البحث في نفحات7
 

 نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل العشرون
الرّئيسيـة > مكتبـة على الخـطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الأوّل > الفصل العشرون


في تحذريهم عن قصد الكشوفات الكونية والكرامات العيانية ، وإعلامهم أنّ طريقتنا هذه طريقة شكر ومحبّة ، وأهل هذا لا يشتغلون بالتشوف إلى ما يشغل عن الله تعالى ، ولا يلتفتون إلى الكشوفات الكونية ، ولا إلى الكرامات العيانية . فلأجل كونهم محبوبين لا يحصل لهم شيء منها إلاّ نادرا ، بل المحبوبون منهم لا يحصل لهم شيئا من ذلك البتّة لئلاّ يركنوا إليه فيجد الشيطان سبيلا إلى إغوائهم وإضلالهم فيريهم من الأباطيل ما يكون استدراجا لهم كما يقع لكثير ممّن ركن إلى ذلك فَضَلَّ وأضَلّ ، وهلك وأهلك ، نعوذ بالله تعالى من الخسران . حتّى إذا أراد الله تعالى أن يفتح عليهم بفضله يفتح على شخص من غير شعور منه فتحا يحصل به على سعادة الدارين ، جعلنا الله تعالى منهم بفضله ، آمين .
فأقول وبالله تعالى التوفيق ، وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق ، قال في الوصايا القدسيّة :
وينبغي أن يكون ، يعني المريد الذاكر ، صادقا يخلص بهمّة نفسه من التعلّقات بالكائنات ، والميل إلى المتشهّيات والمستلذّات التي هي المعبودات الباطلة ، ومن الميل إلى الكشوفات الكونيّة والكرامات العيانيّة فلا طائل تحتها ، ويطلب الحقّ وحده ، وينزّه طلبه من المزج بهوى النفس ، فإنّ الميل إلى الكشوفات الكونيّة والكرامات من جملة هوى النفس وهواها ، ومَن الْتَفَتَ إليها ، وكان مقصده ومطمح نظره في ذكره تلك ، فهو مدرج فيما بين الممكورين ، بل وإن وقعت بلا طلب يُخاف عليه مِن الإستدراج . قال الكبار : " إذا دخل السالك في بستانٍ ، وقال طيور وأشجار ذلك البستان بألسنتهم : السلام عليك يا وليّ الله ، فإنْ لم يفطن أنّه مُكِرَ به فقدْ مُكر به وهو لم يشعر " . وجميع المرشدين نفّروا المريدين من الميل إلى الكرامات العيانيّة ، يقال أنّها حيض الرجال .
وقيل لأبي يزيد : " فلان يمشي في ليلة إلى مكّة " ، فقال : " الشيطان يمشي في ساعة من المشرق إلى المغرب لعنة الله تعالى عليه " . وقيل له : " فلان يمشي على الماء " ، فقال : " الطير يطير في الهواء ، والسمك يمرّ على الماء " . أهـ .
وقال سهل بن عبد الله : " أكرم الكرامات أن تبدّل خُلُقاً مذموما من أخلاقك " . وقال زين العابدين الخوافي في الوصايا : " ولا يدخل الخلوة لقصد كشفٍ كونيّ أو تحصيل كرامات عيانيّة ، فإنّ مَن دخل الخلوة على هذه الأمانة ولا يراعي شرط الإخلاص يتصرّف فيه الشيطان ويلعب به ويتمسخر ، ويُريه الأشياء الباطلة بصورة الحقّ " .
وقال : دخل واحد من الأصحاب في خراسان الخلوةَ بلا إذنٍ وبلا وقت ، فجاء إليه الشيطان في صورة الخضر فقال : " له أتريد أن تحصل لك العلوم اللدنيّة ؟ " ، قال : " نعم "، وكان مائلا إلى أن يتكلّم بالمعارف على جريان اللسان ، فقال له : " إفتح فاك " ، ففتح فاه ، فرمى الشيطان بزاقة في فيه ، ثمّ بعد ذلك صنّف كتابا مشتملا على أبواب من المعارف ، فلمّا وصل إلى الملاقات عَرَضَ عليّ ما صنّف وحكى واقعته ، فقلت : " يا مسكين ذلك كان شيطانا قد جاء إليك في صورة الخضر ولعب بك وشغلك عن طاعة الله تعالى وذِكْرِهِ ، رُحْ واغسل الكتاب وتُب إلى الله تعالى من الإختيار " .
والشيطان يجيء على صور الصالحين كثيرا ، و لا يقدر على التمثيل بصورة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، قال صلّى الله عليه وسلّم : « من رآني في المنام فقد رآني حقا فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي » ، ولا بصورة الشيخ إذا كان الشيخ تابعا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، مأذونا بالإرشاد من شيخه المأذون ، هكذا إلى حضرة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم . ويجيء كثيرا على صورة الجبّارين المتفقّهة ، وعلى صورة المبتدعين ، وعلى صورة المردة الكريهة المنظر ، أصحاب القلانس في سنّ الست والسبع وإلى ثلاثة عشر وخمسة عشر ، وعلى صورة الماكرين ، ويجيء على صورة الكلب الأسود والذئب ، وعلى صورة نورانيّة حمراء كَدِرَة اللون وبيضاء أيضا ، وبين الحمرة والبياض لكن بياض لونه ليس بصاف يطلع على الوجه على السرعة وينطفئ ، وعلى غير هذه الصورة أيضا ، يعرفه المحترزون المستعيذون بالله تعالى ، المخلصون لله الصادقون في معاملاتهم مع الله تعالى ، تلك الصور ينبئهم الحقّ سبحانه وتعالى عليها بواسطة شيخهم وتعريفه إيّاهم ، وكيفية مداخله ومواقع إضلالهم وتلبيساتهم في الحضور والغيبة بعد صِحّة الرابطة .
قال : ولقد رأيته جاء إليّ بصورة الخضر في زاوية نور الأباد في خرسان في الخلوة ، فقلت بعد كلام معه : " أريد أن أسمع منك حديثا سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلا واسطة كما سمع الشيخ ركن الملّة والدين علاء الدولة قدّس سرّه منك بلا واسطة ، فتغيّر ، ثمّ إذا افتتحت الحديث وقلت : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « إذا رأيت الرجل حجوجا معجبا برأيه قد تمت خسارته » قام وهرب متغيّر الصورة الخضروية إلى صورة لصّ مكدّرة ، فقصدتُ أخذَه فلم أدركه . قال : والمقصود من هذا التطويل التنبيه والتحذير حتّى لا يقع السالك المتبتّل ، القاصد لرؤية الأشياء ووقوع خوارق العادات ، في شبكة الشيطان ، ولا يدخل الخلوة بلا إذن الشيخ قطعا .
قال بعض المشايخ : " مَن لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان " .
قال : ولقد رأيت مَن يدّعي الإرشاد قطع الشيطان عليه الطريق ، وصار مِن أكبر وكلائه في الإضلال والإفساد في معرض الإرشاد . فالصدق والإخلاص ، وعدم الإعجاب بشيء من الفضائل المحقّقة الوجود ، واتّهام النفس بالسوء على الدوام ورؤية التقصير ، وعدم الإندراج في زمرة الكاملين ، وحُسْن الظنّ بالله تعالى ، والتحرّز عن الإستعجال في نَيْل الوصول ، وتوطين النفس على التحمّل في الإعتزال عن العوام والأراذل ، وعدم استحقار من آمن بالله تعالى ورسوله ، وقِصَر الأمل ، وملاحظة هجوم الأجل ، ممّا يؤيّس الشيطان ويوقعه في الحرمان عن إيقاع الضرر في منافع الإيمان ، ويدفعه عمّا يعوق للسالك في العروج إلى ذروة العرفان ، نسأل الله تعالى علوّ الهمّة . أهـ .
قلت : وإذا فهمتَ ذلك فاعلم أنّ هذه الطريقة الأحمديّة الإبراهيميّة الحنيفيّة التجانيّة طريقة شُكر ومحبّة ، الرياضة فيما تعليق القلوب بالحقّ سبحانه وإلزامها ، والعكوف على بابه واللجأ إلى الله تعالى في الحركات والسكنات ، والتباعد عن الغفلات المتخللة بين أوقات الحضور ، وعبادته تعالى عن إخلاص العبوديّة والبراءة من جميع الحظوظ مع الإعتراف بالعجز والتقصير وعدم توفيته للربوبيّة حقّها ، وسكون ذلك في القلب على ممرّ الساعات والأزمان . فبينما الواحد منهم في مقام التوبة والإستغفار من الذنوب إذ جاءه الفتح المبين ، فلذلك لا يكون الفتح على واحد منهم إلا هجوميّا لا تشوّف منه إليه ، وحيث كان هذا فلا يكون إلاّ ربّانيّا لا يناله إلاّ الموقن العارف الحبيب الذي لا يستدرج بالكشوفات الكونيّة والكرامات العيانيّة لئلا يركن إليه ظنّاً منه أنّه قد حصل على طائل ، فتزلّ قَدمُه في مهاوي الهلاك وهو غافل ، ويَضلّ فيُضلّ ويهلك كما يقع لكثير من الضالّين المضِلِّين الذين سلكوا الطريق واستعملوا الخلوات لأغراض فاسدة من غير شيخ أصلا ، أو بيد شيخ كذّاب غير واصل مأذون له في الإرشاد ، ولم يعلموا أنّ المقصود من التربية هو تصفية الذات وتطهيرها من رعوناتها حتى تطيق حمل السرّ وليس ذلك إلاّ بإزاحة الظلام منها ، وقطْعِ علائق الباطل عن وجهتها ، ثمّ قطْع الباطل عنها ، تارة يكون بصفائها في أصل خلقتها بأن يطهّرها الله تعالى بلا واسطة ، وهذه حالة القرون الثلاثة الفاضلة الذين هم خير القرون ، فقدْ كان الناس في تلك القرون متعلّقين بالحقّ باحثين عليه ، إذا ناموا ناموا عليه وإذا استيقظوا استيقظوا عليه ، وإذا تحرّكوا تحرّكوا فيه حتى إنّ من فتح الله بصيرته ونظر إلى بواطنهم وجد عقولهم ، إلاّ النادر ، متعلّقة بالله تعالى وبرسوله ،باحثة عن الوصول إلى مرضاتهما ، فلهذا كثر فيهم الخير وسطع في ذواتهم نور الحقّ سبحانه ، وظهر فيهم من العلم وبلوغهم درجة الإجتهادا ما لا يكيّف ولا يطاق ، فكانت التربية في هذه القرون غير محتاج إليها ، وإنّما يلقّن الشيخ مريده وصاحب سرّه ووارث نوره فيكلّمه في أذنه فيقع الفتح للمريد بمجرّد ذلك لطهارة الذوات وصفاء العقول ، وتشوّقها إلى نهج الرشاد .
ويكون قطع الظلام من الذوات بتسبّبٍ من الشيخ وذلك فيما بعد القرون الفاضلة حيث فسدت النيّات ، وكسدت الهويات ، وصارت العقول متعلّقة بالدنيا باحثة عن الوصول إلى نيل الشهوات واستيفاء اللذات ، فكان الشيخ صاحب البصيرة يلقّن مريده ووارثه ، فيعرفه وينظر إليه فيجد عقله متعلّق بالباطل ونيل الشهوات ، ويجد ذاته تتّبع العقل في ذلك فتهلك مع اللاّهين وتسهوا مع الساهنين وتميل مع المبطلين ، وتتحرّك الجوارح في ذلك حركة غير محمودة من حيث أنّ العقل الذي هو مالكها مربوط بالباطل لا بالحقّ ، فإذا وجدَه في هذه الحالة أمَره بالخلوة وبالذكر ، وبتقليل الأكل ، فبالخلوة ينقطع عن المبطلين الذين هُمْ في عداد الموتى ، وبالذكر يزول كلام الباطل واللهو واللغو الذي كان في لسانه ، وبتقليل الأكل يَقِلّ البخار الذي في الدماغ فتقلّ الشهوة فيرجع العقل إلى التعلّق بالله تعالى وبرسوله ، فإذا بلغ المريد إلى هذه الطهارة والصفاء أطاقت ذاته حمل السرّ .
فهذا هو غرض الشيوخ من التربية وإدخال الخلوة . ثمّ بقى الأمر على هذا مدّة إلى أن اختلط الحقّ بالباطل ، والنور بالظلام ، فصار أهل الباطل يريدون من يأتيهم بإدخال الخلوة وتلقين الاسماء على نيّة فاسدة وغرض مخالف للحقّ ، وقد يضيفون إلى ذلك عزائم واستخدامات تُفضي بهذا إلى مكر من الله . أنظر الإبريز للشيخ أحمد بن المبارك .
إن قلتَ : قد ظهر لنا أنّ قصد الكشوفات الكونيّة والكرامات العيانيّة مذموم ومضلّ ومهلك ، وأنّ طريقة شيخكم طريقة شكر فلذلك مَنّ الله تعالى بحفظهم من الأباطيل التي يضلّ بها الشيطان ، ولكن نريد أن تزيدنا بيانا في ذلك ، وتبيّن لنا أيضا الفرق بين طريقة الشكر التي هي طريقتكم وطريقة المجاهدة ، حتى أنّ الأولى مدارها كلّها على الشكر والفرح بالمنعم مِن غير مشقّة ولا كلفة والأخرى مدارها على الرياضة والتعب والمشقّة والسهر والجوع وغيرهما ، وأيّهما أوْلى ؟ وهل هُمَا متوافقان على الرياضة ؟ وإنّما يأمركم شيخكم بالشكر بعد القرب للوصول أو عنده ، أو هو أمرٌ بالشكر والفرح بالله تعالى من أول وهلة وحين البداية ؟ وهل الطريقان يمكن سلوكهما لرجل واحد أو لا يمكن أن ينتفع بإحداهما إلاّ بالإعراض عن الأخرى ؟
أقول : والجواب ، والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ للصواب ، نقَله الشيخ أحمد بن المبارك في الإبريز عن الشيخ القطب عبد العزيز بن مسعود الدباغ رضي الله تعالى عنه :
أنّ طريقة الشكر هي الأصلية ، وهي التي كانت عليها قلوب الأنبياء والأصفياء من الصحابة وغيرهم ، وهي عبادته تعالى على إخلاص العبودية والبراءة من جميع الحضوض ، مع الإعتراف بالعجز والتقصير وعدم توفية الربوبيّة حقّها ، وسكون ذلك في القلب على ممرّ الساعات والأزمان . فلمّا عَلِم منهم تبارك وتعالى الصدق أثابهم بما يقضيه كرمه من الفتح في معرفته ونيل أسرار الإيمان به عزّ وجلّ ، فلمّا سمع أهل الرياضة ما حصل لهؤلاء مِن الفتح في معرفته ونيل أسرار الإيمان به عزّ وجلّ جعلوا ذلك هو مطلوبهم ومرغوبهم ، فجعلوا يطلبونه بالصيام والقيام والسهر ودوام الخلوة حتى حصلوا على ما حصلوا . فالهجرة بطريقة الشكر كانت من أول الأمر إلى الله وإلى رسوله لا إلى الفتح وللمكشوفات ، والهجرة في طريقة الرياضة كانت للفتح ونيل المراتب ، والسير في الأوّلى سير القلوب وفي الثانية سير الأبدان . والفتح في الأولى هجومي لم يحصل من العبد تشوّف إليه ، فبينما العبد في مقام طلب التوبة والإستغفار من الذنوب إذ جاءه الفتح المبين . والطريقتان على الصواب ، لكن طريقة الشكر أصوب وأخلص ، والطريقتان متّفقتان على الرياضة لكنّها في الأولى رياضة القلوب بتعلّقها بالحقّ سبحانه وإلْزامها العكوف على بابه ، واللجأ إلى الله تعالى في الحركات والسكنات والتباعد عن الغفلات المتخللة بين أوقات الحضور ، وبالجملة الرياضة فيها تعلّق القلب بالله تعالى عزّ وجلّ والدوام على ذلك وإن كان الظاهر غير متلبّس بكبير عبادة ولذا كان صاحبها يصوم ويفطر ، ويقوم وينام ، ويقارب النساء ، ويأتي بسائر وظائف الشرع التي تضاد رياضة الأبدان .
وقال مرّة أخرى ، بعد قوله : والهجرة في طريقة الرياضة كانت للفتح ونيل المراتب ، ثم بعد الفتح منهم من يبقى على نيّته الأولى فينقطع قلبه مع الأمور التي يشاهدها في العوالم ، ويفرح بما يرى من الكشف والمشي على الماء وطيّ الخطوة ، ويرى أنّ ذلك هو الغاية ، وهذا من الذين خلت قلوبهم من الله عزّ وجلّ في بداية الأمور ونهايتها ، فهو الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (1) ، ومنهم من تتبدّل نيّته بعد الفتح ، ويرحمه الله تعالى ويأخذ بيده ، فيتعلّق قلبه بالحقّ سبحانه ويعرض عن غيره ، وهذه الحالة التي حصلت لهذا بعد الفتح هي كانت البداية في طريق الشكر فيما بعد ما بين الطريقتين ، وتباين ما بين المطلبين ، وبالجملة فالسير في الأولى سير القلوب وفي الثانية سير الأبدان ، والنيّة في الأولى خالصة وفي الثانية مشوبة ، والفتح في الأولى هجوميّ لا تشوّف من العبد إليه فكان ربّانيّا وفي الثانية نِيلَ بحيلة وسبب ، فانقسم إلى الوجهين السابقين . والفتح في الأولى لا يناله إلاّ المؤمن العارف الحبيب القريب ، بخلاف الفتح في الثانية فإنّك قد سمعت أن للرهبان وأحبار اليهود رياضات توصّلوا بها إلى شيء من الإستدراجات ، وأما الجمع بينهما فيمكن للشخص أن يعلّق قلبه بالله عزّ وجلّ في سائر حركاته وسكناته ، ويقيم ظاهره في المجاهدات والرياضات ، والله تعالى أعلم . اهـ .
وإلى جميع ما تقدّم يشير كلام شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنّا به ، كما في جواهر المعاني ، حيث قال :
والأمر الثاني ممّا أصيك به ، ترك المحرّمات المالية شرعا أكلا ولباسا ومسكنا ، إلى أن قال : والأمر الذي لا بدّ منه بعد هذا ، وهو بداية جميع الأمور ونهايتها ، تعلّق القلب بالله تعالى والإنحياز إليه وترك ما سواه عموما وخصوصا ، فإنْ قدِر العبد على ارتحال القلب إلى الله تعالى بكلّ وجه وعلى كلّ حال بحركة القلب حسّا فهو الغاية . اهـ . وكما قال أيضا :
والواجب في حقّ السالك أن يمسي ويصبح ، ويظلّ ويبيت ليس له مراد إلاّ شيئان ، الأوّل : هو الله عزّ وجلّ ، إختيارا عن جميع الموجودات ، واستغناء به عنها ، وأنَفَةً من لحظها ، وغيرة أن يختار سواه ، وليكن الله عزّ وجلّ هو مبدأ مراده ومنتهاه ، وأوّل مراده وآخره ، ومفتتحه وختمه ، ومستغرقا لقصر مراده عليه فيما بين ذلك كلّه حتى لا تبقى لمحة يريد فيها غيره لأنّ إرادة الغير إمّا طمع أو عبث ، والثاني : من مرادات السالك أن يكون كلّه لله عزّ وجلّ خالصا رقية غيره ، كامل التعلّق به سرّا وروحا وعقلا ونفسا وقلبا وقالبا حتّى لا يكون منه ذرّة مختلفة عن الله تعالى ، ويكون واقفا مع مراده عزّ وجلّ ، منسلخا عن جميع الإردات والإختيارات والتدبيرات والحظوظ والشهوات والأغراض ، واقفا في ذلك كلّه مع الله سبحانه لا شيء منه لنفسه ولا بنفسه ولا مع نفسه ، ولكن ذلك عبودية لله عزّ وجلّ من أجله ، وإرادته لوجهه ، وآداء لِحَقّ ربوبيّته لا ليعود عليه منه شيء ، ولا يختر على الله عزّ وجلّ أن يكون له مراده بل لتخلص ربوبيّته ربّه لا قنوطا من خيره لئلاّ يكفر ، ويحسن ظنّه به لِما هو عليه من كمال الصفات المحمودة . اهـ .
وإلى معنى جميع ما تقدّم يشير بعض كلام أملاه سيّد الوجود ، وعلم الشهود ، سيّدنا ومولانا محمّد صلّى الله عليه وسلّم على واحد من أصحاب الشيخ رضي الله عنه وأرضاه وعنّا به ، يقظةً لا مناماً ، ليأتي به إلى الشيخ رضي الله عنه وأرضاه وعنّا به ، حيث قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : قل له ، يعني الشيخ رضي الله تعالى عنه ، هنا تجرّد العبادة ينقسم إلى أربعة أقسام ، العبادة الأولى : هنا هي التجريد والإنقطاع إلى الله تعالى بالأعمال الكاملة والإخلاص التام ، ويكون هذا الإنقطاع من غير قصد ، ويكون مراده بهذا الإنقطاع أن يمجّد الله ويعظّمه ويسبّحه ويقدّسه ويحمد الله تعالى على الحالة التي هو عليها ، ولا يقصد في عبادته شيئا ، ولا ينظر فيها إلى شيء ، فتصعد أفعاله إلى الله تعالى وتدخل على الباب المفتوح وتشتغل بتحوّل على ما ذكرناه أولا ولا يكون وقوف إلا التجلي لقوله تعالى : وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (2) ، وأهل العمل الصالح هم الذين لم يقصدوا في أعمالهم شيئا من مصلحة ولا منفعة ، ولا يسأل في عبادته إلاّ الإعانة والعافية الكاملة ، يسألها لآخرته . قل له خيار السؤال ، إذا سأل أحدكم ، فليسأله في العفو والعافية ، وإذا كان قصده في تجريده وانقطاعه وصولا إلى مقام أو طلب علم أو سرّ ، تطلع أعماله حتى ترد على الباب المغلق فتجلس تعاينه ينفتح ساعة ترجو صاحبها يرجع ويقول عبادتي لله لأطلب حاجة ، فإذا أُُلْهِمَ وقال هذا رجعت ودخلت عل الباب المفتوح ، وإن لم يقل ما ذكر رجعت تلك الأعمال منقطعة كانقطاع الريح في الهواء ، فتجول حتى تسكن بمعنى تنقلب عليه خسرانا . إلى أن قال صلّى الله عليه وسلّم : قل لحبيبي التجاني كلّ هذه المعاني في القرآن العظيم ، وقل له : هذا الكتاب يدلّك على ما أمرتك به ، قلت لك : لا تقصد شيئا ، ولا تجتهد في حرص على شيء . اجتهد في العبادة ومخالفة النفس ، فالحرص والإجتهاد لا يكون إلاّ في العبادة لله عزّ وجلّ ، ومخالفة النفس ، والحرص فيما يقصده الإنسان في العبادة هو تأخير الفتح . قل له : هو تأخير الفتح ، قل له : هو تأخير الفتح ، قل له : هو تعويق الفتح إلى ثلاث مرات . اهـ .
والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ للصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .


<< الفصل السابق    الفصل التالي >>



  1. سورة الكهف ، الآية 104 .
  2. سورة البقرة ، الآية 82 .