه على المنشط والمكره ، وأن لا يكتم عن شيخه شيئا ممّا يخطر له ، وأنْ لا يعترض عليه فيما يكون منه ، والصدق في طلب الشيخ ، وأنْ لا ينظر في أفعال الشيخ ولا يتعدّى أمر شيخه ولا يتأول عليه كلامه ، بل يقف عند ظاهر كلامه ، ولا يطلب علّة الأمر الذي يأمره به بل يبادر إلى امتثال ما أمره به سواء عقل معناه أو لم يعقل ، وليفعل ما أمره به ، ومتى تأوّل على الشيخ ما أمره به أو يقول تخيّلتُ أنّك أردتَ كذا فليعلم أنّه في إدبار ، فليَبْكِ على نفسه فإنّه ما أتى على أكثر المريدين إلاّ من التأويل ، ولا يطأ سجّادة شيخه برجله ، ولا يلبس ثوبا لبِسَهُ شيخه إلاّ الشيخ إيّاه ، ولا يسأله عن شيء سؤال من يطلب الجواب منه بل يجب عليه أن يقصّ ما وقع له فإنْ أجابه كان وإلاّ فلا ، وإنْ وَصَفَ ذلك على أن يجيب عنه الشيخ فقد جعله سؤالا ، وإذا جعله سؤالا فقد أساء الأدب ، ولا يخون شيخه في أمر مأمور به ، ويجب على المريدين أن لا يدخلوا على الشيوخ ولا يقعدوا بين أيديهم إلاّ على طهارة ظاهرا أو باطنا ، مسلّمين مستسلمين هكذا شأنهم .
ومِن شَرْطِ المريد أن يكون بين يدي الشيخ كالميّت بين يدي الغاسل ، إنْ غسل عضوا من أعظائه قبل عضوٍ آخر ، أو حرّكه ، أو تصرّف فيه كيف يشاء بما يرى مِن المصلحة فلا يخطر عليه خاطرُ اعتراضٍ ولو عاينه قد خالف الشريعة فإنّ الإنسان ليس بمعصوم ، ولا يجلس بين يديه إلاّ مستوفزا كجلوس العبد بين يدي سيّده ، وإذا أمره بفعل شيء فيتثبّت فيه حتى يعرف مراده ولا يبادر وهو غير عارف بما أمره به ، ولا يتحمّل فيه قول قائل ، وإذا عرف له عدوّا فليهجره في الله تعالى ولا يجالسه ولا يعاشره ، وإذا رأى مَن يُثني عليه ويحبّه فيحبّه ويقضي حوائجه ، وإنْ طلّق امرأة فمِنَ الأدب أن لا يتزوّجها من غير أن تحرم عليه ، ويتتلمذ ويخدم كلّ مَنْ قدّمه عليه شيخه وإن كان أقلّ عِلْمٍ منه ، ولا يقعد مقعدا حيث كان إلاّ ويتيقّن أنّ الشيخ يراه فليلزم ذلك ، ولا يمشي أمامه إلاّ بِلَيْلٍ ، ولا يُدِيم النظر إليه فإنّ ذلك يورث قلّة الأدب والحياء ويُخرِج الإحترام منَ القلب ، ولا يُكثر مجالسته ، ولا يقضي لأحد حاجة حتى يشاوره فيها ، ولا يدخل عليه متى دخل عليه الاّ قبّل يديه وأطرق ، ويتحبّب إليه بامتثال أمره ونهيه ، وليكنْ حافظا شحيحا على عرضه ، وإذا قدّم إليه طعاما فليلقِه أمامه بجميع ما يحتاج إليه وليقف خلف الباب ، فإذا دعاه أجابه وإلاّ فليتركه حتى يفرغ ، فإذا فرغ أزال المائدة فإنْ بقيَ مِن طعامه شيء وأمره بالأكل فليأكل ولا يؤثر بنصيبه أحدا ، وليجتهد أن لا يراه إلاّ فيما يَسُرّه ، ولا يتمنّى عليه ، وليحذر مكر الشيخ فإنّهم يمكرون للطالب ، فليحافظ على أنفاسه في الحضور معه ، فإنْ وقعتْ منه زلّة في حقّ أدبه مع الشيخ وعرف أنّه قد عرف بها وسامحه فيها ولم يعاقبه فليعلم أنّه قد مكر به وعلم أنّه لا يجيء منه شيء ، ولهذا سكت عنه ، وإذا عاقبه على الخطرة واللحظة وضايق عليه أنفاسه فليستبشر بالقبول والفتح والرضا ، ولا يبدي الله عليه إلاّ بسط له كلّما انبسط معه ، فليزدد في قلبه المهابة والتعظيم والإجلال والإحترام والإحتشام ، كلّما زاد بسطة وخشوعا زاد فيه مهابة وجلالا .
ومِن شرط المريد أن لا يردّ على الشيخ كلامه ولو كان الحقّ بِيَدِ المريد فإنّ الشيخ إنّما يقول ما فيه مصلحته ، فليقف عند قوله ولا ينازعه ولا يجادله ولا يماريه ، ومتى وقع في شيء من ذلك أو خطر له نزاعه في خاطره فالنزاع ، وإنْ كان في نفسه ، هو عين الإعتراض ، والإعتراض على الشيوخ حرام على المريدين وقوعه ، فهذا مريد مسخّر للشياطين ، ساعٍ في هوى نفسه ، سوءته مكشوفة عند سادات أهل طريق الله تعالى .
ومن شرط المريد إذا وجّهه شيخه في أمر أن يمضي لأمره من غير تأمّل ولا توقّف ، ولا يصرفه عنه صارف حتى قال بعض المشايخ لبعض المريدين : " أرأيت لو وجهّك شيخك في أمر فمررت بمسجد تقام فيه الصلاة فما تصنع ؟ " فقال : " أمضي لأمر الشيخ ولا أصلّي حتى أرجع إليه لو أحسنت " . ، ولهم في ذلك خبر يستندون إليه ، وهذا بشرط أن لا يخرج الوقت ، فإنْ خشي خروج الوقت صلّى وذهب إليه .
ومِن شَرْط المريد الوفاء كلّ ما يشترط عليه الشيخ سواء كان ذلك صعبا أو سهلا ، فإنّ طريق الله تعالى مجاهَدة ومكابدة وليس هي طريق الراحة ، وليس للمريد أن يشترط على الشيخ ، وإيّاك أنْ تعترض عليه بشيء من أقواله ولكن تنظر إليها بالإرادة وحُسن الظنّ ، وتراعي الأدب ظاهرا وباطنا فإنّهم قالوا : الإعتراض على الشيوخ سُمّ قاتل وإنْ رأيتَ من الشيوخ ما يتراءى عندك أنّه غير مشروع فاتّهم نفسك وأحمله على قصور علمك ونظرك ، فإنّ الشيخ يكون له دليل وبرهان قَصرَ فهمك على إدراكه ، واعلم أنّ الشيخ أوْلى بِرِعاية الشريعة منك وأشدّ اهتمام بها من غيره ، وكلّما خطر لك شيء من هذا الجنس تذكّر قصّة موسى والخضر عليهما السلام ليندفع عنك الإعتراض . والحقّ أنّك لو طلبت لصحّته وجها وتفكّرت لظفرتَ به غالبا ، ولكن النفس لا تساعدك على هذا بل تغطّي عليك وجه الصحّة وإنْ كان واضحا بيِّنا وتلقّنك وجه الفساد وتزيّنه وإنْ كان ضعيفا لتستوف حظّها . فلو صدر منك ذلك الفعل بعينه أو أقمتَ على صحّته دلائل مثل الجبال الرواسي وتساعد النفس فيه . وفوق ما ذكرنا من الإعتراض أن يكون مسلّما بالظاهر معترضا بالقلب ، فتنقطع الرابطة ، ويقع بينه وبين الشيخ مفارقة معنوية ، فلا ينفعه التسليم باللسان مع وجود الإنكار في الباطن إذِ الرابطة أمْر معنويّ لا يتعلّق باللسان وإنّما يتعلّق بالقلب ، فإذا تمكّن الإنكار فيه زال اتّصال الباطن والمحكومية ، وهو المعنى من الرابطة ، فلا يبقى بين قلب المريد وبين قلب الشيخ علاقة فينسدّ طريق الفيض الذي كان يصل إلى قلبه من قلب الشيخ فلا يسري في باطنه مِن أحوال الشيخ فيكون بعيدا عن الشيخ في الحقيقة وإن كان قريبا فَكَمْ بينه وبين من يكون بعيدا في الصورة قريبا في الحقيقة هيهات مثل هذه المحبة لا تزيد الاّ شقاوة على شقاوة وردّا على ردّ ، فيعود الأمر على موضوعه بالنقص ، ومثل هذا المريد يكون مع الشيخ باللسان ، وبالقلب مع النفس والشيطان فيُعَدّ مِن جملة الخدّاعين والمنافقين في الطريقة ، والمريد إنّما يتعلّق بإرادة الشيخ ليتخلّص من الكفر الباطني ويشفى من المرض الخفيّ القلبي وإلاّ فهو مُسْلِم شرْعا لا شكّ في إسلامه . وإذا حقّقت وجدته ترك الإعتراض على الله تعالى ، فالشيخ يخرجه من هذه الورطة بحسن تربيته وإرشاده ، وإن كان في قلبه نوع إنكار واعتراض على الشيخ فإن وقع في مضيق الإعتراض على الله تعالى كيف يخرج عنه ، ومن يأخذ بيده فيحصل غرض النفس إذ مقصوده من الإعتراض على الشيخ ليس إلاّ أن تنقطع الرابطة ، فإذا دخل عليه خاطر الإعتراض على الله تعالى وأراد الشيخ أن يغيّره عن هذه العقبة لا ينفذ فيه تصرّفه ولا ينجع كلامه فتزلّ قَدَمُ المريد وينحرف عن جادة الطريق إذِ الثبات ليس إلاّ بقوّة وِلاية الشيخ ومحكومية المريد ، فيكون الأمر كما تحبّ النفس وتشتهي .
اهـ ملخّصا .
وفي الإبريز للشيخ أحمد بن المبارك :
وسمعته ، يعني القطب عبد العزيز بن مسعود الدبّاغ رضي الله تعالى عنه ، يقول : " لا ينبغي أن يُنظَر إلى ظاهر الوليّ ويوزن عليه فيخسر الوازن دنيا وأخرى ، فإنّ في باطن الوليّ العجائب والغرائب وما مثاله إلا كخنشة صوف في وسطها حرير لا تظهر إلاّ في الآخرة ، وغير الوليّ بالعكس خنشة حرير في وسطها خنشة صوف والعياذ بالله " .
قال : ولنثبت أسبابا كثيرة في ظهور المخالفات على ظاهر الوليّ سمعناه من الشيخ رضي الله تعالى عنه مفرّقة فلنجمعْها هُنا فنقول : سمعته رضي الله تعالى عنه يقول : " كان لبعض الاولياء الصادقين مريد صادق فكان يحبّه كثيرا ، وأطلعه الله على أسرار ولايته حتّى أفرط في محبّته وكاد يتجاوز بشيخه إلى مقام النبوّة ، فأظهر الله تعالى على الشيخ صورة معصية الزنا رحمة بالمريد المذكور . فلمّا رآه رجع عن ذلك الافراط في الاعتقاد ونزّل شيخه منزلته ففتح الله حينئذ على المريد " . قال رضي الله تعالى عنه : " ولو دام على اعتقاده الأوّل لكان من جملة الكافرين المارقين نسأل الله السلامة " . قال رضي الله تعالى عنه : " وهذا أحد الأسرار في الأمور التي كانت تظهر على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ نحوِ قوْلِه في قضيّة تأبير النخل : « لو لم تفعلوا صلحت » ، ثمّ تركوا التأبير فجاءت الثمر شيطا ، أيّ غير صالحة . ومِنْ نحو قوله صلّى الله عليه وسلّم : « رأيت في منامي أنا ندخل المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين ومقصرين » ، ثم خرج النبي صلّى الله عليه وسلّم مع أصحابه الكرام رضي اله تعالى عنهم فصدّهم المشركون ولم يدخلوا إلاّ في عام آخر ، ونحو ذلك ، ففعل الله سبحانه هذه الأمور مع نبيّه الكريم لئلاّ يعتقد الصحابة فيه الألوهية ، ولذا قال تعالى إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ (1) قال تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ (2) ، ونحو ذلك ، فإنّ المقصود مِن ذلك كلّه هو الجمع على الله سبحانه ، والله تعالى أعلم " .
قال : وسمعته رضي الله تعالى عنه يقول : " أنّ الوليّ الكامل يتلوّن على قلوب القاصدين ونيّاتهم ، فمَن صفَتْ نيّته رآه في عين الكمال وظهر له من الخوارق ما يسرّه ، ومَن خبُثتْ نيّته فكان على الضدّ من ذلك ، وفي الحقيقة ما ظهر لكلّ واحد إلاّ ما في باطنه مِن حُسْنٍ وقُبْحٍ ، والوليّ بمنزلة المرآة التي تتجلّى فيها الصور الحسنة والصور القبيحة ، ومَن ظهر له مِنْ وليٍّ كمال ودلالة على الله تعالى فلْيحمَد الله تعالى ، ومن ظهر له غير ذلك فليرجع على نفسه " .
قال رضي الله عنه : " إذا أراد الله تعالى شقاوة قوم وعدم انتفاعهم بالوليّ سخّره الله سبحانه فيما هُمْ فيه مِن قُبح ومخالفةٍ ، فيظنّون أنّه على شاكلتهم ، وليس كذلك ، حتّى أنّه يتصوّر في صور الولاية أنْ يقعد الوليّ مع قوم يشربون الخمر وهو يشرب معهم فيظنّونه أنّه شارب الخمر وإنّما تصوّرتْ روحه في صورة مِنَ الصور وأظهرت ما أظهرت ، وفي الحقيقة لا شيء وإنّما هو ظِلّ ذاته تحرّك فيما تحركوا فيه ، مثل الصورة التي تظهر في المرآة فإنّك إذا أخذتَ بالكلام تكلّمتْ ، وإذا أخذتَ في الأكل أكلَتْ ، وإذا أخذتَ في الشرب شربتْ ، وإذا أخذتَ في الضحك ضحكتْ ، وإذا أخذتَ في الحركة تحرّكتْ ، وتحاكيكَ في كلّ ما يصدر منك ، وفي الحقيقة لم يصدر منها أكل ولا غيره لأنّها ظلّ ذاتك وليس بذاتك الحقيقية ، فإذا أراد الله تعالى شقاوة قوم ظهر الوليّ معهم في ظلّ ذاته وجعل يرتكب ما يرتكبون ، والله تعالى الموفّق " .
وقال : وسمعته رضي الله تعالى عنه يقول : " أنّ الوليّ إنّما يعتبر مِنَ القاصدين إليه باطنَهم وأمّا ظاهرهم فلا عبرة به عنده . والقاصدون على أربعة أقسام: قسمٌ يستوي ظاهره وباطنه في الإعتقاد ، وهذا أسعدهم ، وقِسْم يستوي ظاهره وباطنه في الإنتقاد ، وهذا أبعدُهم ، وقِسْم ظاهره معتقد وباطنه منتقد ، وهذا أضر الأقسام على الوليّ كالمنافق بالنسبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأنّه إذا نظر إلى ظاهره يريد نفْعه منَعَه الباطل ، وإذا أراد البُعْد منه حيث ينظر إلى باطنه أطمَعَه ظاهره " . قال رضي الله تعالى عنه : " والوليّ يسمع كلام الباطن كما يسمع كلام الظاهر فيكون هذا القسم عنده بمثابة مَن جلس إليه رجلان أحدهما في جوف الآخر ، فيقول الرجل الظاهر : أنت سيّدي ، وأنا عند أمرك ونهيك وعلى طاعتك وتصييرك ، ويقول الذي في الجوف : أنت لست بوليّ ، والناس أخطؤوا فيما يظنّون فيك ، وأنا على شكّ في أمرك وفيما يقول الناس فيك ، ونحو هذا . فالجاهل الذي لا يعرف البواطن يستوي في نظره هذا القسم والقسم الأول ، فإذا رآى القسم الأوّل ربح وحصل له الخير الكثير من الوليّ قال في نفسه : ولِمَ لم يربح القسم الثالث مع أنّه يتأدّب ويخدم بنفسه ، ويقف عند الأمر والنهي كالأوّل ؟ فيقول : لعلّ الخلل والنقصان مِنَ الوليّ ، فيكون هذا بابا واسعا للكلام في الأشياخ ودخول الوسوسة فيهم . وأما القِسْم الرابع : وهو ما يكون باطنه معتقدا وظاهره منتقدا ، فلا يتصوّر إلاّ مع الجسد ، نسأل الله تعالى السلام ، والله تعالى أعلم " .
وقال رضي الله عنه : " أنّ الوليّ الكامل غائب في مشاهدة الحقّ سبحانه لا يُحجب عنه طرفة عيْن وظاهره مع الخلق ، فيستعمل الحقّ سبحانه ظاهره مع القاصدين بحسب ما سبق لهم في القسمة ، فمَن قسم له منهم رحمة أطلق عليه ذلك الظاهر وأنطقه بالعلوم ، وأظهر له ما لا يُكيّف مِن الخيرات . ومَنْ أرادَ بِه سوءا ، ولم يقسم له على يده شيء أمسكه عنه وحجبه عن النطق بالمعارف " .
وقال رضي الله تعالى عنه : " وما مثل الوليّ مع القاصدين إلاّ كحجر بني إسرائيل ، فإذا كان بين يديْ أولياء الله تعالى انفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وإذا كان بين أعدائه تعالى لا تخرج منه ولا قطرة واحدة ".
وقال ر ضي الله تعالى عنه : " إنّ الوليّ الكبير فيما يظهِر للناس يعصى وهو ليس بعاص وإنّما روحه حجبت ذاته وظهرت في صورتها ، فإذا أخذت في المعصية فليست بمعصية ، لأنّها إذا أكلت حراما مثلا فإنّها بمجرّد جعلها في فمها فإنّها ترميه إلى حيث شاءت ، وسبب هذه المعصية الظاهرة شقاوة الحاضرين والعياذ بالله ، وإذا رأيتَ الوليّ الكبير ظهرتْ عليه كرامة فاشهد على الحاضرين بأنّ الله تعالى أراد بهم الخير ، أو معصية فأشقاهم بشقاوتهم ، وكما أنّ أرواحهم هي التي تتولّى كراماتهم كذلك التي تتولّى معاصيهم الظاهرة ، والله تعالى أعلم " .
وقال رضي الله تعالى عنه : " إنّ الوليّ قد يغلب عليه الشهود فيخاف على ذاته الترابية من التلاشي فيستعمل أمورا تردّه إلى حسّه وإنْ كان فيها ما يُعاب عليه مِن باب إذا الْتقى ضرران ارتُكِبَ أخفّهما ، فإذا رآه شخص ارتكب ذلك الأمر ، ولا يعلم الوجه الذي ارتكبه لأجله ، ربّما بادر إلى الإنكار عليه فيُحرَم بركته . وقد تقرّر في الشرع ، أي في الشريعة المطهّرة ، أنّ العضو إذا أصابته الأكلة وخيف على الذات منها فإنّه يباح قطعه لتسلم الذات مع أن العضو معصوم ولكنّه مِن باب إذا الْتقى ضرران ارتكِب أخفّهما ، وكذلك الشخص إذا خاف على نفسه الهلاك مِن شدّة الجوع فإنّه يباح له أكل الميتة حتّى يشبع ويتزوّد منها ، وغير ذلك مِن الفروع الداخلة تحت هذه القاعدة . وهذه الأمور التي تَرُدّ ذات الوليّ إلى حسّها هي المعتادة لها قبل الفتح ، وكلّ ذات وما اعتادت ، فافهم بالإشارة ففي التفصيل والتصريح وحشة ، والله تعالى أعلم " .
اهـ ملخّصا .
وإلى معنى جميع ما تقدّم أشار شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به ، كما في جواهر المعاني ، بقوله :
وأمّا ما يقطعه ، يعني المريد عن أستاذه ، فأمور ، منها الأغراض ، ومنها الإعتراض بالقلب واللسان ، ومنها كزازة المريد من ظهور بشرية الشيخ بأمر لا يطابق المعرفة ، ومنها سقوط حرمته من القلب .
فأمّا الأغراض سواء كانت دنيوية أو أخروية وذلك أنّ الشيخ لا يُعرَفُ ولا يُصحب إلاّ لله عزّ وجلّ ، والصحبة في أمرين : الأوّل أن يواليه لله تعالى بأن يقول هذا وليّ لله تعالى وأنا أواليه لله سبحانه ، وسرّ ذلك في قوله صلّى الله عليه وسلّم ، مخبرا عن الله تعالى ، : « من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب » ، وفي طيّه « من والى لي وليّا لأجل أنّه وليّ اصطفيته واتّخذته وليّا » ، وهذا هو السرّ الأكبر الجاذب للمريد إلى حضرة الله تعالى . والأمر الثاني أنْ يعلم أنّ الشيخ مِن عبيد الحضرة ، ويعلم ما يجب للحضرة من الأدب وما يفسد المريد فيها من الأوطار والأرب ، فإذا علِم هذا يصحبه ليدلّه على الله تعالى وعلى ما يقرّبه إليه . والصحبة في هذين الأمرين لا غير ، وأمّا مَن صحب لغيرهما فقد خسر الدنيا والآخرة . فإذا عرفتَ هذا فاعرف أنّ الربّ سبحانه وتعالى يعبد لا لغرض بل لكونه إلها يستحقّ الألوهيّة والعبوديّة لذاته لما هو عليه من محامد الصفات العليّة ومن الأسماء البهيّة ، وهذه هي العبادة العليا ، وكذلك الشيخ يصحب لا لغرض بل لتجليّة موالاته إلى ولاية الله تعالى ، ويتعرّف منه الآداب المرْضيّة وما يشين العبد في حضرة الله تعالى ، وكلّ ما كان من متابعة الهوى ولو كان محمودا فهو شين على العبد في حضرة الله تعالى ، ولهذا أمرت الأشياخ بقمع المريدين وجزرهم عن متابعة الهوى في أقلّ قليل لأنّ المريد في وقت متابعة الهوى كافر بالله تعالى صريحا لا تلويحا لكونه نصّب نفسه إلها وعصى أمر الله تعالى وخالفه ، فهو يعبد غير الله تعالى على الحقيقة ليس من الله شيء ، وإن قال لا إله إلا الله في هذا الحال قال له لسان الحال كذبتَ بل أنت مشرك ، ومن هذا القبيل خرج قوله صلّى الله عليه وسلّم « ما تحت قبّة السماء إله يعبد من دون الله تعالى أعظم من هوى متّبع » . فإذا عرف المريد هذا فلا يغضب على الشيخ ولا يتغيّر إذا لم يوافق هواه في غرضه فإنّ الشيخ أعرف بالمصالح ، وأدرى بوجوه المضارّ والتلميذ جاهل بذلك ، فإذا طلب منه غرضا مِن أيّ فنّ كان ولم يساعده الشيخ عليه فليعلم أنّ الشيخ مَنَعَهُ منه لأجل مصلحته ودفْعِ مفسدته ، فإذا عوّد نفسه التغيير على الشيخ في مثل هذا طُرد عن حضرة الله تعالى وانقطع عن الشيخ ، فإذا غضب المريد على الشيخ بعد تغيره انقطع انقطاعا كليّا لا رجوع له أصلا .
وأمّا الإعتراض بالقلب أو باللسان فإنّه سيف صارم يقطع الحبل بين الشيخ ومريده ، فلا يعترض شيئا من أمور الشيخ فإن لم يوافق ما عنده من ظاهر العلم أوباطنه فليعلم أنّ هناك دقائق بين الشيخ وربّه لا يدريها التلميذ ، والشيخ يجري على منوال تلك الدقائق التي بينه وبين ربّه فإذا خالف صورة ظاهرة للشرع فليعلم أنّه في باطن الأمر يجري على منوال الشرع من حيث لا يدريه الخلق . وأما كزازة المريد من ظهور بشرية الشيخ فإنّها مِن جهْلِه بالله تعالى وبمراتبه الخلْقيّة ، وذلك أنّ الله سبحانه وتعالى تجلّى في كلّ مرتبة من مراتب خلقه بأمر وحُكْمٍ لمْ يتجلّ به في غيرها من المراتب ، وذلك التجلّي تارة يكون كمالا في نسبة الحكمة الإلهيّة ، وتارة يكون صورته صورة نقص في نسبة الحكمة الإلهيّة ، فلا محيد لتلك المراتب من ظهور التجلّي فيها بصورة ذلك النقص لأنّ ذلك ناشئ عن المشيئة الربّانية ، وكلّ تعلّقات المشيئة يستحيل تحوّلها لغير ما تعلّقت به ، فلا بدّ لكلّ عارف من ظهور النقص في ذاته . ثمّ أنّ ذلك النقص تارة يلابسه بصورة كمال الدقائق التي بينه وبين ربّه ، وتارة يلابسه معتمدا أنّه نقص وليس له في هذه الملابسة إلاّ معاينة الحكم الإلهي الذي مقتضاه القهر والغلبة بحيث أن لا محيد للعبد عنه ، فإذا رأى المريد مِن شيخه بشريّة تقتضي النقص إمّا شرعيّا أو ممّا يُخِلّ بالمروءة فليلاحظ هذه المعاني التي ذكرناها ، وليعلم أنّ ذلك لا يُخرِج الشيخ عن حضرة ربّه ، ولا يزحزحه عن محلّ قُرْبِه ، ولا يحطّه عن كمال أدبه . فإذا عرف هذا فلا يرفض شيخه لظهور البشرية ، وكلّ مريد يطلب مرتبة مِن الحقّ يتعلّق بها للقرب والوصول يريد أن لا يظهر فيها نقص كان لسان حاله ينادي عليه : لا مطمع لك في دخول حضرة الله تعالى لأنّ كلّ المراتب لا بدّ لها من نقص ، فليس يظهر الكمال صورة ومعنى وحسّا بريئا من النقص بكلّ وجه ، وبكلّ اعتبار إلاّ في ثلاث مراتب فقط لا ما عداها وهي الرسالة لمن دخل حضرتها ، والنبوّة لمن دخل حضرتها ، والقطبانيّة لمن دخل حضرتها ، فإنّ هذه الثلاث لا صورة للنقص فيها ، والباقي من المراتب يظهر فيها نقص في الغالب وقد لا يظهر ، فإنّ هذه المراتب الثلاث ولو ظهر للمرء فيها صورة النقص فذلك هو غاية الكمال وإنّما ينتقصها المرء لجهله ، وإليه يشير قوله صلّى الله عليه وسلّم « ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أفعله فو الله إنّي لأعلمهم بالله وأخشاهم له » .
وأما سقوط حرمته فهو أكبر قاطع عن الله تعالى . وسقوط الحرمة هو عدم ظهور المبالاة إذا أمره أو نهاه . ومِن أكبر الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده أنْ لا يشارك في محبّته غيره ، ولا في تعظيمه ، ولا في الإستمداد منه ، ولا في الإنقطاع إليه بقلبه ، ويتأمّل ذلك في شريعة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم ، فإنّ مَن سوّى رتبة نبيّه محمّد صلّى الله تعالى عليه وسلّم مع رتبة غيره من النبيّين والمرسلين في المحبّة والتعظيم والإستمداد والإنقطاع عليه بالقلب والتشريع فهو عنوان على أن يموت كافرا إلاّ أنْ تدركه عناية ربّانية بسبق محبّة إلهية . فإذا عرفتَ هذا فليكن المريد مع شيخه كما هو مع نبيّه صلّى الله عليه وسلّم في المحبّة والتعظيم والإستمداد والإنقطاع إليه بالقلب ، فلا يعادل غيره به بهذه الأمور ولا يشركه . ومِن أكبر القواطع عن الله تعالى أن ينسب ما عنده من الفتح والأسرار لغير شيخه لأنّ تلك الأنوار الإلهيّة الواردة على العبد بالأسرار والاحوال والمعارف والعلوم والترقّي في المقامات كلّ نور منها يحنّ إلى مركزه وهي الحضرة الإلهيّة ، منها برز وفيها نشأ ، ولكلّ شيخ من أهل الله تعالى حضرة لا يشارك فيها لغيره ، فإذا ورد منها نور بأمر من الأمور التي ذكرناها ونُسِب إلى غير تلك الحضرة من الحضرات الإلهيّة إغتاض ذلك النور وطار ورجع إلى محلّه ، وصورة ذلك في نسبة الحكمة الإلهيّة أنّ الله تعالى قضى في كتابه بنسبة كلّ ولد إلى أبيه قال تعالى : ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ (3) ، فمن نسب نورا إلى غير محلّه مِن الحضرة الإلهية فقد أساء الأدب في حضرة الحقّ ، وكذب على الله تعالى ، والحضرة لا تحتمل الكذب ، فلذا يطرد ويسلب والعياذ بالله تعالى .اهـ
. والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .


<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة القصص ، الآية 56 .
  2. سورة آل عمران ، الآية 128 .
  3. سورة الأحزاب ، الآية 5 .