نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الحادي والعشرون
الرّئيسية > مكتبة على الخطّ > الرّماح - فهرس الجزء الأوّل > الفصل الحادي والعشرون


في تحذيرهم عن الإشتغال بالوقائع والركون إليها والتشوّف إلى حصولها ، وإعلامهم بأنّ المريد الذي لم ير شيئا ولا يرى في واقعه ليس بأقلّ مرتبة ممّن رأى ويرى ، بل أفضل .
فأقول ، وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بِمَنِّهِ إلى سواء الطريق ، إعلم أنّ هذا الفصل كالفرع من الذي قبله ، وإنّما غرضنا في الإتيان به دفع وَهْم الجهّال والقاصرين من الطلبة . فالتنصيص على عدم أفضلية من رأى أو يرى ممّن لم ير ولا يرى ، وإعلامهم أنّ من لم ير ولا يرى أفضل لسلامته من مفسدة الدعوة التي يموت صاحبها ، إن لم يتب ، كافرا ، ومن الركون إلى ما رأى ، ومن الوقوف عنده القاطع به في تحصيل المقصود بالذات .
قال الإمام الشيخ أبو القاسم القشيري في رسالته :
وإذا لزم مريد استدامة الذكر والْْتزام الخلوة ، فإنْ وَجَدَ في خلوته ما لم يجدْ قلبه ، إمّا في النوم وإمّا في اليقظة ، أو بين اليقظة والنوم ، مِن خطاب يُسمع أو معنى يُشاهد بما يكون نقصا للعادة فينبغي أن لا يشتغل بذلك البتّة ، ولا يسكُن إليه ، ولا ينبغي أن ينتظر حصول أمثال ذلك فإنّ هذه كلّها شواغل عن الحقّ سبحانه ، ولا بدّ في هذه الأحوال مِنْ وَصْفِ ذلك لشيخه حتّى يصير قلبه فارغا عن ذلك ، ويجب على شيخه أن يحفظ عليه سرّه ، ويكتم على غيره أمرَه ، وليُصَغِّرْ ذلك في عينيه فإنّ ذلك كلّه اختبارات والمساكنة إليها مكرٌ ، فليحذر المريد مِنْ ذلك ومِنْ ملاحظتها ، ولْيجعلْ همّته فوق ذلك . اهـ .
وقال زين العابدين الخوافي في الوصايا القدسيّة :
والضرّ الذي يحصل للسالك في إظهار واقعة لغير شيخه أكثر مِنْ أن يُحصى . مَن لم يُعوِّد النفس على كتمان الواقعات لا يقدر على كتمان الكرامات . فإذا تصدّى للإظهار أدّاه إلى الوقوف والاستقصار ، وعدم البلوغ إلى ذروة معارف الاولياء الكبار .قال بعضهم : صدور الأحرار قبور الأسرار .
ولقد رأى رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم واحدٌ من الصوفيّة في واقعته أو منامه وسأل عن التصوّف بعد أن كان عنده أنواع من التعريفات التي قالتها الصوفيّة ، فقال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم : " التصوّف ترْك الدعاوي وكتمان المعاني " .
وأيّ شيخ يُظهِر في واقعات مريديه ممّا لا يتعلّق بالتأديب والتربية فهو ساعٍ في حجاب مريده بالاعجاب ، والأوْلى بحال المريد نفي ما رآه في واقعته فإنّ الواقعات أكثرها خيالات تربّى بها أطفال الطريقة ، وليس من لم ير شيئا ولا يرى في واقعته بِأقلّ مرتبة ممّن رأى ويرى ، بل أفضل ، فإنّ ضعفاء اليقين إذا رأوا يقوى يقينهم ، وأمّا القويّ الكامل فهو لا يلتفت إليها ، فإنّه يعلم أنّ الدار الآخرة على ما بَيَّنَ الله سبحانه وبَيَّنَ رسولُه في أحاديثه ، فهي كما وصف من الجنّة ونعيمها ، والنار وجحيمها ، ومِنَ الحساب لبعضٍ وعدمه لبعضٍ ، ووزن الأعمال وسائر الأحوال والأهوال ، فلو لم تنكشف تلك الأمور فسترى يوم البعث والنشور ، ولو انكشف خلاف ما وصل بتسويل الشيطان فيضمحلّ ذلك بنور الإيمان ، فأيّ فائدة في كشفها ، وأيّ ضرر في عدم كشفها لمن أراد العروج إلى معارج العرفان ، والوصول إلى مشاهدة جمال الملك المنّان ؟
وأمّا أمور هذه الدار ، فكشْف أحوال الناس ممّا يشغل سرّ السالك بالحوادث والعوارض ومتى كان ملتفت الخاطر إلى الحادث فأنّى يستعدّ لظهور نور القديم وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه . كان يقول الشيخ قدّس الله سرّه : " أيّ فَرْقٍ بيْن أن تعرف أحوال الناس بإخبارهم إيّاك وبيْن أن تعرف بكشفك ؟ حادث عرف حال حادث ؟ ماذا حصل لك في سلوكك ؟ فأيّ شيء ينفعك هذا في طريق معرفة الحقّ سبحانه ؟ ويقولون فلانا رآى العرش ، ورآى جسما أعظم الأجسام وأعلاها وأصفاها ، حادث رأى حادثا ". فكان قدّس سرّه وجازاه بالشفقة علينا خير الجزاء ينفّرنا غاية التنفير منَ الْإلتفات إلى المكاشفات الكونيّة والكرامات العيانيّة ، وكنّا إذا حصل لواحد مِنّا شيء مِنَ الخوارق يبكي خوفا مِنَ الْإلتفات المكمون المدفون في النفس من غير اطّلاع القلب عليه . فكان قدّس سرّه يُسَلِّينَا ويقول : " ما تبالون إذا لم تكونوا ملتفتين لا يضرّكم " . والمقصود مِنْ هذا التطويل أنّ السالك المُحِبّ الذاكر المشتاق لا يلتفت إلاّ إلى الإخلاص مِن عوالم التقييد إلى عوالم الإطلاق ليستعدّ لحزب الكريم الخلاّق .
وسأل صاحب الإبريز شيخه رضي الله تعالى عنهما عمّا يذكره سقراط وبقراط وأفلاطون وجالينوس وغيرهم من الحكماء وفلاسفة الكفر في العالم العلويّ مِثْل كلامهم في النجوم وسيْرها ، ومواضع أفلاكها ، وقولهم أنّ القمر في الفلك الأوّل ، وعطارد في الثاني ، والزهرة في الثالث ، والشمس في الرابع ، والمرّيخ في الخامس ، والمشتري في السادس ، وزحل في السابع ، إلى غير ذلك ممّا يحكمون به في القرانات وأمور تعديل الفلك ، من أين لهم بذلك مع أنّه غيب محض إذ ليس ممّا يُدرَك بالحواس ولا بأدلّة النظر ، وَهُمْ لا يستندون في ذلك إلى وحي من الله تعالى لبعض أنبيائه ؟ وما يُحكى في ذلك عن سيّدنا إدريس على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام لا يَفِي بتفاصيل ما ذكروه مع أنّ النسبة إلى سيّدنا إدريس بَعُدَتْ مسافتها ، والتواتر في طريقها مُنْتَفٍ بالضرورة ، وخبر الآحاد فيها لا يُجدي شيئا إذ هذا الخبر إنْ كان مِنَ الفلاسفة وهُمْ أهل كفر ، وخبر الواحد لا يُقبل إلاّ مِنَ العدل ، وإنْ كان مِن غيرهم فهذا الغير لا يُعلم كفره ولا إيمانه .
فقال له شيخه رضي الله عنه : إنّ الله تعالى خَلَقَ الحقّ والنور وخلق له أهلا ، وخلق الظلام والباطل وخلق له أهلا ، فأهل الظلام يفتح لهم في الظلام ومعرفته وجميع ما يتعلّق به ، وأهل الحقّ يفتح لهم في الحقّ ومعرفته وجميع ما يتعلّق به . والحقّ هو الإيمان بالله تعالى ، والاقرار بربوبيّته ، والتصديق بأنّه يخلق ما يشاء ويختار ، مع الإيمان بالأنبياء والملائكة وجميع ما يتعلّق برضاه سبحانه وتعالى . والظلام هو الكفر وكلّ قاطع عن الله سبحانه وتعالى ، ومنه الدنيا والأمور الفانيّة والحوادث التي تكون فيها ، كفاك دليلا على ذلك لَعْنُ النبي صلّى الله عليه وسلّم لها حيث يقول : « الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله وما والاه » . وأنّ الحقّ نور من أنوار الله تعالى تُسقَى به ذوات أهل الحقّ فتتشعشع أنوار المعارف في ذاتهم ، وأنّ الباطل ظلام تُسقَى به ذوات أهل الباطل فتسْوَدُّ عقولهم وتعمى أبصارهم عن الحقّ ، وتصمّ آذانهم عن سماعه ، بل لا يقع في عقولهم ولا يخطر ببالهم ، وإنّما الحقّ عندهم بمنزلة شيء في طيّ العدم لم يسمع به قَطّ . فغفلتهم عن الحقّ كغفلة ذي العقول عن مثل هذا الذي هو في طيّ العدم على الصفة السابقة ، ولذلك يُفتَح على أهل الباطل في مشاهدة هذا العالم ، سمائه وأرضه ، ولا يشاهدون فيه إلاّ الأمور الفانيّة المتعلّقة بالأجرام الحادثة وهيآتها مثل ما يذكرونه في أحكام النجوم ، مثل النجم الفلاني موضعُه في الفلك كذا ، وإنّه إذا قارنه نجم كذا كان كذا وكذا .
وأمّا قبْر النبي صلّى الله عليه وسلّم ، والنور المستمدّ منه إلى قبّة البرزخ ، وذوات الأولياء العارفين بالله تعالى ، وأرواح المؤمنين الكائنة بأفنيّة القبور ، والحَفَظَة والكرام الكاتبين والملائكة الذين يتعاقبون فينا ، وغير ذلك مِنْ أسرار الحقّ الموصلة إلى الله تعالى التي وضعها في أرضه ، فلا يُفتَح لهم في معرفتها ، ولا يقع في عقولهم أبدا ، لأنّ الله تعالى ساقهم بالظلام ، وقطَعَهم عن معرفته بالكليّة . وكذلك لا يشاهد أهل الظلام شيئا مِنْ أسرار الحقّ سبحانه التي وضَعَها في سمائه ، ولا يشاهدون شيئا مِنَ الملائكة ، ولا يستمعون تسابيحهم ، ولا يشاهدون الجنّة والقلم ، ولا اللوح و أنوار الحروف الخارجة من القلم ، وكذلك لا يعرفون الحقّ سبحانه الذي هو خالقهم . وبالجملة فقد حجبهم الحقّ سبحانه عن نفسه وعن كلّ ما يوصل إليه ، وفَتَحَ عليهم في غير ذلك ممّا يضرّهم ولا ينفعهم .
وأمّا أهل الحقّ فلَهُمْ فتحٌ في أوّل الأمر وفي ثاني الأمر بجميع ما سبق فتْحُه لأهل الظلام في هذا العالم ، سمائه وأرضه ، فيشاهد صاحب هذا الفتح الأرضين السبع وما فيهنّ ، والسموات السبع وما فيهنّ ، ويشاهد أفعال العباد في دورهم وقصورهم ، لا يرى ذلك ببصره وإنّما يراه ببصيرته التي لا يحجبها ستر ولا يردّها جدار ، وكذلك يشاهد الأمور المستقبَلة بكلّ ما يقع في شهر كذا وسنة كذا ، وأهل الظلام في هذا الفتح على حدّ السواء ، ولذا يُقال : " الكشف أضعف درجات الولاية " ، أيّ لأنّه يوجد عند أهل الحقّ ويوجد عند أهل الباطل ، وصاحبه لا يأمن على نفسه مِنَ القطيعة واللحوق بأهل الظلام حتّى لا يقطع مقامه و يتجاوزه . وأمّا الفتح في ثاني الأمر فهو أن يُفتحَ عليه في مشاهدة أسرار الحقّ التي حجب عنها أهل الظلام ، فيشاهد الأولياء العارفين بالله تعالى ويتكلّم معهم ، ويناجيهم ، على بُعْدِ المسافة ، مناجاة الجليس لجليسه ، وكذا يشاهد أرواح المؤمنين فوق القبور ، والكرام الكاتبين والملائكة ، والبرزخ وأرواح الموتى التي فيه ، ويشاهد قبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وعمود النور الممتدّ منه إلى قبّة البرزخ . فإذا حصلت لهم مشاهدة ذات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في اليقظة حصل له الإيمان من تلاعب الشيطان به لاجتماعه مع رحمة الله تعالى وهو سيّدنا ونبيّنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وسلّم . ثمّ اجتماعه مع الذات الشريفة سببٌ إلى معرفته بالحقّ سبحانه ومشاهدة ذاته الأزليّة لأنّه يجد الذات الشريفة غائبة في الحقّ ، هائمة في مشاهدته سبحانه ، فلا يزال الوليّ ببركة الذات الشريفة يتعلّق بالحقّ سبحانه ويرتقي في معرفته شيئا فشيئا إلى أن تقع له المشاهدة وأسرار المعرفة وأنوار المحبّة ، فهذا الفتح الثاني هو الفاصل بين أهل الحقّ وأهل الباطل ، وأمّا الفتح الأوّل فإنّه كما يقع لهم يقع لأهل الظلام ، فيقع لهم الفتح في مشاهدة الأمور الفانيّة ، ويتمكّنون من التصرّف فيها ، فترى المبطل يمشي على البحر ، ويطير في الهواء ، ويُرزق من الغيب ، وهو من الكافرين بالله عزّ وجلّ وذلك أنّ الله تعالى خلق النور وخلق منه الملائكة ، وجعلهم أعوانا لأهل النور بالتوفيق والتسديد وخرق العوائد ، وكذاك خلق الظلام وخلق منه الشياطين وجعلهم أعوانا لأهل الباطل بالإستدراج والمزيد في الخسران والتمكّن من الخوارق .
قال رضي الله تعالى عنه : وعلى هذا تخرج حكاية اليهوديّ الذي كان مع إبراهيم الخواص رضي الله عنه في سفينة ، وتعارفا وترافقا في العِشْرَة ، فقال له اليهوديّ : " إنْ كنتَ صادقا في دينك فهذا البحر فَامْشِ فأنا ماشٍ عليه " ، فتقدم اليهوديّ يمشي فوق الماء ، فقال إبراهيم الخواص : " واذُلاّهُ إنْ غلبني اليهوديّ " ، ثمّ رمى نفسه فوق البحر ، فأعانه الله عزّ وجلّ ومشى مع اليهوديّ ، ثمّ أنّهما خرجا من البحر ، فقال اليهوديّ لإبراهيم : " إنّي أريد منك الصحبة في السفر " ، فقال إبراهيم : " لك ذلك " ، فقال اليهوديّ : " بشرط ألاّ تدخل المساجد لأنّي لا أحبّها ، ولا ندخل الكنائس لأنّك لا تحبّها ، ولا ندخل مدينة لئلاّ يقول الناس اصطحب مسلم ويهوديّ ، ولكن نجول في الفيافي والقفار ولا نتخذ زادا " ، فقال إبراهيم : " لك ذلك " . فخرجا إلى الفلوات ، ثمّ بقيا ثلاثة أيام لم يذوقا شيئا ، فبينما هما جالسان إذ أقبل كلب يمشي إلى اليهوديّ وفي فمه ثلاث أرغفة فطرحها بين يديه وانصرف ، قال إبراهيم : " فلم يعرض عليّ أن آكل معه ، فبقيت جائعا ، ثمّ أنّه أتاني شابّ من أحسن الناس شبابا ، وأطيبهم رائحة ، وأحسنهم وجها ، وأحلاهم منظرا ، وفي يده طعام ما رؤي مثله ، فطرحه بين يديّ وانصرف ، فعرضت على اليهوديّ أن يأكل معي فأبى ، فأكلت " ، ثمّ قال اليهوديّ : " يا إبراهيم إنّ ديننا ودينكم على الحقّ ، وكلّ منهما يوصل وله ثمرة ، إلاّ أنّ دينكم أرقّ وألْطف وأبهى وأحسن ، فهل لك أن ندخل ؟" ، قال : " فاسلم وكان مِن جملة أصحابنا المتحقّقين بالتصوّف " . هكذا ذكر الحكاية أبو نعيم في الحِلية في ترجمة إبراهيم الخواص . قال سيّدي أحمد بن المارك : فسألت شيخنا عن ذلك ، فقال : " خلا دار أبيهم ، إنّما الشياطين تلعب بهم فظنّوا أنّ لعبادتهم ثمرة " ، ثمّ ذَكَرَ الكلام السابق وكيف حال أهل الحقّ وكيف حال أهل الباطل ، ولا مطلب للمرء وراءه ، والله تعالى أعلم .
ثمّ قال رضي الله تعالى عنه : إنّ أصل علوم الفلاسفة ، وما حكموا به في العالم العلويّ ونحو ذلك ، هو أنّ رجلا كان في زمن سيّدنا إبرايم الخليل على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام ، فآمن به ، وجعل يسمع منه أمورا تتعلّق بالفتح في ملكوت السماوات والأرض ، ثمّ لم يزل ذلك دأبه إلى أن وقع له هو أيضا الفتح ، فوقف مع ما شاهد في العوالم ، وانقطع عن الحقّ سبحانه ، وخسر الدنيا والآخرة ، وجعل يفرح بما شاهد في العالم العلويّ ، ويذكر مواضع النجوم ويربط بها الأحكام ، ورجع عن دين إبراهيم فتلقّى ذلك منه من أراد الله خذلانه إلى ان بلغ إلى الفلاسفة الملعونين . قال رضي الله عنه : إشتد غضب الله على ذلك الرجل لأنّه دلّ على غير الله تعالى ، فهو من القاطعين عن الله تعالى . قال رضي الله عنه : إنّ فائدة الرسالة والنبوّة خصلة واحدة : وهي الدلالة على الله تعالى عزّ وجلّ والجمع عليه ، حتّى أنّا لو فرضنا فرضا مستحيلا في ذاتٍ أُمِرَتْ بالرسالة والنبوّة ، ثمّ جعلتْ تدلّ على غيره تعالى ، أو جعلتْ تجمع الناس على نفسها وتقطعهم عن الحقّ سبحانه ، فإنّها تنقلب إلى الوصف السابق في ذلك الرجل . هذا الفرض المستحيل ذكرناه على سبيل المبالغة للتنفير من الدلالة على غيره تعالى . ثمّ قال رضي الله تعالى عنه ، وكنّا نمشي على قنطرة باب الحديد ، أحد أبواب فاس حرسها الله تعالى بِمَنِّهِ : " ما فائدة هذه القنطرة ؟ " ، قلتُ : " المشي عليها حتّى يخلص من المهوى إلى التي تحتها ، ويبلغ الماشي عليها إلى مقصوده من الأرض " ، قال رضي الله تعالى عنه : " ولو ارتفعتْ منها هذه الفائدة كان ضررا محضا على الناس " ، قلتُ : " نعم " ، قال رضي اله تعالى عنه : " وكذلك الانبياء والمرسلون ، والملائكة المقرّبون ، وسائر عباد الله الصالحين ، فائدتهم الدلالة على الله تعالى والجمع عليه ، ولو ارتفعت منهم هذه الفائدة كانوا على الصفة السابقة في القنطرة " ، والله تعالى أعلم .
ثمّ قال : وقال رضي الله تعالى عنه : إنّ الكاملين مِن أهل الحقّ إذا سُئِلُوا عن مسألة مِن الحوادث التي ستقع لم يتكلّموا فيها إلاّ بالنزر مِن القوْل لأنّه أوّل الأمر شاهدوه ، وقد شاهدوا الحقّ بعده فعلموا بطلانه ، فَهُمْ يكرهونه ويكرهون الكلام فيه ، ولأنّ الدنيا والحوادث الواقعة فيها مبغوضة عند الله تعالى ، وَهُمْ مُبغِضُون ما يبغضه الحقّ سبحانه ، وأيضا فلا يتكلّمون فيها إلاّ بالنزول عن درجتهم كما ينزل مِنَ الثريّا إلى الثرى ، فإنّ درجة تلك الحوادث هي درجة فتح أهل الظلام . وأيضا فإنّهم رضي الله تعالى عنهم لا يشاهدون إلاّ بأنوار الحقّ سبحانه ، ونور الحقّ يرتفع فيه الزمان وترتيبه ، ولا ماضٍ فيه ولا حال ولا مستقبل ، فأكثر ما يعلم الوليّ بنور الحقّ أنّ الحادث الفلاني واقع لا محالة ، وأمّا أنّه يقع يوم كذا فلا يحصل لهم إلاّ بالنزول إلى اعتبار الزمان وترتيبه ، وهو من الظلام عندهم بالنسبة إلى نور الحقّ ، ومثل من يفعل ذلك كمثل الشمس إذا نزلت من سمائها إلى الأرض وأخذت مرآة بين عينيها وجعلت تنظر بها . قال : فقلت فإنّ الحقّ سبحانه يعلم ما سيقع وترتيبه ، ويعلم ما في الماضي وما في الحال وما في المستقبل ، والوليّ ينظر بنوره ، فينبغي أن يعلم ما سبق من غير نزولٍ إلى درجة الظلام ، فقال رضي الله تعالى عنه : ذلك لأنّه تعالى أحاط بكلّ شيء علما ، والربّ تعالى قويّ ، والعبد ضعيف ، وعلم العبد قاصر ، وبالجملة فالعبد لا يقاس بربّه تبارك وتعالى ، وقد قال سيّدنا الخضر لسيّدنا موسى على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام : " ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلاّ كما نقصه هذا العصفور بنقرته من البحر " . قال رضي الله تعالى عنه : وقد يتكلّم الوليّ بشيء من الحوادث المستقبلة ، فيخبربها نازلا عن درجته ، وليس ذلك بمعصيّة ولكنّه قصور همّة ، وانحطاط عن الذروة العليّة ، وسوء أدبٍ إنْ قصد إليها مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لأنّ حالته عليه والصلاة والسلام لم تكن كذلك ، على أنّ أكثر الأولياء الكاملين رضي الله تعالى عنهم إنّما يتكلّمون فيها غلبةً بِحُكْمِ القدَر ، وتصريف الحقّ إيّاهم سبحانه على مايريد ، إذْ هُمْ رضي الله تعالى عنهم مظاهر الحقّ .
قال : قلت ، وأكثر ضرر الخلق في معرفة الأولياء ومخالطتهم من هذا الباب ، أمّا في المعرفة فإنّهم لا يفرّقون بين فتح أهل الظلام وفتح أهل الحقّ ، فيحسبون أنّ كلّ ما زاد على علومهم من الكشوفات ، وخرج عن طوقهم من الخوارق ، كمالٌ وحقٌّ وولايةٌ من الله تعالى لمن ظهر ذلك على يديه . ففريق من الناس يعتقدون ولاية مَن يكاشف ، ويعتقدون أنّه الغاية ، وفريق آخر يعتقدون ولاية مَن استقام في الظاهر وداوم على الصيام والقيام وإنْ كان باطنه خاليا مِن الحقّ متعلّقا بغيره . وأمّا في المخالطة فإنّ البعد بعدان يوفّقه الله تعالى للإجتماع مع وليّ كامل قد يكون غرضه من ذلك الوليّ عكس المطلوب من الوليّ ، فإنّ المطلوب منه أن يُعَرِّفَ العبد بربّه ، ويحذّره مِن القواطع التي مِن أعظمها حبّ الدنيا والميل إلى زخارفها ، فإذا جعل العبد يطلب منه قضاء الحوائج والأوطار اليوم على اليوم والسنة على السنة ، ولا يسأله عن ربّه ولا كيف يعرفه ، مقَتَهُ الوليّ وأبغضه ، فهو السالم إنْ نجا من مصيبة تنزل به من الوليّ ، وذلك لأمورٍ أحدها : أنّ محبّته للوليّ ليست لله عزّ وجلّ وإنّما هي على حَرْفٍ ، والمحبّة على حَرْفٍ خسران مبين ، يكون معها الوساوس وتحضرها الشياطين ، ولا ينزل عليها نور الحقّ أبدا . ثانيها : أنّ الوليّ يراه في تعلّقه بالدنيا في عين القطيعة وهو يريد أن ينقذه منها ، والعبد يطلب أن يزيده منها . ثالثها : أنّ الوليّ ساعفه في قضاء بعض الأوطار ، وقابله ببعض الكشوفات ، وقع للعبد المسكين غلط ، فيظنّ أنّ هذا هو الذي ينبغي أن يقصد من الوليّ ، وكلّ ذلك ضلال ووبال .
قال : وقد سمعت شيخنا رضي الله تعالى عنه يقول : إنّما مثل الوليّ كمثل رجل عَمَلُه صنعة الفخّار ، فيه يحرّك يده ، وتعمل جوارحه ، ومع ذلك فعنده الخزائن التي يحتاج إليها الناس مِنْ طعامٍ وغيره ، والخزائن ، وإنْ كانت عنده ، فقلبُه مُعرِض عنها ، لا تقَع عنده بِبَال ولا تساوي عنده شيئا ، ولا يُحبّ الكلام إلاّ في عمل الفخار وصنعته ، ويكره غاية مَنْ يتكلّم معه في غيره ، ويبغضه حتّى يخاف ذلك المتكلّم أن يناله ضرر من الرجل المذكور . فإذا جاءه رجلان ، وقد عَلِمَا حالته وبغضه للكلام في غير عمل الفخار ، وأرادا منه شيئا من تلك الخزائن ، فالموفّق منهما والكيّس هو الذي يتكلّم معه في عمل الفخار ، ويسأل عن صنعته ، وكيف يعمل ، ولا يزال هذا دأبه حتّى تناله مِنَ الرجل محبّة عظيمة ، ومودّة كبيرة ، فإذا سأله بعد ذلك شيئا من تلك الخزائن مكّنه منه ولا يقع له ضرر . وغير الموفّق منهما هو الذي يأتي لذلك الرجل ويطلب منه أوّلا شيئا مِن تلك الخزائن ، ويتكلّم معه فيها ، فإنّه إنْ سَلِمَ مِن ضرب الرجل له بفخّارة على رأسه كان هو السعيد ، وكان رِبْحُه هو سلامته لا غير . فهذا مثل الوليّ ، لا صنعة له ولا حرفة له إلاّ لمعرفة الحقّ وما يوصل إليه ، ولا يحبّ كلاما إلاّ فيه ، ولا جمْعا إلاّ عليه ، ولا وصولا إلاّ منه ، ولا قربا إلاّ إليه ، فمَن عرفه على هذا رَبِحَ منه الدنيا والآخرة ، ومَن عرفه على غير هذا كان على العكس .
وقال رضي الله تعالى عنه : أنّ الفتح الأوّل ، وإنِ اشترك فيه أهل الظلام وأهل الحقّ ، لكن المقصود به مختلف ، فإنّ المقصود به لأهل الظلام طردهم عن بابه ، وصدّهم عن سبيله ، لأنّه تعالى أبغضهم وقطعهم عنه ، وعلّق قلوبهم بغيره ، وأمدّهم بهذه الخوارق ابتلاء واستدراجا ليحسبوا أنّهم على شيء .
قلت : ولهذا أنشؤوا في الكرامات ، حيث قالوا :
بعض الرجال يرى كون الكرامـات      دليـل حـقّ على نيـل الكرامـات
وإنّها  عيـنُ بُشرى قد أتتك بهـا      رسُل المهيمن مِن فوق  السمـوات
وعندنـا فيه تفصيـل إذا علمـتْ      بـه الجمـاعـة لم تفـرح بآيـات
كيف السرور والإستدراج يصحبها      في حـقّ قـوم ذوي جهل وآفـات
وليس يـدرون حقّا أنّهم  جهلـوا      وذا إذا كـان مِن أقوى  الجهـالات
وما  الكرامـة إلاّ عصمة  وجـدت      فـي حـقّ قـوم بأفعـال ونيّـات
تلـك  الكرامة لا تبغي بها  بـدلا      واحذر من المكر في طيّ الكرامـات
وأنشد غيره
تـرك الكرامـة لا يكون  دليـلا      فأَصِـخْ لقـولـي هو أقـوم قيـلا
إنّ الكرامـة قد يكون  وجودهـا      حـظّ المُكَـرَّم ثـمّ سـاء سبيـلا
فاحـرص على العلم الذي كُلِّفْتَـهُ      لا تتّخـذ غـيـر إلإلـه بـديـلا
ستْـر الكرامـة واجب  متحقّـق      عنـد  الرجـال فلا تكن مخـذولا
وظهورها في المرسلين فريضـة      وبهـا تنـزّل وحيـه  تنـزيـلا
وإيضاح ذلك :
أنّ الوليّ يدعو إلى الله تعالى بشرعٍ صحيحٍ ثابتٍ قد تقرّر قبله مِنْ غيره مِنَ النبيّين ، والنبيّ يدعو إلى الله تعالى بشرع غريب قد أتى به لم يتقدّمه فيه أحد مِنْ أهل عصره ، فاحتاج إلى ظهور المعجزات الدالة وصحة ما جاء به . اهـ . أنظر كشف الران .
والله تعالى الموفّق بِمَنِّهِ إلى الصواب ، وإليه سبحانه المرجع والمآب .


<< الفصل السابق    الفصل التالي >>